Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Its commentaries

البحر الرائقIbn Nujaym

(وَالْمُفْتِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَكَذَا) أَيْ مَوْثُوقًا بِهِ فِي دِينِهِ وَعَفَافِهِ إلَى آخِرِهِ،

22,266

وَأَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا قَالَ فِي الْفَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقَاضِي ذُكِرَ فِي الْمُفْتِي فَلَا يُفْتِي إلَّا الْمُجْتَهِدُ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ رَأْيُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ

22,267

فَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ مِمَّنْ يَحْفَظُ أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِ فَلَيْسَ مُفْتِيًا، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إذَا سُئِلَ أَنْ يَذْكُرَ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ كَأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ فَعَرَفَ أَنَّ مَا يَكُونُ فِي زَمَانِنَا مِنْ فَتْوَى الْمَوْجُودِينَ لَيْسَ بِفَتْوَى بَلْ هُوَ نَقْلُ كَلَامِ الْمُفْتِي لِيَأْخُذَ بِهِ الْمُسْتَفْتِيَ، وَطَرِيقُ نَقْلِهِ لِذَلِكَ عَنْ الْمُجْتَهِدِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ

22,268

إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَدٌ فِيهِ، أَوْ يَأْخُذُهُ مِنْ كِتَابٍ مَعْرُوفٍ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي نَحْوُ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَنَحْوِهَا مِنْ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ لِلْمُجْتَهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَوْ الْمَشْهُورِ هَكَذَا ذَكَرَ الرَّازِيّ فَعَلَى هَذَا لَوْ وَجَدَ بَعْضَ نُسَخِ النَّوَادِرِ فِي زَمَانِنَا لَا يَحِلُّ عَزْوُ مَا فِيهَا إلَى مُحَمَّدٍ وَلَا إلَى أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَشْتَهِرْ فِي عَصْرِنَا فِي دِيَارِنَا، وَلَمْ تُتَدَاوَلْ نَعَمْ إذَا وُجِدَ النَّقْلُ عَنْ النَّوَادِرِ مَثَلًا فِي كِتَابٍ مَشْهُورٍ مَعْرُوفٍ كَالْهِدَايَةِ وَالْمَبْسُوطِ كَانَ ذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابِ،

22,269

فَلَوْ كَانَ حَافِظًا لِلْأَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفَةِ لِلْمُجْتَهِدِينَ وَلَا يَعْرِفُ الْحُجَّةَ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ لِلتَّرْجِيحِ لَا يُقْطَعُ بِقَوْلٍ مِنْهَا يُفْتَى بِهِ بَلْ يَحْكِيهَا لِلْمُسْتَفْتِي فَيَخْتَارُ الْمُسْتَفْتِي مَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ الْأَصْوَبُ.

ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الْجَوَامِعِ، وَعِنْدِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِكَايَةُ كُلِّهَا بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَحْكِيَ قَوْلًا مِنْهَا فَإِنَّ الْمُقَلِّدَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ أَيَّ مُجْتَهِدٍ شَاءَ،

22,270

فَإِذَا ذَكَرَ أَحَدَهَا فَقَلَّدَهُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ نَعَمْ لَا يُقْطَعُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ جَوَابُ مَسْأَلَتِكَ كَذَا، بَلْ يَقُولُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ حُكْمُ هَذَا كَذَا نَعَمْ لَوْ حَكَى الْكُلَّ فَالْأَخْذُ بِمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ أَصْوَبُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَالْعَامِّيُّ لَا عِبْرَةَ بِمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ مِنْ صَوَابِ الْحُكْمِ وَخَطَئِهِ، وَعَلَى هَذَا إذَا اسْتَفْتَى فَقِيهَيْنِ أَعْنِي مُجْتَهِدَيْنِ فَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ الْأَوْلَى بِأَنْ يَأْخُذَ بِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ قَلْبُهُ مِنْهُمَا، وَعِنْدِي أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِقَوْلِ الَّذِي لَا يَمِيلُ إلَيْهِ قَلْبُهُ جَازَ؛

لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَيْلَ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ، وَقَدْ فَعَلَ أَصَابَ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ أَوْ أَخْطَأَ وَقَالُوا الْمُنْتَقِلُ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ بِاجْتِهَادٍ وَبُرْهَانٍ آثِمٌ يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ فَبِلَا اجْتِهَادٍ وَبُرْهَانٍ أَوْلَى وَلَا بُدَّ أَنْ يُرَادَ بِهَذَا الِاجْتِهَادِ مَعْنَى التَّحَرِّي وَتَحْكِيمِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَيْسَ لَهُ اجْتِهَادٌ، ثُمَّ حَقِيقَةُ الِانْتِقَالِ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي حُكْمِ مَسْأَلَةٍ خَاصَّةٍ قَلَّدَ فِيهِ وَعَمِلَ بِهِ، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ قَلَّدْت أَبَا حَنِيفَةَ فِيمَا أَفْتَى بِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَالْتَزَمْت الْعَمَلَ بِهِ عَلَى الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ صُوَرَهَا لَيْسَ حَقِيقَةَ التَّقْلِيدِ بَلْ هَذَا حَقِيقَةُ تَعْلِيقِ التَّقْلِيدِ، أَوْ وَعَدَ بِهِ كَأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَعَيَّنُ فِي الْوَقَائِعِ.

22,271

فَإِنْ أَرَادُوا هَذَا الِالْتِزَامَ فَلَا دَلِيلَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْمُجْتَهِدِ الْمُعَيَّنِ بِالْتِزَامِ نَفْسِهِ ذَلِكَ قَوْلًا أَوْ نِيَّةً شَرْعًا، بَلْ دَلِيلٌ اقْتَضَى الْعَمَلَ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ فِيمَا احْتَاجَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} وَالسُّؤَالُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ طَلَبِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَحِينَئِذٍ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ وَجَبَ عَمَلُهُ بِهِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا إلْزَامَاتٌ مِنْهُمْ لِكَفِّ النَّاسِ عَنْ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ، وَإِلَّا أَخَذَ الْعَامِّيُّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ.

قَوْلُهُ أَخَفُّ عَلَيْهِ وَأَنَا لَا أَدْرِي مَا يَمْنَعُ هَذَا مِنْ النَّقْلِ أَوْ الْعَقْلِ، وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ يَتَّبِعُ مَا هُوَ أَخَفُّ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَوْلِ مُجْتَهِدٍ سَوَّغَ لَهُ الِاجْتِهَادَ وَمَا عَلِمْت مِنْ الشَّرْعِ ذَمَّهُ عَلَيْهِ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ مَا خَفَّفَ عَنْ أُمَّتِهِ إلَى هُنَا مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَمْ يَبْسُطْ أَصْحَابُنَا الْكَلَامَ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى بَعْضَ مَسَائِلِهِمَا، وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَيْهِمَا فِي الرَّوْضِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فَأَحْبَبْت نَقْلَهُ؛

لِأَنَّ قَوَاعِدَنَا لَا تَأْبَاهُ، ثُمَّ أُنَبِّهُ بَعْدَهُ عَلَى نَقْلِ الْبَعْضِ لِمَذْهَبِنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ (فَصْلٌ فِي الْمُفْتِي) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ،

22,272

وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَمَعَ هَذَا لَا يَحِلُّ التَّسَارُعُ إلَى مَا لَا يَتَحَقَّقُ،

22,273

وَيُشْتَرَطُ إسْلَامُ الْمُفْتِي وَعَدَالَتُهُ فَتُرَدُّ فَتْوَى الْفَاسِقِ وَيَعْمَلُ لِنَفْسِهِ بِاجْتِهَادِهِ،

22,274

وَيُشْتَرَطُ تَيَقُّظُهُ وَقُوَّةُ ضَبْطِهِ وَأَهْلِيَّةُ اجْتِهَادِهِ فَمَنْ عَرَفَ مَسْأَلَةً أَوْ مَسْأَلَتَيْنِ أَوْ مَسَائِلَ بِأَدِلَّتِهَا لَمْ تَجُزْ فَتْوَاهُ بِهَا وَلَا تَقْلِيدُهُ،

22,275

وَكَذَا مَنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا،

22,276

وَلَوْ مَاتَ الْمُجْتَهِدُ لَمْ تَبْطُلْ فَتْوَاهُ بَلْ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ فَعَلَى هَذَا مَنْ عَرَفَ مَذْهَبَ مُجْتَهِدٍ وَتَبَحَّرَ فِيهِ جَازَ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ وَلْيُضِفْ إلَى الْمَذْهَبِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُفْتَى عَلَيْهِ،

22,277

وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُتَبَحِّرِ إلَّا فِي مَسَائِلَ مَعْلُومَةٍ مِنْ الْمَذْهَبِ. (فَرْعٌ) لَيْسَ لِمُجْتَهِدٍ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ وَلَوْ حَدَثَتْ وَاقِعَةٌ قَدْ اجْتَهَدَ فِيهَا وَجَبَ إعَادَتُهُ إنْ نَسِيَ الدَّلِيلَ أَوْ تَجَدَّدَ مُشْكِلٌ. (فَرْعٌ) الْمُنْتَسِبُونَ إلَى مَذْهَبِ إمَامٍ

22,278

إمَّا عَوَامٌّ فَتَقْلِيدُهُمْ مُفَرَّعٌ عَلَى تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ فَقَدْ مَرَّ،

22,279

وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ فَلَا يُقَلِّدُونَ فَإِنْ وَافَقَ اجْتِهَادُهُ اجْتِهَادَهُمْ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ خَالَفَهُ أَحْيَانَا وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ بَلْ وَقَفَ عَلَى أُصُولِ إمَامِهِ وَتَمَكَّنَ مِنْ قِيَاسِ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَلَيْسَ بِمُقَلَّدٍ فِي نَفْسِهِ بَلْ هُوَ وَاسِطَةٌ فَإِنْ نَصَّ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ أَلْحَقَ بِهَا غَيْرَ الْمَنْصُوصِ،

22,280

وَلَوْ نَصَّ عَلَى الْحُكْمِ فَقَطْ فَلَهُ أَنْ يَسْتَنْبِطَ الْعِلَّةَ وَيَقِيسَ وَلْيَقُلْ هَذَا قِيَاسُ مَذْهَبِهِ لَا قَوْلُهُ وَإِنْ اخْتَلَفَ نَصُّ إمَامِهِ فِي مُشْتَبَهَيْنِ فَلَهُ التَّخْرِيجُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ.

22,281

[فَرْعٌ لِلْمُفْتِي أَنْ يُغَلِّظَ لِلزَّجْرِ مُتَأَوِّلًا] (فَرْعٌ) لِلْمُفْتِي أَنْ يُغَلِّظَ لِلزَّجْرِ مُتَأَوِّلًا كَمَا إذَا سَأَلَهُ مَنْ لَهُ عَبْدٌ عَنْ قَتْلِهِ وَخَشِيَ أَنْ يَقْتُلَهُ جَازَ أَنْ يَقُولَ إنْ قَتَلْته قَتَلْنَاك مُتَأَوِّلًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ» ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى إطْلَاقِهِ مَفْسَدَةٌ وَاخْتِلَافُ الْمُفْتِينَ كَالْمُجْتَهِدِينَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ فِي الْمُسْتَفْتِي] يَجِبُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ عَرَفَ عِلْمَهُ وَعَدَالَتَهُ وَلَوْ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ عَارِفٍ أَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ، وَإِلَّا بَحَثَ عَنْ ذَلِكَ

22,282

فَلَوْ خَفِيَتْ عَدَالَتُهُ الْبَاطِنَةُ اكْتَفَى بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ وَيَعْمَلُ بِفَتْوَى عَالِمٍ مَعَ وُجُودِ أَعْلَمَ جَهِلَهُ فَإِنْ اخْتَلَفَا وَلَا نَصَّ قَدَّمَ الْأَعْلَمَ،

22,283

وَكَذَا إذَا اعْتَقَدَ أَحَدَهُمَا أَعْلَمَ أَوْ أَوْرَعَ وَيُقَدَّمُ الْأَعْلَمُ عَلَى الْأَوْرَعِ،

22,284

وَلَوْ أُجِيبَ فِي وَاقِعَةٍ لَا تَتَكَرَّرُ ثُمَّ حَدَثَتْ لَزِمَ إعَادَةُ السُّؤَالِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ اسْتِنَادَ الْجَوَابِ إلَى نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ،

22,285

وَإِنْ لَمْ تَطْمَئِنَّ نَفْسُهُ إلَى جَوَابِ الْمُفْتِي اُسْتُحِبَّ سُؤَالُ غَيْرِهِ وَلَا يَجِبُ وَيَكْفِي الْمُسْتَفْتِيَ بَعْثُ رُقْعَةٍ أَوْ رَسُولٍ ثِقَةٍ وَمِنْ الْأَدَبِ أَنْ لَا يَسْأَلَ وَالْمُفْتِي قَائِمٌ أَوْ مَشْغُولٌ بِمَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْفِكْرِ،

22,286

وَأَنْ لَا يَقُولَ بِجَوَابِهِ هَكَذَا

22,287

قُلْتُ: أَنَا وَلَا يُطَالِبُهُ بِدَلِيلٍ فَإِنْ أَرَادَهُ فَوَقْتٌ آخَرُ، وَلْيُبَيِّنْ مَوْضِعَ السُّؤَالِ وَيُنَقِّطَ الْمُشْتَبَهَ فِي الرُّقْعَةِ وَيَتَأَمَّلُهَا لَا سِيَّمَا آخِرُهَا، وَيَتَثَبَّتُ وَلَا يَقْدَحُ الْإِسْرَاعُ مَعَ التَّحْقِيقِ وَأَنْ يُشَاوِرَ فِيمَا يَحْسُنُ إظْهَارُهُ مَنْ حَضَرَ مُتَأَهِّلًا،

22,288

وَأَنْ يُصْلِحَ لَحْنًا فَاحِشًا وَلْيَشْغَلْ بَيَاضًا بِخَطٍّ كَيْ لَا يُلْحَقَ بِشَيْءٍ وَيُبَيِّنَ خَطَّهُ بِقَلَمٍ بَيْنَ قَلَمَيْنِ وَلَا بَأْسَ بِكَتْبِهِ الدَّلِيلَ لَا السُّؤَالَ، وَلَا يَكْتُبُ خَلْفَ مَنْ لَا يَصْلُحُ، وَلَهُ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِ إنْ أَمِنَ فِتْنَةً وَإِنْ سَخِطَ الْمَالِكُ وَيَنْهَى الْمُسْتَفْتِيَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُ الرُّقْعَةِ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَمَّنْ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى لِيَمْنَعَ مَنْ لَا يَصْلُحُ وَلْيَكُنْ الْمُفْتِي مُتَنَزِّهًا عَنْ خَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ فَقِيهَ النَّفْسِ سَلِيمَ الذِّهْنِ حَسَنَ التَّصَرُّفِ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ أَخْرَسَ تُفْهَمُ إشَارَتُهُ، وَلَيْسَ هُوَ كَالشَّاهِدِ فِي رَدِّ فَتْوَاهُ لِقَرَابَةٍ وَجَرِّ نَفْعٍ، وَتُقْبَلُ فَتْوَى مَنْ لَا يَكْفُرُ وَلَا يَفْسُقُ بِبِدْعَةٍ كَشَهَادَتِهِ وَيُفْتِي،

22,289

وَلَوْ كَانَ قَاضِيًا وَفِي اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ الْحِسَابِ لِتَصْحِيحِ مَسَائِلِهِ وَجْهَانِ،

22,290

وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَحْفَظَ مَذْهَبَ إمَامِهِ، وَيَعْرِفَ قَوَاعِدَهُ وَأَسَالِيبَهُ، وَلَيْسَ لِلْأُصُولِيِّ الْمَاهِرِ،

22,291

وَكَذَا الْبَحَّاثُ فِي الْخِلَافِ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ وَفُحُولِ الْمُنَاظِرِينَ أَنْ يُفْتِيَ فِي الْفُرُوعِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا يَجِبُ إفْتَاءٌ فِيمَا لَا يَقَعُ

22,292

وَيَحْرُمُ التَّسَاهُلُ فِي الْفَتْوَى وَاتِّبَاعُ الْحِيَلِ إنْ فَسَدَتْ الْأَغْرَاضُ وَسُؤَالٌ مَعَ عُرْفٍ بِذَلِكَ، وَلَا يُفْتَى فِي حَالِ تَغَيُّرِ أَخْلَاقِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ الِاعْتِدَالِ،

22,293

وَلَوْ لِفَرَحٍ وَمُدَافَعَةِ أَخْبَثَيْنِ فَإِنْ أَفْتَى مُعْتَقِدًا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنْ دَرْكِ الصَّوَابِ صَحَّتْ فَتْوَاهُ،

22,294

وَإِنْ خَاطَرَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَبَرَّعَ بِالْفَتْوَى فَإِنْ أَخَذَ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ جَازَ إلَّا إنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ وَلَهُ كِفَايَةٌ، وَلَا يَأْخُذُ أُجْرَةً مِنْ مُسْتَفْتٍ فَإِنْ جَعَلَ لَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ رِزْقًا جَازَ،

22,295

وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ جَازَ وَالْأَوْلَى كَوْنُهَا بِأُجْرَةٍ مِثْلَ كُتُبِهِ مَعَ كَرَاهَةٍ، وَلَهُ قَبُولُ هَدِيَّةٍ لَا رِشْوَةٍ عَلَى فَتْوَى لِمَا يُرِيدُ وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْرِضَ لِمُدَرِّسٍ وَمُفْتٍ كِفَايَتَهُ لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ اصْطِلَاحٌ فِي اللَّفْظِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ أَهْلَ بَلَدٍ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ مَنْ لَا يَعْرِفُ اصْطِلَاحَهُمْ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَمَلُ وَالْفَتْوَى بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْوَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْوِيلٍ عَلَيْهِ فِي الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَعْمَلَ بِالْمُتَأَخِّرِ إنْ عَلِمَهُ، وَإِلَّا فَبِاَلَّذِي رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ وَإِلَّا لَزِمَهُ الْبَحْثُ عَنْهُ،

22,296

وَإِنْ كَانَ أَهْلًا اشْتَغَلَ بِهِ مُتَعَرِّفًا لِذَلِكَ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَالْمَأْخَذِ وَإِلَّا تَلَقَّاهُ مِنْ نَقْلَةِ الْمَذْهَبِ فَإِنْ عَدِمَ التَّرْجِيحَ تَوَقَّفَ، وَحُكْمُ الْوَجْهَيْنِ كَالْقَوْلَيْنِ لَكِنْ لَا عِبْرَةَ بِالْمُتَأَخِّرِ إلَّا إذَا وَقَعَا مِنْ شَخْصٍ فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْأَرْجَحِ، وَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلتَّرْجِيحِ اعْتَمَدَ مَا صَحَّحَهُ الْأَكْثَرُ وَالْأَعْلَمُ وَإِلَّا تَوَقَّفَ وَالْعَمَلُ بِالْجَدِيدِ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إلَّا فِي نَحْوِ ثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً وَإِنْ كَانَ فِي الرُّقْعَةِ مَسَائِلُ رَتَّبَ الْأَجْوِبَةَ عَلَى تَرْتِيبِهَا،

22,297

وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى فِيهِ قَوْلَانِ إذْ لَا يُفِيدُ وَلَا يُطْلَقُ حَيْثُ التَّفْصِيلُ فَهُوَ خَطَأٌ، وَيُجِيبُ عَلَى مَا فِي الرُّقْعَةِ لَا عَلَى مَا يَعْلَمُهُ وَإِنْ أَرَادَهُ قَالَ إنْ أَرَادَ كَذَا فَجَوَابُهُ كَذَا، وَيُجِيبُ الْأَوَّلُ فِي النَّاحِيَةِ الْيُسْرَى وَإِنْ شَاءَ غَيْرَهَا لَا قَبْلَ الْبَسْمَلَةِ، وَلْيَكْتُبْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَخْتِمْ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَا يَقْبُحُ أَنْ يَقُولَ فِي الْجَوَابِ عِنْدَنَا وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالسُّلْطَانِ دَعَا لَهُ فَقَالَ وَعَلَى السُّلْطَانِ سَدَّدَهُ اللَّهُ أَوْ شَدَّ أَزْرَهُ،

22,298

وَيُكْرَهُ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ، وَيَخْتَصِرُ جَوَابَهُ وَيُوَضِّحُ عِبَارَتَهُ وَإِنْ سُئِلَ عَنْ تَكَلُّمٍ بِكُفْرٍ مُتَأَوَّلٍ قَالَ يَسْأَلُ إنْ أَرَادَ كَذَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،

22,299

وَإِنْ أَرَادَ كَذَا فَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَإِلَّا قُتِلَ وَإِنْ سُئِلَ عَمَّنْ قُتِلَ أَوْ جُرِحَ احْتَاطَ، وَذَكَرَ شُرُوطَ الْقِصَاصِ وَيُبَيِّنُ قَدْرَ التَّعْزِيرِ وَيَكْتُبُ عَلَى الْمُلْصَقِ مِنْ الْوَرَقَةِ وَإِنْ ضَاقَتْ كَتَبَ فِي الظَّهْرِ، وَالْحَاشِيَةُ أَوْلَى لَا وَرَقَةٌ أُخْرَى، وَيُشَافِهُهُ بِمَا عَلَيْهِ بَلْ إنْ اقْتَضَاهُمَا السُّؤَالُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَا يُلَقِّنُهُ عَلَى خَصْمِهِ فَإِنْ وَجَبَ الْإِفْتَاءُ قَدَّمَ السَّابِقَ بِفَتْوَى ثُمَّ أَقْرَعَ نَعَمْ يَجِبُ تَقْدِيمُ نِسَاءٍ وَمُسَافِرِينَ تَهَيَّئُوا أَوْ تَضَرَّرُوا بِالتَّخَلُّفِ إلَّا إنْ ظَهَرَ تَضَرُّرُ غَيْرِهِمْ بِكَثْرَتِهِمْ،

22,300

وَإِنْ سُئِلَ عَنْ الْإِخْوَةِ فَصَّلَ فِي جَوَابِهِ ابْنُ الْأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ،

22,301

وَإِنْ كَانَ فِي الْفَرِيضَةِ عَوْلٌ قَالَ الثُّمُنُ عَائِلًا وَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ مَنْ يَسْقُطُ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ بَيَّنَهُ وَيَكْتُبُ تَحْتَ الْفَتْوَى الصَّحِيحَةِ إنْ عَرَفَ أَنَّهَا لِأَهْلِ الْجَوَابِ صَحِيحٌ وَنَحْوُهُ، وَلَهُ أَنْ يُجِيبَ إنْ رَأَى ذَلِكَ وَيَخْتَصِرُ،

22,302

وَإِنْ جَهِلَ يَبْحَثُ عَنْ حَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ فَلَهُ أَمْرُهُ بِإِبْدَاءٍ لَهَا فَإِنْ تَعَسَّرَ أَجَابَ بِلِسَانِهِ،

22,303

وَإِنْ عُدِمَ الْمُفْتِي فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهَا وَلَا مَنْ يَنْقُلُ لَهُ حُكْمَهَا فَلَا يُؤَاخَذُ صَاحِبُ الْوَاقِعَةِ بِشَيْءٍ يُصِيبُهُ إذْ لَا تَكْلِيفَ (فَرْعٌ) أَفْتَاهُ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ الْعَمَلِ كَفَّ عَنْهُ،

22,304

وَكَذَا إذَا نَكَحَ امْرَأَةً بِفَتْوَاهُ ثُمَّ رَجَعَ لَزِمَهُ فِرَاقُهَا كَمَا فِي الْقِبْلَةِ،

22,305

وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْعَمَلِ وَقَدْ خَالَفَ دَلِيلًا قَاطِعًا نَقَضَهُ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي يُقَلِّدُ الْإِمَامَ فَنَصُّ إمَامِهِ وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادِيًّا فِي حَقِّهِ كَالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ، وَعَلَى الْمُفْتِي إعْلَامُهُ بِرُجُوعِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ

22,306

وَكَذَا بَعْدَهُ إنْ وَجَبَ النَّقْضُ،

22,307

وَإِنْ أَتْلَفَ بِفَتْوَاهُ لَا يَغْرَمُ وَلَوْ كَانَ أَهْلًا اهـ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (فَصْلٌ يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ) .

22,308

وَإِنْ دُوِّنَتْ الْمَذَاهِبُ كَالْيَوْمِ وَلَهُ الِانْتِقَالُ مِنْ مَذْهَبِهِ لَكِنْ لَا يَتَّبِعُ الرُّخَصَ فَإِنْ تَتَبَّعَهَا مِنْ الْمَذَاهِبِ فَهَلْ يَفْسُقُ وَجْهَانِ اهـ.

قَالَ الشَّارِحُ أَوْجَهُهُمَا لَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ عَقَدَ فِي أَوَّلِ التَّتَارْخَانِيَّة فَصْلَيْنِ فِي الْفَتْوَى حَاصِلُ الْأَوَّلِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ لَا تَحِلُّ الْفَتْوَى إلَّا لِمُجْتَهِدٍ وَمُحَمَّدٌ جَوَّزَهَا إذَا كَانَ صَوَابُ الرَّجُلِ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِهِ وَعَنْ الْإِسْكَافِ أَنَّ الْأَعْلَمَ بِالْبَلَدِ لَا يَسَعُهُ تَرْكُهَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِفْتَاءِ مَاشِيًا جَوَّزَهُ الْبَعْضُ، وَمَنَعَهُ آخَرُ وَاخْتَارَ الْإِسْكَافُ أَنْ يُفْتِيَ إنْ كَانَ شَيْئًا ظَاهِرًا وَإِلَّا لَا، وَكَانَ ابْنُ سَلَامٍ إذَا أَلَحَّ عَلَيْهِ الْمُسْتَفْتِي وَقَالَ جِئْت مِنْ مَكَان بَعِيدٍ يَقُولُ فَلَا نَحْنُ نَادَيْنَاكَ مِنْ حَيْثُ جِئْتنَا ...

وَلَا نَحْنُ عَمَّيْنَا عَلَيْكَ الْمَذَاهِبَا وَلَكِنْ اخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَإِنْ أَلَحَّ أَجَابَهُ بِذَلِكَ، وَحَاصِلُ الثَّانِي أَنَّ اخْتِلَافَ أَئِمَّةِ الْهُدَى تَوْسِعَةٌ عَلَى النَّاسِ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي جَانِبٍ وَهُمَا فِي جَانِبٍ خُيِّرَ الْمُفْتِي وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَعَ الْإِمَامِ أَخَذَ بِقَوْلِهِمَا إلَّا إذَا اصْطَلَحَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِ الْآخَرِ فَيَتَّبِعُهُمْ كَمَا اخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ قَوْلَ زُفَرَ فِي مَسَائِلَ.

22,309

وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَخَذَ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ

22,310

فَلَوْ لَمْ يَجِدْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مُجْتَهِدًا بِرَأْيِهِ إذَا كَانَ يَعْرِفُ وُجُوهَ الْفِقْهِ، وَيُشَاوِرُ أَهْلَهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْتَاءُ بِالْقَوْلِ الْمَهْجُورِ لِجَرِّ مَنْفَعَةٍ وَلَا يَرْجُو عَلَيْهِ دُنْيَا، وَرَدَّ مُفْتٍ زِرًّا عَلَى خَيَّاطٍ مُسْتَفْتٍ وَقَلَعَهُ مِنْ ثَوْبِهِ تَحَرُّرًا عَنْ شُبْهَةِ الرِّشْوَةِ،

22,311

وَمِنْ شَرَائِطِهَا حِفْظُهُ التَّرْتِيبَ وَالْعَدْلَ بَيْنَ الْمُسْتَفْتِينَ لَا يَمِيلُ إلَى الْأَغْنِيَاءِ وَأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَالْأُمَرَاءِ بَلْ يَكْتُبُ جَوَابَ السَّابِقِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا،

22,312

وَمِنْ آدَابِهِ أَنْ يَأْخُذَ الْوَرَقَةَ بِالْحُرْمَةِ وَيَقْرَأَ الْمَسْأَلَةَ بِالْبَصِيرَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ السُّؤَالُ، ثُمَّ يُجِيبُ وَإِذَا لَمْ يَتَّضِحْ السُّؤَالُ سَأَلَ مَنْ الْمُسْتَفْتِي وَلَا يَرْمِي بِالْكَاغَدِ إلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ وَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَأْخُذُ الرُّقْعَةَ مِنْ يَدِ امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ، وَكَانَ لَهُ تِلْمِيذٌ يَأْخُذُ مِنْهُمْ وَيَجْمَعُهَا وَيَرْفَعُهَا فَيَكْتُبُهَا تَعْظِيمًا لِلْعِلْمِ، وَالْأَحْسَنُ أَخْذُ الْمُفْتِي مِنْ كُلِّ أَحَدٍ تَوَاضُعًا،

22,313

وَيَجُوزُ لِلشَّابِّ الْفَتْوَى إذَا كَانَ حَافِظًا لِلرِّوَايَاتِ وَاقِفًا عَلَى الدِّرَايَاتِ مُحَافِظًا عَلَى الطَّاعَاتِ مُجَانِبًا لِلشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَالْعَالِمُ كَبِيرٌ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، وَالْجَاهِلُ صَغِيرٌ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِيَّةِ أَنَّ الْمُفْتِيَ يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ثُمَّ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ بِقَوْلِ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، وَلَا يُخَيَّرُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا،

22,314

وَإِذَا اخْتَلَفَ مُفْتِيَانِ يَتَّبِعُ قَوْلَ الْأَفْقَهِ مِنْهُمَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَوْرَعُهُمَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ عَقِبَ جَوَابِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَوْ نَحْوَهُ

22,315

وَقِيلَ فِي الْعَقَائِدِ يَكْتُبُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَنَحْوُهُ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الْإِفْتَاءَ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ لِلْأَهْلِ، وَلَا يَنْبَغِي الْإِفْتَاءُ إلَّا لِمَنْ عَرَفَ أَقَاوِيلَ الْعُلَمَاءِ، وَعَرَفَ مِنْ أَيْنَ قَالُوا فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ لَا يَخْتَارُ قَوْلًا يُجِيبُ بِهِ حَتَّى يَعْرِفَ حُجَّتَهُ وَيَنْبَغِي السُّؤَالُ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ زَمَانِهِ فَإِنْ اخْتَلَفُوا تَحَرَّى. اهـ.

وَصَحَّحَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ فِي جَانِبٍ وَهُمَا فِي جَانِبٍ فَالْأَصَحُّ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِقُوَّةِ الْمُدْرِكِ فَإِنْ

22,316

قُلْتَ: كَيْفَ جَازَ لِلْمَشَايِخِ الْإِفْتَاءُ بِغَيْرِ قَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ مَعَ أَنَّهُمْ مُقَلِّدُونَ؟

22,317

قُلْتُ: قَدْ أَشْكَلَ عَلَيَّ ذَلِكَ مُدَّةً طَوِيلَةً وَلَمْ أَرَ فِيهِ جَوَابًا إلَّا مَا فَهِمْته الْآنَ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ نَقَلُوا عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِنَا حَتَّى يَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ قُلْنَا حَتَّى نُقِلَ فِي السِّرَاجِيَّةِ أَنَّ هَذَا سَبَبُ مُخَالَفَةِ عِصَامٍ لِلْإِمَامِ، وَكَانَ يُفْتِي

22,318

بِخِلَافِ قَوْلِهِ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ الدَّلِيلَ، وَكَانَ يَظْهَرُ لَهُ دَلِيلٌ غَيْرُهُ فَيُفْتِيَ بِهِ فَأَقُولُ: إنَّ هَذَا الشَّرْطَ كَانَ فِي زَمَانِهِمْ،

22,319

أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَيُكْتَفَى بِالْحِفْظِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا، فَيَحِلُّ الْإِفْتَاءُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ بَلْ يَجِبُ وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ قَالَ وَعَلَى هَذَا فَمَا صَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَقَدْ صَحَّحُوا أَنَّ الْإِفْتَاءَ بِقَوْلِ الْإِمَامِ فَيَنْتِجُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِفْتَاءُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ،

22,320

وَإِنْ أَفْتَى الْمَشَايِخُ بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَفْتَوْا بِخِلَافِهِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ فِي حَقِّهِمْ وَهُوَ الْوُقُوفُ عَلَى دَلِيلِهِ،

22,321

وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا الْإِفْتَاءُ وَإِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَى دَلِيلِهِ، وَقَدْ وَقَعَ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي مَوَاضِعِ الرَّدِّ عَلَى الْمَشَايِخِ فِي الْإِفْتَاءِ بِقَوْلِهِمَا بِأَنَّهُ لَا يَعْدِلُ عَنْ قَوْلِهِ إلَّا لِضَعْفِ دَلِيلِهِ، وَهُوَ قَوِيٌّ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ لِكَوْنِهِ الْأَحْوَطَ وَفِي تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ فِي آخِرِ وَقْتِهِ إلَى آخِرِهَا.

ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَكِنْ هُوَ أَهْلٌ لِلنَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ،

22,322

وَمَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلنَّظَرِ فِيهِ فَعَلَيْهِ الْإِفْتَاءُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَهْلِيَّةِ هُنَا أَنْ يَكُونَ عَارِفًا مُمَيِّزًا بَيْنَ الْأَقَاوِيلِ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى تَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا يَصِيرُ الرَّجُلُ أَهْلًا لِلْفَتْوَى مَا لَمْ يَصِرْ صَوَابُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِهِ؛ لِأَنَّ الصَّوَابَ مَتَى كَثُرَ فَقَدْ غَلَبَ وَلَا عِبْرَةَ بِالْمَغْلُوبِ بِمُقَابَلَةِ الْغَالِبِ فَإِنَّ أُمُورَ الشَّرْعِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ،

22,323

وَفِي مَنَاقِبِ الْكَرْدَرِيِّ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَقَدْ سُئِلَ مَتَى يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفْتِيَ وَيَلِيَ الْقَضَاءَ؟ قَالَ: إذَا كَانَ بَصِيرًا بِالْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ عَارِفًا بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَافِظًا لَهُ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَقَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ

22,324

أَمَّا بَعْدَ التَّقَرُّرِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّقْلِيدُ اهـ.

22,325

وَمِنْ الْعَجَبِ مَا سَمِعْتُ مِنْ بَعْضِ حَنَفِيَّةِ عَصْرِنَا حِينَ تَكَلَّمْتُ قَدِيمًا مَعَهُ فِيهَا إنْ قَالَ لَمَّا أَفْتَى الْمَشَايِخُ بِشَيْءٍ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَوْلُ الْإِمَامِ فَقُلْتُ إنَّهُ خَطَأٌ لِأَنَّهُمْ يُبَيِّنُونَ قَوْلَ الْإِمَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، ثُمَّ يَقُولُونَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوْ مُحَمَّدٍ أَوْ زُفَرَ، وَسَمِعْتُ مِنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ الْكُلُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قُلْتُ نَعَمْ لَكِنَّ مَا خَرَجَ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَهُوَ مَرْجُوعٌ عَنْهُ لِمَا قَرَّرُوهُ فِي الْأُصُولِ مِنْ عَدَمِ إمْكَانِ صُدُورِ قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ مُجْتَهِدٍ، وَالْمَرْجُوعُ عَنْهُ لَمْ يَبْقَ قَوْلًا لَهُ كَمَا ذَكَرُوهُ.

منحة الخالقIbn Abidin · a gloss on البحر الرائق

(قَوْلُهُ ثُمَّ حَقِيقَةُ الِانْتِقَالِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ

7,638

قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْقُدُورِيِّ وَقَالَ الْأُصُولِيُّونَ أَجْمَعُ: لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ التَّقْلِيدِ بَعْدَ الْعَمَلِ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ الْفَتَاوَى وَالْمُفْتِي عَلَى مَذْهَبٍ إذَا أَفْتَى بِكَوْنِ الشَّيْءِ كَذَا عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ وَيُفْتِي بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ تَشَهٍّ،

7,639

وَقَالَ أَيْضًا إنَّهُ بِالْتِزَامِهِ مَذْهَبَ إمَامٍ يُكَلَّفُ بِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ غَيْرُهُ، وَالْمُقَلَّدُ لَا يَظْهَرُ لَهُ اهـ.

7,640

قُلْت: وَفِي التَّحْرِيرِ لِابْنِ الْهُمَامِ مَسْأَلَةٌ لَا يَرْجِعُ فِيمَا قَلَّدَ فِيهِ أَيْ عَمِلَ بِهِ اتِّفَاقًا، وَهَلْ يُقَلَّدُ غَيْرُهُ فِي غَيْرِهِ الْمُخْتَارُ نَعَمْ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَفْتُونَ مَرَّةً وَاحِدًا وَمَرَّةً غَيْرَهُ غَيْرَ مُلْتَزِمِينَ مُفْتِيًا وَاحِدًا

7,641

فَلَوْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهِ فَقِيلَ نَعَمْ،

7,642

وَقِيلَ لَا وَقِيلَ كَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ إنْ عَمِلَ بِحُكْمٍ تَقْلِيدًا لَا يَرْجِعُ عَنْهُ وَفِي غَيْرِهِ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُهُ شَرْعًا، وَيَتَخَرَّجُ مِنْهُ جَوَازُ اتِّبَاعِهِ لِلرُّخَصِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ إذْ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْلُكَ الْأَخَفَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ لَهُ إلَيْهِ سَبِيلٌ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَمِلَ بِآخَرَ فِيهِ اهـ.

وَلِلشَّيْخِ حَسَنٍ الشُّرُنْبُلَالِيُّ رِسَالَةٌ سَمَّاهَا الْعِقْدَ الْفَرِيدَ فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ وَذَكَرَ فِيهَا مَا حَاصِلُهُ أَنَّ دَعْوَى الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ فِيمَا قَلَّدَ فِيهِ ذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَتَبِعَهُمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ أَنَّ فِي كَلَامِ غَيْرِهِمَا مَا يُشْعِرُ بِإِثْبَاتِ الْخِلَافِ بَعْدَ الْعَمَلِ فَلَهُ التَّقْلِيدُ بَعْدَهُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ عَنْ الزَّرْكَشِيّ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ الْحَاجِّ وَالسَّيِّدِ بَادْشَاهْ فِي شَرْحِهِمَا عَلَى التَّحْرِيرِ أَيْ فَيَجُوزُ اتِّبَاعُ الْقَائِلِ بِالْجَوَازِ، وَأَيْضًا الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ؛

لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا بَقِيَ مِنْ آثَارِ الْفِعْلِ السَّابِقِ أَثَرٌ يُؤَدِّي إلَى تَلْفِيقِ الْعَمَلِ بِشَيْءٍ مُرَكَّبٍ مِنْ مَذْهَبَيْنِ كَتَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ وَالْإِمَامِ مَالِكٍ فِي طَهَارَةِ الْكَلْبِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ كَذَا ذَكَرَ الْعَلَّامَتَانِ ابْنُ حَجَرٍ وَالرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِمَا عَلَى الْمِنْهَاجِ.

7,643

وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ أَوْ الْمُرَادُ بِمَنْعِ الْمَرْجُوعِ فِيمَا قَلَّدَ فِيهِ اتِّفَاقًا الرُّجُوعُ فِي خُصُوصِ الْعَيْنِ لَا خُصُوصِ الْجِنْسِ، وَذَلِكَ بِنَقْضِ مَا فَعَلَهُ مُقَلِّدًا فِي فِعْلِهِ إمَامًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكَ إبْطَالَهُ بِإِمْضَائِهِ كَمَا لَوْ قَضَى بِهِ

7,644

فَلَوْ صَلَّى ظُهْرًا بِمَسْحِ رُبُعِ الرَّأْسِ لَيْسَ لَهُ إبْطَالُهَا بِاعْتِقَادِهِ لُزُومَ مَسْحِ الْكُلِّ،

7,645

وَأَمَّا لَوْ صَلَّى يَوْمًا عَلَى مَذْهَبٍ، وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ يَوْمًا آخَرَ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ اهـ.

وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِيهَا فَرَاجِعْهُ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ مِنْ جَوَازِ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ رَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ وَانْتَصَرَ لَهُ الْعَلَّامَةُ خَيْرُ الدِّينِ فِي حَاشِيَتِهِ هُنَا بِكَلَامٍ طَوِيلٍ، وَمَنَعَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَرَاجِعْهُ وَيُؤَيِّدُ مَنْعَهُ مَا فِي شَرْحِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ بَعْدَ نَقْلِهِ الْإِجْمَاعَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ حَيْثُ قَالَ إنْ صَحَّ احْتَاجَ إلَى جَوَابٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ إذْ فِي تَفْسِيقِ الْمُتَتَبِّعِ لِلرُّخَصِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ وَحَمَلَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الرِّوَايَةَ الْمُفَسِّقَةَ عَلَى غَيْرِ مُتَأَوِّلٍ وَلَا مُقَلِّدٍ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إنْ قَوِيَ دَلِيلٌ أَوْ كَانَ عَامِّيًّا لَا يَفْسُقُ وَفِي رَوْضَةِ النَّوَوِيِّ وَأَصْلُهَا عَنْ حِكَايَةِ الْحَنَّاطِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَفْسُقُ بِهِ ثُمَّ لَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَحْوِ مَا يَجْتَمِعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقُلْ بِمَجْمُوعِهِ مُجْتَهِدٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ اهـ.

وَسَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الشَّارِحِ أَنَّ فِي فِسْقِهِ وَجْهَيْنِ أَوْجَهُهُمَا عَدَمُهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

(قَوْلُهُ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ قَوْلُهُ أَخَفُّ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْجُمْلَةُ مِنْ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ نَعْتٌ لِمُجْتَهِدٍ. [فَصْلٌ فِي الْمُفْتِي]

(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى فِيهِ قَوْلَانِ) أَيْ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَوَابِ فِيهِ قَوْلَانِ. [فَصْلٌ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ لِلْإِفْتَاءِ] فَصْلٌ فِي التَّقْلِيدِ) .

(قَوْلُهُ نَقَلُوا عَنْ أَصْحَابنَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَلَامُهُ هُنَا مُوهِمٌ أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيُّ عَنْ الْمَشَايِخِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِهِ.

(قَوْلُهُ بَلْ يَجِبُ الْإِفْتَاءُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ قَالَ) اعْتَرَضَهُ الْمُحَشِّي الرَّمْلِيُّ فَقَالَ هَذَا مُضَادٌّ لِقَوْلِهِ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِنَا حَتَّى يَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ قُلْنَا إذْ هُوَ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْإِفْتَاءِ لِغَيْرِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُجُوبِهِ فَنَقُولُ مَا يَصْدُرُ مِنْ غَيْرِ الْأَهْلِ لَيْسَ بِإِفْتَاءٍ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةٌ عَنْ الْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ قَائِلٌ بِكَذَا وَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَلْحَظِ تَجُوزُ حِكَايَةُ قَوْلِ غَيْرِ الْإِمَامِ، فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِفْتَاءُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ وَإِنْ أَفْتَى الْمَشَايِخُ بِخِلَافِهِ وَنَحْوِهِ إنَّمَا نَحْكِي فَتْوَاهُمْ لَا غَيْرُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.

قُلْتُ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ صَاحِبُ الْأَقْضِيَةِ أَبُو جَعْفَرٍ بَعْدَمَا بَيَّنَ أَهْلِيَّةَ الْقَضَاءِ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْضِيَ بِالنَّاسِ إلَّا مَنْ كَانَ هَكَذَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْمُفْتِيَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ، قَالَ إلَّا أَنْ يُفْتِيَ بِشَيْءٍ قَدْ سَمِعَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ حَاكٍ مَا سَمِعَ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّاوِي فِي بَابِ الْأَحَادِيثِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّاوِي مِنْ النَّقْلِ وَالضَّبْطِ وَالْعَدَالَةِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِنَا مَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ قُلْنَا،

7,646

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلَ الِاجْتِهَادِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ إلَّا بِطَرِيقِ الْحِكَايَةِ فَيَحْكِي مَا يَحْفَظُ مِنْ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ اهـ.

فَقَوْلُهُ فَيَحْكِي مَا يَحْفَظُ إلَخْ بِإِطْلَاقِهِ يُفِيدُ عَدَمَ وُجُوبِ الْتِزَامِ حِكَايَةِ مَذْهَبِ الْإِمَامِ نَعَمْ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ يَظْهَرُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ مَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبَ الْإِمَامِ لَا يَحِلُّ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ فِي غَيْرِ مَا عَمِلَ بِهِ، وَقَدْ عَلِمْت مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ التَّحْرِيرِ أَنَّهُ خِلَافُ الْمُخْتَارِ، وَأَنْتَ تَرَى أَصْحَابَ الْمُتُونِ الْمُعْتَمَدَةِ قَدْ يَمْشُونَ عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِ الْإِمَامِ،

7,647

وَإِذَا أَفْتَى الْمَشَايِخُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِفَقْدِ الدَّلِيلِ فِي حَقِّهِمْ فَنَحْنُ نَتَّبِعُهُمْ إذْ هُمْ أَعْلَمُ، وَكَيْفَ يُقَالُ يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِفْتَاءُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ لِفَقْدِ الشَّرْطِ، وَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَدْ فَقَدَ الشَّرْطَ أَيْضًا فِي حَقِّ الْمَشَايِخِ فَهَلْ تَرَاهُمْ ارْتَكَبُوا مُنْكَرًا.

7,648

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِنْصَافَ الَّذِي يَقْبَلُهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ أَنَّ الْمُفْتِيَ فِي زَمَانِنَا يَنْقُلُ مَا اخْتَارَهُ الْمَشَايِخُ وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّلَبِيِّ فِي فَتَاوِيهِ حَيْثُ قَالَ الْأَصْلُ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلِذَا تَرْجِيحُ الْمَشَايِخِ دَلِيلَهُ فِي الْأَغْلَبِ عَلَى دَلِيلِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيُجِيبُونَ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مُخَالِفُهُ وَهَذَا أَمَارَةُ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْفَتْوَى عَلَيْهِ إذْ التَّرْجِيحُ كَصَرِيحِ التَّصْحِيحِ؛ لِأَنَّ الْمَرْجُوحَ طَائِحٌ بِمُقَابَلَتِهِ بِالرَّاجِحِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَعْدِلُ الْمُفْتِي وَلَا الْقَاضِي عَنْ قَوْلِهِ إلَّا إذَا صَرَّحَ أَحَدٌ مِنْ الْمَشَايِخِ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِقَوْلِ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يُرَجِّحْ فِيهَا قَوْلَ غَيْرِهِ، وَرَجَّحُوا فِيهَا دَلِيلَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى دَلِيلِهِ فَإِنْ حَكَمَ فِيهَا فَحُكْمُهُ غَيْرُ مَاضٍ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ الِانْتِقَاضِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ أَيْضًا فِي صَدْرِ شَرْحِهِ عَلَى التَّنْوِيرِ حَيْثُ

7,649

قَالَ: وَأَمَّا نَحْنُ فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُ مَا رَجَّحُوهُ وَمَا صَحَّحُوهُ كَمَا لَوْ أَفْتَوْا فِي حَيَاتِهِمْ فَإِنْ قُلْتَ قَدْ يَحْكُونَ أَقْوَالًا بِلَا تَرْجِيحٍ، وَقَدْ يَخْتَلِفُونَ فِي التَّصْحِيحِ

7,650

قُلْتُ: يَعْمَلُ بِمِثْلِ مَا عَمِلُوا مِنْ اعْتِبَارِ تَغَيُّرِ الْعُرْفِ وَأَحْوَالِ النَّاسِ وَمَا هُوَ إلَّا رِفْقٌ، وَمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ التَّعَامُلُ وَمَا قَوِيَ وَجْهُهُ وَلَا يَخْلُو الْوُجُودُ مِمَّنْ يُمَيِّزُ هَذَا حَقِيقَةً لَا ظَنًّا وَعَلَى مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ أَنْ يَرْجِعَ لِمَنْ يُمَيِّزُ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ اهـ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(قَوْلُهُ لَكِنْ هُوَ أَهْلٌ لِلنَّظَرِ) الِاسْتِدْرَاكُ بِالنَّظَرِ إلَى قَوْلِهِ لَا يَعْدِلُ عَنْ قَوْلِهِ إلَّا لِضَعْفِ دَلِيلِهِ يَعْنِي أَنَّ مِثْلَ الْمُحَقِّقِ لَهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلنَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ،

7,651

وَأَمَّا مِثْلُنَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ أَصْلًا.

النهر الفائق'Umar Ibn Nujaym

(والمفتي ينبغي أن يكون كذلك) أي: موثوقًا به في علمه وأمانته إلى آخره وإن مجتهدًا.

10,381

قال في (الفتح) : واعلم أن ما ذكر في القاضي ذكر في المفتي إلا المجتهد، وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد فمن يحفظ أقوال المجتهدين وكره التقلد لمن خاف الحيف وإن أمنه لا، ولا يسأل القضاء فيلس بمفت والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد كأبي حنفية على جهة الحكاية فعرف أن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ المستفتي، وطريق نقله كذلك من المجتهد أحد أمرين

10,382

إما أن يكون/ له فيه سند إليه أو يأخذه من كتاب معروف تداولته الأيدي نحو كتب محمد ابن الحسن ونحو هاتين من التصانيف المشهورة للمجتهدين لأنه بمنزلة الخبر المتواتر أو المشهور هكذا ذكر الرزاي، فعلى هذا لو وجد بعض نسخ (النوادر) في زماننا لا يحل عزو ما فيه إلى محمد ولا إلى أبي يوسف لأنها لم تشهر في عصرنا في ديارنا ولم يتداول نعم إذا وجد النقل عن (النوادر) مثلًا في كتاب مشهور معروف (كالهداية) و (المبسوط) كان ذلك تعويلًا على ذلك الكتاب.

تبيين الحقائقal-Zayla'i

(وَالْمُفْتِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَكَذَا) يَعْنِي فِي الْعِلْمِ وَالْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى الْمَقْصُودِ وَأَبْعَدُ مِنْ الْغَلَطِ وَأَكْثَرُ اهْتِمَامًا فِي دِينِهِ عِنْدَ تَجَدُّدِ الْحَوَادِثِ فَيَكُونُ كَلَامُهُ أَوْثَقَ فَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

Adds nothing on this mas’ala.

حاشية الشلبيal-Shalabi · a gloss on تبيين الحقائق

Says nothing on this mas’ala.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.