ولو دفع غزلًا لينسجه بنصفه أو استأجره ليحمل طعامه بقفيزٍ منه أو ليخبز له كذا اليوم بدرهمٍ لم يجز
Its commentaries
(وَلَوْ دَفَعَ غَزْلًا لِيَنْسِجَهُ بِنِصْفِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ طَعَامَهُ بِقَفِيزٍ مِنْهُ أَوْ لِيَخْبِزَ لَهُ كَذَا الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ جَعَلَ الْأُجْرَةَ بَعْضَ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ فَيَصِيرُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ مَا يَخْرُجُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَقْدِرُ بِغَيْرِهِ فَلَا يُعَدُّ قَادِرًا فَإِذَا نُسِجَ أَوْ عُمِلَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى
بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ لَهُ نِصْفَ هَذَا الطَّعَامِ بِنِصْفِهِ الْآخَرِ حَيْثُ لَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ الْأَجِيرَ مَلَكَ فِيهِ النِّصْفَ فِي الْحَالِ بِالتَّعْجِيلِ فَصَارَ الطَّعَامُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ وَمَنْ حَمَلَ طَعَامًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ شَيْئًا لِشَرِيكِهِ عَمَّا لَا يَقَعُ بَعْضُهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ، هَكَذَا قَالُوا قَالَ الشَّارِحُ وَفِيهِ إشْكَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ وَالْأُجْرَةُ لَا تُمْلَكُ إلَّا فِي الصَّحِيحَةِ مِنْهَا بِالْعَقْدِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا عَلَى مَا بَيَّنَّا فَكَيْفَ تُمْلَكُ هُنَا مِنْ غَيْرِ تَسْلِيمٍ وَمِنْ غَيْرِ شَرْطِ التَّعْجِيلِ، الثَّانِي أَنَّهُ قَالَ مَلَكَهُ فِي الْحَالِ.
وَقَوْلُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ يُنَافِي الْمِلْكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إذَا مَلَكَ بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ فَكَيْفَ يَمْلِكُ وَبِأَيِّ سَبَبٍ يَمْلِكُ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَلَكَ هُنَا بِالتَّعْجِيلِ وَالتَّسْلِيمِ كَمَا صَرَّحَ هُوَ بِهِ فِي تَقْرِيرِهِ وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ حَيْثُ قَالَا وَدُفِعَ إلَيْهِ وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِهِ مَلَكَهُ فِي الْحَالِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مَلَكَهُ فِي الْحَالِ يَعْنِي ابْتِدَاءً بِمُوجِبِ الْعَقْدِ وَتَسْلِيمِ الْأَجْرِ إلَى الْأَجِيرِ بِالتَّعْجِيلِ وَمَعْنَى لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ قَبْلَ الْعَمَلِ بَعْدَ أَنْ مَلَكَ الْأَجْرَ بِالتَّسْلِيمِ بِسَبَبِ أَنَّهُ صَارَ شَرِيكًا فِي الطَّعَامِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ لَوْ قَالَ احْمِلْ لِي هَذَا الْكُرَّ إلَى بَغْدَادَ بِنِصْفِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ شَرِيكًا وَتَفْسُدُ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ وَلِلْأَجِيرِ أَجْرُ مِثْلِهِ إنْ وَصَلَ إلَى بَغْدَادَ لَا يَتَجَاوَزُ الْمُسَمَّى وَمَشَايِخُ بَلْخٍ وَالنَّسَفِيُّ جَوَّزُوا حَمْلَ الطَّعَامِ بِبَعْضِ الْمَحْمُولِ وَنَسْجَ الثَّوْبِ بِبَعْضِ الْمَنْسُوجِ لِتَعَامُلِ أَهْلِ بِلَادِهِمْ بِذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالتَّعَامُلِ كَمَا فِي الِاسْتِصْنَاعِ وَمَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ وَقَالُوا هَذَا التَّخْصِيصُ تَعَامُلُ أَهْلِ بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِهِ لَا يُخَصُّ الْأَثَرُ وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ أَنْ يَشْتَرِطَا قَفِيزًا مُطْلَقًا فَإِذَا عَمِلَ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ دَفَعَ إلَى حَائِكٍ ثَوْبًا لِيَنْسِجَهُ بِنِصْفِهِ أَوْ بِثُلُثِهِ أَوْ رُبْعِهِ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا وَبِهِ أَفْتَى الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَالسَّيِّدُ الْإِمَامُ الشَّهِيدُ.
وَمَشَايِخُ بَلْخٍ يُفْتُونَ بِالْجَوَازِ لِعُرْفِ بِلَادِهِمْ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ. اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ اسْتَأْجَرَ ثَوْرًا لِيَطْحَنَ لَهُ إرْدَبًّا بِبَعْضٍ مِنْهُ أَوْ حِمَارًا لِيَحْمِلَ لَهُ إرْدَبًّا بِبَعْضٍ مِنْهُ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ،
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا بِنِصْفِ مَا رَبِحَ فِيهِ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ اسْتَأْجَرَ حَائِكًا لِيَنْسِجَ هَذَا الثَّوْبَ بِنِصْفِهِ عَلَى أَنْ يَزِيدَ رِطْلًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَجَ وَزَادَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ وَيَضْمَنُ صَاحِبُ الثَّوْبِ لِلْحَيَّاكِ رِطْلًا مِنْ الْغَزْلِ،
وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيُنَجِّزَ لَهُ طُولَ النَّهَارِ بِدِرْهَمٍ؛ فَلِأَنَّ ذِكْرَ الْوَقْتِ يُوجِبُ كَوْنَ الْمَعْقُودِ هُوَ الْمَنْفَعَةُ وَذِكْرَ الْعَمَلِ يُوجِبُ كَوْنَ الْعَمَلِ هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ اُسْتُحِقَّ الْأَجْرُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ عَمِلَ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْعَمَلِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِالْعَمَلِ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ، وَقَالَا الْعَقْدُ جَائِزٌ وَيَكُونُ الْعَقْدُ عَلَى الْعَمَلِ دُونَ الْيَوْمِ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْهُ نِصْفَ النَّهَارِ فَلَهُ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فِي الْيَوْمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْغَدِ، وَذِكْرُ الْيَوْمِ لِلتَّعْجِيلِ فَصَارَ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ عَلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَالْفَرْقُ لِلْإِمَامِ هُنَا أَنَّ الْيَوْمَ لَمْ يُذْكَرْ هُنَا إلَّا لِإِثْبَاتِ صِفَةٍ فِي الْعَمَلِ، وَالصِّفَةُ تَابِعَةٌ لِلْمَوْصُوفِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِالذَّاتِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ ذَكَرَ الْيَوْمَ قَصْدًا وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَخِيطَ لَهُ هَذَا الثَّوْبَ قَمِيصًا الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْإِمَامِ،
وَلَوْ قَالَ لِيَخِيطَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَقْتَ يَجُوزُ،
وَلَوْ قَالَ لِيَخِيطَهُ قَمِيصًا وَيَفْرُغَ فِي الْيَوْمِ جَازَ.
وَلَوْ قَالَ بِشَرْطِ أَنْ يَفْرُغَ أَوْ عَلَى أَنْ يَفْرُغَ فِي الْيَوْمِ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ قُلْت وَرَدَ فِي بَابِ الرَّاعِي إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ يُعْتَبَرُ الْأَوَّلُ
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: لَوْ اسْتَأْجَرَهُ شَهْرًا لِيَرْعَى غَنَمَهُ بِدِرْهَمٍ أَوْقَعَ الْعَقْدَ عَلَى الْعَمَلِ لَمَّا قَدَّمَ ذِكْرَ الْعَمَلِ عَلَى الْوَقْتِ وَالْعِلَّةُ الَّتِي اقْتَضَتْ فَسَادَ الْعَقْدِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ فَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنْ يَفْسُدَ فِي الرَّاعِي كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ
وَيَجُوزُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ كَمَا جَازَ فِي مَسْأَلَةِ الرَّاعِي تَرْجِيحًا لِلْمُقَدَّمِ فِي الذِّكْرِ وَمَا الْفَارِقُ بَيْنَهُمَا، أَقُولُ: الْفَارِقُ بَيْنَهُمَا
قَالَ فِي الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَنَّهُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْوَقْتِ وَالْعَمَلِ إنَّمَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ إذَا ذُكِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَعْقُودًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْوَقْتِ وَالْعَمَلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُجَوِّزُ إفْرَادَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ بَيَانُهُ إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَوْمًا لِيَبْنِيَ لَهُ بِالْجِصِّ وَالْآجُرِّ جَازَ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الْوَقْتِ وَالْعَمَلِ فَكَانَ ذِكْرُ الْبِنَاءِ لِبَيَانِ نَوْعِ الْعَمَلِ، وَهَذَا الْعَمَلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَجُوزُ إفْرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ ذُكِرَ الْعَمَلُ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ إفْرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ فَإِنْ بَيَّنَ قَدْرَ الْبِنَاءِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ اهـ.
فَعَلَى مَسْأَلَةِ الْخُبْزِ بَيَّنَ قَدْرَ الْمَحَلِّ تَفْسُدُ وَفِي مَسْأَلَةِ الرَّاعِي لَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ الْغَنَمِ الْمَرْعِيِّ فَلَا يَفْسُدُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا، وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ لَهُ هَذَا الْيَوْمَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ الْيَوْمَ فَهُوَ عَلَى الْمَحَلِّ دُونَ الْوَقْتِ اهـ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
Says nothing on this mas’ala.
Says nothing on this mas’ala.
(وَلَوْ دَفَعَ غَزْلًا لِيَنْسِجَهُ بِنِصْفِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ طَعَامَهُ بِقَفِيزٍ مِنْهُ أَوْ لِيَخْبِزَ لَهُ كَذَا الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ جَعَلَ الْأَجْرَ بَعْضَ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ فَيَصِيرُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ ثَوْرًا لِيَطْحَنَ لَهُ حِنْطَةً بِقَفِيزٍ مِنْ دَقِيقِهِ فَصَارَ هَذَا أَصْلًا يُعْرَفُ بِهِ فَسَادُ جِنْسِهِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِ الْأَجْرِ لِأَنَّهُ بَعْضُ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِ الْأَجِيرِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ بِغَيْرِهِ فَلَا يُعَدُّ قَادِرًا فَفَسَدَ وَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَجْرَ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِعَمَلِ الْأَجِيرِ الْعَمَلَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَتَكُونُ الْقُدْرَةُ الَّتِي هِيَ شَرْطُ الْعَقْدِ قَائِمَةً بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَتَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِ الْعَقْدِ وَالشَّرْطُ لَا يَصْلُحُ حُكْمًا فَكَذَا لَا يَصْلُحُ قَائِمًا بِهِ،
فَإِذَا نَسَجَ أَوْ حَمَلَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى
بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ لَهُ نِصْفَ هَذَا الطَّعَامِ بِنِصْفِهِ الْآخَرِ حَيْثُ لَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَجْرِ لِأَنَّ الْأَجِيرَ فِيهِ مَلَكَ النِّصْفَ فِي الْحَالِّ بِالتَّعْجِيلِ فَصَارَ الطَّعَامُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِّ وَمَنْ حَمَلَ طَعَامًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ شَيْئًا لِشَرِيكِهِ إلَّا وَيَقَعُ بَعْضُهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ هَكَذَا قَالُوا،
وَفِيهِ إشْكَالَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ وَالْأُجْرَةَ لَا تُمْلَكُ بِالصَّحِيحَةِ مِنْهَا بِالْعَقْدِ عِنْدَنَا سَوَاءٌ كَانَ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ فَكَيْفَ مَلَكَهُ هُنَا مِنْ غَيْرِ تَسْلِيمٍ وَمِنْ غَيْرِ شَرْطِ التَّعْجِيلِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ مَلَكَهُ فِي الْحَالِّ قَوْلُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ يُنَافِي فِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إذَا مَلَكَهُ إلَّا بِطَرِيقِ الْأُجْرَةِ،
فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ وَبِأَيِّ سَبَبٍ يَمْلِكُهُ وَكَانَ مَشَايِخُ بَلْخٍ وَالنَّسَفِيُّ يُجِيزُونَ حَمْلَ الطَّعَامِ بِبَعْضِ الْمَحْمُولِ وَنَسْجَ الثَّوْبِ بِبَعْضِ الْمَنْسُوجِ لِتَعَامُلِ أَهْلِ بِلَادِهِمْ بِذَلِكَ، وَقَالُوا مَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ إنَّمَا لَمْ يُجَوِّزْهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالتَّعَارُفِ، وَلَئِنْ قُلْنَا إنَّ النَّصَّ يَتَنَاوَلُهُ دَلَالَةً فَالنَّصُّ يَخْتَصُّ بِالتَّعَامُلِ أَلَا نَرَى أَنَّ الِاسْتِصْنَاعَ تُرِكَ الْقِيَاسُ فِيهِ وَخُصَّ عَنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ بِالتَّعَامُلِ وَمَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لَمْ يُجَوِّزُوا هَذَا التَّخْصِيصَ؛
لِأَنَّ ذَلِكَ تَعَامُلُ أَهْلِ بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِهِ لَا يُخَصُّ الْأَثَرُ
بِخِلَافِ الِاسْتِصْنَاعِ فَإِنَّ التَّعَامُلَ بِهِ جَرَى فِي كُلِّ الْبِلَادِ وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ وَيُخَصُّ الْأَثَرُ، وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ قَفِيزًا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ مِنْ الْمَحْمُولِ أَوْ مِنْ الْمَطْحُونِ فَيَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ يُعْطِيه مِنْهُ ثُمَّ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ مَتَى مَا جَعَلَ الْمُسْتَأْجِرُ الْمَحْمُولَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ وَشَرَطَ لَهُ الْأَجْرَ مِنْ الْمَحْمُولِ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ،
فَإِذَا عَمِلَ الْأَجِيرُ اسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ كَمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ الْمَذْكُورَةِ وَمَتَى مَا جَعَلَ الْمَحْمُولَ بَعْضَهُ لَهُ وَالْبَعْضَ الْبَاقِيَ أُجْرَةً بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ وَإِنْ حَمَلَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا لِأَنَّهُ مَلَكهُ بِالْعَقْدِ وَفِي الْأَوَّلِ لَمْ يَمْلِكْهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَفِي الثَّالِثِ وَهُوَ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَخْبِزَ لَهُ كَذَا الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ فَلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْوَقْتِ يُوجِبُ كَوْنَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ هِيَ الْمَنْفَعَةُ وَذِكْرُ الْعَمَلِ مَعَ تَقْدِيرِ الدَّقِيقِ يُوجِبُ كَوْنَ الْعَمَلِ هُوَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَنَفْعُ الْمُسْتَأْجَرِ فِي وُقُوعِهَا عَلَى الْعَمَلِ؛
لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إلَّا بِالْعَمَلِ لِكَوْنِهِ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا، وَنَفْعُ الْأَجِيرِ فِي وُقُوعِهَا عَلَى الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ عَمِلَ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ فَفَسَدَ الْعَقْدُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَا إنَّ الْإِجَارَةَ جَائِزَةٌ ذَكَرَ قَوْلَهُمَا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمَبْسُوطِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَيَكُونُ الْعَقْدُ عَلَى الْعَمَلِ دُونَ الْيَوْمِ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْهُ نِصْفَ النَّهَارِ فَلَهُ الْأَجْرُ كَامِلًا،
وَإِنْ لَمْ يُفْرِغْهُ فِي الْيَوْمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَهُ فِي الْغَدِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الْعَمَلُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ مَعْلُومٌ وَذِكْرُ الْيَوْمِ لِلتَّعْجِيلِ فَكَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ عَلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَيُرَجَّحُ بِكَوْنِ الْعَمَلِ مَقْصُودًا دُونَ الْوَقْتِ وَتَقْدِيرُ الْمَعْمُولِ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إذَا وَقَعَتْ عَلَى الْمَنْفَعَةِ لَا تُقَدَّرُ بِالْعَمَلِ، وَإِنَّمَا تُقَدَّرُ بِالْوَقْتِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ إذَا سَمَّى عَمَلًا،
وَقَالَ فِي الْيَوْمِ جَازَتْ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ فِي لِلظَّرْفِ لَا لِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ فَلَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ فَكَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَمَلَ وَهُوَ مَعْلُومٌ
بِخِلَافِ مَا إذَا حُذِفَتْ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فِي الطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أَوْ فِي الْغَدِ،
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَخْبِزَ لَهُ كَذَا مِنْ الدَّقِيقِ عَلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُ الْيَوْمَ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْيَوْمَ هُنَا لَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا لِإِثْبَاتِ صِفَةٍ فِي الْعَمَلِ وَالصِّفَةُ تَابِعَةٌ لِلْمَوْصُوفِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِالْعَقْدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ خَبَّازٌ أَوْ كَاتِبٌ لَمْ تَكُنْ الْكِتَابَةُ وَالْخَبْزُ مَعْقُودًا عَلَيْهِمَا مَقْصُودًا حَتَّى لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ،
وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ ذَكَرَ الْيَوْمَ قَصْدًا كَالْعَمَلِ، وَقَدْ أُضِيفَ الْعَقْدُ إلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا فِي جَعْلِهِ مَعْقُودًا عَلَيْهِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ أَغْرَاضِ الْمُسْتَأْجِرِينَ وَرَغَبَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إلَى الْوَقْتِ طَمَعًا فِي زِيَادَةِ الْعَمَلِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إلَى الْعَمَلِ خَوْفًا مِنْ بَطَالَةِ الْعَامِلِ وَمُضِيِّ الْوَقْتِ بِلَا عَمَلٍ، وَقَدْ تَخْتَلِفُ أَغْرَاضُ الْأُجَرَاءِ أَيْضًا فَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إلَى الْعَمَلِ كَيْ يَفْرُغَ مِنْهُ بِالْعَجَلَةِ وَيَشْتَغِلَ بِعَمَلٍ آخَرَ أَوْ يَسْتَرِيحَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إلَى الْوَقْتِ كَيْ يَسْتَحِقَّ الْأُجْرَةَ،
وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَفَسَدَ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ، وَلَوْ دَفَعَ) بِلَا ضَمِيرٍ كَذَا فِي خَطِّ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ،
وَلَوْ دَفَعَهُ بِالضَّمِيرِ اهـ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَتْنِ وَلَوْ دَفَعَ غَزْلًا إلَخْ مَا نَصُّهُ
قَالَ فِي شَرْحِ الْأَتْقَانِيِّ قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَصُورَتُهَا فِيهِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ دَفَعَ غَزْلًا إلَى حَائِكٍ يَحُوكُهُ ثَوْبًا عَلَى النِّصْفِ قَالَ هَذَا بَاطِلٌ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلٍ وَالثَّوْبُ لِصَاحِبِ الْغَزْلِ. إلَى هُنَا لَفْظُ أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ،
وَكَذَا إذَا اسْتَأْجَرَ حِمَارًا أَوْ رَجُلًا يَحْمِلُ طَعَامًا بِقَفِيزٍ مِنْهُ مَحْمُولًا،
وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ طَحَّانًا يَطْحَنُ طَعَامًا بِقَفِيزِ دَقِيقٍ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ
وَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَكَانَ مَشَايِخُ بَلْخٍ يُجِيزُونَ ذَلِكَ مِثْلَ نَصِيرِ بْنِ يَحْيَى وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ،
وَقَالَ فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى رَجُلٌ دَفَعَ إلَى حَائِكٍ غَزْلًا وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَنْسِجَ لَهُ ثَوْبًا وَبَيَّنَ صِفَتَهُ عَلَى أَنَّ ثُلُثَهُ أَوْ رُبْعَهُ لِلْحَائِكِ أَجْرًا لِعَمَلِهِ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُفْتِي بِجَوَازِهِ بِنَسَفَ بِحُكْمِ الْعُرْفِ قَالَ وَالْفَتْوَى عَلَى جَوَابِ الْكِتَابِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْخُلَاصَةِ،
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَرْثِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ إبْرَاهِيمُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ وَنَحْوِهِ،
أَمَّا فَسَادُ الْإِجَارَةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَلِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ جَعَلَ الْأَجْرَ شَيْئًا مَعْدُومًا وَمَا هُوَ بَعْضُ الثَّوْبِ وَبَعْضُ الطَّعَامِ الْمَحْمُولِ وَالْأَجْرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا فَكَانَ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ وَصُورَتُهُ أَنْ يَدْفَعَ حِنْطَةً إلَى طَحَّانٍ يَطْحَنُهَا بِقَفِيزٍ مِنْ دَقِيقٍ هَذِهِ الْحِنْطَةُ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِجَارَةِ عَنْ كِتَابِ الْآثَارِ مُسْنَدًا إلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «مَرَّ بِحَائِطٍ فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ لِمَنْ هَذَا فَقَالَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَأْجَرْته فَقَالَ لَا تَسْتَأْجِرْهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ».
وَالثَّانِي أَنَّ الْعَمَلَ لِحُكْمِ هَذِهِ الْإِجَارَةِ إنْ صَادَفَتْ مَحَلًّا غَيْرَ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الِابْتِدَاءِ فَفِي الِانْتِهَاءِ صَادَفَتْ مَحَلًّا مُشْتَرَكًا؛ لِأَنَّهُ إذَا عَمِلَ صَارَ شَرِيكًا،
وَلَوْ وَقَعَ الْعَمَلُ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فِي مَحَلٍّ مُشْتَرَكٍ كَمَا لَوْ اُسْتُؤْجِرَ لِحَمْلِ طَعَامٍ مُشْتَرَكٍ أَوْ لِطَحْنِ حِنْطَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّحَّانِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْعَقْدُ أَصْلًا حَتَّى لَا يَجِبَ الْأَجْرُ فَإِذَا صَادَفَ مَحَلًّا غَيْرَ مُشْتَرَكٍ ابْتِدَاءً وَمُشْتَرَكًا انْتِهَاءً لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ وَيَمْتَنِعُ وَصْفُ الصِّحَّةِ ثُمَّ إذَا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى جَوَابِ الْكِتَابِ كَانَ لِلْعَامِلِ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِعَمَلِهِ مَجَّانًا فَإِذَا سَلَّمَ عَمَلَهُ وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْمُسَمَّى كَانَ لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ لَكِنْ لَا يُجَاوِزُ بِهِ قِيمَةَ الْمُسَمَّى؛
لِأَنَّ الْعَامِلَ رَضِيَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الزِّيَادَةَ،
وَفِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ لَا يُزَادُ عَلَى قِيمَةِ الْمُسَمَّى إلَّا إذَا كَانَ الْفَسَادُ لِجَهَالَةِ الْمُسَمَّى بِأَنْ سَمَّى الْأَجْرَ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا فَحِينَئِذٍ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ،
وَكَذَا إذَا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْأَجِيرِ كَمَا لَوْ آجَرَ دَارِهِ كُلَّ شَهْرٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَعْمُرَهَا وَيُؤَدِّيَ نَوَائِبَهَا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ،
فَإِنْ لَمْ يَعْمُرْهَا الْمُسْتَأْجِرُ، وَلَمْ يُؤَدِّ نَوَائِبَهَا يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَلَا يَنْقُصُ عَنْ الْمُسَمَّى،
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ آجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنْ لَا تَسْكُنَهَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْإِجَارَةُ،
فَإِنْ سَكَنَهَا يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ يُزَادُ عَلَى الْمُسَمَّى وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ، وَهَذَا أَيْضًا يَرْجِعُ إلَى جَهَالَةِ الْمُسَمَّى فِي الْحَقِيقَةِ. كَذَا قَالَ فَخْرُ الدِّينِ قَاضِيخَانْ، وَإِنَّمَا كَانَ الثَّوْبُ لِصَاحِبِ الْغَزْلِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْأَصْلِ
وَأَمَّا مَشَايِخُ بَلْخٍ فَإِنَّمَا جَوَّزُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ تَعَامَلُوا بِذَلِكَ حَيْثُ احْتَاجُوا إلَيْهِ وَوَجَدُوا لَهُ نَظِيرًا وَهُوَ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُعَامَلَةُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ فَصَارَ هَذَا أَصْلًا يُعْرَفُ بِهِ إلَخْ)
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ يُعْرَفُ بِهِ فَسَادُ كَثِيرٍ مِنْ الْإِجَارَاتِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَيْ جَعْلُ الْأَجْرِ بَعْضَ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِ الْأَجِيرِ أَصْلٌ عَظِيمٌ يُعْرَفُ بِهِ حُكْمُ كَثِيرٍ مِنْ الْإِجَارَاتِ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَعْصِرَ لَهُ قَفِيزَ سِمْسِمٍ بِمَنٍّ مِنْ دُهْنِهِ،
وَكَذَلِكَ إذَا دَفَعَ أَرْضَهُ لِيَغْرِسَ شَجَرًا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ وَالشَّجَرُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الشَّجَرِ وَأَجْرُ مَا عَمِلَ كَذَا فِي الشَّامِلِ،
وَكَذَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَغْزِلَ هَذَا الْقُطْنَ أَوْ هَذَا الصُّوفَ بِرِطْلٍ مِنْ غَزْلِهِ، وَعَلَى هَذَا اجْتِنَاءُ الْقُطْنِ بِالنِّصْفِ وَدِيَاسُ الدُّخْنِ بِالنِّصْفِ وَحَصَادُ الْحِنْطَةِ بِالنِّصْفِ وَنَحْوُ ذَلِكَ كُلُّهُ لَا يَجُوزُ اهـ.
(قَوْلُهُ فَكَيْفَ مَلَكَهُ هُنَا مِنْ غَيْرِ تَسْلِيمٍ) الْفَرْضُ أَنَّهُ وُجِدَ التَّسْلِيمُ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْحَمْلِ وُجِدَ التَّسْلِيمُ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(قَوْلُهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ مَلَكَهُ فِي الْحَالِ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالنَّسَفِيُّ) هُوَ أَبُو عَلِيٍّ أُسْتَاذُ الْحَلْوَانِيِّ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ قَفِيزًا مُطْلَقًا إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ قَفِيزِ الطَّحَّانِ أَنْ يَشْتَرِطَ صَاحِبُ الْحِنْطَةِ قَفِيزًا مِنْ الدَّقِيقِ الْجَيِّدِ وَلَا يَقُولُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُضَافًا إلَى حِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ إذَا طَحَنَ يُعْطِيهِ صَاحِبُ الْحِنْطَةِ مِنْ الدَّقِيقِ إنْ شَاءَ فَيَجُوزُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِي الثَّالِثِ وَهُوَ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَخْبِزَ لَهُ إلَخْ) قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ رَجُلًا يَعْمَلُ لَهُ عَمَلًا مَعْلُومًا الْيَوْمَ إلَى اللَّيْلِ بِدِرْهَمٍ خَيَّاطَةً أَوْ صِبَاغَةً أَوْ خُبْزًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يُجِيزُهَا اسْتِحْسَانًا وَنَجْعَلُ الْإِجَارَةَ عَلَى الْعَمَلِ دُونَ الْيَوْمِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُخْتَلَفِ وَالْحَصْرِ
وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً مِنْ الْكُوفَةِ إلَى بَغْدَادَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَاف اِ هـ أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ،
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَذَكَرَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ
قَالَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا قَالَ اسْتَأْجَرْتُك لِهَذَا الْعَمَلِ هَذَا الْيَوْمَ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ،
وَلَوْ قَالَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ قَالَ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ هَذَا الْيَوْمَ جَعَلَ الْيَوْمَ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ وَإِذَا
قَالَ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَمْ يَجْعَلْ الْيَوْمَ مُدَّةً وَلَكِنْ جَعَلَ الْيَوْمَ ظَرْفًا لِهَذَا الْعَمَلِ. اهـ.
.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.