Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Its commentaries

البحر الرائقIbn Nujaym

(قَوْلُهُ:، وَإِنْ أَقَرَّا أَوْ شَهِدَا بَعْدَ مُضِيِّ رِيحِهَا لَا لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ أَوْ وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ أَوْ تَقَيَّأَهَا أَوْ رَجَعَ عَمَّا أَقَرَّا وَأَقَرَّ سَكْرَانُ بِأَنْ زَالَ عَقْلُهُ لَا) أَيْ لَا يُحَدُّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا،

16,192

أَمَّا ثُبُوتُهُ بَعْدَ زَوَالِ رَائِحَتِهَا بِإِقْرَارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ فَلِلتَّقَادُمِ وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فَالتَّقَادُمُ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِالِاتِّفَاقِ غَيْرَ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالزَّمَانِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِحَدِّ الزِّنَا وَهَذَا لِأَنَّ التَّأْخِيرَ يَتَحَقَّقُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَالرَّائِحَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قِيلَ يَقُولُونَ لِي إنَّكَهُ شَرِبْت مُدَامَةً ... فَقُلْت لَهُمْ لَا بَلْ أَكَلْت السَّفَرْجَلَا وَعِنْدَهُمَا يُقَدَّرُ بِزَوَالِ الرَّائِحَةِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَلْتِلُوهُ وَمَزْمِزُوهُ وَاسْتَنْكِهُوهُ،

16,193

فَإِنْ وَجَدْتُمْ رَائِحَةَ الْخَمْرِ فَاجْلِدُوهُ وَلِأَنَّ قِيَامَ الْأَثَرِ مِنْ أَقْوَى دَلَالَةٍ عَلَى الْقُرْبِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّقْدِيرِ بِالزَّمَانِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اعْتِبَارِهِ، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الرَّوَائِحِ مُمْكِنٌ لِلْمُسْتَدِلِّ، وَإِنَّمَا يَشْتَبِهُ عَلَى الْجُهَّالِ،

16,194

وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَالتَّقَادُمُ لَا يُبْطِلُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي حَدِّ الزِّنَا عَلَى مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يُقَامُ الْحَدُّ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الرَّائِحَةِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الشُّرْبِ ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلَا إجْمَاعَ إلَّا بِرَأْيِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَدْ شَرَطَ قِيَامَ الرَّائِحَةِ عَلَى مَا رَوَيْنَا وَرَجَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ

16,195

فَقَالَ: وَالْمَذْهَبُ عِنْدِي فِي الْإِقْرَارِ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحُدُودِ إذَا جَاءَ صَاحِبُهَا مُقِرًّا بِهَا الرَّدُّ، وَالْإِعْرَاضُ وَعَدَمُ الِاسْتِمَاعِ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَقَرَّ مَاعِزٌ فَكَيْفَ يَأْمُرُ ابْنَ مَسْعُودٍ بِالتَّلْتَلَةِ، وَالْمَزْمَزَةِ، وَالِاسْتِنْكَاهِ حَتَّى يَظْهَرَ سُكْرُهُ

16,196

فَلَوْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي رَجُلٍ أَنَّهُ مُولَعٌ بِالشَّرَابِ مُدْمِنٌ فَاسْتَجَازَهُ لِذَلِكَ اهـ.

16,197

وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ هُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.

16,198

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَرْجَحُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَقَدَّمْنَا التَّفْصِيلَ فِي اشْتِرَاطِ وُجُودِ الرَّائِحَةِ وَأَنَّ الْمَسَافَةَ إذَا كَانَتْ بَعِيدَةً فَالشَّرْطُ وُجُودُهَا عِنْدَ التَّحَمُّلِ لَا الْأَدَاءِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ وَقَدَّمْنَا أَنَّ وُجُودَ الرَّائِحَةِ لَا بُدَّ مِنْهَا سَوَاءٌ كَانَ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَوْ سَكِرَ مِنْ نَبِيذٍ، وَقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ

note

وَأَشَارَ فِي الْهِدَايَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَأُخِذَ وَرِيحُهَا مَوْجُودَةٌ أَوْ جَاءُوا بِهِ وَهُوَ سَكْرَانُ وَثَانِيًا فَإِنْ أَخَذَهُ الشُّهُودُ وَرِيحُهَا تُوجَدُ أَوْ سَكْرَانَ وَكَوْنُهُ سَكْرَانَ مُغْنٍ عَنْ اشْتِرَاطِ وُجُودِ الرَّائِحَةِ إذْ لَا يُوجَدُ سَكْرَانُ بِغَيْرِ رَائِحَةِ مَا شَرِبَهُ،

16,199

وَأَمَّا إذَا وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ أَوْ تَقَيَّأَهَا فَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَرِبَهَا مُكْرَهًا أَوْ مُضْطَرًّا، وَالرَّائِحَةُ مُحْتَمَلَةٌ أَيْضًا فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالشَّكِّ

note

وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ سَكْرَانَ لَا يُحَدُّ مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ وَلَا بَيِّنَةٍ لِاحْتِمَالِ مَا ذَكَرْنَا وَلِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ الْمُبَاحِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ شَرِبَهَا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ قَاءَهَا لَمْ يُحَدَّ،

16,200

وَإِذَا شَرِبَ قَوْمٌ نَبِيذًا فَسَكِرَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ دُونَ الْبَعْضِ حُدَّ مَنْ سَكِرَ،

16,201

وَأَمَّا إذَا رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ فَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيُعْمَلُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ وَهَذَا لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فَصَارَتْ شُبْهَةً، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ،

16,202

وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ وَهُوَ سَكْرَانُ فَلِزِيَادَةِ احْتِمَالِ الْكَذِبِ فِي إقْرَارِهِ فَيُحْتَالُ لِلدَّرْءِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى

note

وَأَشَارَ إلَى أَنَّ كُلَّ حَدٍّ كَانَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ السَّكْرَانِ بِهِ،

16,203

وَإِنَّ مَا لَمْ يَكُنْ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِهِ كَحَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ، وَالسَّكْرَانُ فِيهِ كَالصَّاحِي عُقُوبَةً عَلَيْهِ كَمَا فِي سَائِر تَصَرُّفَاتِهِ.

16,204

وَالْحَاصِلُ أَنَّ إقْرَارَهُ بِالْحُدُودِ لَا يَصِحُّ إلَّا حَدُّ الْقَذْفِ وَإِقْرَارُهُ بِسَبَبِ الْقِصَاصِ وَسَائِرُ الْحُقُوقِ مِنْ الْمَالِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ الرُّجُوعَ وَلِذَا إذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ وَلَمْ يُقْطَعْ لِسُكْرِهِ أُخِذَ مِنْهُ الْمَالُ وَصَارَ ضَامِنًا لَهُ،

16,205

وَأَمَّا ارْتِدَادُهُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَلَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعَ السُّكْرِ

16,206

قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هَذَا فِي الْحُكْمِ

16,207

أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى،

16,208

فَإِنْ كَانَ فِي الْوَاقِعِ قَصَدَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ ذَاكِرًا لِمَعْنَاهُ كَفَرَ وَإِلَّا فَلَا وَفِي التَّبْيِينِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ارْتِدَادُهُ كُفْرٌ ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.

16,209

وَأَمَّا إذَا أَسْلَمَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ كَإِسْلَامِ الْمُكْرَهِ اهـ.

16,210

وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ إسْلَامَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَقَيَّدَ بِالْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالشُّرْبِ وَهُوَ سَكْرَانُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ

16,211

وَكَذَا بِالزِّنَا وَهُوَ سَكْرَانُ كَمَا إذَا زَنَى وَهُوَ سَكْرَانُ

16,212

وَكَذَا بِالسَّرِقَةِ وَهُوَ سَكْرَانُ وَيُحَدُّ بَعْدَ الصَّحْوِ وَيُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ لَا يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ فَيُعْتَبَرُ فِعْلُهُ فِيمَا يَنْفُذُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَاعْتِقَادٍ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا سَكِرَ مِنْ الْمُحَرَّمِ،

16,213

وَأَمَّا إذَا سَكِرَ بِالْمُبَاحِ كَشُرْبِ الْمُضْطَرِّ، وَالْمُكْرَهِ، وَالْمُتَّخَذُ مِنْ الْحُبُوبِ، وَالْعَسَلِ، وَالدَّوَاءِ، وَالْبَنْجِ فَلَا تُعْتَبَرُ تَصَرُّفَاتُهُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ،

16,214

وَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ بِالْبَنْجِ فَطَلَّقَ إنْ كَانَ حِينَ تَنَاوُلِهِ الْبَنْجَ عَلِمَ أَنَّهُ بَنْجٌ يَقَعْ الطَّلَاقُ،

16,215

وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَا يَقَعْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَقَعُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَنْجَ حَلَالٌ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ وَقَوْلُهُ بِأَنْ زَالَ عَقْلُهُ بَيَانُ حَدِّ السُّكْرِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ السَّكْرَانُ مِنْ النَّبِيذِ الَّذِي يُحَدُّ هُوَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مَنْطِقًا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا وَلَا يَعْقِلُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَلَا الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ وَقَالَا: هُوَ الَّذِي يَهْذِي وَيَخْتَلِطُ كَلَامُهُ غَالِبًا،

16,216

فَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ مُسْتَقِيمًا فَلَيْسَ بِسَكْرَانَ؛ لِأَنَّهُ السَّكْرَانُ فِي الْعُرْفِ وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَلَهُ أَنْ يُؤْخَذَ فِي أَسْبَابِ الْحُدُودِ بِأَقْصَاهَا دَرْءًا لِلْحَدِّ وَنِهَايَةُ السَّكْرَانِ يَغْلِبُ السُّرُورُ عَلَى الْعَقْلِ فَيَسْلُبُهُ الْمَيْزَ بَيْنَ شَيْءٍ وَشَيْءٍ وَمَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَعْرَى عَنْ شُبْهَةِ الصَّحْوِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقَدَحِ الْمُسْكِرِ فِي حَقِّ الْحُرْمَةِ مَا قَالَاهُ بِالْإِجْمَاعِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَبِقَوْلِهِمَا أَفْتَى الْمَشَايِخُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاخْتَارُوهُ لِلْفَتْوَى لِضَعْفِ دَلِيلِ الْإِمَامِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ مَنْ بَاتَ سَكْرَانًا بَاتَ عَرُوسًا لِلشَّيْطَانِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْتَسِلَ إذَا أَصْبَحَ فَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ السَّكْرَانَ مَنْ لَا يَحُسُّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُصْنَعُ بِهِ وَحَكَى أَنَّ أَئِمَّةَ بَلْخٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَقْرَأُ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ،

16,217

فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا فَلَيْسَ بِسَكْرَانَ حَتَّى يُحْكَى أَنَّ أَمِيرًا بِبَلْخٍ أَتَاهُ بَعْضُ الشُّرْطَى بِسُكُونِ الرَّاءِ بِسَكْرَانَ فَأَمَرَهُ الْأَمِيرُ أَنْ يَقْرَأَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} فَقَالَ السَّكْرَانُ لِلْأَمِيرِ اقْرَأْ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ أَوَّلًا فَلَمَّا قَالَ الْأَمِيرُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ: قِفْ فَقَدْ أَخْطَأْت مِنْ وَجْهَيْنِ تَرَكْت التَّعَوُّذَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ وَتَرَكْت التَّسْمِيَةَ وَهِيَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ وَالْقُرَّاءِ، فَخَجِلَ الْأَمِيرُ وَجَعَلَ يَضْرِبُ الشُّرْطِيَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ وَيَقُولُ: أَمَرْتُك أَنْ تَأْتِيَنِي بِالسَّكْرَانِ فَجِئْتنِي بِمُقْرِئِ بَلْخٍ.

اهـ.

وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِمَّنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ أَوْ كَانَ حَفِظَهَا فِيمَا حَفِظَ مِنْهُ لَا مَنْ لَمْ يَدْرُسْهَا أَصْلًا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى هَذَا بَلْ وَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ، فَإِنَّهُ طَرِيقُ سَمَاعِ تَبْدِيلِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ سَكْرَانَ إذَا قِيلَ لَهُ اقْرَأْ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} يَقُولُ لَا أُحْسِنُهَا الْآنَ بَلْ يَنْدَفِعُ قَارِئًا فَيُبَدِّلُهَا إلَى الْكُفْرِ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ أَحَدًا بِطَرِيقِ ذِكْرِ مَا هُوَ كُفْرٌ،

16,218

وَإِنْ لَمْ يُؤَاخَذَ بِهِ.

منحة الخالقIbn Abidin · a gloss on البحر الرائق

(قَوْلُهُ: غَيْرَ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالزَّمَانِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) أَيْ بِشَهْرٍ كَمَا قَدَّمَهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ

(قَوْلُهُ: وَتَلْتِلُوهُ وَمَزْمِزُوهُ) قَالَ فِي الْفَتْحِ الْمَزْمَزَةُ التَّحْرِيكُ بِعُنْفٍ وَالتَّرْتَرَةُ وَالتَّلْتَلَةُ التَّحْرِيكُ وَهُمَا بِتَاءَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْقٍ

(قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ وَأَشَارَ فِي الْهِدَايَةِ إلَخْ) أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ قَدْ يُزِيلُهَا السَّكْرَانُ بِاسْتِعْمَالِ شَيْءٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ السُّكْرِ وُجُودُ الرَّائِحَةِ ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ كَمَا ذَكَرْت حَيْثُ قَالَ بَعْدَ سَوْقِهِ عِبَارَةَ الْمُؤَلِّفِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ مَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْهِدَايَةِ لَا يُنَافِي مَا ادَّعَاهُ الزَّيْلَعِيُّ حَتَّى لَوْ ذَهَبَتْ الرِّيحُ بِالْمُعَالَجَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ مَعْزِيًّا لِلْمُحِيطِ وَهَذَا الَّذِي قَدْ فَهِمَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ هُوَ الظَّاهِرُ وَقَوْلُهُ إذْ لَا يُوجَدُ سَكْرَانُ إلَخْ غَيْرُ مُسْلِمٍ لِمَا عَلِمْت مِنْ عَدَمِ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا

(قَوْلُهُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَنْجَ حَلَالٌ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَا وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا سَكِرَ مِنْهُ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَوْ سَكِرَ مِنْ نَبِيذِ الْعَسَلِ أَوْ الذُّرَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَوْ مِنْ الْبَنْجِ أَوْ لَبَنِ الرِّمَاكِ لَمْ يُحَدَّ ثُمَّ قَالَ وَفِي جَامِعِ الْجَوَامِعِ وَجَدْت بِخَطِّ شَيْخِي فِي زَمَانِنَا الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ مَنْ سَكِرَ مِنْ الْبَنْجِ يُحَدَّ اهـ.

5,958

وَمِثْلُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ النِّهَايَةِ وَفِي الْعِنَايَةِ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّكْرَ الْحَاصِلَ مِنْ الْبَنْجِ حَرَامٌ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَنْجَ مُبَاحٌ وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا. اهـ. .

5,959

وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْمُؤَلِّفِ تَصْحِيحُ الْحِلِّ وَيُخَالِفُهُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّنْوِيرِ مِنْ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ بِحُرْمَتِهِ،

5,960

وَنَصُّهُ: وَيَحْرُمُ أَكْلُ الْبَنْجِ وَالْحَشِيشَةِ وَالْأَفْيُونِ لَكِنْ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ. اهـ.

قُلْت التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ بِمَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ آخِرَ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ وَنَصُّهُ أَنَّ الْبَنْجَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقَتِّ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعَقْلَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى

5,961

بِخِلَافِ نَوْعٍ آخَرَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ كَالْأَفْرِيتِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ اخْتَلَّ الْعَقْلُ لَكِنَّهُ لَا يُزِيلُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ إبَاحَةِ الْبَنْجِ كَمَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ

(قَوْلُهُ: وَمَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَعْرَى عَنْ شُبْهَةِ الصَّحْوِ) أَيْ فَيَنْدَرِئُ بِهِ الْحَدُّ

5,962

قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَلِهَذَا وَافَقَهُمَا فِي السُّكْرِ الَّذِي يَحْرُمُ عِنْدَهُ الْقَدَحُ الْمُسْكِرُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ هُوَ اخْتِلَاطُ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ النِّهَايَةِ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ يُوجَدُ بِالِاخْتِلَاطِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقَدَحِ السُّكْرُ فِي حَقِّ الْحُرْمَةِ مَا قَالَاهُ بِالْإِجْمَاعِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اعْتَقَدَ حُرْمَةَ الْقَدَحِ الَّذِي يَلْزَمُ الْهَذَيَانُ وَاخْتِلَاطُ الْكَلَامِ عِنْدَهُ يَمْتَنِعُ عَنْهُ فَلَمَّا امْتَنَعَ وَهُوَ الْأَدْنَى فِي حَدِّ السُّكْرِ كَانَ مُمْتَنِعًا عَنْ الْأَعْلَى فِيهِ وَهُوَ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ)

النهر الفائق'Umar Ibn Nujaym

(وإن أقر) بالشرب أو السكر (أو شهدا) عيه بذلك يعني (بعد مضي ريحها) أي: ريح المسكر (لا لبعد المسافة) قيد بذلك لأن التأخير لو كان لعذر البعد وشهدا كما مر حد (أو وجد منه رائحة الخمر) ولم يثبت شربه كما مر (أو تقيأها) أي: الخمر (أو رجع) المقر بالسكر أو شرب الخمر (عما أقر) به (أو أقر) وهو (سكران) وفسره بقوله [٣٠٥/ب] (بأن زال / عقله) بحيث لا يميز الأنثى من الذكر ولا السماء من الأرض، وهذا عند الإمام وقالا: هو الذي يهذي ويخلط كلامه غالبا وبه أفتى المشايخ كما في (الخانية) .

واتفق أئمة بلخ على أنه يستقرأ سورة من القرآن فإن قرأها فليس بسكران فيعتبر إقراره، حتى حكى أمير بلخ أتاه الشرطي بسكران فأمره بقراءة:{قل يا أيها الكافرون} فقال للأمير: اقرأ أنت الفاتحة أولا فلما قرأ {الحمد لله رب العالمين} قال: قف فقد أخطأت مرتين تركت التعوذ والتسمية وهي آية من الفاتحة عند بعض العلماء، فخجل وضرب الشرطي قائلا أمرتك أن تأتيني بالسكران فجئتني بمقرئ بلخ، كذا في (الظهيرية) .

وأصل ما روى بشر عن أبي يوسف من اعتبار السكر بقراءة {قل يا أيها لا.

الكافرون} قال بشر: فقلت له كيف أمرت بها من بين السور؟ فربما يخطئ فيها العاقل الصاحي قال: لأن الله سبحانه وتعالى بين أن الذي عجز عن قراءتها سكران يعني بذلك ما في الترمذي عن علي (صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما وسقانا خمرا فأخذت الخمرة بنا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون) فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} (النساء: ٤٣) ولا شك أن المراد لمن يحفظ القرآن أو كان حفظها مما حفظ منه لا من لم يدر شيئا أصلا ولا ينبغي أن يعول على هذا بل ولا يعتبر فإنه طريق سماع تبديل كلام الله تعالى فإنه ليس كل سكران إذا أمر بقراءتها يقول: لا أحسنها بل يندفع قارئا فيبدل إلى الكفر ولا ينبغي أن يلزم أحد بطريق ذكر ما هو كفر وإن لم يؤاخذ به نعم لو تعين طريق الإقامة حكم الله تعالى لكن ليس كذلك فإن معرفة السكر له طريق معلوم هي ما ذكرنا في (الفتح) ملخصا (لا) أي: لا يحد في هذه الصور،

6,895

أما إذا ثبت عليه بعد زوال الرائحة فللتقادم إذ هو مقدر بزوال الرائحة عندهما، وقدره محمد بشهر حيث ثبت بالبينة وإن أقر به صح عنده مطلقا اعتبارا بحد الزنا.

وانتصر في (فتح القدير) لمحمد قال: وهو الصحيح،

6,896

وفي (غاية البيان) الصحيح عندي في الإقرار قول محمد: وأما إذا وجد منه رائحة الخمر أو تقايأها فلأن الرائحة محتملة فلا يثبت مع الاحتمال ما يندرئ بالشبهات،

6,897

وكذا الشرب قد يكون عن إكراه فوجود عينها في القيء لا يدل على الطواعية

6,898

فلو وجب الحد وجب بلا موجب،

6,899

وأما إذا رجع الإقرار فلأنه خالص حق الله تعالى فيقبل حق الرجوع فيه كسائر الحدود،

6,900

وأما إذا أقر وهو سكران فلأنه يحتمل الكذب فيحتال لدرئه ودل كلامه أن إقراره حال السكر بالحدود الخالصة غير صحيح،

6,901

أما غير الخالصة كحد القذف فيصح، وعرف من هذا إن إقراره بحقوق العباد الخالصة كالقصاص والأموال والطلاق والعتاق صحيح بالأولى، ولهذا لو أقر بالسرقة أخذ منه المال ولم يقطع وقالوا: إن ارتداده غير صحيح لأنه من باب الاعتقاد فلا يتحقق مع السكر.

6,902

قال في (الفتح) : هذا في حق الحكم

6,903

أما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان في الواقع قصد أن يتكلم به ذاكرا لمعناه كفر وإلا فلا انتهى. وهذا يشكل على تفسير الإمام السكران بزائل العقل وجوابه ما صرح به بعد من أن هذا في السكران الذي لم وجد السكر والخمر ولو شرب قطرة ثمانون سوطا.

يصل إلى إفضاء السكر إذا تكلم بما هو كفر فإن كان عن غير قصد فليس بكافر عند الله ولا في الحكم وإن كان مدركا لها قاصدا مستحضرا معناها فإنه كافر عند الله بطريق تكفير إذ الهازل وإن لم يحكم بكفره في القضاء لأن القاضي لا يدري من حاله إلا أنه سكران ولا يحكم بكفره ولو أسلم.

قال الشارح: ينبغي أن يصح كإسلام المكره وجزم في (فتح القدير) بأنه لا يصح هذا إذا سكر من محرم فإذا سكر من مباح كما إذا شرب من المحتد من الحبوب والعسل والدواء أو كان مضطرا أو مكرها فتصرفاته غير صحيحة،

6,904

وفي (الخانية) لو زال عقله بالبنج فطلق لا يقع طلاقه هو الصحيح سواء علم حين تناوله أنه بنج أو لا.

6,905

قال في (البحر) : وهذا يدل على أن البنج حلال انتهى. والتحقيق ما في (العناية) أن المسكر منه حرام نص عليه المحبوبي،

تبيين الحقائقal-Zayla'i

(فَإِنْ أَقَرَّ أَوْ شَهِدَا بَعْدَ مُضِيِّ رِيحِهَا لَا لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ أَوْ وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ أَوْ تَقَيَّأَهَا أَوْ رَجَعَ عَمَّا أَقَرَّ أَوْ أَقَرَّ سَكْرَانٌ بِأَنْ زَالَ عَقْلُهُ لَا) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا

5,528

أَمَّا إذَا أَقَرَّ بَعْدَ ذَهَابِ رَائِحَتِهَا أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ الشَّاهِدَانِ بِذَلِكَ فَلِلتَّقَادُمِ وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ وَهُوَ زَوَالُ الرَّائِحَةِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ التَّقَادُمَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ كَمَا فِي الزِّنَا وَغَيْرِهِ مِنْ الْحُدُودِ وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ يَصِحُّ مُطْلَقًا وَلَا يَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ اعْتِبَارًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحُدُودِ وَهَذَا لِأَنَّ التَّأْخِيرَ يَتَحَقَّقُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَالرَّائِحَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ يَقُولُونَ لِي انْكَهْ شَرِبْت مُدَامَةً ...

فَقُلْتُ لَهُمْ لَا بَلْ أَكَلْتُ السَّفَرْجَلَا وَلَهُمَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ تَلْتِلُوهُ وَمَزْمِزُوهُ ثُمَّ اسْتَنْكَهُوهُ فَإِنْ وَجَدْتُمْ رَائِحَةَ الْخَمْرِ فَاجْلِدُوهُ وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ بَعْدَمَا ذَهَبَتْ رَائِحَتُهَا وَاعْتَرَفَ بِهِ فَعَزَّرَهُ وَلَمْ يَحُدَّهُ وَلَا يُقَالُ هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِنَفْيِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ وَهُوَ فَاسِدٌ وَلِأَنَّا نَقُولُ لَا بَلْ هُوَ اسْتِدْلَالٌ بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ ثُبُوتَ هَذَا الْحَدِّ كَانَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَكَانَ إجْمَاعُهُمْ بِرَأْيِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَقَدْ شَرَطَا فِيهِ الرَّائِحَةَ وَلَا إجْمَاعَ عِنْدَ عَدَمِ الرَّائِحَةِ وَمُطْلَقُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» مَخْصُوصٌ بِالْمُضْطَرِّ وَالْمُكْرَهِ فَجَازَ تَخْصِيصُهُ أَيْضًا بِإِجْمَاعِهِمْ وَلِأَنَّ قِيَامَ الْأَثَرِ مِنْ أَقْوَى دَلَائِلِهِ عَلَى الْقُرْبِ فَيُقَدَّرُ بِهِ

5,529

بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْحُدُودِ لِعَدَمِ الْأَثَرِ فِيهَا فَيَتَعَذَّرُ اعْتِبَارُهُ وَالتَّمْيِيزُ مُمْكِنٌ لِمَنْ يَعْرِفُ وَإِنَّمَا يُشْتَبَهُ عَلَى الْجُهَّالِ وَكَوْنُهُ مُقِرًّا لَا يُنَافِي التَّأْكِيدَ بِاشْتِرَاطِ الرَّائِحَةِ كَمَا لَا يُنَافِي التَّأْكِيدَ فِي الزِّنَا بِاشْتِرَاطِ التَّكْرَارِ ثُمَّ الرَّائِحَةُ يُشْتَرَطُ وُجُودُهَا عِنْدَ التَّحَمُّلِ حَتَّى لَوْ أَخَذُوهُ وَرِيحُهَا يُوجَدُ فِيهِ ثُمَّ انْقَطَعَتْ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا بِهِ إلَى الْإِمَامِ لِبُعْدِ مَسَافَةٍ يَجِبُ الْحَدُّ وَمِنْهُ احْتِرَازٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَ مُضِيِّ رِيحِهَا لَا لِبُعْدِ مَسَافَةٍ وَلَوْ جَاءُوا بِهِ سَكْرَانًا يُشْتَرَطُ فِيهِ وُجُودُ الرَّائِحَةِ لِمَا ذَكَرْنَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ

note

وَأَشَارَ فِي الْهِدَايَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ

5,530

وَأَمَّا إذَا وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ أَوْ تَقَيَّأَهَا فَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَرِبَهَا مُكْرَهًا أَوْ مُضْطَرًّا وَالرَّائِحَةُ مُحْتَمَلَةٌ أَيْضًا فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالشَّكِّ

5,531

وَكَذَا إذَا وُجِدَ سَكْرَانًا لَا يُحَدُّ لِاحْتِمَالِ مَا ذَكَرْنَا وَلِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ الْمُبَاحِ

5,532

وَأَمَّا إذَا رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ فَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَعْمَلُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ وَهَذَا وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فَصَارَ شُبْهَةً وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِهَا

5,533

وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ وَهُوَ سَكْرَانٌ فَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ وَفِي إقْرَارِهِ زِيَادَةُ الِاحْتِمَالِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً فَلَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ مِثْلَ الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا إلَّا أَنَّهُ يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي السَّرِقَةِ فِي حَقِّ الْمَالِ وَلِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَلِأَنَّ السَّكْرَانَ لَا يَكَادُ يَثْبُتُ عَلَى شَيْءٍ فَأُقِيمَ السُّكْرُ مَقَامَ الرُّجُوعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ

5,534

بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِحَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ وَبِخِلَافِ مَا إذَا زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ فِي حَالَةِ السُّكْرِ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ لَا يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ فَيُعْتَبَرُ فِعْلُهُ فِيمَا يَنْفُذُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَاعْتِقَادٍ

5,535

بِخِلَافِ ارْتِدَادِهِ حَيْثُ لَا يُعْتَبَرُ وَلَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ بِهِ لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَالِاعْتِقَادِ وَهُوَ شَرْطٌ فِيهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ارْتِدَادُهُ كُفْرٌ ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَوْ أَسْلَمَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ كَإِسْلَامِ الْمُكْرَهِ وَهَذَا إذَا سَكِرَ بِالْمُحَرَّمِ

5,536

وَأَمَّا إذَا سَكِرَ بِالْمُبَاحِ كَشُرْبِ الْمُضْطَرِّ وَالْمُكْرَهِ وَالْمُتَّخَذِ مِنْ الْحُبُوبِ وَالْعَسَلِ وَالدَّوَاءِ فَلَا تُعْتَبَرُ تَصَرُّفَاتُهُ كُلُّهَا وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ ثُمَّ بَيَّنَ حَدَّ السَّكْرَانِ بِقَوْلِهِ بِأَنْ زَالَ عَقْلُهُ وَهُوَ أَنْ لَا يَعْرِفَ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَا الرِّجَالَ مِنْ النِّسَاءِ وَلَا يَعْرِفَ شَيْئًا وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَا هُوَ مَنْ يَهْذِي وَيَخْلِطُ جَدَّهُ بِهَزْلِهِ وَلِأَنَّهُ هُوَ السَّكْرَانُ فِي الْعُرْفِ أَلَا تَرَى إلَى مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ إذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَحَدُّ الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ سَوْطًا وَلَهُ أَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ فَتُعْتَبَرُ النِّهَايَةُ فِي سَبَبِهِ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ وَنِهَايَةُ السُّكْرِ أَنْ يَغْلِبَ السُّرُورُ عَلَى الْعَقْلِ فَيَسْلُبَ التَّمْيِيزَ أَصْلًا وَمَا دُونَهُ لَا يَخْلُو عَنْ شُبْهَةِ الصَّحْوِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} عَبَّرَ عَنْ الصَّحْوِ بِعِلْمِ مَا يَقُولُونَ فَكَانَ السُّكْرُ ضِدَّهُ وَهُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِمَا يَقُولُونَ وَعَلَى قَوْلِهِمَا أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَالْمُعْتَبَرُ الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ فِي حَقِّ الْحُرْمَةِ مَا قَالَاهُ بِالِاتِّفَاقِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْحُرُمَاتِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمُعْتَبَرُ ظُهُورُ أَثَرِ السُّكْرِ فِي مَشْيِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَأَطْرَافِهِ وَهَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ فَإِنَّ الصَّاحِيَ رُبَّمَا يَتَمَايَلُ فِي مَشْيِهِ وَالسَّكْرَانَ قَدْ لَا يَتَمَايَلُ وَيَمْشِي مُسْتَقِيمًا.

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيal-Shalabi · a gloss on تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ أَوْ شَهِدَا بَعْدَ) بَعْدُ ظَرْفٌ لِلْفِعْلَيْنِ قَبْلَهُ. اهـ.

(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ التَّقَادُمُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ) اعْلَمْ أَنَّ التَّقَادُمَ فِي الْحُدُودِ إلَّا فِي حَدِّ الْقَذْفِ مَانِعٌ عَنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ بِالِاتِّفَاقِ إلَّا أَنَّ فِي تَقْدِيرِهِ اخْتِلَافًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِشَهْرٍ هَذَا فِي غَيْرِ حَدِّ الشُّرْبِ وَقَدَّرَ مُحَمَّدٌ فِيهِ أَيْضًا كَمَا فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ بِشَهْرٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

(قَوْلُهُ كَمَا فِي الزِّنَا وَغَيْرِهِ) أَيْ لِأَنَّ وُجُودَ الرَّائِحَةِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا وَلِأَنَّهُ قَدْ تُوجَدُ رَائِحَتُهُ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ وَقَدْ يُتَكَلَّفُ لِزَوَالِ الرَّائِحَةِ مَعَ بَقَاءِ الْخَمْرِ فِي الْبَطْنِ. اهـ. رَازِيٌّ

(قَوْلُهُ وَلَا يَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ

4,705

أَمَّا الْإِقْرَارُ بِالشُّرْبِ فَالتَّقَادُمُ لَا يُبْطِلُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا لَا يُبْطِلُهُ فِي حَدِّ الزِّنَا بِالِاتِّفَاقِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يُبْطِلُهُ التَّقَادُمُ كَمَا تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ وَالْقِيَاسُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُتَّهَمُ فِي الشَّهَادَةِ بَعْدَ تَطَاوُلِ الْعَهْدِ وَذُكِرَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ هَذَا عَظِيمٌ عِنْدِي مِنْ الْقَوْلِ أَنْ يَبْطُلَ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ وَأَنَا أُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ عَامًا أَنَّهُ كَانَ شَرِبَ النَّبِيذَ وَسَكِرَ تَقَادَمَ أَوْ لَمْ يَتَقَادَمْ وُجِدَ رِيحُهَا أَوْ لَمْ يُوجَدْ وَلَهُمَا أَنَّ حَدَّ الشُّرْبِ ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَلَا يَصِحُّ إجْمَاعُهُمْ بِدُونِ رَأْيِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ اعْتَبَرَ هُوَ قِيَامَ الرَّائِحَةِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ فَإِنْ قُلْت الشَّرْطُ يُوجِبُ وُجُودَ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهِ وَلَا يُوجِبُ الْعَدَمَ عِنْدَ عَدَمِهِ قُلْت عَدَمُ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الرَّائِحَةِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ أَوْجَبَ عَدَمَ الْحُكْمِ بَلْ لِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْحَدِّ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَلِأَنَّ إجْمَاعَهُمْ لَا يَصِحُّ بِدُونِ رَأْيِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ لَمْ يَرَ الْحَدَّ عِنْدَ انْقِطَاعِ الرَّائِحَةِ

4,706

وَالْمَذْهَبُ عِنْدِي فِي الْإِقْرَارِ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ لِمَا بَيَّنَّا وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنْكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحُدُودِ إذَا جَاءَ صَاحِبُهَا مُقِرًّا بِهَا الرَّدُّ وَالْإِعْرَاضُ وَعَدَمُ الِاسْتِمَاعِ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَقَرَّ مَاعِزٌ فَكَيْفَ يَأْمُرُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِالتَّلْتَلَةِ وَالْمَزْمَزَةِ وَالِاسْتِنْكَاهِ حَتَّى يَظْهَرَ سُكْرُهُ

4,707

فَلَوْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي رَجُلٍ مُولَعٍ بِالشَّرَابِ مُدْمِنٍ فَاسْتَجَازَهُ لِذَلِكَ. اهـ. وَرَجَّحَ الْكَمَالُ أَيْضًا قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَقَالَ فَقَوْلُ مُحَمَّدٍ هُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.

(قَوْلُهُ وَالرَّائِحَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ) قَالَ الْكَمَالُ فَالتَّقَادُمُ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِالِاتِّفَاقِ غَيْرَ أَنَّهُ أَيْ هَذَا التَّقَادُمَ مُقَدَّرٌ بِالزَّمَانِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِحَدِّ الزِّنَا أَنَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ أَوْ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي أَوْ شَهْرٌ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَهَذَا لِأَنَّ التَّأْخِيرَ يَتَحَقَّقُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ بِلَا شَكٍّ

4,708

بِخِلَافِ الرَّائِحَةِ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قِيلَ يَقُولُونَ لِي انْكَهْ شَرِبْت مُدَامَةً ... فَقُلْت لَهُمْ لَا بَلْ أَكَلْت السَّفَرْجَلَا وَانْكَهْ بِوَزْنِ امْنَعْ وَنَكِهَ مِنْ بَابِهِ أَيْ أَظْهَرَ رَائِحَةَ فَمِهِ فَظَهَرَ أَنَّ رَائِحَةَ الْخَمْرِ مِمَّا تَلْتَبِسُ بِغَيْرِهَا فَلَا يُنَاطُ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ بِوُجُودِهَا وَلَا بِذَهَابِهَا وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا لَا تَلْتَبِسُ عَلَى ذَوِي الْمَعْرِفَةِ فَلَا مُوجِبَ لِتَقْيِيدِ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَةِ بِوُجُودِهَا وَلِأَنَّ الْمَعْقُولَ تَقَيُّدُ قَبُولِهَا بِعَدَمِ التُّهْمَةِ وَالتُّهْمَةُ لَا تَتَحَقَّقُ فِي الشَّهَادَةِ بِسَبَبِ وُقُوعِهَا بَعْدَ ذَهَابِ الرَّائِحَةِ بَلْ بِسَبَبِ تَأْخِيرِ الْأَدَاءِ تَأْخِيرًا يُعَدُّ تَفْرِيطًا وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي تَقْدِيرِ يَوْمٍ وَنَحْوِهِ وَبِهِ تَذْهَبُ الرَّائِحَةُ أَجَابَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ قِيَامِ الرَّائِحَةِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ عُرِفَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي حَامِدٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ بِابْنِ أَخٍ لَهُ سَكْرَانَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ تَرْتَرُوهُ وَمَزْمِزُوهُ وَاسْتَنْكِهُوهُ فَفَعَلُوا فَرَفَعَهُ إلَى السِّجْنِ ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ وَدَعَا بِسَوْطٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَدُقَّتْ ثَمَرَتُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ حَتَّى صَارَتْ دِرَّةً ثُمَّ قَالَ لِلْجَلَّادِ اجْلِدْ وَارْجِعْ يَدَك وَأَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَدُفِعَ بِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ كَوْنُ الشَّهَادَةِ لَا يُعْمَلُ بِهَا إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الرَّائِحَةِ وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ فِيهِ شَهَادَةٌ مُنِعَ مِنْ الْعَمَلِ بِهَا لِقِيَامِ الرَّائِحَةِ وَقْتَ أَدَائِهَا بَلْ وَلَا إقْرَارٌ إنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ حَدَّهُ بِظُهُورِ الرَّائِحَةِ بِالتَّرْتَرَةِ وَالْمَزْمَزَةِ وَالتَّحْرِيكِ بِعُنْفٍ وَالتَّرْتَرَةُ وَالتَّلْتَلَةُ التَّحْرِيكُ وَهُمَا بِتَاءَيْنِ مَنْقُوطَتَيْنِ مِنْ فَوْقٍ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ لِأَنَّ بِالتَّحْرِيكِ تَظْهَرُ الرَّائِحَةُ مِنْ الْمَعِدَةِ الَّتِي كَانَتْ خَفِيَتْ وَكَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ فَقَالَ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَاَللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَحْسَنْت فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إذْ وَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ فَقَالَ أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتُكَذِّبُ الْكِتَابَ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ ضَرَبَ رَجُلًا وَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ وَفِيهِ لَفْظُ رِيحِ شَرَابٍ

4,709

وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدَّهُ عِنْدَ وُجُودِ الرَّائِحَةِ مَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ لَا يَسْتَلْزِمُ اشْتِرَاطَ الرَّائِحَةِ مَعَ أَحَدِهِمَا ثُمَّ هُوَ مَذْهَبٌ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ

4,710

وَالْأَصَحُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ نَفْيُهُ وَمَا ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ يُعَارِضُ مَا ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ عَزَّرَ مَنْ وَجَدَ مِنْهُ الرَّائِحَةَ وَيَتَرَجَّحُ وَلِأَنَّهُ أَصَحُّ اهـ مَعَ حَذْفٍ

(قَوْلُهُ يَقُولُونَ لِي انْكَهْ شَرِبْت مُدَامَةً الْبَيْتَ) يُرْوَى بِكَلِمَةِ قَدْ وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُغْرِبِ وَبِدُونِهَا وَهِيَ رِوَايَةُ الْفُقَهَاءِ فَعَلَى الْأَوَّلِ تَسْقُطُ الْهَمْزَةُ لِلْوَصْلِ مِنْ انْكَهْ فِي اللَّفْظِ وَعَلَى الثَّانِي تُحَرَّكُ بِالْكَسْرِ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ

4,711

وَيَجُوزُ تَحْرِيكُ هَمْزَةِ الْوَصْلِ فِي الْحَشْوِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

(قَوْلُهُ وَمُطْلَقُ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ. اهـ.

(قَوْلُهُ وَالتَّمْيِيزُ مُمْكِنٌ) أَيْ بَيْنَ الرَّوَائِحِ. اهـ.

(قَوْلُهُ لِبُعْدِ مَسَافَةٍ يَجِبُ الْحَدُّ) أَيْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَلَا يَكُونُ التَّقَادُمُ مَانِعًا عَنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الشَّهَادَةِ حِينَئِذٍ عَنْ عُذْرٍ فَلَا يُتَّهَمُونَ فِي التَّأْخِيرِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ إذَا أَخَّرُوا الشَّهَادَةَ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ فَكَذَا هُنَا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

(قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ وَهُوَ سَكْرَانٌ) اعْلَمْ أَنَّ السَّكْرَانَ إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ لَا يُؤْخَذُ بِهِ إلَّا حَدَّ الْقَذْفِ بَيَانُهُ أَنَّ السَّكْرَانَ إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى نَحْوَ حَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا أَقَرَّ وَلَا يُحَدُّ لِأَنَّ كَلَامَهُ هَذَيَانٌ يُحْتَمَلُ الْكَذِبُ وَمَعَ احْتِمَالِ الْكَذِبِ لَا يُحَدُّ لِأَنَّ الْحُدُودَ يُحْتَالُ لِدَرْئِهَا لَا لِإِثْبَاتِهَا إلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمَسْرُوقَ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ وَلَوْ أَقَرَّ بِحَدٍّ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ كَحَدِّ الْقَذْفِ أَوْ أَقَرَّ بِقِصَاصٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بِطَلَاقٍ أَوْ بِعَتَاقٍ صَحَّ إقْرَارُهُ إلَّا أَنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ إذَا صَحَّا وَهَذَا لِأَنَّهُ يُؤَاخَذُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ حَقُّ الْعَبْدِ وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَلَا يُقَامُ بِدُونِ دَعْوَى الْمَقْذُوفِ.

اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ وَهَذَا

4,712

بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ وَالسَّكْرَانُ كَالصَّاحِي فِيمَا فِيهِ حُقُوقُ الْعِبَادِ عُقُوبَةً عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْآفَةَ عَلَى نَفْسِهِ فَإِذَا أَقَرَّ بِالْقَذْفِ سَكْرَانًا حُبِسَ حَتَّى يَصْحُوَ فَيُحَدَّ لِلْقَذْفِ ثُمَّ يُحْبَسَ حَتَّى يَخِفَّ عَنْهُ الضَّرْبُ فَيُحَدَّ لِلسُّكْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْقَذْفِ سَكْرَانًا وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِالسُّكْرِ مِنْ الْأَنْبِذَةِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْ مُطْلَقًا عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَدِّ بِالسُّكْرِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُبَاحَةِ وَإِلَّا فَبِمُجَرَّدِ سُكْرِهِ لَا يُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ بِالسُّكْرِ. اهـ.

(قَوْلُهُ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ) أَيْ بَعْدَ الصَّحْوِ. اهـ. كَاكِيٌّ

(قَوْلُهُ وَلَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ) قَالَ الْكَمَالُ وَلِأَنَّ الْكُفْرَ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادِ أَوْ الِاسْتِخْفَافِ وَبِاعْتِبَارِ الِاسْتِخْفَافِ حُكِمَ بِكُفْرِ الْهَازِلِ مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِهِ لِمَا يَقُولُ وَلَا اعْتِقَادَ لِلسَّكْرَانِ وَلَا اسْتِخْفَافَ لِأَنَّهُمَا

4,713

فَرْعُ قِيَامِ الْإِدْرَاكِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ السَّكْرَانَ الَّذِي لَا تَبِينُ امْرَأَتُهُ هُوَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مَنْطِقًا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي حَدِّهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَقَوْلِهِمَا وَلِهَذَا لَمْ يُنْقَلْ خِلَافٌ. اهـ.

(قَوْلُهُ فَتُعْتَبَرُ النِّهَايَةُ فِي سَبَبِهِ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ) أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الزِّنَا تُعْتَبَرُ الْمُخَالَطَةُ كَالْمَيْلِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَفِي السَّرِقَةِ يُعْتَبَرُ الْأَخْذُ مِنْ الْحِرْزِ التَّامِّ فَكَذَا هُنَا اُعْتُبِرَ أَقْصَى غَايَاتِ السُّكْرِ وَهُوَ أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغًا لَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ وَالرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَإِذَا لَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ مِنْ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَا يُحَدُّ وَلِأَنَّ السُّكْرَ نَاقِصٌ وَفِي النَّقْصِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ

4,714

بِخِلَافِ الْخَمْرِ حَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا السُّكْرُ أَصْلًا وَلِأَنَّ حُرْمَتَهَا قَطْعِيَّةٌ لَا اجْتِهَادِيَّةٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

(قَوْلُهُ وَعَلَى قَوْلِهِمَا أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ) قَالَ الْكَمَالُ وَإِنَّمَا اخْتَارُوا لِلْفَتْوَى قَوْلَهُمَا لِضَعْفِ وَجْهِ قَوْلِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ حَيْثُ قَالَ يُؤْخَذُ فِي أَسْبَابِ الْحُدُودِ بِأَقْصَاهَا فَقَدْ سَلَّمَ أَنَّ السُّكْرَ يَتَحَقَّقُ قَبْلَ الْحَالَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا وَأَنَّهُ تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ هِيَ سُكْرٌ. اهـ.

(قَوْلُهُ وَيَمْشِي مُسْتَقِيمًا) أَيْ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِهِ. اهـ. هِدَايَةٌ.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.