ثم يروح إلى عرفة ويقف الوقوف ركن من أركان الحج لما روى عبد الرحمن الديلى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (الحج عرفات
Its commentaries
ثم يروح إلى عرفة ويقف الوقوف ركن من أركان الحج لما روى عبد الرحمن الديلى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (الحج عرفات فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج) والمستحب أن يغتسل لما روى نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (كَانَ يغتسل إذا راح إلى عرفة) وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ يَجْتَمِعُ لَهَا الْخَلْقُ فِي مَوْضِعٍ واحد فشرع لها الغسل كصلاة الجمعة والعيد ويصح الوقوف في جميع عرفة لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (عَرَفَةُ كُلُّهَا موقف) والافضل أن يقف عند الصخرات لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقَفَ عند الصخرات وجعل بطن ناقته إلى الصخرات) * ويستحب أن يستقبل القبلة لان النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ولانه إذا لم يكن بد من جهة فجهة القبلة أولى لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (خير المجالس ما استقبل به القبلة) * ويستحب الاكثار من الدعاء وأفضله لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له لما روى طلحة بن عبد الله إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له) * ويستحب أن يرفع يديه لما روى ابن عباس وابن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (ترفع الايدى عند الموقفين يعنى عرفة والمشعر الحرام) وهل الافضل أن يكون راكبا أم لا فيه قولان (قال) في الام النازل والراكب سواء (وقال) في القديم والاملاء الوقوف راكبا أفضل وهو الصحيح لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقَفَ راكبا) ولان الراكب أقوى على الدعاء فكان الركوب أولى ولهذا كان الافطار بعرفة أفضل لان المفطر أقوى على الوقوف والدعاء * وأول وقته إذا زالت الشمس لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وقف بعد الزوال وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) وآخر وقته إلى أن يطلع الفجر الثاني لحديث عبد الرحمن الديلي * فان حصل بعرفة في وقت الوقوف قائما أو قاعدا أو مجتازا فقد أدرك الحج لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا وَقَدْ قَامَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تفثه) وان وقف وهو مغمى عليه لم يدرك الحج وان وقف وهو نائم فقد أدرك الحج لان المغمى عليه ليس من أهل العبادات والنائم من أهل العبادات ولهذا لو أغمي عليه في جميع نهار الصوم لم يصح صومه وان نام في جميع النهار صح صومه وان وقف وهو لا يعلم انه عرفة فقد أدرك لانه وقف بها وهو مكلف فأشبه إذا علم انها عرفة * والسنة أن يقف بعد الزوال إلى أن تغرب الشمس لِمَا رَوَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ (وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ ثم أفاض حين غابت الشمس) * فان دفع منها قبل الغروب نظرت فان رجع إليها قبل طلوع الفجر لم يلزمه شئ لانه جمع في الوقوف بين الليل والنهار فأشبه إذا قام بها إلى أن غربت الشمس وإن لم يرجع قبل طلوع الفجر أراق دما * وهل يجب ذلك أو يستحب فيه قولان (أحدهما) يجب لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ ترك نسكا فعليه دم) ولانه نسك يختص بمكان فجاز ان يجب بتركه الدم كالاحرام من الميقات (والثانى) انه يستحب لانه وقف في احد زماني الوقوف فلا يلزمه دم للزمان الآخر كما لو وقف في الليل دون النهار (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّيلِيِّ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَآخَرُونَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي الحج عرفة من جاء ليلة جمع قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ)
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد (فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَنَادَى الْحَجُّ الْحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ حَجٍّ فَيَتِمُّ حَجُّهُ)
وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْحَجُّ عَرَفَاتٌ الْحَجُّ عَرَفَاتٌ فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ) وَإِسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ صَحِيحٌ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قُلْتُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَيْسَ عِنْدَكُمْ بِالْكُوفَةِ حَدِيثٌ أَشْرَفُ وَلَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا
(وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَيْهِ لَكِنْ يُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (وَقَفْتُ هَهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
(وَأَمَّا) قَوْلُهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إلَى الصَّخَرَاتِ فَرَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ
(أَمَّا) قَوْلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ أَيْضًا
(وَأَمَّا) حَدِيثُ (خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ) (١)
(وَأَمَّا) حَدِيثُ (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ) فَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عبيد الله ابن كَرِيزٍ - بِفَتْحِ الْكَافِ وَآخِرُهُ زَايٌ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ آخِرُ حَدِيثٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ الْمُوَطَّأِ وَهُوَ مُرْسَلٌ لِأَنَّ طَلْحَةَ هَذَا تَابِعِيٌّ خُزَاعِيٌّ كُوفِيٌّ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ لِمَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ طلحة ابن عبيد الله التميمي أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
* قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ مَوْصُولًا قَالَ وَوَصْلُهُ ضَعِيفٌ
* وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَطْوَلَ مِنْ هَذَا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كل شئ قَدِيرٌ) فَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي إسْنَادِهِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ دُعَائِي وَدُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كل شئ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا) إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ تَفَرَّدَ بِهِ مُوسَى وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَخُوهُ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا (١)
(وَأَمَّا) حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقَفَ رَاكِبًا) فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةِ الْعَبَّاسِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ أَيْضًا
(وَأَمَّا) حَدِيثُ وُقُوفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ
(وَأَمَّا) حَدِيثُ (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَسَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَلَفْظُهُ (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) كَرِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ
(وَأَمَّا) الْحَدِيثُ الْآخَرُ (مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا) فَصَحِيحٌ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسٍ الطَّائِيِّ الصَّحَابِيِّ قَالَ (أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ لِلصَّلَاةِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي جئت
من جبل طئ أَكْلَلْت رَاحِلَتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي وَاَللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ
* قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
(وَأَمَّا) حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِهِ هُنَا وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ طَوِيلٍ
* قَالَ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ سَنَذْكُرُهُ بِطُولِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَصْلِ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزل بنمرة حتى إذا زاعت الشمس أمر بالقصوى فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
(وَأَمَّا) حَدِيثُ (مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ) فَرَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ لَا مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ (مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا) قَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي قَالَ تَرَكَ أَمْ نَسِيَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ
وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَيُّوبَ (مَنْ تَرَكَ شَيْئًا فَلْيُهْرِقْ لَهُ دَمًا) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَكَأَنَّهُ قَالَهُمَا يَعْنِي الْبَيْهَقِيَّ أَنَّ أَوْ لَيْسَتْ لِلشَّكِّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ بَلْ لِلتَّقْسِيمِ وَالْمُرَادُ بِهِ يُرِيقُ دَمًا سَوَاءٌ تَرَكَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(أَمَّا) أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَفِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدِّيلِيُّ الصَّحَابِيُّ - بِكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ - وَهُوَ مِنْ سَاكِنِي الْكُوفَةِ وَأَبُو يَعْمُرَ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا - (وَقَوْلُهُ) وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ يَجْتَمِعُ لَهَا الْخَلْقُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ احْتِرَازٌ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَالْأَذْكَارِ وَلَكِنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْمَبِيتِ بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ (وَقَوْلُهُ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا وَقَدْ قَامَ قَبْلَ ذَلِكَ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ الْمُهَذَّبِ وَقَدْ قَامَ وَقَدْ وَقَفَ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ (قَوْلُهُ) (قَضَى تَفَثَهُ) هُوَ مَا يَفْعَلُهُ
الْمُحْرِمُ عِنْدَ تَحَلُّلِهِ مِنْ إزَالَةِ الشَّعَثِ وَالْوَسَخِ وَالْحَلْقِ وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ وَنَحْوِهَا (قَوْلُهُ) وَلِهَذَا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ وَلَوْ نَامَ جَمِيعَهُ صَحَّ
* هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِيهِمَا وَفِيهِمَا مَا سَبَقَ (قَوْلُهُ) وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ احْتِرَازٌ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَالْأَذْكَارِ وَنَحْوِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) إذَا فَرَغُوا مِنْ صَلَاتَيْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَسِيرُوا فِي الْحَالِ إلَى الْمَوْقِفِ وَيُعَجِّلُوا الْمَسِيرَ وَهَذَا التَّعْجِيلُ مُسْتَحَبٌّ بِالْإِجْمَاعِ لِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ (كتب عبد الملك ابن مَرْوَانَ إلَى الْحَجَّاجِ أَنْ يَأْتَمَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْحَجِّ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ جَاءَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا مَعَهُ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ فَصَاحَ عِنْدَ فُسْطَاطِهِ أَيْنَ هَذَا فَخَرَجَ إلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ الرَّوَاحَ فَقَالَ الْآنَ قَالَ نَعَمْ فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي فَقُلْتُ لَهُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ الْيَوْمَ فَأَقْصِرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ صَدَقَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
* وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ أَتَى الْمَوْقِفَ) (الثَّانِيَةُ) وَقْتُ الْوُقُوفِ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي يَوْمَ النَّحْرِ
* هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ
* وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ
* وَحَكَى الْفُورَانِيُّ قَوْلًا مِثْلَ هَذَا وَفِيهِ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا
* وَحَكَى الدَّارِمِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْوُقُوفِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ مُضِيِّ إمْكَانِ صَلَاةِ الظُّهْرِ
* وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ عَنْ الْجُمْهُورِ وَدَلِيلُهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ
* قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فَمَنْ حَصَلَ بِعَرَفَاتٍ فِي لَحْظَةٍ لَطِيفَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُقُوفِ صَحَّ وُقُوفُهُ وَأَدْرَكَ بِذَلِكَ الْحَجَّ وَمَنْ فَاتَهُ هَذَا الزَّمَانُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ مِنْ حِينِ يَفْرُغُ مِنْ صَلَاتَيْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ثُمَّ يَدْفَعُ عَقِبَ الْغُرُوبِ إلَى مُزْدَلِفَةَ
فَلَوْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَحَجُّهُ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ كَمَا ذَكَرْنَا
* ثُمَّ إنْ عَادَ إلَى عَرَفَاتٍ وَبَقِيَ بِهَا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَلَا دَمَ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ أَرَاقَ دَمًا وَهَلْ هَذَا الدَّمُ وَاجِبٌ أَمْ مُسْتَحَبٌّ فِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ
(أَصَحُّهَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ فِيهِ قَوْلَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا (أَصَحُّهُمَا) بِاتِّفَاقِهِمْ سُنَّةٌ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ
(وَالثَّانِي)
وَاجِبٌ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَالْقَدِيمِ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) الْقَطْعُ بِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ (وَالثَّالِثُ) إنْ أَفَاضَ مَعَ الْإِمَامِ فَمَعْذُورٌ فَيَكُونُ الدَّمُ مُسْتَحَبًّا قَطْعًا وَإِلَّا فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ (فَإِنْ قُلْنَا) يَجِبُ فَعَادَ فِي اللَّيْلِ إلَى عَرَفَاتٍ فَفِي سُقُوطِ الدَّمِ عَنْهُ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْعِرَاقِيُّونَ وَطَائِفَةٌ مِنْ غَيْرِهِمْ يَسْقُطُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
* (وَالثَّانِي) حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) لَا يَسْقُطُ
(أَمَّا) مَنْ لَمْ يَحْضُرْ عَرَفَاتٍ إلَّا فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ فَحَصَلَ فِيهَا قَبْلَ الْفَجْرِ
وَقِيلَ بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ يَصِحُّ وُقُوفُهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ انْصَرَفَ قَبْلَ الْغُرُوبِ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِالْإِعْرَاضِ وَقَطْعِ الْوُقُوفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّالِثَةُ) الْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَهُوَ أَشْهَرُ أَرْكَانِ الْحَجِّ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ (الْحَجُّ عَرَفَةَ) وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى كَوْنِهِ رُكْنًا
* قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْحُضُورُ فِي جُزْءٍ مِنْ عَرَفَاتٍ وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ لَطِيفَةٍ بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ سَوَاءٌ حَضَرَهَا عَمْدًا أَوْ وَقَفَ مَعَ الْغَفْلَةِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّحَدُّثِ وَاللَّهْوِ أَوْ فِي حَالَةِ النَّوْمِ أَوْ اجْتَازَ فِيهَا فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا عَرَفَاتٌ وَلَمْ يَمْكُثْ أَصْلًا بَلْ مَرَّ مسرعا في طرق من أطراقها أَوْ كَانَ نَائِمًا عَلَى بَعِيرٍ فَانْتَهَى الْبَعِيرُ إلَى عَرَفَاتٍ فَمَرَّ بِهَا الْبَعِيرُ وَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَاكِبُهُ حَتَّى فَارَقَهَا أَوْ اجْتَازَهَا فِي طَلَبِ غَرِيمٍ هَارِبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ بَهِيمَةٍ شَارِدَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ فَيَصِحُّ وُقُوفُهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَنَحْوِهَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ
* وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَجْهٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فَمِنْهَا) وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْمُرُورُ الْمُجَرَّدُ بَلْ يُشْتَرَطُ لُبْثٌ يَسِيرٌ حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالدَّارِمِيُّ وَالرَّافِعِيُّ قَالَ الدَّارِمِيُّ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَصِحُّ وَلَا يُشْتَرَطُ اللُّبْثُ
* (وَمِنْهَا) وَجْهٌ أَنَّهُ إذَا مَرَّ بِهَا وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهَا عَرَفَاتٌ لَا يُجْزِئُهُ حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ
* (وَمِنْهَا) وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وُقُوفُ النَّائِمِ حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالدَّارِمِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ
وَالْمَشْهُورُ الصِّحَّةُ
* قَالَ الْمُتَوَلِّي هَذَا الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ
النَّائِمِ وَمَسْأَلَةِ الْجَاهِلِ بِكَوْنِهَا عَرَفَاتٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ النِّيَّةُ أَمْ لَا وَفِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا يُشْتَرَطُ كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ
*
(وَالثَّانِي)
يُشْتَرَطُ لِكُلِّ رُكْنٍ نِيَّةٌ لِأَنَّ أَرْكَانَهُ يَنْفَصِلُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فَيَكُونُ كُلُّ رُكْنٍ كَعِبَادَةٍ مُنْفَرِدَةٍ فَإِنْ شَرَطْنَاهَا لَمْ يَصِحَّ مع النوم وَلَا مَعَ الْجَهْلِ بِالْمَكَانِ وَإِلَّا فَيَصِحُّ
وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ (أَمَّا) إذَا حَضَرَ فِي طَلَبِ غَرِيمٍ أَوْ دَابَّةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ هَكَذَا قَطَعَ الْأَصْحَابُ
* قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ الْأَصْحَابُ يُجْزِئُهُ قَالَ وَظَاهِرُ النَّصِّ يُشِيرُ إلَيْهِ قَالَ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الْخِلَافَ السَّابِقَ فِيمَنْ صَرَفَ الطَّوَافَ إلَى طَلَبِ غَرِيمٍ وَنَحْوِهِ قَالَ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الطَّوَافَ قَدْ يَقَعُ قُرْبَةً مُسْتَقِلَّةً
بِخِلَافِ الْوُقُوفِ قَالَ وَلَا يَمْتَنِعُ طَرْدُ الْخِلَافِ
(أَمَّا) إذَا وَقَفَ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَفِي صِحَّةِ وُقُوفِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ لَا يَصِحُّ مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ وَالرَّافِعِيُّ فِي الْمُجَرَّدِ وَآخَرُونَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ هُوَ الْمَشْهُورُ
(وَالثَّانِي)
يَصِحُّ وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ
* وَلَوْ وَقَفَ وَهُوَ مَجْنُونٌ فَطَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ (وَالثَّانِي) فِيهِ الْوَجْهَانِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ
* وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيهِ ابْنُ الْقَطَّانِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ
* وَلَوْ وَقَفَ وَهُوَ سَكْرَانُ قَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالدَّارِمِيُّ فِيهِ الْوَجْهَانِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ إنْ كَانَ سُكْرُهُ بِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِمَعْصِيَةٍ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الصَّيْمَرِيُّ
* (أَصَحُّهُمَا) لَا يُجْزِئُهُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ
(وَالثَّانِي)
يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ كَالصَّاحِي فِي الْأَحْكَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَإِذَا قُلْنَا فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ وُقُوفُهُ قَالَ الْمُتَوَلِّي لَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجِّ الْفَرْضِ لَكِنْ يَقَعُ نَفْلًا كَحَجِّ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَحَكَاهُ أَيْضًا الرَّافِعِيُّ عَنْهُ وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ ارْتَضَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْجُنُونَ لَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ أَوْ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ وَكَانَ عَاقِلًا فِي حَالِ فِعْلِ الْأَرْكَانِ لَا يَضُرُّ بَلْ يَصِحُّ حَجُّهُ وَيَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ
الْمُتَوَلِّي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الرَّابِعَةُ) يَصِحُّ الْوُقُوفُ فِي أَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ السَّابِقِ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (وعرفه كُلُّهَا مَوْقِفٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَفْضَلُهَا مَوْقِفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمُفْتَرِشَةِ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي بِوَسَطِ أَرْضِ عَرَفَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ إلَالُ - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ - عَلَى وَزْنِ هِلَالٍ وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ أَنَّهُ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ -
وَالْمَشْهُورُ كَسْرُهَا (وَأَمَّا) حَدُّ عَرَفَاتٍ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هِيَ مَا جَاوَزَ وَادِيَ عُرَنَةَ - بِعَيْنٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ - إلَى الْجِبَالِ الْقَابِلَةِ مِمَّا يَلِي بَسَاتِينَ ابْنِ عَامِرٍ هَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ
* وَنَقَلَ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ حَدُّ عَرَفَاتٍ مِنْ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى بَطْنِ عُرَنَةَ إلَى جِبَالِ عَرَفَاتٍ إلَى وَصِيقٍ - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ قَافٌ - إلَى مُلْتَقَى وَصِيقٍ وَوَادِي عُرَنَةَ
* قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِعَرَفَاتٍ اربع حدود (احدها) ينتهي إلى حادة طَرِيقِ الْمَشْرِقِ (وَالثَّانِي) إلَى حَافَاتِ الْجَبَلِ الَّذِي وَرَاءَ أَرْضِ عَرَفَاتٍ (وَالثَّالِثُ) إلَى الْبَسَاتِينِ الَّتِي تَلِي قَرْيَةَ عَرَفَاتٍ وَهَذِهِ الْقَرْيَةُ عَلَى يَسَارِ مُسْتَقْبِلِ الْكَعْبَةِ إذَا وَقَفَ بِأَرْضِ عَرَفَاتٍ (وَالرَّابِعُ) يَنْتَهِي إلَى وَادِي عُرَنَةَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَيُطِيفُ بِمُنْعَرَجَاتِ عَرَفَاتٍ جِبَالِ وُجُوهِهَا الْمُقْبِلَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ (وَاعْلَمْ) أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَرَفَاتٍ وَادِي عرنة ولانمرة ولا المسجد الْمُسَمَّى مَسْجِدَ إبْرَاهِيمَ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا مَسْجِدُ عُرَنَةَ بَلْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ خَارِجَةٌ عَنْ عَرَفَاتٍ عَلَى طَرَفِهَا الْغَرْبِيِّ مِمَّا يَلِي مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَمَكَّةَ
* هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ كَوْنِ وَادِي عُرَنَةَ لَيْسَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَا خِلَافَ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ
(وَأَمَّا) نَمِرَةُ فَلَيْسَتْ أَيْضًا مِنْ عَرَفَاتٍ بَلْ بِقُرْبِهَا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْحَجِّ الْأَوْسَطِ وَفِي غَيْرِهِ وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ قَالَ وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَطَائِفَةٌ هِيَ مِنْ عَرَفَاتٍ وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ غَرِيبٌ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ وَلَا هُوَ فِي الشَّامِلِ وَلَا هُوَ صَحِيحٌ بَلْ إنْكَارٌ لِلْحِسِّ
وَلِمَا تَطَابَقَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ الْعُلَمَاءِ
(وَأَمَّا) مَسْجِدُ إبْرَاهِيمَ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَرَفَاتٍ وَأَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهِ لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُهُ هَذَا نَصُّهُ وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ
* وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ مُقَدَّمُ هَذَا الْمَسْجِدِ مِنْ طَرَفِ وَادِي عُرَنَةَ لَا فِي عَرَفَاتٍ وَآخِرُهُ فِي عَرَفَاتٍ قَالُوا فَمَنْ وَقَفَ فِي مُقَدَّمِهِ لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُهُ وَمَنْ وَقَفَ فِي آخِرِهِ صَحَّ وُقُوفُهُ قَالُوا وَيَتَمَيَّزُ ذَلِكَ بِصَخَرَاتٍ كِبَارٍ فُرِشَتْ هُنَاكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ كَلَامِهِمْ وَنَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ هَذَا القدر الذى ذكروه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (قُلْتُ) قَالَ الْأَزْرَقِيُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ذَرْعٌ سَعَتُهُ مِنْ مُقَدَّمِهِ إلَى مُؤَخَّرِهِ مِائَةُ ذِرَاعٍ وَثَلَاثٌ وَسِتُّونَ ذِرَاعًا قَالَ وَمِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ إلَى جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ مِنْ عَرَفَةَ وَالطَّرِيقِ مِائَتَا ذِرَاعٍ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا قَالَ وَلَهُ مِائَةُ شُرْفَةٍ وثلاثة شُرُفَاتٍ وَلَهُ عَشَرَةُ أَبْوَابٍ قَالَ وَمِنْ حَدِّ الْحَرَمِ إلَى مَسْجِدِ عُرَنَةَ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَسِتُّمِائَةٍ وَخَمْسُ أَذْرُعٍ قَالَ وَمِنْ مَسْجِدِ عَرَفَاتٍ هَذَا إلَى مَوْقِفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ميل والله أَعْلَمُ (وَاعْلَمْ) أَنَّ عُرَنَةَ وَنَمِرَةَ بَيْنَ عَرَفَاتٍ وَالْحَرَمِ لَيْسَتَا مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
(وَأَمَّا) جَبَلُ الرَّحْمَةِ فَفِي وَسَطِ عَرَفَاتٍ
* فَإِذَا عُلِمَتْ عَرَفَاتٌ بِحُدُودِهَا فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ حَيْثُ وَقَفَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَاتٍ فِي جَوَانِبِهَا وَنَوَاحِيهَا وَجِبَالِهَا وسهلها وبطاحها واوديتها وسوقتها الْمَعْرُوفَةِ بِذِي الْمَجَازِ أَجْزَأَهُ قَالَ
فَأَمَّا إنْ وَقَفَ بِغَيْرِ عَرَفَاتٍ مِنْ وَرَائِهَا أَوْ دُونَهَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِهَا فَلَا يُجْزِئُهُ وَقَالَ مَالِكٌ يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ وَاَللَّهُ أعلم
* (فَرْعٌ)
وَاجِبُ الْوُقُوفِ وَشَرْطُهُ شَيْئَانِ
(أَحَدُهُمَا)
كَوْنُهُ فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ وَفِي وَقْتِ الْوُقُوفِ الَّذِي سَبَقَ بَيَانُهُ
(وَالثَّانِي)
كَوْنُ الْوَاقِفِ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ
(وَأَمَّا) سُنَنُهُ وَآدَابُهُ فَكَثِيرَةٌ (أَحَدُهَا) أَنْ يَغْتَسِلَ بِنَمِرَةَ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ لِلْوُقُوفِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْغُسْلِ تَيَمَّمَ (الثَّانِي) أَنْ لَا يَدْخُلَ أَرْضَ عَرَفَاتٍ إلَّا بَعْدَ صَلَاتَيْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ (الثَّالِثُ) الْخُطْبَتَانِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (الرَّابِعُ) تَعْجِيلُ الْوُقُوفِ عَقِبَ الصَّلَاتَيْنِ وَقَدْ سَبَقَ هَذَا كُلُّهُ مَبْسُوطًا بِأَدِلَّتِهِ (الْخَامِسُ) أَنْ يَكُونَ مُفْطِرًا سَوَاءٌ أَطَاقَ الصَّوْمَ
أَمْ لَا وَسَوَاءٌ ضَعُفَ بِهِ أَمْ لَا لِأَنَّ الْفِطْرَ أَعْوَنُ لَهُ عَلَى الدُّعَاءِ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي بَابِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ مُفْطِرًا (السَّادِسُ) أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا لِأَنَّهُ أَكْمَلُ
فَلَوْ وَقَفَ وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ جُنُبٌ أَوْ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ أَوْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أَوْ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ صَحَّ وُقُوفُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حِينَ حَاضَتْ (اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ) قال اصحابنا ولا تشترط الطهارة في شئ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ (السَّابِعُ) السُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ (الثَّامِنُ) أَنْ يَطُوفَ حَاضِرَ الْقَلْبِ فَارِغًا مِنْ الْأُمُورِ الشَّاغِلَةِ عَنْ الدُّعَاءِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ قَضَاءَ أَشْغَالِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيَتَفَرَّغَ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ عَنْ جَمِيعِ الْعَلَائِقِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَ فِي مَوْقِفِهِ طُرُقَ الْقَوَافِلِ وَغَيْرِهِمْ لِئَلَّا يَنْزَعِجَ بِهِمْ وَيَتَهَوَّشَ عَلَيْهِ حَالُهُ وَيَذْهَبَ خُشُوعُهُ (التَّاسِعُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْوُقُوفُ مَاشِيًا أَوْ كَانَ يَضْعُفُ بِهِ عَنْ الدُّعَاءِ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَيَحْتَاجُ النَّاسُ إلَى ظُهُورِهِ لِيُسْتَفْتَى وَيُقْتَدَى بِهِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ وُقُوفُهُ رَاكِبًا فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقَفَ رَاكِبًا) كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَالرُّكُوبُ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ
(وَأَمَّا) إذَا كَانَ لَا يَضْعُفُ بِالْوُقُوفِ مَاشِيًا وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَلَا هُوَ مِمَّنْ يُحْتَاجُ إلَى ظُهُورِهِ فَفِي الْأَفْضَلِ فِي حَقِّهِ أَقْوَالٌ لِلشَّافِعِيِّ
* (أَصَحُّهَا) عِنْدَ الْأَصْحَابِ رَاكِبًا أَفْضَلُ لِلِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ لَهُ عَلَى الدُّعَاءِ وَهُوَ الْمُهِمُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَبِهِ قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ وَصَحَّحَهُ الْبَاقُونَ
(وَالثَّانِي)
تَرْكُ الرُّكُوبِ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ (وَالثَّالِثُ) هُمَا سَوَاءٌ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ لِتَعَادُلِ الْفَضِيلَتَيْنِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْعَاشِرُ) أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الْوُقُوفِ بِمَوْقِفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ
* قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا جَعَلَ نَظَرَ رَاحِلَتِهِ إلَى الصَّخَرَاتِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ السَّابِقِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا وَقَفَ عَلَى الصَّخَرَاتِ أَوْ عِنْدَهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي وَلَا يَتَأَذَّى قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَيْهِ لِلزَّحْمَةِ تَقَرَّبَ
مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ
* (وَأَمَّا) مَا اشْتَهَرَ عِنْدَ الْعَوَامّ مِنْ الِاعْتِنَاءِ بِالْوُقُوفِ عَلَى جَبَلِ الرَّحْمَةِ الَّذِي هُوَ بِوَسَطِ عَرَفَاتٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَتَرْجِيحِهِمْ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ حَتَّى رُبَّمَا تُوُهِّمَ مِنْ جَهَلَتِهِمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ إلَّا فِيهِ فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ وَمُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ فِي صعود هذاالجبل فَضِيلَةً يَخْتَصُّ بِهَا بَلْ لَهُ حُكْمُ سَائِرِ أَرْضِ عَرَفَاتٍ غَيْرِ مَوْقِفِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ يُسْتَحَبُّ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ
وَكَذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي يُسْتَحَبُّ قصد هذاالجبل الَّذِي يُقَالُ لَهُ جَبَلُ الدُّعَاءِ قَالَ وَهُوَ مَوْقِفُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَذَكَرَ الْبَنْدَنِيجِيُّ نَحْوَهُ
* وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَا ضَعِيفٌ فَالصَّوَابُ الِاعْتِنَاءُ بِمَوْقِفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي خَصَّهُ الْعُلَمَاءُ بِالذِّكْرِ وَحَثُّوا عَلَيْهِ وَفَضَّلُوهُ وَحَدِيثُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ
* وَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي وَسَطِ عَرَفَاتٍ جَبَلٌ يُسَمَّى جَبَلَ الرَّحْمَةِ لَا نُسُكَ فِي صُعُودِهِ وَإِنْ كَانَ يَعْتَادُهُ النَّاسُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْحَادِيَ عَشَرَ) السُّنَّةُ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الدُّعَاءِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّلْبِيَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّضَرُّعِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَهَذِهِ وَظِيفَةُ هَذَا الْيَوْمِ وَلَا يُقَصِّرَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مُعْظَمُ الْحَجِّ وَمَطْلُوبُهُ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الْحَجُّ عَرَفَةَ) فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَصِّرَ فِي الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ وَاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِيهِ
* وَيُكْثِرُ مِنْ هَذَا الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ وَلَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ وَلَا يَتَكَلَّفُ السَّجْعَ فِي الدُّعَاءِ وَلَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ الْمَسْجُوعِ إذَا كَانَ مَحْفُوظًا أَوْ قَالَهُ بِلَا تَكَلُّفٍ وَلَا فَكَّرَ فِيهِ بَلْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ تَكَلُّفَ تَرْتِيبِهِ وَإِعْرَابِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ قَلْبَهُ
* وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْفِضَ صَوْتَهُ بِالدُّعَاءِ
وَيُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنَّا إذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا رُفِعَتْ أَصْوَاتُنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تدعون أصما وَلَا غَائِبًا إنَّهُ مَعَكُمْ إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)
* رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
* ارْبَعُوا - بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - أَيْ اُرْفُقُوا بِأَنْفُسِكُمْ
* وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ التَّضَرُّعَ وَالْخُشُوعَ
وَالتَّذَلُّلَ وَالْخُضُوعَ وَإِظْهَارَ الضَّعْفِ وَالِافْتِقَارِ وَيُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ وَلَا يَسْتَبْطِئُ الْإِجَابَةَ بَلْ يَكُونُ قَوِيَّ الرَّجَاءِ لِلْإِجَابَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي)
* رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
* وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى بِدَعْوَةٍ إلَّا آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهَا أَوْ صَرَفَ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أو قطعية رحم فقال رجل من القوم إذا نُكْثِرُ قَالَ اللَّهُ أَكْثَرُ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ وَزَادَ فِيهِ (أَوْ يَدَّخِرُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلَهَا)
* وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَرِّرَ كُلَّ دُعَاءٍ ثَلَاثًا وَيَفْتَتِحُ دُعَاءَهُ بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالتَّسْبِيحِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَخْتِمُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ
* وَلْيَكُنْ مُتَطَهِّرًا مُتَبَاعِدًا عَنْ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَلِبَاسِهِ وَمَرْكُوبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا مَعَهُ فَإِنَّ هَذِهِ آدَابٌ لِجَمِيعِ الدَّعَوَاتِ وَلْيَخْتِمْ دُعَاءَهُ بِآمِينَ وَلْيُكْثِرْ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَذْكَارِ وَأَفْضَلُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كل شئ قَدِيرٌ)
* وَفِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (أَكْثَرُ مَا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي الْمَوْقِفِ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ كَاَلَّذِي نَقُولُ وَخَيْرٍ مِمَّا نَقُولُ اللَّهُمَّ لَك صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي وَإِلَيْك مَآبِي لَك رَبِّ قُرْآنِي اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الْأَمْرِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تجئ بِهِ الرِّيحُ)
* وَإِسْنَادُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ضَعِيفٌ لَكِنْ مَعْنَاهُمَا صَحِيحٌ وَأَحَادِيثُ الْفَضَائِلِ يُعْمَلُ فِيهَا بِالْأَضْعَفِ كَمَا سَبَقَ مَرَّاتٍ
* وَيُكْثِرُ مِنْ التَّلْبِيَةِ رافعا بها صوته مِنْ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
* وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الْأَذْكَارِ كُلِّهَا فَتَارَةً يُهَلِّلُ وَتَارَةً يُكَبِّرُ وَتَارَةً يُسَبِّحُ وَتَارَةً يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَتَارَةً يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتارة يدعوا وتارة يستغفر ويدعوا مُفْرَدًا وَفِي
جَمَاعَةٍ وَلْيَدْعُ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَمَشَايِخِهِ وَأَقَارِبِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَصْدِقَائِهِ وَأَحِبَّائِهِ وَسَائِرِ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ التقصير في شئ مِنْ هَذَا فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ
بِخِلَافِ غَيْرِهِ
* وَيَنْبَغِي أَنْ يُكَرِّرَ الِاسْتِغْفَارَ وَالتَّلَفُّظَ بِالتَّوْبَةِ مِنْ جَمِيعِ الْمُخَالَفَاتِ مَعَ النَّدَمِ بِالْقَلْبِ وَأَنْ يُكْثِرَ الْبُكَاءَ مَعَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فهناك تسكب العبرات وتستقل الْعَثَرَاتُ وَتُرْتَجَى الطَّلَبَاتُ وَإِنَّهُ لَمَجْمَعٌ عَظِيمٌ وَمَوْقِفٌ جَسِيمٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَأَوْلِيَائِهِ الْمُخْلِصِينَ وَالْخَوَاصِّ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ وَهُوَ أَعْظَمُ مَجَامِعِ الدُّنْيَا وَقَدْ قِيلَ إذَا وَافَقَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ غُفِرَ لِكُلِّ أَهْلِ الْمَوْقِفِ
* وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ) وَرَوَيْنَا عَنْ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَحَدَ الْعَشَرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم (ما رؤى الشيطان اصفر ولا اخضر وَلَا أَدْبَرَ وَلَا أَغْيَظَ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ الرَّحْمَةَ تُنَزَّلُ فيه فَيُتَجَاوَزُ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ) وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ (أَنَّهُ رَأَى سَائِلًا يَسْأَلُ النَّاسَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَالَ يَا عَاجِزُ فِي هَذَا الْيَوْمِ يُسْأَلُ غير الله تعالى)
* وعن الفضل بْنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ نَظَرَ إلَى بُكَاءِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ فَقَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ صَارُوا إلَى رَجُلٍ فَسَأَلُوهُ دَانِقًا أَكَانَ يَرُدُّهُمْ قِيلَ لَا قَالَ وَاَللَّهِ لَلْمَغْفِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ أَهْوَنُ مِنْ إجَابَةِ رَجُلٍ لَهُمْ بِدَانِقٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
* (فَرْعٌ)
وَمِنْ الْأَدْعِيَةِ الْمُخْتَارَةِ اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا كَبِيرًا وَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي رَحْمَةً أَسْعَدُ بِهَا فِي الدَّارَيْنِ وَتُبْ على توبة نصوحا لاأنكثها أَبَدًا وَأَلْزِمْنِي سَبِيلَ الِاسْتِقَامَةِ لَا أَزِيغُ عَنْهَا أبدا اللهم أنقلني عن ذُلِّ الْمَعْصِيَةِ إلَى عِزِّ الطَّاعَةِ وَاكْفِنِي بِحَلَالِك عَنْ حَرَامِك وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ وَنَوِّرْ قَلْبِي وَقَبْرِي وَاغْفِرْ لِي مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ واجمع لى الخير
* اللهم إنى أسئلك الهدى والتقى والعفاف والفني
* اللَّهُمَّ يَسِّرْنِي لِلْيُسْرَى وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى وَارْزُقْنِي طَاعَتَك مَا أَبْقَيْتَنِي أَسْتَوْدِعُك مِنِّي وَمِنْ أَحْبَابِي وَالْمُسْلِمِينَ أَدْيَانَنَا وَأَمَانَاتِنَا وَخَوَاتِيمَ أَعْمَالِنَا وَأَقْوَالَنَا وَأَبْدَانَنَا وَجَمِيعَ
مَا أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْنَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
* (فَرْعٌ)
لِيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ وَالْمُنَافَرَةِ وَالْكَلَامِ الْقَبِيحِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ مَا أَمْكَنَهُ فَإِنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْوَقْتِ الْمُهِمِّ فِيمَا لَا يَعْنِي مَعَ أَنَّهُ يُخَافُ انْجِرَارُهُ إلَى حَرَامٍ مِنْ غِيبَةٍ وَنَحْوِهَا
* وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَرِزَ غَايَةَ الِاحْتِرَازِ عَنْ احْتِقَارِ مَنْ يراه رث الهيئة أو مقصرا في شئ وَيَحْتَرِزُ مِنْ انْتِهَارِ السَّائِلِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ خَاطَبَ ضَعِيفًا تَلَطَّفَ فِي مُخَاطَبَتِهِ فَإِنْ رَأَى مُنْكَرًا مُحَقَّقًا لَزِمَهُ إنْكَارُهُ وَيَتَلَطَّفُ فِي ذَلِكَ
* (فَرْعٌ)
لِيَسْتَكْثِرْ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ فِي يَوْمِ عَرَفَة وَسَائِرِ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي هَذِهِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ قَالُوا وَلَا الْجِهَادُ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ إلَّا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرج بشئ) والله أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
الْأَفْضَلُ لِلْوَاقِفِ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ بَلْ يَبْرُزَ لِلشَّمْسِ إلَّا لِلْعُذْرِ بِأَنْ يَتَضَرَّرَ أَوْ يَنْقُصَ دُعَاؤُهُ أَوْ اجْتِهَادُهُ فِي الْأَذْكَارِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَظَلَّ بِعَرَفَاتٍ مَعَ ثُبُوتِ الْحَدِيثِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ظُلِّلَ عَلَيْهِ بِثَوْبٍ وَهُوَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ) وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ مَذْهَبِنَا غَيْرَ مَا فِي اسْتِظْلَالِ الْمُحْرِمِ بِغَيْرِ عَرَفَاتٍ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي التَّعْرِيفِ بِغَيْرِ عَرَفَاتٍ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ الْمَعْرُوفُ فِي الْبُلْدَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَفِيهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ رَوَيْنَاهُ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ قَالَ (رَأَيْتُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ جَلَسَ فَدَعَا وَذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ)
وَفِي رِوَايَةٍ (رَأَيْت الحسن خرج يوم عرفة من المعصورة بَعْدَ الْعَصْرَ فَعُرِفَ
* وَعَنْ شُعْبَةَ قَالَ (سَأَلْتُ الْحَكَمَ وَحَمَّادًا عَنْ اجْتِمَاعِ النَّاسِ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي الْمَسَاجِدِ فَقَالَا هُوَ مُحْدَثٌ)
* وَعَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ هُوَ مُحْدَثٌ
* وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ أَوَّلُ مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ
* وَقَالَ الْأَثْرَمُ سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْهُ فقال أرجوا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ الْحَسَنُ وَبَكْرٌ وَثَابِتٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ كَانُوا يَشْهَدُونَ
الْمَسْجِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ
* وَكَرِهَهُ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ والحكم وحماد ومالك ابن أَنَسٍ وَغَيْرُهُمْ
* وَصَنَّفَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ الْمَالِكِيُّ الزَّاهِدُ كِتَابًا فِي الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ جَعَلَ مِنْهَا هَذَا التَّعْرِيفَ وَبَالَغَ فِي إنْكَارِهِ وَنَقَلَ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ جَعَلَهُ بِدْعَةً لَا يُلْحِقُهُ بِفَاحِشَاتِ الْبِدَعِ بَلْ يُخَفِّفُ أَمْرَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
مِنْ الْبِدَعِ الْقَبِيحَةِ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ الْعَوَامّ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ مِنْ إيقَادِ الشَّمْعِ بِجَبَلِ عَرَفَةَ لَيْلَةَ التَّاسِعِ أَوْ غَيْرِهَا وَيَسْتَصْحِبُونَ الشَّمْعَ مِنْ بُلْدَانِهِمْ لِذَلِكَ وَيَعْتَنُونَ بِهِ وَهَذِهِ ضَلَالَةٌ فَاحِشَةٌ جَمَعُوا فِيهَا أَنْوَاعًا مِنْ الْقَبَائِحِ (مِنْهَا) إضَاعَةُ الْمَالِ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ (وَمِنْهَا) إظْهَارُ شِعَارِ الْمَجُوسِ فِي الِاعْتِنَاءِ بِالنَّارِ (وَمِنْهَا) اخْتِلَاطُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَالشُّمُوعُ بَيْنَهُمْ وَوُجُوهُهُمْ بَارِزَةٌ (وَمِنْهَا) تَقْدِيمُ دُخُولِ عَرَفَاتٍ عَلَى وَقْتِهَا الْمَشْرُوعِ
وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَكُلِّ ومكلف تَمَكَّنَ مِنْ إزَالَةِ هَذِهِ الْبِدَعِ إنْكَارُهَا وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مَسَائِلَ تتعلق بالوقوف
* (إحداهما) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ وُقُوفُ غَيْرِ الطَّاهِرِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَغَيْرِهِمَا
* وَاخْتَلَفُوا فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَذَاهِبَ فِيهِ فِي بَابِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ
* (الثَّانِيَةُ) ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وُقُوفُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وحكاه ابن المنذر عن الشافعي واحمد واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ وَبِهِ أَقُولُ
* وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ (الثَّالِثَةُ) لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا عَرَفَاتٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا صِحَّةُ وُقُوفِهِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ
* (الرَّابِعَةُ) إذَا وَقَفَ فِي النَّهَارِ وَدَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَمْ يَعُدْ فِي نَهَارِهِ إلَى عَرَفَاتٍ هَلْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ فِيهِ قَوْلَانِ سَبَقَا
* (الْأَصَحُّ) أَنَّهُ لَا يلزمه (وقال) أو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ يَلْزَمُهُ فَإِنْ قُلْنَا يَلْزَمُهُ فَعَادَ فِي اللَّيْلِ سَقَطَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ لَا يَسْقُطُ
* وَإِذَا دَفَعَ بِالنَّهَارِ وَلَمْ يَعُدْ أَجْزَأَهُ وُقُوفُهُ وَحَجُّهُ صَحِيحٌ سَوَاءٌ أَوْجَبْنَا الدَّمَ أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ
مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَالِكًا
* وَقَالَ مَالِكٌ الْمُعْتَمَدُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ هُوَ اللَّيْلِ فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْ اللَّيْلِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ
* وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقَفَ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَقَالَ لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ)
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ السَّابِقِ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ يَعْنِي الصُّبْحَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ) وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ (وَالْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِهِمْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يَجِبُ لَكِنْ يُجْبَرُ بِدَمٍ وَلَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ طَرِيقُ الْجَمْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْخَامِسَةُ) وَقْتُ الْوُقُوفِ بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ
* وقال القاضى أبو الطيب والعبد رى هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَالَ وَقْتُهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَطُلُوعِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ السَّابِقِ قَرِيبًا فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ
وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى الْيَوْمِ وَمَا نُقِلَ أَنَّ أَحَدًا وَقَفَ قَبْلَ الزَّوَالِ قَالُوا وَحَدِيثُ عُرْوَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ (السَّادِسَةُ) لَوْ وَقَفَ بِبَطْنِ عرنة لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُهُ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ
* وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ
* وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ هَذَا الذى حكاه أصحابنا عن مَالِكٍ لَمْ أَرَهُ لَهُ بَلْ مَذْهَبُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ قَالَ وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ بِعُرَنَةَ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (عرفة كلها موقف وارتفعوا عن عرنة) وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا لِأَنَّ فِيهِ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَجْمَعُوا عَلَى تَضْعِيفِ الْقَاسِمِ هَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هُوَ كَذَّابٌ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ فَتَرَكَ النَّاسُ حَدِيثَهُ
* وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ هُوَ ضعيف ليس بشئ
* وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ هُوَ مَتْرُوكٌ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ هُوَ ضَعِيفٌ لَا يُسَاوِي
شَيْئًا مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ
* وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ
* وَرَوَاهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مَرْفُوعًا بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ هُوَ صَحِيحٌ على شرط مُسْلِمٍ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَلَيْسَ هُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَا إسْنَادُهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ وَلَمْ يَرْوِ لَهُ مسلم وقد ضعفه جمهور الائمة والله أَعْلَمُ
* (قُلْتُ) فَتَحْصُلُ الدَّلَالَةُ عَلَى مَالِكٍ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ (أَحَدُهَا) الرِّوَايَةُ الْمُرْسَلَةُ فَإِنَّ الْمُرْسَلَ عِنْدَهُ حُجَّةٌ (وَالثَّانِي) الْمَوْقُوفُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَهُ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ الَّذِي قُلْنَا بِهِ مِنْ تَحْدِيدِ عَرَفَاتٍ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَاَلَّذِي يَدَّعِيهِ مِنْ دُخُولِ عُرَنَةَ فِي الْحَدِّ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ صَحِيحٌ وَلَا ضعيف في ذلك والله أعلم
*
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.