ولو أحال بماله عند زيدٍ وديعةً صحّت،
Its commentaries
(وَلَوْ أَحَالَهُ بِمَا لَهُ عِنْدَ زَيْدٍ وَدِيعَةً صَحَّتْ فَإِنْ هَلَكَتْ بَرِئَ) بَيَانٌ لِلْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ،
وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا نَوْعَانِ مُطْلَقَةٌ وَمُقَيَّدَةٌ فَالْمُقَيَّدَةُ أَنْ يُقَيِّدَهَا بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ عَيْنٍ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً أَوْ غَصْبٍ أَوْ نَحْوِهِ وَالْمُطْلَقَةُ أَنْ يُرْسِلَهَا إرْسَالًا وَلَا يُقَيِّدُهَا بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ عِنْدَهُ عَيْنٌ لَهُ أَوْ لَا بِأَنْ قَبِلَهَا مُتَبَرِّعًا، وَالْكُلُّ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمُقَيَّدَةِ وَكِيلٌ فِي الدَّفْعِ وَفِي الْمُطْلَقَةِ مُتَبَرِّعٌ، وَحُكْمُ الْمُطْلَقَةِ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ حَقُّ الْمُحِيلِ مِنْ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ وَلِلْمُحَالِ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ بَعْدَ أَدَائِهِ إنْ كَانَتْ بِرِضَاهُ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فِي حَقِّ الْمُحِيلِ تَأَجَّلَ فِي حَقُّ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ بِمَوْتِ الْمُحِيلِ وَيَحِلُّ بِمَوْتِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ الْمُقَيَّدَةِ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمُحِيلُ مُطَالَبَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمَا أَحَالَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ الْعَيْنِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُحْتَالِ عَلَى مِثَالِ الرَّاهِنِ
بِخِلَافِ الْمُطْلَقَةِ فَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ بِأَخْذِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْنِ
بِخِلَافِ الْمُقَيَّدَةِ، وَقَدَّمْنَا حُكْمَ إبْرَاءِ الْمُحْتَالِ وَهِبَتِهِ وَإِرْثِهِ وَلَوْ مَاتَ الْمُحِيلُ قَبْلَ قَبْضِ الْمُحْتَالِ كَانَ الدَّيْنُ وَالْعَيْنُ الْمُحَالُ بِهِمَا بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالْحِصَصِ لِكَوْنِهِ مَالَ الْمُحِيلِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ لَمْ يَمْلِكْهُ بِهَا لِلُزُومِ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِهَا دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ دَيْنِ الْمُحِيلِ.
وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِيمَا سَلَفَ وَسَيَأْتِي حُكْمُ مَا إذَا قَبَضَهُ الْمُحْتَالُ بِهِ بَعْدَ مَرَضِ الْمُحِيلِ
بِخِلَافِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ عَلَيْهِ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ فَاخْتَصَّ بِهِ الْمُرْتَهِنُ بَعْدَ مَوْتِ الرَّاهِنِ مَدْيُونًا
بِخِلَافِ الْمُطْلَقَةِ لِبَرَاءَةِ الْمُحِيلِ، وَصَارَ الْمُحْتَالُ مِنْ غُرَمَاءِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَإِذَا قُسِمَ الدَّيْنُ بَيْنَ غُرَمَاءِ الْمُحِيلِ لَا يَرْجِعُ الْمُحْتَالُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِحِصَّةِ الْغُرَمَاءِ لِاسْتِحْقَاقِ الدَّيْنِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِمْ بِقِسْمَتِهِ بَيْنَ غُرَمَاءِ الْمُحِيلِ أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ أَيْضًا بِمَعْنَى أَنَّ لَهُمْ الْمُطَالَبَةَ بِهِ دُونَ الْمُحْتَالِ فَيُضَمُّ إلَى تَرِكَتِهِ وَلَمْ أَرَهُ الْآنَ، وَالْمُرَادُ بِالْبَرَاءَةِ فِي قَوْلِهِ بَرِئَ بُطْلَانُ الْحَوَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُودِعَ كَمَا قَدَّمْنَا وَكِيلٌ فِي دَفْعِهَا فَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ أَوْ الْمُرَادُ الْبَرَاءَةُ عَنْ الْمُطَالَبَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَهَلَاكُهَا بِقَوْلِ الْمُودِعِ وَلِذَا
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ الْمُودِعُ ضَاعَتْ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ اهـ.
وَلَوْ لَمْ يُعْطِ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْوَدِيعَةَ، وَإِنَّمَا قَضَى مِنْ مَالِهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا قِيَاسًا لَا اسْتِحْسَانًا، وَقَدْ مَرَّتْ فِي الْوَكَالَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَبَرِّعًا وَلَهُ أَنْ يُشَارِكَ غُرَمَاءَ الْمُحِيلِ فِي تَرِكَتِهِ وَوَدِيعَتِهِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَاسْتِحْقَاقُ الْوَدِيعَةِ مُبْطِلٌ لَهَا كَهَلَاكِهَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ كَانَتْ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً بِالْعَيْنِ الْوَدِيعَةِ فَوَهَبَهَا الْمُحْتَالُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ صَحَّ التَّمْلِيكُ وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ لَمْ يَمْلِكْهَا فَكَيْفَ يَمْلِكُهَا وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ حَقُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْلِكَهَا.
اهـ.
وَقُيِّدَ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِالْمَغْصُوبِ لَا تَبْطُلُ بِهَلَاكِهِ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الرَّهْنِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِالْهَلَاكِ لِلِانْتِقَالِ إلَى بَدَلِهِ مِثْلًا وَقِيمَتِهِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِالْغَصْبِ لَا تَبْطُلُ لِوُجُودِ الْخَلَفِ وَقُيِّدَ بِهَلَاكِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِدَيْنٍ ثُمَّ ارْتَفَعَ ذَلِكَ الدَّيْنُ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ
فَلَوْ أَحَالَ الْمَوْلَى غَرِيمَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ ثُمَّ أَعْتَقَ الْمَوْلَى الْمُكَاتَبَ لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ،
ثُمَّ إنَّ الْبَائِعَ أَحَالَ غَرِيمًا بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ رُدَّ بِخِيَارٍ مِنْ الْخِيَارَاتِ الثَّلَاثِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ تَبْطُلْ،
وَلَوْ اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ أَوْ اُسْتُحِقَّ الدَّيْنُ الَّذِي قَيَّدَ بِهِ الْحَوَالَةَ مِنْ جِهَةِ الْغُرَمَاءِ، أَوْ ظَهَرَ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَبِيعَ كَانَ حُرًّا بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ إجْمَاعًا وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ سَقَطَ الدَّيْنُ بَعْدَ الْوُجُوبِ مَقْصُودًا فَلَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ،
وَفِي الثَّانِي ظَهَرَ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَقْتَ الْحَوَالَةِ فَبَطَلَتْ وَإِذَا لَمْ تَبْطُلْ وَأَدَّى فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُحِيلِ فَيَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ إنْ أَدَّاهُ بَعْدَ عِتْقِهِ لَا قَبْلَهُ.
كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ ثُمَّ قَالَ وَفِي الْمُنْتَقَى: رَجُلٌ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَهُ ثُمَّ أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى غَرِيمِهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ بِعَيْبٍ بِقَضَاءٍ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُبْطِلُ الْحَوَالَةَ فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ أَجَّلَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ بِالْمَالِ فَإِنَّ الْأَجَلَ يُنْتَقَضُ أَيْضًا إذَا كَانَ الرَّدُّ بِحُكْمٍ فَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِغَيْرِ حُكْمٍ لَا يَبْطُلُ الْأَجَلُ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْبَائِعَ بِهِ حَالًّا،
وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ إلَى أَجَلِهِ اهـ.
فَقَدْ فَرَّقَ عَلَى رِوَايَةِ الْمُنْتَقَى بَيْنَ إحَالَةِ الْبَائِعِ غَرِيمَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَبَيْنَ إحَالَةِ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى غَرِيمِهِ حَيْثُ لَا تَبْطُلُ فِي الْأُولَى بِالْفَسْخِ وَتَبْطُلُ فِي الثَّانِيَةِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ فِي الْأُولَى تَبَيَّنَ أَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَهِيَ تَصِحُّ بِدُونِ دَيْنٍ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ،
وَفِي الثَّانِيَةِ ظَهَرَ أَنَّ الْمُحِيلَ لَيْسَ بِمَدْيُونٍ فَبَطَلَتْ ثُمَّ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ أَبْرَأَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ ثَوْبًا وَقَبَضَهُ ثُمَّ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِهِ جَازَتْ الْهِبَةُ وَالْإِبْرَاءُ وَالْبَائِعُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ،
وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ
وَكَذَا لَوْ اسْتَحَقَّ بَعْدَهُ وَقَدْ أَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَال أَوْ وَهَبَهُ لَهُ اهـ وَهُوَ مُشْكِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ بُطْلَانِ الْحَوَالَةِ إذَا اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنْ لَا دَيْنَ أَصْلًا فَلَمَّا بَطَلَتْ يَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ مَا اُبْتُنِيَ عَلَيْهَا مِنْ الْهِبَةِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْ الْبَائِعِ، وَقَدْ وَقَعَتْ حَادِثَةُ الْفَتْوَى فِي الْمَدْيُونِ إذَا بَاعَ شَيْئًا مِنْ دَائِنِهِ بِمِثْلِ الدَّيْنِ، ثُمَّ أَحَالَ عَلَيْهِ بِنَظِيرِ الثَّمَنِ أَوْ بِالثَّمَنِ فَهَلْ تَصِحُّ أَوْ لَا فَأَجَبْت إذَا وَقَعَ بِنَظِيرِهِ صَحَّتْ؛
لِأَنَّهَا لَمْ تُقَيَّدْ بِالثَّمَنِ وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا دَيْنٌ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ،
وَإِنْ وَقَعَتْ بِالثَّمَنِ فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِالدَّيْنِ وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ لِوُقُوعِ الْمُقَاصَّةِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الدَّيْنَ إذَا اُسْتُحِقَّ لِلْغَيْرِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُطْلَقَةِ) أَيْ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الْمُحِيلَ الْمُطَالَبَةُ فِيهَا إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ فَإِذَا أَدَّى سَقَطَ مَا عَلَيْهِ قِصَاصًا كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ مَاتَ الْمُحِيلُ قَبْلَ قَبْضِ الْمُحْتَالِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ كَأَنَّ الدَّيْنَ وَالْعَيْنَ الْمُحَالَ بِهِمَا، وَهُوَ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ لِكَوْنِهِ مَالَ الْمُحِيلِ، وَلَا يَكُونُ مَالُ الْمُحِيلِ إلَّا فِي الْمُقَيَّدَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمُطْلَقَةِ مُتَبَرِّعٌ لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ، وَنَصُّهُ مَاتَ الْمُحِيلُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمُحْتَالِ الْمَالَ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُحِيلِ دُيُونٌ كَثِيرَةٌ فَالْمُحْتَالُ مَعَ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ عَلَى السَّوَاءِ وَلَا يَرْجِعُ الْمُحْتَالُ بِالْحَوَالَةِ،
وَكَذَا لَوْ قَيَّدَ بِدَيْنِهِ الَّذِي عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ يَتَسَاوَى الْمُحْتَالُ مَعَ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ اهـ.
وَمُقْتَضَاهُ بُطْلَانُ الْحَوَالَةِ بِمَوْتِ الْمُحِيلِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ وَعِبَارَتُهُ كَمَا نَقَلَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَاتَ الْمُحِيلُ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ حَتَّى لَا يَخْتَصَّ الْمُحْتَالُ بِمَالِهِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ بَلْ أُسْوَةً لِغُرَمَائِهِ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ إلَّا أَنَّهَا جُوِّزَتْ لِلْحَاجَةِ وَبِالْمَوْتِ سَقَطَتْ، وَتَعُودُ الْمُطَالَبَةُ إلَى تَرِكَتِهِ وَعَنْ زُفَرَ خِلَافُهُ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُطْلَقَةِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَلَوْ مَاتَ الْمُحِيلُ قَبْلَ قَبْضِ الْمُحْتَالِ إلَخْ فَيُفِيدُ أَنَّ ذَاكَ خَاصٌّ بِالْمُقَيَّدَةِ، وَقَوْله وَإِذَا قَسَمَ الدَّيْنَ إلَخْ أَيْ فِي الْمُقَيَّدَةِ كَمَا أَفَادَهُ مَا قَرَّرْنَاهُ وَفِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي إعْتَاقِ الْمُكَاتَبِ وَمَوْتِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ أَوْرَدَهُ بِخِيَارٍ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ سُقُوطَ الدَّيْنِ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لَيْسَ مَقْصُودًا فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ إنَّ الدَّيْنَ فِي الْأَوَّلِ سَقَطَ بِأَمْرٍ عَارِضٍ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ حَيْثُ
قَالَ: وَأَمَّا إنْ سَقَطَ الدَّيْنُ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ الْحَوَالَةُ بِأَمْرٍ عَارِضٍ وَلَمْ تَتَبَيَّنْ بَرَاءَةُ الْأَصِيلِ مِنْهُ لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ مِثْلَ أَنْ يَحْتَالَ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَهَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ إلَى الْمُشْتَرِي سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْهُ وَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ، وَلَكِنَّهُ إذَا أَدَّى رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِمَا أَدَّى؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ) أَيْ وَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي الْأُولَى تَبَيَّنَ أَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، وَهِيَ تَصِحُّ بِدُونِ دَيْنٍ عَلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُطْلَقَةِ وَكَلَامُنَا فِي الْمُقَيَّدَةِ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْجَوْهَرَةِ أَنَّ فِي الْأُولَى تَبَيَّنَ سُقُوطُ الدَّيْنِ بِأَمْرٍ عَارِضٍ وَهُوَ الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ.
(قَوْلُهُ وَفِي الثَّانِيَةِ ظَهَرَ أَنَّ الْمُحِيلَ لَيْسَ بِمَدْيُونٍ فَبَطَلَتْ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ تَصِحُّ بِدُونِ دَيْنٍ عَلَى الْمُحِيلِ أَيْضًا كَمَا مَرَّ مَتْنًا، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ وَفِي الثَّانِيَةِ ظَهَرَ أَنَّ الْحَوَالَةَ بِمَعْنَى الْوَكَالَةِ وَلِلْوَكِيلِ الِامْتِنَاعُ عَنْهَا اهـ. فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ مُشْكِلٌ إلَخْ) قَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُحْتَالَ وَهُوَ الْبَائِعُ قَدْ صَارَ قَابِضًا مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ بِإِبْرَائِهِ أَوْ هِبَتِهِ قَبْضًا حُكْمِيًّا وَبِالشِّرَاءِ مِنْهُ صَارَ قَابِضًا قَبْضًا حَقِيقِيًّا قَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ بِمَعْنَى الْوَكَالَةِ فَصَارَ الْبَائِعُ كَالْوَكِيلِ عَنْ الْمُشْتَرِي فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا قَبَضَهُ بَعْدَ بُطْلَانِ الْحَوَالَةِ تَأَمَّلْ [فُرُوعٌ مُهِمَّةٌ فِي الْحَوَالَةِ]
(ولو أحاله بما له على زيد وديعة صحت) بيان للحوالة المقيدة وهي أقسام ثلاثة مقيدة بعين أمانة، أو مضمونة وبدين خاص وحكمها في هذه الأقسام أن لا يملك المحيل مطالبه عليه بالدين ولا بالعين لأن الحوالة لما قيدت بها تعلق حق المطالبة به وهو استيفاء دينه منه على مثال الرهن وبأخذ المحيل يبطل هذا الحق حتى لو دفع المحال عليه ذلك إلى المحيل ضمنه للطالب لأنه استهلك ما تعلق به حق المحتال كذا في (الفتح) وكان ينبغي أن يقال: إن كان العين قائمة رجعها المحتال عليه على المحيل لأنه قبض ما لا يستحقه،
ولو استهلكها كان له أن يرجع عليه بقيمتها،
(وَلَوْ أَحَالَ بِمَالِهِ عِنْدَ زَيْدٍ وَدِيعَةً صَحَّتْ، فَإِنْ هَلَكَتْ بَرِئَ) أَيْ إذَا كَانَ لَهُ وَدِيعَةٌ دَرَاهِمُ عِنْدَ شَخْصٍ فَأَحَالَ بِهَا غَرِيمَهُ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْجَوَازِ،
فَإِنْ هَلَكَتْ بَرِئَ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُقَيَّدَةٌ بِهَا إذْ لَمْ يَلْتَزِمْ التَّسْلِيمَ إلَّا مِنْهَا
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِالْمَغْصُوبِ حَيْثُ لَا يَبْرَأُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَخْلُفُ الْقِيمَةَ وَالْفَوَاتَ إلَى خَلَفٍ كَلَا فَوَاتٍ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَغْصُوبُ لَا إلَى خَلَفٍ بِأَنْ اسْتَحَقَّ بِالْبَيِّنَةِ صَارَ مِثْلَ الْوَدِيعَةِ وَقَدْ تَكُونُ مُقَيَّدَةً بِالدَّيْنِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى نَوْعَيْنِ: مُقَيَّدَةٌ وَمُطْلَقَةٌ فَالْمُقَيَّدَةُ أَنْ يُقَيِّدَهَا بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ أَوْ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ وَدِيعَةٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ نَحْوِهِ وَالْمُطْلَقَةُ أَنْ يُرْسِلَ الْحَوَالَةَ إرْسَالًا، وَلَا يُقَيِّدَهَا بِشَيْءٍ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ يُحِيلَهُ عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا.
وَالْكُلُّ جَائِزٌ لِمَا رَوَيْنَا وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَضَمَّنُ أُمُورًا جَائِزَةً عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَهِيَ تَبَرُّعُ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ بِالِالْتِزَامِ فِي ذِمَّتِهِ وَالْإِيفَاءِ وَتَوْكِيلِ الْمُحْتَالِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَوْ الْعَيْنِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَأَمْرِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ الدَّيْنِ إلَى الْمُحْتَالِ فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَحُكْمُ الْمُطْلَقَةِ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ حَقُّ الْمُحِيلِ مِنْ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ، وَلَكِنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ بَعْدَ أَدَائِهِ إذَا كَانَتْ الْحَوَالَةُ بِرِضَاهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُلَازِمَهُ إذَا لُوزِمَ وَيَحْبِسَهُ إذَا حُبِسَ حَتَّى يُخَلِّصَهُ كَمَا فِي الْكَفَالَةِ،
وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا عَلَى الْمُحِيلِ كَانَ مُؤَجَّلًا فِي حَقِّ الْمُحَالِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْكَفَالَةِ، ثُمَّ لَا يَصِيرُ الدَّيْنُ حَالًّا بِمَوْتِ الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْبَيْنِ وَصَارَ أَجْنَبِيًّا وَيَحِلُّ بِمَوْتِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَجَلَ كَانَ حَقَّهُ وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ وَحُكْمُ الْمُقَيَّدَةِ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمُحِيلُ مُطَالَبَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمَا أَحَالَ بِهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُحْتَالِ عَلَى مِثَالِ الرَّهْنِ،
وَلَوْ مَلَكَ الْمُطَالَبَةَ لَبَطَلَ حَقُّ الْمُحْتَالِ، وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ كَمَا لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ
بِخِلَافِ الْمُطْلَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِحَقِّهِ بِالْعَيْنِ أَوْ الدَّيْنِ بَلْ تَعَلَّقَ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ بِأَخْذِ مَا عِنْدَهُ أَوْ عَلَيْهِ مِنْ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِهَلَاكِهِ فَكَذَا بِأَخْذِهِ
بِخِلَافِ الْمُقَيَّدَةِ؛ لِأَنَّهُ فِيهَا لَمْ يَلْتَزِمْ الْأَدَاءَ إلَّا مِنْهَا،
فَلَوْ أَخَذَ لَبَطَلَ حَقُّهُ، وَلَوْ أَبْرَأَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ عَنْ الدَّيْنِ أَخَذَ الْمُحِيلُ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ كَالْمُرْتَهِنِ إذَا أَبْرَأَ الرَّاهِنُ يَرْجِعُ بِرَهْنِهِ.
وَلَوْ وَهَبَهُ لَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مَلَكَهُ بِالْهِبَةِ،
وَكَذَا إذَا وَرِثَهُ، وَلَوْ مَاتَ الْمُحِيلُ كَانَ الدَّيْنُ وَالْعَيْنُ الْمُحْتَالُ بِهِمَا بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالْحِصَصِ وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَخْتَصُّ بِهِ الْمُحْتَالُ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ حَالَ حَيَاتِهِ وَالْمُحِيلُ كَالْأَجْنَبِيِّ عَنْهُ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ أَخْذُهُ فَصَارَ كَالْخَارِجِ عَنْ مِلْكِهِ، فَلَا تُقْضَى بِهِ دُيُونُهُ وَلَئِنْ كَانَ مِلْكُهُ ثَابِتًا فَتَعَلُّقُ حَقِّ الْمُحْتَالِ سَابِقٌ فَصَارَ كَالْمَرْهُونِ يَخْتَصُّ بِهِ الْمُرْتَهِنُ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ سَابِقًا عَلَى حَقِّهِمْ وَكَدِينِ الصِّحَّةِ يُقَدَّمُ عَلَى دَيْنِ الْمَرَضِ لِمَا قُلْنَا وَلَنَا أَنَّ هَذَا مَالُ الْمُحِيلِ لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ فَيَكُونُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ الْمُحْتَالُ؛
لِأَنَّ تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بَاطِلٌ لَكِنْ بِالْحَوَالَةِ وَجَبَ لِلْمُحْتَالِ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ مَعَ بَقَاءِ دَيْنِ الْمُحِيلِ وَلِهَذَا لَوْ تَوَى مَا عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ يَتْوَى عَلَى الْمُحِيلِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ أَيْضًا يَدُ الِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْيَدِ عَلَى مَا فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ لَا يُتَصَوَّرُ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ لَمْ يَقْبَلْ الْحَوَالَةَ إلَّا لِيَتَمَلَّكَ مَا فِي ذِمَّتِهِ أَوْ لِيُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ،
فَلَوْ أَخَذَهُ يَفُوتُ الرِّضَا فَتَبْطُلُ الْحَوَالَةُ
بِخِلَافِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَلَيْهِ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ يَهْلِكُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَكَانَ هُوَ أَحَقَّ بِهِ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُحْتَالِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حَقُّ الْمُزَاحَمَةِ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ تَحَوَّلَ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَلَا يُزَاحِمُ غُرَمَاءَ الْمُحِيلِ كَمَا إذَا كَانَتْ الْحَوَالَةُ مُطْلَقَةً وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْمُزَاحَمَةِ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِذَلِكَ الْمَالِ.
فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَالَ فَاتَ الرِّضَا بِالْحَوَالَةِ فَتَبْطُلُ الْحَوَالَةُ فَيَعُودُ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْحَوَالَةِ وَاسْتَوْضَحَ ذَلِكَ بِمَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ وَالْغَصْبِ وَنَحْوِهِمَا
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً؛ لِأَنَّ الْمُحِيلَ بِالْحَوَالَةِ بَرِيءٌ مِنْ دَيْنِ الْمُحْتَالِ وَصَارَ الْمُحْتَالُ مِنْ غُرَمَاءِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ لَهُ حَقٌّ بِمَالِهِ، فَلَا يُزَاحِمُ غُرَمَاءَ الْمُحِيلِ وَإِذَا قَسَمَ الدَّيْنَ بَيْنَ غُرَمَاءِ الْمُحِيلِ لَا يَرْجِعُ الْمُحْتَالُ عَلَى الْمُحِيلِ بِحِصَّةِ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ صَارَ مُسْتَحَقًّا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِهِ كَمَا لَوْ اسْتَحَقَّ الرَّهْنَ، وَلَا بِمَا بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِ بَعْدَ الْمُحَاصَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ تَاوِيًا، فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ) أَيْ لِتَيَسُّرِ مَا يَقْضِي بِهِ وَحُضُورِهِ
بِخِلَافِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ. اهـ. فَتْحٌ. قَوْلُهُ وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ) أَيْ بِمَوْتِهِ فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً رَجَعَ الطَّالِبُ عَلَى الْمُحِيلِ إلَى أَجَلِهِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ أَبْرَأَ الْمُحْتَالُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ عَنْ الدَّيْنِ أَخَذَ الْمُحِيلُ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ) وَقَدْ قَالُوا لَوْ أَحَالَ رَجُلٌ رَجُلًا بِمَالٍ
ثُمَّ إنَّ الْمُحِيلَ نَقَدَ الْمَالَ الَّذِي أَحَالَهُ بِهِ جَازَ وَلَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا فِيمَا نَقَدَ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ عِنْدَنَا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَإِنْ بَرِئَ فِي الظَّاهِرِ أَلَا تَرَى أَنَّ الرُّجُوعَ مُتَرَقَّبٌ فَهُوَ بِالْقَضَاءِ يَقْصِدُ أَنْ يُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ حَقَّ الرُّجُوعِ فَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ مُتَبَرِّعًا كَالْوَارِثِ إذَا قَضَى دَيْنَ الْمَيِّتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ إذَا أَدَّى الْمَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ حَقًّا بِالْأَدَاءِ فَكَانَ مُتَبَرِّعًا قَالُوا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ أَحَالَ صَاحِبَ الْمَالِ عَلَى رَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ حَوَالَةً مُطْلَقَةً وَلَمْ يَقُلْ أَحَلْتُهُ عَلَيْك بِمَالِي عَلَيْك أَوْ عَلَى أَنْ تُعْطِيَهُ مَا لِي عَلَيْك فَقَبِلَ فَعَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَلْفَانِ: أَلْفُ الْمُحِيلِ وَأَلْفُ الْمُحْتَالِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُطَالِبَ بِأَلْفٍ؛
لِأَنَّ صِحَّةَ الْحَوَالَةِ لَا تَقِفُ عَلَى ثُبُوتِ مَالِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَلَمْ تَتَعَلَّقْ الْحَوَالَةُ بِنَفْسِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْهَا بِهِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ فَبَقِيَ الدَّيْنُ بِحَالِهِ وَصَارَ كَمَا لَوْ أَحَالَهُ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ وَفِي يَدِهِ أَلْفٌ وَدِيعَةٌ فَإِنَّ الْحَوَالَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِهَا كَذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا وَإِذَا أَدَّى الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْمَالَ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ الْمُحْتَالُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ فَوَرِثَهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ رَجَعَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى الْمُحِيلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَلَكَ مَا فِي ذِمَّتِهِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ،
فَإِذَا ثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْأَدَاءِ فَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَمْلِكُهُ بِهَا،
وَلَوْ أَبْرَأَ الْمُحْتَالُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ بَرِئَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ إسْقَاطٌ وَلَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ وَمَتَى لَمْ يَمْلِكْ مَا فِي ذِمَّتِهِ لَمْ يَرْجِعْ اهـ أَقْطَعُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا وَرِثَهُ) أَيْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَنْعَكِسُ الْجَوَابُ فَفِي الْهِبَةِ وَالْإِرْثِ يَرْجِعُ وَفِي الْإِبْرَاءِ لَا يَرْجِعُ. اهـ. كَافِي
(قَوْلُهُ وَلَوْ مَاتَ الْمُحِيلُ) أَيْ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُحْتَالُ دَيْنَ الْحَوَالَةِ فَالدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ لِلْمُحِيلِ بَيْنَ غُرَمَاءِ الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ. اهـ. مِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ. قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَكُرِهَ السَّفَاتِجُ)
قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى السَّفْتَجُ إنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي الْقَرْضِ فَهُوَ حَرَامٌ وَالْقَرْضُ بِهَذَا الشَّرْطِ فَاسِدٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا جَازَ
وَقَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ رَجُلٌ أَقْرَضَ رَجُلًا مَالًا عَلَى أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِهَا إلَى بَلَدِ كَذَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَقْرَضَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَكَتَبَ كَانَ هَذَا جَائِزًا،
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ اُكْتُبْ لِي سَفْتَجَةً إلَى مَوْضِعِ كَذَا عَلَى أَنْ أُعْطِيَك هُنَا، فَلَا خَيْرَ فِيهِ
وَقَالَ فِي كِفَايَةِ الْبَيْهَقِيّ وَسَفَاتِجُ التُّجَّارِ مَكْرُوهَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِإِسْقَاطِ خَطَرِ الطَّرِيقِ إلَّا أَنْ يُقْرِضَ مُطْلَقًا ثُمَّ يَكْتُبَ السَّفْتَجَةَ، فَلَا بَأْسَ. هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ كُلِّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا» ولِأَنَّهُ تَمْلِيكُ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ،
فَإِذَا شَرَطَ فِي بَلَدٍ أَنْ يَدْفَعَ فِي بَلَدٍ آخَرَ صَارَ فِي حُكْمِ التَّأْجِيلِ وَالتَّأْجِيلُ فِي الْأَعْيَانِ لَا يَصِحُّ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الدَّفْعَ فِي بَلَدٍ آخَرَ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا فَقَالُوا لَا يُكْرَهُ كَذَا فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ، ثُمَّ قِيلَ إنَّمَا أَوْرَدَ الْقُدُورِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهَا مُعَامَلَةٌ فِي الدُّيُونِ كَالْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَنُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ نُورِ الدِّينِ الْكُرْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا أَوْرَدَهَا فِي الْحَوَالَةِ لِأَنَّهُ أَحَالَ الْخَطَرَ الْمُتَوَقَّعَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ فِي مَعْنَى الْحَوَالَةِ.
اهـ. أَتْقَانِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.