فَصْلٌ فِي الْمَوَاقِيتِ)
فتح القديرHanafimasa’il 10753 to 11934
-
2/4732/473
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ أَيْضًا نَحْوُهُ سَوَاءٌ
-
2/4742/474
لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام وَقَفَ عَلَى نَاقَتِهِ (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى قَدَمَيْهِ جَازَ) وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ لِمَا بَيَّنَّا (وَيَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام وَقَفَ كَذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام «خَيْرُ الْمَوَاقِفِ مَا اسْتَقْبَلْتَ بِهِ الْقِبْلَةَ» (وَيَدْعُو وَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْمَنَاسِكَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَدْعُو يَوْمَ عَرَفَةَ مَادًّا يَدَيْهِ كَالْمُسْتَطْعِمِ الْمِسْكِينِ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ» وَإِنْ وَرَدَ الْآثَارُ بِبَعْضِ الدَّعَوَاتِ، وَقَدْ أَوْرَدْنَا تَفْصِيلَهَا فِي كِتَابِنَا الْمُتَرْجَمُ بِ (عِدَّةِ النَّاسِكِ فِي عِدَّةٍ مِنْ الْمَنَاسِكِ) بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى.
-
وَأَعَلَّهُ بِيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَثَبَتَ بِهَذَا كُلِّهِ ثُبُوتُ هَذَا الْحَدِيثِ وَعَدَمُ ثُبُوتِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ: أَعْنِي " كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ " لِلِانْفِرَادِ بِهَا مَعَ الِانْقِطَاعِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى مَا سِوَاهَا سِوَى ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ عَلَى نَاقَتِهِ) هُوَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فَارْجِعْ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَقَالَ عليه الصلاة والسلام إلَخْ) رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ ابْن شِهَابٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَأَمَّا خَيْرُ الْمَوَاقِفِ فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِهِ» .
-
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْأَدَبِ حَدِيثًا طَوِيلًا وَسَكَتَ عَنْهُ أَوَّلُهُ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شَرَفًا، وَإِنَّ شَرَفَ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ» وَأُعِلَّ بِهِشَامِ بْنِ زِيَادٍ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ «أَكْرَمُ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ» وَهُوَ مَعْلُولٌ بِحَمْزَةَ النَّصِيبِيِّ وَنُسِبَ لِلْوَضْعِ (قَوْلُهُ وَيَدْعُو) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» وَقِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ: هَذَا ثَنَاءٌ فَلِمَ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دُعَاءً؟
-
فَقَالَ: الثَّنَاءُ عَلَى الْكَرِيمِ دُعَاءٌ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ حَاجَتَهُ.
-
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَقِفُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَوْقِفِ مُسْتَقْبِلًا بِوَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِائَةَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مِائَةَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ مِائَةَ مَرَّةٍ، إلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا مَلَائِكَتِي إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَشَفَّعْتُهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَوْ سَأَلَنِي عَبْدِي هَذَا لَشَفَّعْتُهُ فِي أَهْلِ الْمَوْقِفِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ مَتْنٌ غَرِيبٌ فِي إسْنَادِهِ مَنْ اُتُّهِمَ بِالْوَضْعِ.
-
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَلِمَاتٌ أَسْأَلُ عَنْهُنَّ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : اجْلِسْ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَلِمَاتٌ أَسْأَلُ عَنْهُنَّ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : سَبَقَكَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إنَّهُ رَجُلٌ غَرِيبٌ وَإِنَّ لِلْغَرِيبِ حَقًّا فَابْدَأْ بِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَى الثَّقَفِيِّ وَسَاقَ الْحَدِيثَ، إلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ: إنْ شِئْتَ
-
2/4752/475
قَالَ (وَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَقِفُوا بِقُرْبِ الْإِمَامِ) لِأَنَّهُ يَدْعُو وَيُعَلِّمُ فَيَعُوا وَيَسْمَعُوا (وَيَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ وَرَاءَ الْإِمَامِ) لِيَكُونَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَهَذَا بَيَانُ الْأَفْضَلِيَّةِ لِأَنَّ عَرَفَاتٍ كُلَّهَا مَوْقِفٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
-
قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَيَجْتَهِدَ فِي الدُّعَاءِ) أَمَّا الِاغْتِسَالُ فَهُوَ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ،
-
وَلَوْ اكْتَفَى بِالْوُضُوءِ جَازَ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَعِنْدَ الْإِحْرَامِ.
-
وَأَمَّا الِاجْتِهَادُ فَلِأَنَّهُ ﷺ اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ لِأُمَّتِهِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ إلَّا فِي الدِّمَاءِ وَالْمَظَالِمِ (وَيُلَبِّي فِي مَوْقِفِهِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ) وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ كَمَا يَقِفُ بِعَرَفَةَ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ بِاللِّسَانِ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِالْأَرْكَانِ.
-
أَخْبَرْتُكَ عَمَّا جِئْتَ تَسْأَلُنِي،
-
وَإِنْ شِئْتَ تَسْأَلُنِي فَأُخْبِرُكَ، فَقَالَ: لَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ: جِئْت تَسْأَلُ عَنْ الْحَاجِّ مَا لَهُ وَسَاقَ الْحَدِيثَ، إلَى أَنْ قَالَ فَإِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل يَنْزِلُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا، اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ قَطْرِ السَّمَاءِ وَرَمْلِ عَالِجٍ،
-
وَإِذَا رَمَى الْجِمَارَ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا لَهُ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى،
-
وَإِذَا قَضَى آخِرَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَاللَّفْظُ لَهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «كَانَ فُلَانٌ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَجَعَلَ الْفَتَى يُلَاحِظُ النِّسَاءَ وَيَنْظُرُ إلَيْهِنَّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ابْنَ أَخِي إنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ غُفِرَ لَهُ» .
-
وَمِنْ مَأْثُورَاتِ الْأَدْعِيَةِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا. اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ وَسَاوِسِ الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الْأَمْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ. اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا يَلِجُ فِي اللَّيْلِ وَشَرِّ مَا يَلِجُ فِي النَّهَارِ وَشَرِّ مَا تَهُبُّ بِهِ الرِّيَاحُ وَشَرِّ بَوَائِقِ الدَّهْرِ.
-
اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ تَحَوُّلِ عَافِيَتِك وَفُجْأَةِ نِقْمَتِك وَجَمِيعِ سَخَطِك، وَأَعْطِنِي فِي هَذِهِ الْعَشِيَّةِ أَفْضَلَ مَا تُؤْتِي أَحَدًا مِنْ خَلْقِك، وَكُلُّ حَاجَةٍ فِي نَفْسِهِ يَسْأَلُهَا فَإِنَّهُ يَوْمُ إفَاضَةِ الْخَيْرَاتِ مِنْ الْجَوَادِ الْعَظِيمِ. وَحَدِيثُ «كَانَ عليه الصلاة والسلام يَدْعُو مَادًّا يَدَيْهِ كَالْمُسْتَطْعِمِ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الْفَضْلِ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام وَاقِفًا بِعَرَفَةَ مَادًّا يَدَيْهِ كَالْمُسْتَطْعِمِ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا» وَأُعِلَّ بِحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ضَعَّفَهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَعِينٍ.
-
قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هُوَ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ وَهُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا جَاوَزَ الْمِقْدَارَ.
-
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «رَأَيْتُهُ عليه الصلاة والسلام يَدْعُو بِعَرَفَةَ يَدَاهُ إلَى صَدْرِهِ كَالْمُسْتَطْعِمِ الْمِسْكِينِ»
-
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَقِفُوا بِقُرْبِ الْإِمَامِ) وَكُلَّمَا كَانَ إلَى الْإِمَامِ أَقْرَبَ فَهُوَ أَفْضَلُ وَغُسْلُ عَرَفَةَ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ
-
(قَوْلُهُ «فَاسْتُجِيبَ لَهُ إلَّا فِي الدِّمَاءِ وَالْمَظَالِمِ» ) رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ عَبَّاسٍ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَأُجِيبَ: إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ مَا خَلَا الْمَظَالِمَ فَإِنِّي آخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ إنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ
-
2/4762/476
وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى أَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» وَلِأَنَّ التَّلْبِيَةَ فِيهِ كَالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ
-
الْجَنَّةَ وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ فَأُجِيبَ إلَى مَا سَأَلَ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ لِتَضْحَكَ فِيهَا فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ، أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ؟
-
قَالَ: إنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إبْلِيسَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ اسْتَجَابَ دُعَائِي وَغَفَرَ لِأُمَّتِي أَخَذَ التُّرَابَ فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْت مِنْ جَزَعِهِ» وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَأَعَلَّهُ بِكِنَانَةَ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ: كِنَانَةُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا،
-
فَلَا أَدْرِي التَّخْلِيطَ فِي حَدِيثِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ أَبِيهِ،
-
وَمِنْ أَيِّهِمَا كَانَ فَهُوَ سَاقِطُ الِاحْتِجَاجِ وَذَلِكَ لِعِظَمِ مَا أَتَى مِنْ الْمَنَاكِيرِ عَنْ الْمَشَاهِيرِ.
-
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَفِيهِ «فَلَمَّا كَانَ غَدَاةَ الْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ فَأَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ» الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الشُّعَبِ،
-
فَإِنْ صَحَّ بِشَوَاهِدِهِ فَفِيهِ الْحُجَّةُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا دُونَ الشِّرْكِ اهـ.
-
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ وَقَدْ كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَئُوبَ فَقَالَ: يَا بِلَالُ أَنْصِتْ النَّاسَ، فَقَامَ بِلَالٌ رضي الله عنه فَقَالَ: أَنْصِتُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَصَتَ النَّاسُ فَقَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ أَتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا فَأَقْرَأَنِي مِنْ رَبِّي السَّلَامَ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ عز وجل قَدْ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ وَضَمِنَ عَنْهُمْ التَّبَعَاتِ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَنَا خَاصَّةً؟ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِكُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَثُرَ خَيْرُ رَبِّنَا وَطَابَ» .
-
وَفِي كِتَابِ الْآثَارِ قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي رَهْطٍ نُرِيدُ مَكَّةَ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالرَّبَذَةِ رُفِعَ لَنَا خِبَاءٌ فَإِذَا فِيهِ أَبُو ذَرٍّ فَأَتَيْنَا فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَرَفَعَ جَانِبَ الْخِبَاءِ فَرَدَّ السَّلَامَ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ الْقَوْمُ؟
-
فَقُلْنَا: مِنْ الْفَجِّ الْعَمِيقِ، قَالَ: فَأَيْنَ تَؤُمُّونَ؟ قُلْنَا: الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، قَالَ: آللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا أَشْخَصَكُمْ غَيْرُ الْحَجِّ؟ فَكَرَّرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا مِرَارًا، فَحَلَفْنَا لَهُ فَقَالَ: انْطَلَقُوا إلَى نُسُكِكُمْ ثُمَّ اسْتَقْبِلُوا الْعَمَلَ.
-
وَفِي مُوَطَّإِ مَالِكٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتُجَاوِزُ اللَّهِ عز وجل عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إلَّا مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ فَإِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ» (قَوْلُهُ وَلَنَا مَا رُوِيَ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه وَحَلَّفَهُ عَلَيْهِ فَزَادَ فِيهِ ابْنُ مَاجَهْ «فَلَمَّا رَمَاهَا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ» وَالْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنْ لَا يَقْطَعَ إلَّا عِنْدَ الْحَلْقِ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بَاقٍ قَبْلَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَيَأْتِي بِهَا إلَى آخِرِ الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْإِحْرَامِ فَإِنَّهَا كَالتَّكْبِيرِ وَآخِرُهُ مَعَ الْقَعْدَةِ لِأَنَّهَا آخِرُ الْأَحْوَالِ
-
2/4772/477
فَيَأْتِي بِهَا إلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الْإِحْرَامِ.
-
قَالَ (فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ أَفَاضَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ مَعَهُ عَلَى هَيِّنَتِهِمْ حَتَّى يَأْتُوا الْمُزْدَلِفَةَ) لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام دَفَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ مُخَالَفَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام يَمْشِي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي الطَّرِيقِ عَلَى هَيِّنَتِهِ،
-
فَإِنْ خَافَ الزِّحَامَ فَدَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ وَلَمْ يُجَاوِزْ حُدُودَ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُفِضْ مِنْ عَرَفَةَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ فِي مَقَامِهِ كَيْ لَا يَكُونَ آخِذًا فِي الْأَدَاءِ قَبْلَ وَقْتِهَا
-
قَوْلُهُ فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ أَفَاضَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ مَعَهُ عَلَى هِينَتِهِمْ) أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ «وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَفَاضَ حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ خَلْفَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ عَلَى هِينَتِهِ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَجَعَلَ يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ وَيَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ، ثُمَّ أَتَى جَمْعًا فَصَلَّى بِهِمْ الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى قُزَحَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
-
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، إلَى أَنْ قَالَ: وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لِيُصِيبَ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ إلَى مِنًى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّمَا أَتَى جَبَلًا أَرْخَى لَهَا حَتَّى تَصْعَدَ» وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنهما «وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَغَدَاةَ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ أَفَاضَ: عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا وَهُوَ مِنْ مِنًى فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ» فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» وَفُسِّرَ بِأَنَّ الْعَنَقَ خُطًا فَسِيحَةٌ مَحْمُولٌ عَلَى خُطَا النَّاقَةِ، لِأَنَّهَا فَسِيحَةٌ فِي نَفْسِهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُثْقَلَةً جِدًّا.
-
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ فِيهِ إظْهَارُ مُخَالَفَةِ الْمُشْرِكِينَ) فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَدْفَعُونَ قَبْلَ الْغُرُوبِ عَلَى مَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ كَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ عَلَى رُءُوسِهَا وَإِنَّا نَدْفَعُ بَعْدَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، وَكَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ مُنْهَبِطَةً» وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، قَالَ: وَقَدْ صَحَّ بِهَذَا سَمَاعُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا كَمَا يَتَوَهَّمُ رِعَاعُ أَصْحَابِنَا أَنَّ لَهُ رُؤْيَةً بِلَا سَمَاعٍ.
-
(قَوْلُهُ فَإِنْ خَافَ الزِّحَامَ فَدَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ) أَيْ قَبْلَ الْغُرُوبِ (وَلَمْ يُجَاوِزْ حُدُودَ عَرَفَةَ) قُيِّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ جَاوَزَهَا قَبْلَ الْإِمَامِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَجَبَ
-
2/4782/478
وَلَوْ مَكَثَ قَلِيلًا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَإِفَاضَةِ الْإِمَامِ لِخَوْفِ الزِّحَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها بَعْدَ إفَاضَةِ الْإِمَامِ دَعَتْ بِشَرَابٍ فَأَفْطَرَتْ ثُمَّ أَفَاضَتْ.
-
قَالَ (وَإِذَا أَتَى مُزْدَلِفَةَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ بِقُرْبِ الْجَبَلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُقَيَّدَةُ يُقَالُ لَهُ قُزَحَ) لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام وَقَفَ عِنْدَ هَذَا الْجَبَلِ،
-
وَكَذَا عُمَرُ رضي الله عنها ، وَيَتَحَرَّزُ فِي النُّزُولِ عَنْ الطَّرِيقِ كَيْ لَا يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ فَيَنْزِلُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ.
-
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ وَرَاءَ الْإِمَامِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. قَالَ (وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ) وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله : بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِالْجَمْعِ بِعَرَفَةَ. وَلَنَا رِوَايَةُ جَابِرٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» وَلِأَنَّ الْعِشَاءَ فِي وَقْتِهِ فَلَا يُفْرِدُ بِالْإِقَامَةِ إعْلَامًا،
-
بِخِلَافِ الْعَصْرِ بِعَرَفَةَ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى وَقْتِهِ فَأَفْرَدَ بِهَا لِزِيَادَةِ الْإِعْلَامِ (وَلَا يَتَطَوَّعُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْجَمْعِ،
-
وَلَوْ تَطَوَّعَ أَوْ تَشَاغَلَ بِشَيْءٍ أَعَادَ الْإِقَامَةَ
-
عَلَيْهِ دَمٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ بِأَنْ نَدَّ بَعِيرُهُ فَتَبِعَهُ، إنْ جَاوَزَ عَرَفَةَ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ جَاوَزَ قَبْلَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ،
-
فَإِنْ لَمْ يَعُدْ أَصْلًا أَوْ عَادَ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ يَسْقُطْ الدَّمُ،
-
وَإِنْ عَادَ قَبْلَهُ فَدَفَعَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ الْغُرُوبِ سَقَطَ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ تَدَارَكَهُ فِي وَقْتِهِ.
-
وَجْهُ مُقَابِلِهِ أَنَّ الْوَاجِبَ مَدُّ الْوُقُوفِ إلَى الْغُرُوبِ وَقَدْ فَاتَ وَلَمْ يُتَدَارَكْ فَيَتَقَرَّرُ مُوجِبُهُ وَهُوَ الدَّمُ. قُلْنَا: وُجُوبُ الْمَدِّ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ بَلْ الْوَاجِبُ مَقْصُودُ النَّفْرِ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَوُجُوبُ الْمَدِّ لِيَقَعَ النَّفْرُ كَذَلِكَ فَهُوَ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ وُجِدَ الْمَقْصُودُ فَسَقَطَ مَا وَجَبَ لَهُ كَالسَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ فِي حَقِّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ.
-
وَغَايَةُ الْأَمْرِ فِيهِ أَنْ يُهْدِرَ مَا وَقَفَهُ قَبْلَ دَفْعِهِ فِي حَقِّ الرُّكْنِ، وَيَعْتَبِرَ عَوْدَهُ الْكَائِنَ فِي الْوَقْتِ ابْتِدَاءَ وُقُوفِهِ، أَلَيْسَ بِذَلِكَ يَحْصُلُ الرُّكْنُ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ دَمٍ.
-
وَلَوْ تَأَخَّرَ الْإِمَامُ عَنْ الْغُرُوبِ دَفَعَ النَّاسُ قَبْلَهُ لِدُخُولِ وَقْتِهِ، وَيُكْثِرُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَالذِّكْرِ مِنْ حِينِ يُفِيضُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ) رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ عَنْهَا: أَنَّهَا كَانَتْ تَدْعُو بِشَرَابٍ فَتُفْطِرُ ثُمَّ تُفِيضُ، فَحَمَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ فِعْلَهَا كَانَ لِقَصْدِ التَّأْخِيرِ لِخِفَّةِ الزِّحَامِ،
-
وَيَجُوزُ أَنَّهُ كَانَ لِلِاحْتِيَاطِ فِي تَمَكُّنِ الْوَقْتِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ لِمَنْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ سُوءَ خُلُقِهِ.
-
وَقُزَحُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعَدْلِ مِنْ قَازِحٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَزَحَ الشَّيْءَ إذَا ارْتَفَعَ، وَهُوَ جَبَلٌ صَغِيرٌ فِي آخِرِ الْمُزْدَلِفَةِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ الْمُزْدَلِفَةَ مَاشِيًا وَالْغُسْلُ لِدُخُولِهَا
-
(قَوْلُهُ وَلَنَا رِوَايَةُ جَابِرٍ) رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا» وَهُوَ مَتْنٌ غَرِيبٌ، وَاَلَّذِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الثَّابِتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ» وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَيْضًا قَالَ: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا
-
2/4792/479
لِوُقُوعِ الْفَصْلِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ كَمَا فِي الْجَمْعِ الْأَوَّلِ بِعَرَفَةَ، إلَّا أَنَّا اكْتَفَيْنَا بِإِعَادَةِ الْإِقَامَةِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِمُزْدَلِفَةَ ثُمَّ تَعَشَّى ثُمَّ أَفْرَدَ الْإِقَامَةَ لِلْعِشَاءِ» .
-
وَلَا تُشْتَرَطُ الْجَمَاعَةُ لِهَذَا الْجَمْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لِأَنَّ الْمَغْرِبَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ وَقْتِهَا،
-
بِخِلَافِ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ لِأَنَّ الْعَصْرَ مُقَدَّمٌ عَلَى وَقْتِهِ.
-
قَالَ (وَمَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ لَمْ يُجْزِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : يُجْزِيه وَقَدْ أَسَاءَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا صَلَّى بِعَرَفَاتٍ
-
بِإِقَامَةٍ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا وَلَا عَلَى إثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أَفَضْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما فَلَمَّا بَلَغْنَا جَمْعًا صَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: هَكَذَا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَكَانِ» وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ حَفْصٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» .
-
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَقْبَلْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ عَرَفَاتٍ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ، فَلَمْ يَكُنْ يَفْتُرُ عَنْ التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ حَتَّى أَتَيْنَا مُزْدَلِفَةَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، أَوْ أَمَرَ إنْسَانًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ،
-
ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيْنَا فَقَالَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ،
-
ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عِلَاجُ بْنُ عَمْرٍو بِمِثْلِ حَدِيثِ أُبَيٍّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا، فَقَدْ عَلِمْت مَا فِي هَذَا مِنْ التَّعَارُضِ،
-
فَإِنْ لَمْ يُرَجَّحْ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحِيحَانِ عَلَى مَا انْفَرَدَ بِهِ صَحِيحُ مُسْلِمٍ وَأَبُو دَاوُد حَتَّى تَسَاقَطَا كَانَ الرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ يُوجِبُ تَعَدُّدَ الْإِقَامَةِ بِتَعَدُّدِ الصَّلَاةِ كَمَا فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ هُنَا وَقْتِيَّةٌ،
-
فَإِذَا أُقِيمَ لَلْأُولَى الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمَعْهُودِ كَانَتْ الْحَاضِرَةُ أَوْلَى أَنْ يُقَامَ لَهَا بَعْدَهَا.
-
وَيَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ قَبْلَ حَطِّ رَحْلِهِ بَلْ يُنِيخُ جِمَالَهُ وَيَعْقِلُهَا، وَهَذِهِ لَيْلَةٌ جَمَعَتْ شَرَفَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْتَهَدَ فِي إحْيَائِهَا بِالصَّلَاةِ وَالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَالتَّضَرُّعِ (قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام إلَخْ) لَا أَصْلَ لِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
-
بَلْ هُوَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ فَعَلَهُ،
-
وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ وَلَفْظُهُ قَالَ: «فَلَمَّا أَتَى جَمْعًا أَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا ثُمَّ تَعَشَّى ثُمَّ أَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ» . وَكَيْفَ يَسُوغُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَعْتَبِرَ هَذَا حَدِيثًا حُجَّةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُصَرِّحٌ بِصُدُورِ تَعَدُّدِ الْإِقَامَةِ مِنْهُ عليه الصلاة والسلام فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ، وَالْمُصَنِّفُ مِنْ قَرِيبٍ يُنَاضِلُ عَلَى أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ عليه الصلاة والسلام إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ،
-
فَإِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ الْأَوَّلُ فَقَدْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ عَشَاءٍ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَسْتَحِيلُ اعْتِقَادُ الثَّانِي، وَإِلَّا لَزِمَ اعْتِقَادُ أَنَّهُ تَعَشَّى وَلَا تَعَشَّى وَأَفْرَدَ الْإِقَامَةَ وَلَا أَفْرَدَهَا، وَهَذَا لِأَنَّ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ لِلِاحْتِجَاجِ فَرْعُ اعْتِقَادِ صِحَّتِهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَغْرِبَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ وَقْتِهَا) وَأَدَاءُ صَلَاةٍ بَعْدَ وَقْتِهَا عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ.
-
(قَوْلُهُ لَمْ يُجْزِهِ) الْخَارِجُ مِنْ الدَّلِيلِ
-
2/4802/480
لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَدَّاهَا فِي وَقْتِهَا فَلَا تَجِبُ إعَادَتُهَا كَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، إلَّا أَنَّ التَّأْخِيرَ مِنْ السُّنَّةِ فَيَصِيرُ مُسِيئًا بِتَرْكِهِ. وَلَهُمَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ لِأُسَامَةَ رضي الله عنه فِي طَرِيقِ الْمُزْدَلِفَةِ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» مَعْنَاهُ: وَقْتُ الصَّلَاةِ. وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّأْخِيرَ وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا وَجَبَ لِيُمْكِنَهُ الْجَمْعَ بَيْن الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَكَانَ عَلَيْهِ
-
وَالتَّقْرِيرِ صَرِيحًا أَنَّ الْإِعَادَةَ وَاجِبَةٌ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ وَإِلَّا وَجَبَ الْإِعَادَةُ مُطْلَقًا بَلْ لَمْ تَكُنْ إعَادَةً بَلْ أَدَاءً فِي الْوَقْتِ وَقَضَاءً خَارِجَهُ. وَحَاصِلُ الدَّلِيلِ أَنَّ الظَّنِّيَّ أَفَادَ تَأَخُّرَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ فِي خُصُوصِ هَذَا الْيَوْمِ لِيُتَوَصَّلَ إلَى الْجَمْعِ بِجَمْعٍ، وَإِعْمَالُ مُقْتَضَاهُ وَاجِبٌ مَا لَمْ يَلْزَمْ تَقْدِيمٌ عَلَى الْقَاطِعِ، وَهُوَ بِإِيجَابِ أَدَاءِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ الْكَوْنِ بِمُزْدَلِفَةَ مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ،
-
فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ انْتَفَى إمْكَانُ تَدَارُكِ هَذَا الْوَاجِبِ وَتَقَرَّرَ الْمَأْثَمُ، إذْ لَوْ وَجَبَ بَعْدَهُ كَانَ حَقِيقَةُ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِيمَا هُوَ مُوَقَّتٌ قَطْعًا وَفِيهِ التَّقَدُّمُ الْمُمْتَنِعُ، وَعَنْ ذَلِكَ قُلْنَا إذَا بَقِيَ فِي الطَّرِيقِ طَوِيلًا حَتَّى عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ.
-
وَإِذْ قَدْ عَرَفْت هَذَا فَلَوْلَا تَعْلِيلُ ذَلِكَ الظَّنِّيِّ بِأَنَّ التَّأَخُّرَ وَالتَّأْخِيرَ لِلْجَمْعِ لَوَجَبَ أَنَّ الْإِعَادَةَ لَازِمَةٌ مُطْلَقًا لَكِنْ مَا وَجَبَ لِشَيْءٍ يَنْتَفِي وُجُوبُهُ عِنْدَ تَحَقُّقِ انْتِفَاءِ ذَلِكَ الشَّيْءِ. بَقِيَ الْكَلَامُ فِي إفَادَةِ صُورَةِ ذَلِكَ الظَّنِّيِّ وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ " دَفَعَ عليه الصلاة والسلام مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ. فَقُلْت لَهُ الصَّلَاةَ،
-
2/4812/481
الْإِعَادَةُ مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ لِيَصِيرَ جَامِعًا بَيْنَهُمَا،
-
وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ فَسَقَطَتْ الْإِعَادَةُ.
-
قَالَ (وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ يُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ الْفَجْرَ بِغَلَسٍ) لِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام صَلَّاهَا يَوْمَئِذٍ بِغَلَسٍ» وَلِأَنَّ فِي التَّغْلِيسِ دَفْعَ حَاجَةِ الْوُقُوفِ فَيَجُوزُ كَتَقْدِيمِ الْعَصْرِ بِعَرَفَةَ
-
فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَك، فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ،
-
ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا " اهـ.
-
وَقَوْلُهُ الصَّلَاةُ أَمَامَك الْمُرَادُ وَقْتُهَا، وَقَدْ يُقَالُ: مُقْتَضَاهُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ أَدَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الثَّابِتِ بِالْحَدِيثِ، فَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ لِلْجَمْعِ فَإِذَا فَاتَ سَقَطَتْ الْإِعَادَةُ تَخْصِيصٌ لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ، وَمَرْجِعُهُ إلَى تَقْدِيمِ الْمَعْنَى عَلَى النَّصِّ، وَكَلِمَتُهُمْ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لَعَيْنِ النَّصِّ لَا لِمَعْنَى النَّصِّ.
-
لَا يُقَالُ: لَوْ أَجْرَيْنَاهُ فِي إطْلَاقِهِ أَدَّى إلَى تَقْدِيمِ الظَّنِّيِّ عَلَى الْقَاطِعِ.
-
لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ لَوْ قُلْنَا بِافْتِرَاضِ ذَلِكَ، لَكُنَّا نَحْكُمُ بِالْإِجْزَاءِ وَنُوجِبُ إعَادَةَ مَا وَقَعَ مُجْزِيًا شَرْعًا مُطْلَقًا،
-
وَلَا بِدَعَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ نَظِيرُ وُجُوبِ إعَادَةِ صَلَاةٍ أُدِّيت مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ حَيْثُ يُحْكَمُ بِإِجْزَائِهَا وَتَجِبُ إعَادَتُهَا مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
-
(قَوْلُهُ وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ) أَيْ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ (قَوْلُهُ لِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه ) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إلَّا لِمِيقَاتِهَا إلَّا صَلَاتَيْنِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا» يُرِيدُ قَبْلَ وَقْتِهَا الَّذِي اعْتَادَ صَلَاتَهَا فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ، لِأَنَّهُ غَلَّسَ بِهَا يُبَيِّنُهُ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ «وَالْفَجْرَ حِينَ بَزَغَ الْفَجْرُ» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «قَبْلَ مِيقَاتِهَا بِغَلَسٍ» فَأَفَادَ أَنَّ الْمُعْتَادَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ
-
2/4822/482
(ثُمَّ وَقَفَ وَوَقَفَ مَعَهُ النَّاسُ وَدَعَا) لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام وَقَفَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَدْعُو حَتَّى رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «فَاسْتُجِيبَ لَهُ دُعَاؤُهُ لِأُمَّتِهِ حَتَّى الدِّمَاءِ وَالْمَظَالِمِ» ثُمَّ هَذَا الْوُقُوفُ وَاجِبٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَ بِرُكْنٍ، حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَلْزَمُهُ الدَّمُ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : إنَّهُ رُكْنٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وَبِمِثْلِهِ تَثْبُتُ الرُّكْنِيَّةُ. وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِاللَّيْلِ،
-
وَلَوْ كَانَ رُكْنًا لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَالْمَذْكُورُ فِيمَا تَلَا الذِّكْرُ وَهُوَ لَيْسَ بِرُكْنٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَا الْوُجُوبَ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا الْمَوْقِفَ وَقَدْ كَانَ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» عَلَّقَ بِهِ تَمَامَ الْحَجِّ
-
وَأَخْرَجَا «أَنَّهُ صَلَّى بِجَمْعٍ الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ»
-
(قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إلَخْ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ قَوْلُهُ «فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» الْحَدِيثَ.
-
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ حَتَّى رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إلَخْ قَالُوا: هُوَ وَهْمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ.
-
وَلَوْ اتَّجَهَ أَنْ يُقَالَ الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ كِنَانَةِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فَيُصَدَّقُ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ انْدَفَعَ، لَكِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إذَا أُطْلِقَ لَا يُرَادُ بِهِ إلَّا عَبْدُ اللَّهِ الْمُلَقَّبُ بِالْحَبْرِ رضي الله عنه (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ رُكْنٌ) هَذَا
-
2/4832/483
وَهَذَا يَصْلُحُ أَمَارَةً لِلْوُجُوبِ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا تَرَكَهُ بِعُذْرٍ بِأَنْ يَكُونَ بِهِ ضَعْفٌ أَوْ عِلَّةٌ أَوْ كَانَتْ امْرَأَةٌ تَخَافُ الزِّحَامَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا رَوَيْنَا.
-
قَالَ (وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا وَادِيَ مُحَسِّرٍ)
-
سَهْوٌ فَإِنَّ كُتُبَهُمْ نَاطِقَةٌ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ. وَفِي الْمَبْسُوطِ ذُكِرَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ مَكَانَ الشَّافِعِيِّ.
-
وَفِي الْأَسْرَارِ ذُكِرَ عَلْقَمَةُ.
-
وَجْهُ الرُّكْنِيَّةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ قُلْنَا غَايَةُ مَا يُفِيدُ إيجَابَ الْكَوْنِ فِي الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالِالْتِزَامِ لِأَجْلِ الذِّكْرِ ابْتِدَاءً، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ بِالذِّكْرِ عِنْدَهُ لَا مُطْلَقًا فَلَا يَتَحَقَّقُ الِامْتِثَالُ إلَّا بِالْكَوْنِ عِنْدَهُ، فَالْمَطْلُوبُ هُوَ الْمُقَيَّدُ فَيَجِبُ الْقَيْدُ ضَرُورَةً لَا قَصْدًا،
-
فَإِذَا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ نَفْسَ الذِّكْرِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ انْتَفَى وُجُوبُ الْأَمْرِ فِيهِ بِالضَّرُورَةِ فَانْتَفَى الرُّكْنِيَّةُ وَالْإِيجَابُ مِنْ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَا الْإِيجَابَ بِغَيْرِهَا، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى يَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ كَافَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ عَلَى أَصْلِهِمَا، لِأَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مُضَرِّسٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا الشَّعْبِيُّ، وَقَدْ وَجَدْنَا عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ،
-
ثُمَّ أَخْرَجَ: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ «جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْمَوْقِفِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْتُ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاَللَّهِ مَا بَقِيَ جَبَلٌ مِنْ تِلْكَ الْجِبَالِ إلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ: يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» عَلَّقَ بِهِ تَمَامَ الْحَجِّ، وَهُوَ يَصْلُحُ لِإِفَادَةِ الْوُجُوبِ لِعَدَمِ الْقَطْعِيَّةِ.
-
فَكَيْفَ مَعَ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ «كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُمْ ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوْا الْجَمْرَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: رَخَّصَ فِي ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
-
وَمَا أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ لَا يَرْمُوا الْجَمْرَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» فَإِنَّ بِذَلِكَ تَنْتَفِي الرُّكْنِيَّةُ لِأَنَّ الرُّكْنَ لَا يَسْقُطُ لِلْعُذْرِ، بَلْ إنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ أَصْلَ الْعِبَادَةِ سَقَطَتْ كُلُّهَا أَوْ أُخِّرَتْ، أَمَّا إنْ شَرَعَ فِيهَا فَلَا تَتِمُّ إلَّا بِأَرْكَانِهَا وَكَيْفَ وَلَيْسَتْ هِيَ سِوَى أَرْكَانِهَا؟
-
فَعِنْدَ عَدَمِ الْأَرْكَانِ لَمْ يَتَحَقَّقْ مُسَمَّى تِلْكَ الْعِبَادَةِ أَصْلًا
-
(قَوْلُهُ وَالْمُزْدَلِفَةُ إلَخْ) وَهِيَ تَمْتَدُّ إلَى وَادِي مُحَسِّرٍ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُشَدَّدَةِ قَبْلَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ وَرَاءَ الْإِمَامِ بِقُزَحَ، قِيلَ هُوَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ. وَفِي كَلَامِ الطَّحَاوِيِّ إنَّ لِلْمُزْدَلِفَةِ ثَلَاثَةَ أَسْمَاءٍ: الْمُزْدَلِفَةُ، وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ، وَجَمْعٌ. وَالْمَأْزِمَانِ بِوَادِي مُحَسِّرٍ، وَأَوَّلُ مُحَسِّرٍ مِنْ الْقَرْنِ الْمُشْرِفِ مِنْ الْجَبَلِ الَّذِي عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى مِنًى، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ فِيلَ
-
2/4842/484
لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ. قَالَ (فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَفَاضَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ مَعَهُ حَتَّى يَأْتُوا مِنًى) قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ وَهَذَا غَلَطٌ.
-
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا أَسْفَرَ أَفَاضَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام دَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
-
قَالَ (فَيَبْتَدِئُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ
-
أَصْحَابِ الْفِيلِ أَعْيَا فِيهِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَهُ وَادِيَ النَّارِ.
-
قِيلَ لِأَنَّ شَخْصًا اصْطَادَ فِيهِ فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُ، وَآخِرُهُ أَوَّلُ مِنًى، وَهِيَ مِنْهُ إلَى الْعَقَبَةِ الَّتِي يَرْمِي بِهَا الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَيْسَ وَادِي مُحَسِّرٍ مِنْ مِنًى وَلَا مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ
-
فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا وَادِيَ مُحَسِّرٍ مُنْقَطِعٌ.
-
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ وَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمَا فِي قَوْلِهِمْ مُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، إلَّا وَادِيَ مُحَسِّرٍ،
-
وَكَذَا عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ أَنَّ الْمَكَانَيْنِ لَيْسَا مَكَانَ وُقُوفٍ،
-
فَلَوْ وَقَفَ فِيهِمَا لَا يُجْزِيهِ كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي مِنًى سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّ عُرَنَةَ وَمُحَسِّرًا مِنْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ أَوْ لَا، وَهَكَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الَّذِي قَدَّمْنَا تَخْرِيجَهُ،
-
وَكَذَا عِبَارَةُ الْأَصْلِ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدٍ. وَوَقَعَ فِي الْبَدَائِعِ:
-
وَأَمَّا مَكَانُهُ: يَعْنِي الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ فَجُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ مُزْدَلِفَةَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ.
-
وَرَوَى الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ:
-
وَلَوْ وَقَفَ بِهِ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَذُكِرَ مِثْلُ هَذَا فِي بَطْنِ عُرَنَةَ: أَعْنِي قَوْلَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ فِي بَطْنِ عُرَنَةَ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ وَادِي الشَّيْطَانِ اهـ.
-
وَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِالْإِجْزَاءِ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ.
-
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمَا وَاحِدٌ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، بَلْ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ،
-
وَأَمَّا الَّذِي يَقْتَضِيه النَّظَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعٌ عَلَى عَدَمِ إجْزَاءِ الْوُقُوفِ بِالْمَكَانَيْنِ هُوَ أَنَّ عُرَنَةَ وَوَادِيَ مُحَسِّرٍ إنْ كَانَا مِنْ مُسَمَّى عَرَفَةَ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ يُجْزِي الْوُقُوفُ بِهِمَا، وَيَكُونُ مَكْرُوهًا لِأَنَّ الْقَاطِعَ أَطْلَقَ الْوُقُوفَ بِمُسَمَّاهُمَا مُطْلَقًا، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ مَنَعَهُ فِي بَعْضِهِ فَقَيَّدَهُ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا تَجُوزُ فَيَثْبُتُ الرُّكْنُ بِالْوُقُوفِ فِي مُسَمَّاهُمَا مُطْلَقًا، وَالْوُجُوبُ فِي كَوْنِهِ فِي غَيْرِ الْمَكَانَيْنِ الْمُسْتَثْنَيَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ مُسَمَّاهُمَا لَا يُجْزِي أَصْلًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ.
-
هَذَا وَأَوَّلُ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَآخِرُهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْهُ،
-
فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْفَجْرِ عِنْدَنَا، وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ سُنَّةٌ (قَوْلُهُ وَهَذَا غَلَطٌ) هُوَ كَمَا قَالَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَفَاضَ حِينَ أَسْفَرَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ» كَحَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِ، فَارْجِعْ إلَى اسْتِقْرَائِهَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي حَدِّهِ إذَا صَارَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ دَفَعَ، وَهَذَا بِطَرِيقِ التَّقْرِيبِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ هَذَا حَالُ الْوُقُوفِ.
-
أَمَّا الْمَبِيتُ بِهَا فَسُنَّةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ.
-
وَلَا يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِلْوُقُوفِ كَوُقُوفِ عَرَفَةَ،
-
وَلَوْ مَرَّ بِهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبِيتَ بِهَا جَازَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِحُصُولِ الْوُقُوفِ ضَمِنَ الْمُرُورِ كَمَا فِي عَرَفَةَ.
-
وَلَوْ وَقَفَ بَعْدَ مَا أَفَاضَ الْإِمَامُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَجْزَأَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ وَقَفَ بَعْدَ إفَاضَةِ الْإِمَامِ.
-
وَلَوْ دَفَعَ قَبْلَ النَّاسِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَجْرَ بَعْدَ
-
2/4852/485
فَيَرْمِيهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ مِثْلَ حَصَى الْخَذَفِ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَتَى مِنًى لَمْ يُعَرِّجْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» ، وَقَالَ ﷺ «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ لَا يُؤْذِي بَعْضُكُمْ بَعْضًا» وَلَوْ رَمْيَ بِأَكْبَرَ مِنْهُ جَازَ لِحُصُولِ الرَّمْيِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَرْمِي بِالْكِبَارِ مِنْ الْأَحْجَارِ كَيْ لَا يَتَأَذَّى بِهِ غَيْرُهُ (وَلَوْ رَمَاهَا مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ أَجْزَأَهُ) لِأَنَّ مَا حَوْلَهَا مَوْضِعُ النُّسُكِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي لِمَا رَوَيْنَا
-
الْفَجْرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ إذْ السُّنَّةُ مَدُّ الْوُقُوفِ إلَى الْإِسْفَارِ وَالصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ
-
(قَوْلُهُ فَيَرْمِيهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي إلَخْ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ «فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ» وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ سُلَيْمَان بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْأَحْوَصِ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي الْجَمْرَةَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَهُوَ رَاكِبٌ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَرَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ يَسْتُرُهُ، فَسَأَلْتُ عَنْ الرَّجُلِ فَقَالُوا: الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَإِذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
-
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذَا وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى رَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَنْحَدِرُ أَمَامَهَا فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، وَكَانَ يُطِيلُ الْوُقُوفَ وَيَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الْيَسَارِ مِمَّا يَلِي الْوَادِيَ فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْبَيْتِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَاهَا بِحَصَاةٍ ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» .
-
(قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَرْمِي بِالْكِبَارِ مِنْ الْأَحْجَارِ) أَطْلَقَ فِي مَنْعِ الْكِبَارِ بَعْدَمَا أَطْلَقَ فِي تَجْوِيزِ الْكِبَارِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ رَمَى بِأَكْبَرَ مِنْهَا جَازَ، فَعُلِمَ إرَادَةُ تَقْيِيدِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ الْأَكْبَرُ مِنْهَا قَلِيلًا، وَالْمُرَادُ بِالثَّانِي الْأَكْبَرُ مِنْهَا كَثِيرًا كَالصَّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَحْوِهَا وَمَا يَقْرُبُ مِنْهَا،
-
وَيَجِبُ كَوْنُ الْمَنْعِ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الدَّلِيلِ مَنْعُ الْأَكْبَرِ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ مُطْلَقًا وَهُوَ مَا رَوَيْنَاهُ آنِفًا، فَلَمَّا أَجَازُوا الْأَكْبَرَ قَلِيلًا،
-
وَلَوْ كَانَ مِثْلَ حَصَاةِ الْخَذْفِ عُلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِحَصَى الْخَذْفِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ نَظَرًا إلَى تَعْلِيلِهِ بِتَوَهُّمِ الْأَذَى، وَيَلْزَمُهُ الْإِجْزَاءُ بِرَمْيِ الصَّخَرَاتِ فَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْهَا مَنْعَ كَرَاهَةٍ لِتَوَقُّعِ الْأَذَى بِهَا (قَوْلُهُ وَلَوْ رَمَاهَا مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ أَجْزَأَهُ) إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ فَفِعْلُهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ أَسْفَلِهَا سُنَّةٌ لَا لِأَنَّهُ الْمُتَعَيَّنُ.
-
وَلِذَا ثَبَتَ رَمْيُ خَلْقٍ كَثِير فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَعْلَاهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه وَلَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِالْإِعَادَةِ وَلَا أَعْلَنُوا بِالنِّدَاءِ بِذَلِكَ فِي النَّاسِ. وَكَانَ وَجْهُ اخْتِيَارِهِ عليه الصلاة والسلام لِذَلِكَ هُوَ وَجْهُ اخْتِيَارِهِ حَصَى الْخَذْفِ فَإِنَّهُ يُتَوَقَّعُ الْأَذَى إذَا رَمَوْا مِنْ أَعْلَاهَا لِمَنْ أَسْفَلِهَا فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ مُرُورِ النَّاسِ فَيُصِيبُهُمْ، بِخِلَافِ الرَّمْيِ مِنْ
-
2/4862/486
(وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) كَذَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهم (وَلَوْ سَبَّحَ مَكَانَ التَّكْبِيرِ أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِ الذِّكْرِ وَهُوَ مِنْ آدَابِ الرَّمْيِ (وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقِفْ عِنْدَهَا (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ) لِمَا رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه .
-
رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ
-
أَسْفَلَ مَعَ الْمَارِّينَ مِنْ فَوْقِهَا إنْ كَانَ
-
(قَوْلُهُ وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ كَذَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ) تَقَدَّمَ الرِّوَايَةُ عَنْهُمَا آنِفًا، وَقَدَّمْنَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأُمِّ سُلَيْمَانَ.
-
وَظَاهِرُ الْمَرْوِيَّاتِ مِنْ ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ عَلَى: اللَّهُ أَكْبَرُ، غَيْرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ رَغْمًا لِلشَّيْطَانِ وَحِزْبِهِ.
-
وَقِيلَ: يَقُولُ أَيْضًا: اللَّهُمَّ اجْعَلْ حَجِّي مَبْرُورًا وَسَعْيِي مَشْكُورًا وَذَنْبِي مَغْفُورًا (قَوْلُهُ وَلَوْ سَبَّحَ مَكَانَ التَّكْبِيرِ أَجْزَأَهُ)
-
وَكَذَا غَيْرُ التَّسْبِيحِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَالتَّهْلِيلِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَكْبِيرِهِ ﷺ الذِّكْرُ لَا خُصُوصُهُ.
-
وَيُمْكِنُ حَمْلُ التَّكْبِيرِ فِي لَفْظِ الرُّوَاةِ عَلَى مَعْنَاهُ مِنْ التَّعْظِيمِ كَمَا قُلْنَا فِي تَكْبِيرِ الِافْتِتَاحِ، فَيَدْخُلُ كُلُّ ذِكْرٍ لَفْظًا لَا مَعْنًى فَقَطْ، لَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ إطْلَاقِهِمْ لَفْظَ كَبِّرْ اللَّهَ وَنَحْوَهُ إرَادَةُ مَا كَانَ تَعْظِيمًا بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَهُ قَالُوا سَبَّحَ اللَّهَ وَوَحَّدَهُ أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ، فَهَذَا الْمُعْتَادُ بِبُعْدِ هَذَا الْحَمْلِ (قَوْلُهُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) عَلَى هَذَا تَضَافَرَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام ، وَلَمْ تَظْهَرْ حِكْمَةُ تَخْصِيصِ الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ بِغَيْرِهَا مِنْ الْجَمْرَتَيْنِ،
-
فَإِنْ تَخَايَلَ أَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِكَثْرَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الشُّغْلِ كَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالْإِفَاضَةِ إلَى مَكَّةَ فَهُوَ مُنْعَدِمٌ فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَيَّامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَوْنُ الْوُقُوفِ يَقَعُ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي الطَّرِيقِ فَيُوجِبَ قَطْعَ سُلُوكِهَا عَلَى النَّاسِ وَشِدَّةَ الزِّحَامِ الْوَاقِفِينَ وَالْمَارِّينَ، وَيُفْضِي ذَلِكَ إلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ، بِخِلَافِهِ فِي بَاقِي الْجِمَارِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ فِي نَفْسِ الطَّرِيقِ بَلْ بِمَعْزِلٍ مُنْضَمٍّ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
(قَوْلُهُ وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ لِمَا رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ لِمَا ثَبَتَ لَنَا رَفْعُ رِوَايَتِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَيْ لِمَا اشْتَمَلْت عَلَيْهِ رِوَايَتُنَا لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَوَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَهَذِهِ عِنَايَةٌ دَعَا إلَيْهَا أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ رِوَايَةُ ذَلِكَ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ.
-
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ فِي بَحْثِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ، وَقَدَّمْنَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَإِقْسَامِهِ عَلَيْهِ. وَفِي الْبَدَائِعِ:
-
فَإِنْ زَارَ الْبَيْتَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ وَيَحْلِقَ وَيَذْبَحَ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُلَبِّي مَا لَمْ يَحْلِقْ أَوْ تَزُولُ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، رِوَايَةٌ كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ: مَنْ لَمْ يَرْمِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَرِوَايَةُ هِشَامٍ: إذَا مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ، وَظَاهِرُ رِوَايَتِهِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَجْهُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ لَهُ بِهَذَا الطَّوَافِ شَيْءٌ فَكَانَ كَعَدَمِهِ فَلَا يَقْطَعُهَا إلَّا إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ لِأَنَّ أَصْلَهُ أَنَّ رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ يَتَوَقَّتُ بِالزَّوَالِ فَيَفْعَلُ بَعْدَهُ قَضَاءً فَصَارَ فَوَاتُهُ عَنْ وَقْتِهِ كَفِعْلِهِ فِي وَقْتِهِ، وَعِنْدَ فِعْلِهِ فِيهِ يَقْطَعُهَا كَذَا عِنْدَ فَوَاتِهِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَقَ قَبْلَ الرَّمْيِ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ إحْرَامِهِ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَلَا تَلْبِيَةَ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ. وَلَهُمَا أَنَّ الطَّوَافَ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ وَالذَّبْحِ لَكِنْ وَقَعَ بِهِ التَّحَلُّلُ فِي الْجُمْلَةِ عَنْ النِّسَاءِ حَتَّى يَلْزَمَهُ بِالْجِمَاعِ بَعْدَهُ شَاةٌ لَا بَدَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ الْإِحْرَامُ قَائِمًا مُطْلَقًا، وَلَمْ تُشْرَعْ التَّلْبِيَةُ إلَّا فِي الْإِحْرَامِ الْمُطْلَقِ.
-
وَلَوْ ذَبَحَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ أَوْ قَارِنٌ يَقْطَعُهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا إنْ كَانَ مُفْرِدًا لِأَنَّ الذَّبْحَ مُحَلِّلٌ فِي الْجُمْلَةِ فِي حَقِّهِمَا بِخِلَافِ الْمُفْرِدِ. وَعِنْدَ
-
2/4872/487
التَّلْبِيَةَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ رَمَى بِهَا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ».
-
ثُمَّ كَيْفِيَّةُ الرَّمْيِ أَنْ يَضَعَ الْحَصَاةَ عَلَى ظَهْرِ إبْهَامِهِ إلَى مِنًى وَيَسْتَعِينُ بِالْمِسْبَحَةِ. وَمِقْدَارُ الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرَّامِي وَبَيْنَ مَوْضِعِ السُّقُوطِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ فَصَاعِدًا، كَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ يَكُونُ طَرْحًا.
-
وَلَوْ طَرَحَهَا طَرْحًا أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ رَمَى إلَى قَدَمَيْهِ إلَّا أَنَّهُ مُسِيءٌ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ،
-
وَلَوْ وَضَعَهَا وَضْعًا لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَمْيٍ،
-
وَلَوْ رَمَاهَا فَوَقَعَتْ قَرِيبًا مِنْ الْجَمْرَةِ يَكْفِيهِ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ،
-
وَلَوْ وَقَعَتْ بَعِيدًا مِنْهَا لَا يُجْزِيه لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِي مَكَان مَخْصُوصٍ.
-
وَلَوْ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ جُمْلَةً فَهَذِهِ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ تَفَرُّقُ الْأَفْعَالِ، وَيَأْخُذُ الْحَصَى مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ إلَّا مِنْ عِنْدِ الْجَمْرَةِ فَإِنَّ ذَاكَ يُكْرَهُ لِأَنَّ مَا عِنْدَهَا مِنْ الْحَصَى مَرْدُودٌ، هَكَذَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ فَيَتَشَاءَمُ بِهِ
-
مُحَمَّدٍ لَا يَقْطَعُ إذْ لَا تَحَلُّلَ بِهِ بَلْ بِالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ
-
(قَوْلُهُ ثُمَّ كَيْفِيَّةُ الرَّمْيِ أَنْ يَضَعَ الْحَصَاةَ عَلَى ظَهْرِ إبْهَامِهِ وَيَسْتَعِينَ بِالْمِسْبَحَةِ) هَذَا التَّفْسِيرُ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ تَفْسِيرَيْنِ قِيلَ بِهِمَا: أَحَدُهُمَا أَنْ يَضَعَ طَرَفَ إبْهَامِهِ إلَى مِنًى عَلَى وَسَطِ السَّبَّابَةِ وَيَضَعَ الْحَصَاةَ عَلَى ظَهْرِ الْإِبْهَامِ كَأَنَّهُ عَاقِدٌ سَبْعِينَ فَيَرْمِيَهَا وَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْنُونَ فِي كَوْنِ الرَّمْيِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى.
-
وَالْآخَرُ أَنْ يُحَلِّقَ سَبَّابَتَهُ وَيَضَعَهَا عَلَى مِفْصَلِ إبْهَامِهِ كَأَنَّهُ عَاقِدٌ عَشْرَةً، وَهَذَا فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الرَّمْيِ بِهِ مَعَ الزَّحْمَةِ وَالْوَهْجَةُ عُسْرٌ.
-
وَقِيلَ: يَأْخُذُهَا بِطَرَفَيْ إبْهَامِهِ وَسَبَّابَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ وَالْمُعْتَادُ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ سِوَى قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «فَارْمُوا مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ» وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ كَيْفِيَّةِ الرَّمْيِ الْمَطْلُوبَةِ كَيْفِيَّةَ الْخَذْفِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْيِينُ ضَابِطِ مِقْدَارِ الْحَصَاةِ إذَا كَانَ مِقْدَارُ مَا يُخْذَفُ بِهِ مَعْلُومًا لَهُمْ.
-
وَأَمَّا مَا زَادَ فِي رِوَايَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ قَوْلِهِ «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ» مِنْ قَوْلِهِ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ كَمَا يَخْذِفُ الْإِنْسَانُ: يَعْنِي عِنْدَ مَا نَطَقَ بِقَوْلِهِ «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ» أَشَارَ بِصُورَةِ الْخَذْفِ بِيَدِهِ، فَلَيْسَ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ كَوْنِ الرَّمْيِ بِصُورَةِ الْخَذْفِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ لِيُؤَكِّدَ كَوْنَ الْمَطْلُوبِ حَصَى الْخَذْفِ كَأَنَّهُ قَالَ: خُذُوا حَصَى الْخَذْفِ الَّذِي هُوَ هَكَذَا لِيُشِيرَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ فِي كَوْنِهِ حَصَى الْخَذْفِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ فِي خُصُوصِ وَضْعِ الْحَصَاةِ فِي الْيَدِ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَجْهُ قُرْبَةٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ شَرْعِيٌّ بَلْ بِمُجَرَّدِ صِغَرِ الْحَصَاةِ.
-
وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى كَوْنِ الرَّمْيِ خَذْفًا عَارَضَهُ كَوْنُهُ وَضْعًا غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ وَالْيَوْمُ يَوْمُ زَحْمَةٍ يُوجِبُ نَفْيَ غَيْرِ الْمُتَمَكِّنِ (قَوْلُهُ وَلَوْ طَرَحَهَا طَرْحًا أَجْزَأَهُ) يُفِيدُ أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ الْحَسَنِ تَعْيِينُ الْأُولَى،
-
وَأَنَّ مُسَمَّى الرَّمْيِ لَا يَنْتَفِي فِي الطَّرْحِ رَأْسًا بَلْ إنَّمَا فِيهِ مَعَهُ قُصُورٌ فَتَثْبُتُ الْإِسَاءَةُ بِهِ،
-
بِخِلَافِ وَضْعِ الْحَصَاةِ وَضْعًا فَإِنَّهُ لَا يُجْزِي لِانْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الرَّمْيِ بِالْكُلِّيَّةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ رَمَاهَا فَوَقَعَتْ قَرِيبًا مِنْ الْجَمْرَةِ) قَدْرَ ذِرَاعٍ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ كَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى اعْتِبَارِ الْقُرْبِ عُرْفًا وَضِدُّهُ الْبُعْدُ فِي الْعُرْفِ، فَمَا كَانَ مِثْلُهُ يُعَدُّ بَعِيدًا عُرْفًا لَا يَجُوزُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ، حَتَّى إنَّ مَا لَيْسَ بَعِيدًا فَهُوَ قَرِيبٌ وَمَا لَيْسَ قَرِيبًا فَهُوَ الْبَعِيدُ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، إذْ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مِنْ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يُقَالُ فِيهِ لَيْسَ بِقَرِيبٍ مِنْهُ وَلَا بَعِيدٍ، وَالظَّاهِرُ عَلَى هَذَا التَّعْوِيلِ عَلَى الْقُرْبِ وَعَدَمِهِ، فَمَا لَيْسَ بِقَرِيبٍ لَا يَجُوزُ لَا عَلَى الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ.
-
وَلَوْ وَقَعَتْ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ أَوْ مَحْمَلٍ وَثَبَتَتْ عَلَيْهِ حَتَّى طَرَحَهَا الْحَامِلُ كَانَ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا،
-
وَلَوْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ فَنَبَتْ عَنْهُ وَوَقَعَتْ عِنْدَ الْجَمْرَةِ بِنَفْسِهَا أَجْزَأَهُ، وَمَقَامُ الرَّامِي بِحَيْثُ يَرَى مَوْقِعَ حَصَاهُ. وَمَا قُدِّرَ بِهِ بِخَمْسَةِ أَذْرُعٍ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَذَاكَ تَقْدِيرُ أَقَلِّ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَكَانِ فِي الْمَسْنُونِ، أَلَا تَرَى إلَى تَعْلِيلِهِ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ يَكُونُ طَرْحًا
-
(قَوْلُهُ وَلَوْ رَمَى بِسَبْعٍ جُمْلَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ) فَيَلْزَمُهُ سِتٌّ سِوَاهَا وَالسَّابِعُ وَأَكْثَرُ مِنْهَا وَاحِدٌ (قَوْلُهُ وَيَأْخُذُ الْحَصَى مِنْ أَيْ مَوْضِعٍ شَاءَ إلَّا مِنْ عِنْدِ الْجَمْرَةِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ) يَتَضَمَّنُ خِلَافَ مَا قِيلَ إنَّهُ يَلْتَقِطُهَا مِنْ الْجَبَلِ الَّذِي عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ
-
2/4882/488
وَمَعَ هَذَا لَوْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ لِوُجُودِ فِعْلِ الرَّمْيِ.
-
وَيَجُوزُ الرَّمْيُ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِعْلُ الرَّمْيِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالطِّينِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْحَجَرِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا رَمَى بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ لِأَنَّهُ يُسَمَّى نِثَارًا لَا رَمْيًا.
-
قَالَ (ثُمَّ يَذْبَحُ إنْ أَحَبَّ ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ)
-
مُزْدَلِفَةَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: جَرَى التَّوَارُثُ بِذَلِكَ، وَمَا قِيلَ يَأْخُذُهَا مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ سَبْعًا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَقَطْ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِي ذَلِكَ يُوجِبُ خِلَافُهَا الْإِسَاءَةَ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهَا مِنْ جَمْعٍ،
-
بِخِلَافِ مَوْضِعِ الرَّمْيِ لِأَنَّ السَّلَفَ كَرِهُوهُ لِأَنَّهُ الْمَرْدُودُ.
-
وَقَوْلُهُ وَبِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ كَأَنَّهُ مَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
-
قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : مَا بَالُ الْجِمَارِ تُرْمَى مِنْ وَقْتِ الْخَلِيلِ عليه الصلاة والسلام وَلَمْ تَصِرْ هِضَابًا تَسُدُّ الْأُفُقَ؟ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَنْ تُقُبِّلَ حَجُّهُ رُفِعَ حَصَاهُ وَمَنْ لَمْ يُقْبَلْ تُرِكَ حَصَاهُ؟ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَمَّا سَمِعْت هَذَا مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه جَعَلْت عَلَى حَصَيَاتِي عَلَامَةً،
-
ثُمَّ تَوَسَّطْت الْجَمْرَةَ فَرَمَيْت مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ثُمَّ طَلَبْت فَلَمْ أَجِدْ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ شَيْئًا (قَوْلُهُ وَمَعَ هَذَا لَوْ فَعَلَ) وَأَخَذَهَا مِنْ مَوْضِعِ الرَّمْيِ (أَجْزَأَهُ) مَعَ الْكَرَاهَةِ وَمَا هِيَ إلَّا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ.
-
وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْتَقِطَ حَجَرًا وَاحِدًا فَيُكْسَرَ سَبْعِينَ حَجَرًا صَغِيرًا كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الْيَوْمَ،
-
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْسِلَ الْحَصَيَاتِ قِيلَ أَنْ يَرْمِيَهَا لِيَتَيَقَّنَ طَهَارَتَهَا فَإِنَّهُ يُقَامُ بِهَا قُرْبَةٌ،
-
وَلَوْ رَمَى بِمُتَنَجِّسَةٍ بِيَقِينٍ كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ (قَوْلُهُ وَيَجُوزُ الرَّمْيُ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ) كَالْحَجَرِ وَالطِّينِ وَالنُّورَةِ وَالْكُحْلِ وَالْكِبْرِيتِ وَالزِّرْنِيخِ وَكَفٍّ مِنْ تُرَابٍ.
-
وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ جَوَازُ الرَّمْيِ بِالْفَيْرُوزَجِ وَالْيَاقُوتِ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَفِيهِمَا خِلَافٌ مَنَعَهُ الشَّارِحُونَ وَغَيْرُهُمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْمَرْمِيِّ بِهِ يَكُونُ الرَّمْيُ بِهِ اسْتِهَانَةَ شَرْطٍ، وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ بِنَاءً عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ الِاشْتِرَاطِ وَمِمَّنْ ذَكَرَ جَوَازَهُ الْفَارِسِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ.
-
وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَى بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُ يُسَمَّى نِثَارًا لَا رَمْيًا جَوَابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ مِنْ جِهَةِ الشَّافِعِيِّ: لَوْ تَمَّ مَا ذَكَرْتُمْ فِي تَجْوِيزِ الطِّينِ مِنْ كَوْنِ الثَّابِتِ مَعَهُ فِعْلَ الرَّمْيِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مَا بِهِ الرَّمْيُ لَجَازَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، بَلْ وَبِمَا لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْجَوْهَرِ وَالْعَنْبَرِ وَالْكُلُّ مَمْنُوعٌ عِنْدَكُمْ.
-
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يُسَمَّى نِثَارًا لَا رَمْيًا فَلَمْ يَجُزْ لِانْتِفَاءِ مُسَمَّى الرَّمْيِ.
-
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَصْدُقُ
-
2/4892/489
لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ «إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَرْمِيَ ثُمَّ نَذْبَحَ ثُمَّ نَحْلِقَ» وَلِأَنَّ: الْحَلْقَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ،
-
وَكَذَا الذَّبْحُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ بِهِ الْمُحْصَرُ فَيُقَدِّمَ الرَّمْيَ عَلَيْهِمَا،
-
ثُمَّ الْحَلْقُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ الذَّبْحُ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ الذَّبْحَ بِالْمَحَبَّةِ لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْمُفْرِدُ تَطَوُّعٌ وَالْكَلَامُ فِي الْمُفْرِدِ (وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ» الْحَدِيثَ، ظَاهِرٌ بِالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْحَلْقَ أَكْمَلُ فِي قَضَاءِ التَّفَثِ
-
اسْمُ الرَّمْيِ مَعَ كَوْنِهِ يُسَمَّى نِثَارًا، فَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ رَمْيٌ خُصَّ بِاسْمٍ آخَرَ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِ مُتَعَلِّقِهِ،
-
وَلَا تَأْثِيرَ لِذَلِكَ فِي سُقُوطِ اسْمِ الرَّمْيِ عَنْهُ وَلَا صُورَتِهِ.
-
وَأَيْضًا فَهُوَ جَوَابٌ قَاصِرٌ إذْ لَا يَعُمُّ مَا ذَكَرْنَا مِمَّا لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ ثُبُوتَ اسْمِ النِّثَارِ أَيْضًا فِيمَا بِاللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ أَيْضًا وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ يَصْدُقُ اسْمٌ إلَخْ،
-
وَلَوْ غَيَّرَ أَصْلَ الْجَوَابِ إلَى اشْتِرَاطِ الِاسْتِهَانَةِ انْدَفَعَ الْكُلُّ لَكِنَّهُ يُطَالَبُ بِدَلِيلِ اعْتِبَارِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ سِوَى ثُبُوتِ فِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام بِالْحَجَرِ إذْ لَا إجْمَاعَ فِيهِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ بِمُجَرَّدِهِ التَّعْيِينَ كَرَمْيِهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجَمْرَةِ لَا مِنْ أَعْلَاهَا وَغَيْرِهِ،
-
وَلَوْ اسْتَلْزَمَهُ تَعَيَّنَ الْحَجَرُ وَهُوَ مَطْلُوبُ الْخَصْمِ،
-
ثُمَّ لَوْ تَمَّ نَظَرَ إلَى مَا أُثِرَ مِنْ أَنَّ الرَّمْيَ رَغْمًا لِلشَّيْطَانِ إذْ أَصْلُهُ رَمْيُ نَبِيِّ اللَّهِ عِنْدَ الْجِمَارِ لَمَّا عَرَضَ لَهُ عِنْدَهَا لِلْإِغْوَاءِ بِالْمُخَالَفَةِ اسْتَلْزَمَ جَوَازَ الرَّمْيِ بِمِثْلِ الْخَشَبَةِ وَالرَّثَّةِ وَالْبَعْرَةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّهَا أُمُورٌ تَعَبُّدِيَّةٌ لَا يُشْتَغَلُ بِالْمَعْنَى فِيهَا.
-
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُلَاحِظَ مُجَرَّدَ الرَّمْيِ أَوْ مَعَ الِاسْتِهَانَةِ أَوْ خُصُوصِ مَا وَقَعَ مِنْهُ عليه الصلاة والسلام
-
وَالْأَوَّلُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ بِالْجَوَاهِرِ،
-
وَالثَّانِي بِالْبَعْرَةِ وَالْخَشَبَةِ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا
-
وَالثَّالِثُ بِالْحَجَرِ خُصُوصًا، فَلْيَكُنْ هَذَا أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَسْلَمَ وَالْأَصْلُ فِي أَعْمَالِ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ إلَّا مَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ تَعَيُّنِهِ كَمَا فِي الرَّمْيِ أَسْفَلَ الْجَمْرَةِ مِمَّا ذَكَرْنَا
-
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام " إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا " إلَخْ) غَرِيبٌ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى مِنًى فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى فَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ خُذْ وَأَشَارَ إلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ» ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْحَلْقِ الْبُدَاءَةُ بِيَمِينِ الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَذْهَبِ وَهَذَا الصَّوَابُ (قَوْلُهُ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ الذَّبْحُ) حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّ الْحَلْقَ لَمْ يَقَعْ فِي مَحْضِ الْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام ) فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ»
-
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «فَلَمَّا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ» وَقَوْلُهُ ظَاهَرَ هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ فِعْلٌ مَاضٍ،
-
وَمِنْ لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ يُجْرِي الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ وُجُوبًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ شَيْئَانِ إجْرَاؤُهُ مَعَ الْإِزَالَةِ، فَمَا عَجَزَ عَنْهُ سَقَطَ دُونَ مَا لَمْ يَعْجِزْ عَنْهُ.
-
وَقِيلَ اسْتِحْبَابًا لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِجْرَاءِ لِلْإِزَالَةِ لَا لَعَيْنِهِ،
-
فَإِذَا سَقَطَ مَا وَجَبَ لِأَجْلِهِ سَقَطَ هُوَ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ بِمَنْعِ وُجُوبِ عَيْنِ الْإِجْرَاءِ وَإِنْ كَانَ لِلْإِزَالَةِ، بَلْ الْوَاجِبُ طَرِيقُ الْإِزَالَةِ،
-
وَلَوْ فُرِضَ بِالنُّورَةِ أَوْ الْحَرْقِ أَوْ النَّتْفِ،
-
وَإِنْ عَسُرَ فِي أَكْثَرِ الرُّءُوسِ أَوْ قَاتَلَ غَيْرَهُ فَنَتَفَهُ أَجْزَأَ عَنْ
-
2/4902/490
وَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَفِي التَّقْصِيرِ بَعْضُ التَّقْصِيرِ فَأَشْبَهَ الِاغْتِسَالَ مَعَ الْوُضُوءِ. وَيَكْتَفِي فِي الْحَلْقِ بِرُبْعِ الرَّأْسِ اعْتِبَارًا بِالْمَسْحِ، وَحَلْقُ الْكُلِّ أَوْلَى اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام . وَالتَّقْصِيرُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رُءُوسِ شَعْرِهِ مِقْدَارَ الْأُنْمُلَةِ. قَالَ (وَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ) وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله : وَإِلَّا الطِّيبَ أَيْضًا لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ
-
الْحَلْقِ قَصْدًا. وَلَوْ تَعَذَّرَ الْحَلْقُ لِعَارِضٍ تَعَيَّنَ التَّقْصِيرُ أَوْ التَّقْصِيرُ تَعَيَّنَ الْحَلْقُ كَأَنْ لَبَّدَهُ بِصَمْغٍ فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ الْمِقْرَاضُ،
-
وَمَنْ تَعَذَّرَ إجْرَاءُ الْآلَةِ عَلَى رَأْسِهِ صَارَ حَلَالًا كَاَلَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَسْحِ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ لِآفَةٍ.
-
قَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِيمَنْ عَلَى رَأْسِهِ قُرُوحٌ لَا يَسْتَطِيعُ إجْرَاءَ الْمُوسِي عَلَيْهِ وَلَا يَصِلُ إلَى تَقْصِيرِهِ حَلَّ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَلَقَ، وَالْأَحْسَنُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْإِحْلَالَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُؤَخِّرْهُ،
-
وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بِهِ قُرُوحٌ لَكِنَّهُ خَرَجَ إلَى الْبَادِيَةِ فَلَمْ يَجِدْ آلَةً أَوْ مِنْ يُحْلِقْهُ لَا يُجْزِيهِ إلَّا الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ، وَلَيْسَ هَذَا بِعُذْرٍ، وَيُعْتَبَرُ فِي سُنَّةِ الْحَلْقِ الْبُدَاءَةُ بِيَمِينِ الْحَالِقِ لَا الْمَحْلُوقِ وَيَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْسَرِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّ مُقْتَضَى النَّصِّ الْبُدَاءَةُ بِيَمِينِ الرَّأْسِ.
-
وَيُسْتَحَبُّ دَفْنُ شَعْرِهِ وَيَقُولُ عِنْدَ الْحَلْقِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا. اللَّهُمَّ هَذِهِ نَاصِيَتِي بِيَدِك فَتَقَبَّلْ مِنِّي وَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي. اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً وَامْحُ بِهَا عَنِّي سَيِّئَةً وَارْفَعْ لِي بِهَا دَرَجَةً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِلْمُحَلِّقَيْنِ وَالْمُقَصِّرِينَ يَا وَاسِعَ الْمَغْفِرَةِ آمِينَ.
-
وَإِذَا فَرَغَ فَلْيُكَبِّرْ وَلِيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَضَى عَنَّا نُسُكَنَا، اللَّهُمَّ زِدْنَا إيمَانًا وَيَقِينًا، وَيَدْعُو لِوَالِدَيْهِ وَالْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ وَيَكْتَفِي فِي الْحَلْقِ بِرُبْعِ الرَّأْسِ اعْتِبَارًا بِالْمَسْحِ وَحَلْقُ الْكُلِّ أَوْلَى اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ:
-
فَإِنْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ أَجْزَأَ وَهُوَ مُسِيءٌ،
-
وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ غَيْرِ رَأْسِهِ وَلَا مِنْ ظُفْرِهِ،
-
فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَضُرَّهُ لِأَنَّهُ أَوَانُ التَّحَلُّلِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ لِأَنَّهُ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ كَذَا عَلَّلَهُ فِي الْمَبْسُوطِ، وَفِي الْمُحِيطِ: أُبِيحَ لَهُ التَّحَلُّلُ فَغَسَلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ أَوْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ قَبْلَ الْحَلْقِ عَلَيْهِ دَمٌ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بَاقٍ لِأَنَّهُ لَا تَحَلُّلَ إلَّا بِالْحَلْقِ فَقَدْ جَنَى عَلَيْهِ بِالطِّيبِ.
-
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ: لَا دَمَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ التَّحَلُّلُ فَيَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ اتَّفَقَ كُلٌّ مِنْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رحمهم الله عَلَى أَنَّهُ يُجْزِي فِي الْحَلْقِ الْقَدْرُ الَّذِي قَالَ إنَّهُ يُجْزِي فِي الْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ.
-
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ قِيَاسًا بِلَا جَامِعٍ يَظْهَرُ أَثَرُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ عَلَى تَقْدِيرِ الْقِيَاسِ وُجُوبُ الْمَسْحِ وَمَحَلُّهُ الْمَسْحُ، وَحُكْمَ الْفَرْعِ وُجُوبُ الْحَلْقِ وَمَحَلُّهُ الْحَلْقُ لِلتَّحَلُّلِ،
-
وَلَا يَظُنُّ أَنَّ مَحَلَّ الْحُكْمِ الرَّأْسُ إذْ لَا يَتَّحِدُ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ هُمَا مَحَلَّا الْحُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَالْمُشَبَّهِ، وَالْحُكْمُ هُوَ الْوُجُوبُ مَثَلًا،
-
وَلَا قِيَاسَ يُتَصَوَّرُ عِنْدَ اتِّحَادِ مَحَلِّهِ إذْ لَا اثْنَيْنِيَّةَ، وَحِينَئِذٍ فَحُكْمُ الْأَصْلِ وَهُوَ وُجُوبُ
-
2/4912/491
وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام فِيهِ «حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ.
-
وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْجِمَاعُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله لِأَنَّهُ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ بِالنِّسَاءِ فَيُؤَخَّرُ إلَى تَمَامِ الْإِحْلَالِ
-
الْمَسْحِ لَيْسَ فِيهِ مَعْنًى يُوجِبُ جَوَازَ قَصْرِهِ عَلَى الرُّبْعِ، وَإِنَّمَا فِيهِ نَفْسُ النَّصِّ الْوَارِدِ فِيهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ بِنَاءً إمَّا عَلَى الْإِجْمَالِ وَالْتِحَاقِ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بَيَانًا أَوْ عَلَى عَدَمِهِ، وَالْمُفَادُ بِسَبَبِ الْبَاءِ إلْصَاقُ الْيَدِ كُلِّهَا بِالرَّأْسِ لِأَنَّ الْفِعْلَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مُتَعَدِّيًا إلَى الْآلَةِ بِنَفْسِهِ فَيَشْمَلُهَا، وَتَمَامُ الْيَدِ يَسْتَوْعِبُ الرُّبْعَ عَادَةً فَتَعَيَّنَ قَدْرُهُ، لَا أَنَّ فِيهِ مَعْنًى ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالرُّبْعِ أَوْ بِالْبَعْضِ مُطْلَقًا أَوْ تَعَيَّنَ الْكُلُّ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي وُجُوبِ حَلْقِهَا عِنْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْإِحْرَامِ لِيَتَعَدَّى الِاكْتِفَاءُ بِالرُّبْعِ مِنْ الْمَسْحِ إلَى الْحَلْقِ،
-
وَكَذَا الْآخَرَانِ، وَإِذَا انْتَفَتْ صِحَّةُ الْقِيَاسِ فَالْمَرْجِعُ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْحَةِ وَحَلْقِ التَّحَلُّلِ مَا يُفِيدُهُ نَصُّهُ الْوَارِدُ فِيهِ، وَالْوَارِدُ فِي الْمَسْحِ دَخَلَتْ فِيهِ الْبَاءُ عَلَى الرَّأْسِ الَّتِي هِيَ الْمَحَلُّ فَأَوْجَبَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ التَّبْعِيضَ، وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا، بَلْ الْإِلْصَاقَ، غَيْرَ أَنَّا لَاحَظْنَا تَعَدِّيَ الْفِعْلِ لِلْآلَةِ فَيَجِبُ قَدْرُهَا مِنْ الرَّأْسِ، وَلَمْ يُلَاحِظْهُ مَالِكٌ رحمه الله فَاسْتَوْعَبَ الْكُلَّ أَوْ جَعَلَهُ صِلَةً كَمَا فِي ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ، فَاقْتَضَى وُجُوبَ اسْتِيعَابِ الْمَسْحِ.
-
وَأَمَّا الْوَارِدُ فِي الْحَلْقِ فَمِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ مِنْ غَيْرِ بَاءٍ.
-
وَالْآيَةُ فِيهَا إشَارَةٌ إلَى طَلَبِ تَحْلِيقِ الرُّءُوسِ أَوْ تَقْصِيرِهَا وَلَيْسَ فِيهَا مَا هُوَ الْمُوجِبُ لِطَرِيقِ التَّبْعِيضِ عَلَى اخْتِلَافِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَهُوَ دُخُولُ الْبَاءِ عَلَى الْمَحَلِّ.
-
وَمِنْ السُّنَّةِ فِعْلُهُ عليه الصلاة والسلام وَهُوَ الِاسْتِيعَابُ، فَكَانَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِي الْحَلْقِ وُجُوبَ الِاسْتِيعَابِ كَمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَهُوَ الَّذِي أَدِينُ لِلَّهِ بِهِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ) يُفِيدُ أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ قِيَاسٌ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَصْلَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ قَدْ يُتْرَكُ ذِكْرُهُ كَثِيرًا إذَا كَانَ أَصْلُهُ ظَاهِرًا أَوْ لَهُ أُصُولٌ كَثِيرَةٌ وَهُنَا كَذَلِكَ.
-
وَحَاصِلُهُ: الطِّيبُ مِنْ دَوَاعِي الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الْجِمَاعُ فَيَحْرُمُ قِيَاسًا عَلَى الْمَسِّ بِشَهْوَةٍ فِي الِاعْتِكَافِ وَالِاسْتِبْرَاءِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ فِي مُعَارَضَةِ النَّصِّ لَكِنْ قَدْ اسْتَدَلَّ لِمَالِكٍ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ «مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ إنْ رَمَى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حُرِّمَ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ حَتَّى يَزُورَ الْبَيْتَ» وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا اهـ.
-
وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مِنْ السُّنَّةِ حُكْمُهُ الرَّفْعُ.
-
وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه بِطَرِيقٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ قَالَ «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مَا حُرِّمَ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ» ذَكَرَهُ وَانْقِطَاعَهُ فِي الْإِمَامِ.
-
وَلَنَا مَا أَخْرَجَ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ الْحَسَنِ الْعَرَبِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ فَقَالَ رَجُلٌ وَالطِّيبُ فَقَالَ أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالْمِسْكِ أَفَطِيبٌ هُوَ أَمْ لَا» وَأَمَّا مَا فِي الْكِتَابِ فَهُوَ مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْهُ عليه الصلاة والسلام : «إذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ فِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَدٍ آخَرَ هُوَ فِيهِ أَيْضًا قَالَ «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ وَذَبَحْتُمْ» وَقَالَ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا الْحُجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ
-
2/4922/492
(ثُمَّ الرَّمْيُ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ عِنْدَنَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله . هُوَ يَقُولُ: إنَّهُ يَتَوَقَّتُ بِيَوْمِ النَّحْرِ كَالْحَلْقِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ فِي التَّحْلِيلِ. وَلَنَا أَنَّ مَا يَكُونُ مُحَلَّلًا يَكُونُ جِنَايَةً فِي غَيْرِ أَوَانِهِ كَالْحَلْقِ، وَالرَّمْيِ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ،
-
بِخِلَافِ الطَّوَافِ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْحَلْقِ السَّابِقِ لَا بِهِ.
-
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ» وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَمْرَةَ عَنْهَا قَالَتْ «طَيَّبْتُهُ عليه الصلاة والسلام لِحَرَمِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ»
-
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ مَا يَكُونُ مُحَلِّلًا يَكُونُ جِنَايَةً فِي غَيْرِ أَوَانِهِ كَالْحَلْقِ) يَعْنِي هَذَا هُوَ الْأَصْلُ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْعِبَادَةِ هُوَ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ بِرُكْنِهَا بَلْ إمَّا بِمُنَافِيهَا أَوْ بِمَا هُوَ مَحْظُورُهَا هُوَ أَقَلُّ مَا يَكُونُ،
-
بِخِلَافِ دَمِ الْإِحْصَارِ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّحَلُّلِ قَبْلَ أَوَانِ إطْلَاقِ مُبَاشَرَةِ الْمَحْظُورِ تَحَلُّلًا،
-
فَإِنْ قِيلَ: يَرُدُّ الطَّوَافُ فَإِنَّهُ مُحَلِّلٌ مِنْ النِّسَاءِ وَلَيْسَ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ؟ أَجَابَ بِمَنْعِ كَوْنِهِ مُحَلِّلًا بَلْ التَّحَلُّلُ عِنْدَهُ بِالْحَلْقِ السَّابِقِ لَا بِهِ غَايَةُ الْأَمْرِ بَعْضُ أَحْكَامِ الْحَلْقِ يُؤَخَّرُ إلَى وَقْتِهِ.
-
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مِنْ السَّمْعِيَّاتِ يُفِيدُ أَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ لِلتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ. وَعَنْ هَذَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهُوَ عِنْدَنَا وَاجِبٌ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ الْوَاجِبَ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ، وَيَحْمِلُونَ مَا ذَكَرْنَا عَلَى إضْمَارِ الْحَلْقِ: أَيْ إذَا رَمَى وَحَلَقَ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَطْفِهِ عَلَى الشَّرْطِ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ.
-
قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ وَهُوَ الْحَلْقُ وَاللُّبْسُ عَلَى مَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ إنَّهُ الْحَلْقُ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ﴾ الْآيَةَ، أَخْبَرَ بِدُخُولِهِمْ مُحَلِّقِينَ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ التَّحْلِيقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَالَةَ الدُّخُولِ فِي الْعُمْرَةِ لِأَنَّهَا حَالٌ مُقَدَّرَةٌ،
-
ثُمَّ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ الْوُجُوبِ الْحَامِلِ عَلَى الْوُجُودِ فَيُوجَدُ الْمُخْبَرُ بِهِ ظَاهِرًا وَغَالِبًا لِتَطَابُقِ الْأَخْبَارِ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ ظَنِّيٌّ فَيَثْبُتُ بِهِ الْوُجُوبُ لَا الْقَطْعُ.
-
وَلَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْحَلْقِ لَزِمَهُ دَمٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ إحْرَامَهُ بَاقٍ لَا يَزُولُ إلَّا بِالْحَلْقِ
-
2/4932/493
قَالَ (ثُمَّ يَأْتِي مَكَّةَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ أَوْ مِنْ الْغَدِ أَوْ مِنْ بَعْدِ الْغَدِ، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الزِّيَارَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام لَمَّا حَلَقَ أَفَاضَ إلَى مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ عَادَ إلَى مِنًى وَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» .
-
وَوَقْتُهُ أَيَّامُ النَّحْرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ الطَّوَافَ عَلَى الذَّبْحِ قَالَ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فَكَانَ وَقْتُهُمَا وَاحِدًا. وَأَوَّلُ وَقْتِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مِنْ اللَّيْلِ وَقْتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
-
قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ إلَخْ) هَذَا دَلِيلٌ يَخُصُّ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْإِضَافَةِ، لَا أَنَّهُ يُفِيدُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يُفِيضُ فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَأَفْضَلُ هَذِهِ الْأَيَّامِ أَوَّلُهَا لِيَكُونَ دَلِيلَ السُّنَّةِ، وَيَثْبُتُ الْجَوَازُ فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ بِالْمَعْنَى وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَوَقْتُهُ أَيَّامَ النَّحْرِ إلَخْ،
-
وَأَمَّا حَدِيثُ «أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا» فَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِهِ.
-
ثُمَّ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» قَالَ نَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفِيضُ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي الظُّهْرَ بِمِنًى وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ. وَاَلَّذِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الثَّابِتِ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مَنْ كُتُبِ السُّنَنِ خِلَافُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ» وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ وَهْمٌ.
-
وَثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها مِثْلُ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ بِطَرِيقٍ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
-
وَإِذَا تَعَارَضَا وَلَا بُدَّ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي أَحَدِ الْمَكَانَيْنِ فَفِي مَكَّةَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْلَى لِثُبُوتِ مُضَاعَفَةِ الْفَرَائِضِ فِيهِ.
-
وَلَوْ تَجَشَّمْنَا الْجَمْعَ حَمَلْنَا فِعْلَهُ بِمِنًى عَلَى الْإِعَادَةِ بِسَبَبٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ يُوجِبُ نُقْصَانَ الْمُؤَدَّى أَوْ لَا (قَوْلُهُ فَكَانَ وَقْتُهُمَا وَاحِدًا) يَعْنِي فَكَانَ وَقْتُ الذَّبْحِ وَقْتًا لِلطَّوَافِ لَا وَقْتَ الطَّوَافِ،
-
فَإِنَّ الطَّوَافَ لَا يَتَوَقَّتُ بِأَيَّامِ النَّحْرِ حَتَّى يَفُوتَ بِفَوَاتِهَا بَلْ وَقْتُهُ الْعُمْرُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ عَنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَحِينَئِذٍ فَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْعَطْفِ أَنَّهُ عَطْفُ طَلَبِ الطَّوَافِ عَلَى الْأَكْلِ مِنْ الْأُضْحِيَّةَ الْمَلْزُومِ لِلذَّبْحِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فَكَانَ عَلَى الذَّبْحِ اللَّازِمِ.
-
وَمِنْ ضَرُورَةِ جَمْعِ طَلَبِهِمَا مُطْلَقًا إطْلَاقُ الْإِتْيَانِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ حِينِ يَتَحَقَّقُ وَقْتُ أَحَدِهِمَا، الذَّبْحُ يَتَحَقَّقُ وَقْتُهُ مِنْ فَجْرِ النَّحْرِ فَمِنْهُ يَتَحَقَّقُ وَقْتُ الطَّوَافِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ وَقْتَ الطَّوَافِ أَوَّلُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ لَا مِنْ لَيْلَتِهِ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ الْوُقُوفِ وَلَا آخِرَ لَهُ، بَلْ مُدَّةُ وَقْتِهِ الْعُمْرُ، إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ فِعْلُهُ قَبْلَ مُضِيِّ أَيَّامِ النَّحْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، خِلَافًا لَهُمَا، بَلْ ذَلِكَ عِنْدَ هُمَا لِلسُّنَّةِ يُكْرَهُ خِلَافُهَا وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ
-
2/4942/494
وَالطَّوَافُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، وَأَفْضَلُ هَذِهِ الْأَيَّامِ أَوَّلُهَا كَمَا فِي التَّضْحِيَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ «أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا» (فَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَقِيبَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَمْ يَرْمُلْ فِي هَذَا الطَّوَافِ وَلَا سَعْيَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَمْ يُقَدِّمْ السَّعْيَ
-
وَهَذِهِ فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِالطَّوَافِ مَكَانُ الطَّوَافِ دَاخِلُ الْمَسْجِدِ،
-
فَلَوْ طَافَ مِنْ وَرَاءِ السَّوَارِي أَوْ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ أَجْزَأَهُ،
-
وَإِنْ طَافَ مِنْ وَرَاءِ الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. وَفِي مَوْضِعٍ: إنْ كَانَتْ حِيطَانُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ لَمْ يُجْزِهِ، يَعْنِي
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ حِيطَانُهُ مُنْهَدِمَةً، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ.
-
يَعْنِي وَقَعَ ذِكْرُ الْحِيطَانِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَكِنَّهُ اتِّفَاقِيٌّ لَا مُعْتَبَرَ الْمَفْهُومِ لِمَا يُفْهَمُ مِنْ التَّعْلِيلِ فِي أَصْلِ الْمَبْسُوطِ،
-
فَأَمَّا إذَا طَافَ مِنْ وَرَاءِ الْمَسْجِدِ فَكَانَتْ حِيطَانُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّهُ طَافَ بِالْمَسْجِدِ لَا بِالْبَيْتِ، أَرَأَيْت لَوْ طَافَ بِمَكَّةَ كَانَ يُجْزِيهِ؛
-
وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ فِي مَكَّةَ، أَرَأَيْت لَوْ طَافَ بِالدُّنْيَا أَكَانَ يُجْزِيهِ مِنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ لَا يُجْزِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهَذَا مِثْلُهُ اهـ.
-
وَلَا شَكَّ أَنَّ الطَّائِفَ بِمَكَّةَ يُقَالُ فِيهِ طَائِفٌ بِمَكَّةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حِيطَانَ سُوَرٍ،
-
وَكَذَا بِالْمَسْجِدِ، وَهَذَا لِأَنَّ النِّسْبَةَ: أَعْنِي نِسْبَةَ الطَّوَافِ إلَى الْكَعْبَةِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِقُرْبٍ مِنْهَا مُنَاسِبٍ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمَسْجِدَ لَهُ حُكْمُ الْبُقْعَةِ الْوَاحِدَةِ وَإِنْ انْتَشَرَتْ أَطْرَافُهُ لَكَانَ يُنَاسَبُ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِالطَّوَافِ فِي حَوَاشِيهِ تَحْتَ الْأَبْنِيَةِ لِلْبُعْدِ الَّذِي قَدْ يَقْطَعُ النِّسْبَةَ إلَيْهِ، حَتَّى إنَّ مَنْ دَارَ هُنَاكَ إنَّمَا يُقَالُ: كَانَ فُلَانٌ يَدُورُ فِي الْمَسْجِدِ كَأَنَّهُ يَتَأَمَّلُ بُقَعَهُ وَأَبْنِيَتَهُ،
-
وَلَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ: كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ.
-
وَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ دَاخِلُ الْمَسْجِدِ الطَّوَافُ مُحْرِمًا أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ دُونَ الصَّلَاةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَائِتَةٌ أَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِيَّةِ وَلَوْ الْوِتْرَ أَوْ سُنَّةً رَاتِبَةً أَوْ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ فَيُقَدِّمُ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى الطَّوَافِ، كَمَا لَوْ دَخَلَ فِي وَقْتٍ مُنِعَ النَّاسُ الطَّوَافَ فِيهِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا فَطَوَافُ تَحِيَّةٍ،
-
وَإِنْ كَانَ بِالْحَجِّ فَطَوَافُ الْقُدُومِ إنْ كَانَ دُخُولُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَطَوَافُ الْفَرِيضَةِ يُغْنِي عَنْهُ،
-
وَلَوْ نَوَاهُ وَقَعَ عَنْ الْفَرْضِ،
-
وَإِنْ كَانَ بِالْعُمْرَةِ فَبِطَوَافِ الْعُمْرَةِ،
-
وَلَا يُسَنُّ طَوَافُ الْقُدُومِ لَهُ،
-
وَلَوْ نَوَاهُ وَقَعَ عَنْ الْعُمْرَةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْ الْبَيْتِ فِي طَوَافِهِ إذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا.
-
وَالْأَفْضَلُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ، وَيَكُونُ طَوَافُهُ مِنْ وَرَاءِ الشَّاذَرْوَانِ كَيْ لَا يَكُونَ بَعْضُ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الشَّاذَرْوَانُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْهُ حَتَّى لَا يَجُوزَ الطَّوَافُ عَلَيْهِ، وَالشَّاذَرْوَانُ هُوَ تِلْكَ الزِّيَادَةُ الْمُلْصَقَةُ بِالْبَيْتِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى فُرْجَةِ الْحِجْرِ.
-
قِيلَ بَقِيَ مِنْهُ حِينَ عَمَّرَتْهُ قُرَيْشٌ وَضَيَّقَتْ.
-
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ لَا مَرَدَّ لَهُ كَثُبُوتِ كَوْنِ بَعْضِ الْحِجْرِ مِنْ الْبَيْتِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُنَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَيْتَ هُوَ الْجِدَارُ الْمَرْئِيُّ قَائِمًا إلَى أَعْلَاهُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُبْدَأَ بِالطَّوَافِ مِنْ جَانِبِ الْحِجْرِ الَّذِي يَلِي الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ لِيَكُونَ مَارًّا عَلَى جَمِيعِ الْحِجْرِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ فَيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ مَنْ يَشْتَرِطُ الْمُرُورَ كَذَلِكَ عَلَيْهِ، وَشَرْحُهُ أَنْ يَقِفَ مُسْتَقْبِلًا عَلَى جَانِبِ الْحِجْرِ بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحِجْرِ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ يَمْشِي كَذَلِكَ مُسْتَقْبِلًا حَتَّى يُجَاوِزَ الْحِجْرَ،
-
فَإِذَا جَاوَزَهُ انْفَتَلَ وَجَعَلَ يَسَارَهُ إلَى الْبَيْتِ وَهَذَا فِي الِافْتِتَاحِ خَاصَّةً.
-
وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ أَوْ الْجِنَازَةُ خَرَجَ مِنْ طَوَافِهِ إلَيْهَا،
-
وَكَذَا إذَا كَانَ فِي السَّعْيِ،
-
ثُمَّ إذَا فَرَغَ وَعَادَ بَنَى عَلَى مَا كَانَ طَافَهُ وَلَا يَسْتَقْبِلُهُ،
-
وَكَذَا إذَا خَرَجَ لِتَجْدِيدِ وُضُوءٍ.
-
وَلَا يُكْرَهُ الطَّوَافُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِيهَا بَلْ يَصْبِرُ إلَى أَنْ يَدْخُلَ مَا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ.
-
وَيُكْرَهُ وَصْلُ الْأَسَابِيعِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَغَيْرِهِ.
-
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله لَا بَأْسَ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ وِتْرٍ مِنْهَا. وَمَعَ الْكَرَاهَةِ لَوْ طَافَ أُسْبُوعًا ثُمَّ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ مِنْ آخِرَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أُسْبُوعَيْنِ لَا يَقْطَعُ الْأُسْبُوعَ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ
-
2/4952/495
رَمَلَ فِي هَذَا الطَّوَافِ وَسَعَى بَعْدَهُ) لِأَنَّ السَّعْيَ لَمْ يُشَرَّعْ إلَّا مَرَّةً
-
بَلْ يُتِمُّهُ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطُوفَ مُنْتَعِلًا إذَا كَانَتَا طَاهِرَتَيْنِ أَوْ بِخُفِّهِ،
-
وَإِنْ كَانَ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ كَرِهْت لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَالرُّكْنُ فِي الطَّوَافِ أَرْبَعَةُ أَشْوَاطٍ، فَمَا زَادَ إلَى السَّبْعَةِ وَاجِبٌ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رحمه الله وَسَنَذْكُرُ مَا عِنْدَنَا فِيهِ.
-
وَقِيلَ: الرُّكْنُ ثَلَاثَةُ أَشْوَاطٍ وَثُلُثَا شَوْطٍ. وَافْتِتَاحُ الطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ سُنَّةٌ،
-
فَلَوْ افْتَتَحَهُ مِنْ غَيْرِهِ أَجْزَأَ وَكُرِهَ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَنَصَّ مُحَمَّدٌ فِي الرُّقَيَّاتِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ فَجَعَلَهُ شَرْطًا.
-
وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ وَاجِبٌ لَا يَبْعُدُ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ مِنْ غَيْرِ تَرْكِ مَرَّةٍ دَلِيلُهُ فَيَأْثَمُ بِهِ وَيُجْزِيهِ.
-
وَلَوْ كَانَ فِي آيَةِ الطَّوَافِ إجْمَالٌ لَكَانَ شَرْطًا كَمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ رحمه الله لَكِنَّهُ مُنْتَفٍ فِي حَقِّ الِابْتِدَاءِ فَيَكُونُ مُطْلَقُ التَّطَوُّفِ هُوَ الْفَرْضُ، وَافْتِتَاحُهُ مِنْ الْحَجَرِ وَاجِبٌ لِلْمُوَاظَبَةِ، كَمَا قَالُوا فِي جَعْلِ الْكَعْبَةِ عَنْ يَسَارِهِ حَالَ الطَّوَافِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، حَتَّى لَوْ طَافَ مَنْكُوسًا بِأَنْ جَعَلَهَا عَنْ يَمِينِهِ اعْتَدَّ بِهِ فِي ثُبُوتِ التَّحَلُّلِ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ،
-
فَإِنْ رَجَعَ وَلَمْ يُعِدْ فِيهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ: يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُنْشِدَ الشِّعْرَ فِي طَوَافِهِ أَوْ يَتَحَدَّثَ أَوْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ،
-
فَإِنْ فَعَلَهُ لَمْ يَفْسُدْ طَوَافُهُ.
-
وَيُكْرَهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ فِيهِ،
-
وَلَا بَأْسَ فِي قِرَاءَتِهِ فِي نَفْسِهِ اهـ.
-
وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْرَأَ فِي طَوَافِهِ،
-
وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ اللَّهِ. وَصَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ الذِّكْرَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الطَّوَافِ، وَلَيْسَ يَنْبُو عَمَّا ذَكَرَ الْحَاكِمُ لِأَنَّهُ لَا بَأْسَ فِي الْأَكْثَرِ لِخِلَافِ الْأَوْلَى، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ فِي الشِّعْرِ بَيْنَ أَنْ يُعَرَّى عَنْ حَمْدٍ أَوْ ثَنَاءٍ فَيُكْرَهُ وَإِلَّا فَلَا.
-
وَقِيلَ يُكْرَهُ فِي الْحَالَيْنِ.
-
كَمَا هُوَ ظَاهِرُ جَوَابِ الرِّوَايَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ الْأَفْضَلُ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ فِي الطَّوَافِ قِرَاءَةٌ بَلْ الذِّكْرُ وَهُوَ الْمُتَوَارَثُ عَنْ السَّلَفِ وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ فَكَانَ أَوْلَى.
-
وَأَمَّا كَرَاهَةُ الْكَلَامِ فَالْمُرَادُ فُضُولُهُ إلَّا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
-
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفْتِيَ فِي الطَّوَافِ وَيَشْرَبَ مَاءً إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ،
-
وَلَا يُلَبِّي حَالَةَ الطَّوَافِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ،
-
وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَوْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَذَلِكَ إنْ كَانَ بِعُذْرٍ جَازَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَمَا دَامَ بِمَكَّةَ يُعِيدُ،