ومن وطئ زوجته وهي صغيرة ففتقها لزمه ثلث الدية. وفي الضلع بعير. وفي الترقوة بعيران. وفي الزند أربعة أبعرة لأنه عظمان. قال أبو عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والشجاج التي لا توقيت فيها أولها (الحارصة) وهي التي تحرص الجلد يعني تشقه قليلا، وقال بعضهم: هي الحرصة ثم (الباضعة) وهي التي تشق اللحم بعد الجلد،
Its commentaries
قال: ومن وطئ زوجته وهي صغيرة ففتقها لزمه ثلث الدية. ش: معنى الفتق أن يجعل مدخل الذكر، وهو مخرج المني والحيض والولد، ومخرج البول واحدا،
وقيل: بل هو خرق ما بين القبل والدبر، وبعده أبو محمد، لغلظ الحاجز بينهما، فيبعد ذهابه بالوطء،
وفي ذلك ثلث الدية.
٣٠١٥ - لأن ذلك يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ولأنها جناية تخرق الحاجز بين مسلك البول والذكر، فكان موجبها ثلث الدية كالجائفة،
ويجب ذلك في ماله إن تعمد، بأن يعلم أنها لا تطيقه،
وإن وطأها يفضيها، أما إن لم يعلم ذلك، وكان مما يحتمل أن لا يفضي إليه فهو شبه عمد، تحمله العاقلة على الصحيح، وقيد الخرقي بالصغيرة،
وفي معناها النحيفة التي لا تحتمل الوطء، ولتخرج الكبيرة المحتملة له، فإنه إذا وطئها فأفضاها لا شيء عليه، لأنه وطء مستحق له، فلم يجب ضمان ما تلف به كالبكارة، أو فعل مأذون فيه ممن يصح إذنه، فلم يضمن ما تلف بسرايته كما لو أذنت في مداواتها بما أفضى إلى ذلك.
وقال: زوجته لتخرج الأجنبية، فإنه إن زنا بها مطاوعة فلا شيء لها،
وإن كانت مكرهة واستمسك البول وجب ثلث الدية،
وإن لم يستمسك فالدية كاملة،
وإن وطئها بشبهة فكذلك مع المهر. قال: وفي الضلع بعير. ٣٠١٦ - ش: يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قضى في الضلع بجمل، وشرط أبو البركات لذلك أن يجبر مستقيما، ومفهوم كلامه أنه لو لم يجبر مستقيما كان فيه حكومة، ولم أر هذا الشرط لغيره، وقد حكى القاضي في روايتيه أن أحمد
قال: في الضلع بعير، وهذا لا قيد فيه. قال: وفي الترقوة بعيران. ش: الترقوة بفتح التاء، قال الجوهري: ولا تقل ترقوة بالضم، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وفيها بعيران على ظاهر كلام الخرقي، فيكون في الترقوتين أربعة أبعرة.
٣٠١٧ - وهذا قول زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والمنصوص أن في الواحدة بعيرا، فيكون فيهما بعيران.
٣٠١٨ - وهذا قول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وهو المذهب عند القاضي وأصحابه، حتى إن القاضي قال: مراد الخرقي بقوله: الترقوة: الترقوتان، وإنما اكتفى بلفظ الواحد لإدخال الألف واللام المقتضية للاستغراق، والله أعلم. قال: وفي الزند أربعة أبعرة لأنه عظمان. ش: هذا إحدى الروايتين عن أحمد، وقاله ابن عقيل في التذكرة، لما علل به الخرقي من أنه عظمان، ففي كل عظم بعيران. والمنصوص في رواية صالح وأبي الحارث أن في الزند الواحد بعيران، وفيهما جميعا أربعة من الإبل، وعليه القاضي وأصحابه وحمل القاضي كلام الخرقي أيضا على الزندين.
٣٠١٩ - وذلك لما روى سعيد: حدثنا هشيم، أخبرنا يحيى بن كثير، ثنا سعيد، عن عمرو بن شعيب، أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في أحد الزندين إذا كسر، فكتب إليه عمر أن فيه بعيرين،
وإذا كسر الزندين ففيهما أربعة من الإبل. وظاهر كلام الخرقي أنه لا مقدر في غير هذه العظام، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور.
٣٠٢٠ - وقيل له: إذا كسرت الذراع أو الساق، فقال: يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في كل واحد فريضتان، ولا تكتبه، وظاهر هذا أنه لم يأخذ به، ونص في رواية أبي طالب أن في كسر الساق وفي كسر الفخذ بعيران، كذا في روايتي القاضي، وظاهر كلام أبي البركات أن في رواية أبي طالب مع ذلك العضد والذراع،
وأن أحمد نص في رواية صالح أن في كل واحد من الأربعة بعيرا، قال: ورواه عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. (والرواية الثانية) اختيار القاضي وابن عقيل وأبي الخطاب، وزاد على ذلك عظم القدم، فجعل فيه بعيرين.
(تنبيهان) : (أحدهما) حيث أوجبنا بعيرا أو بعيرين ونحو ذلك،
فإن في ذلك من البقر ونحوها بحساب ذلك، ذكره ابن عقيل.
(الثاني) الزند بفتح الزاي، قال الجوهري: موصل طرف الذراع في الكف وهما زندان بالكوع والكرسوع، وهو طرف الزند الذي يلي الخنصر، وهو الناتئ عند الرسغ، والله أعلم.
[دية الشجاج التي لا توقيت فيها] قال: قال أبو عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والشجاج التي لا توقيت فيها أولها (الحارصة) وهي التي تحرص الجلد يعني تشقه قليلا، وقال بعضهم: هي الحرصة ثم (الباضعة) وهي التي تشق اللحم بعد الجلد، ثم (البازلة) وهي التي يسيل منها الدم ثم (المتلاحمة) وهي التي أخذت في اللحم، ثم (السمحاق) وهي التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة، ثم (الموضحة) . ش: الشجاج جمع شجة، وهي المرة إذا جرحه في رأس أو وجه، وقد تستعمل في غيرهما، والشجاج عشر، خمس فيها مقدر، وهي الموضحة، والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة، والدامغة، وخمس لا مقدر فيها على المذهب المشهور،
والمختار للأصحاب من الروايتين، وهي هذه المذكورة، لعدم التقدير فيها من جهة الشرع، وما لا مقدر فيه الواجب فيه حكومة.
٣٠٢١ - ويروى عن مكحول قال: «قضى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الموضحة بخمس من الإبل، ولم يقض فيما دونها» .
٣٠٢٢ - ونقل أبو طالب عنه حكم زيد في البازلة ببعير،
وفي الباضعة ببعيرين، وفي المتلاحمة بثلاثة،
وفي السمحاق بأربعة، وأذهب إليه، وهذا حكم أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما حكموا في الصيد، وهذا اختيار أبي بكر، وحكى الشيرازي عن ابن أبي موسى أنه اختار ذلك في السمحاق، انتهى. وعن القاضي أنه قال: متى أمكن اعتبار هذه الجراحات من الموضحة، مثل أن يكون في رأس المجني عليه موضحة إلى جانبها، قدرت هذه الجراحة منها،
فإن كانت بقدر النصف وجب نصف أرش الموضحة،
وإن كانت بقدر الثلث وجب ثلث الأرش. وعلى هذا، إلا أن تزيد الحكومة على ذلك، فيجب ما تخرجه الحكومة، مثاله الجراحة قدر نصف الموضحة، وشينها ينقص قدر ثلثيها، الواجب ثلثا أرش الموضحة،
وإن نقص الشين عن النصف، فالواجب النصف، وملخصه أنه يوجب الأكثر مما تخرجه الحكومة أو قدرها من الموضحة. قال أبو محمد: وهذا لا نعلمه مذهبا لأحمد، ولا يقتضيه مذهبه. . . انتهى.
وأما تفسير هذه الشجاج وترتيبها (فأولها) الحارصة، قال الأزهري: هي التي تحرص الجلد أي تشقه قليلا ومنه: حرص القصار الثوب. أي خرقه، بالدق، (ثم يليها) - على ما قال الخرقي، وتبعه ابن البنا - الباضعة، وهي التي تشق اللحم بعد الجلد، يعني ولا يسيل منها دم، بدليل ما ذكر بعد،
وكذلك قال الجوهري، وابن فارس: الباضعة الشجة التي تقطع الجلد، وتشق اللحم، إلا أنه لا يسيل الدم،
فإن سال فهي الدامية، وقال أبو محمد: الصواب الحارصة، ثم البازلة، ثم الباضعة،
وقال: لعل ما في النسخ غلط من الكتاب، قال: لأن الباضعة التي تشق اللحم بعد الجلد، ويسيل منها دم كثير في الغالب،
بخلاف البازلة، فإنها الدامعة، لقلة سيلان دمها.
٣٠٢٣ - قال: ولأن زيدا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جعل في البازلة بعيرا،
وفي الباضعة بعيرين، فدل على أن الباضعة أشد، انتهى. وهذا قول الأصمعي والأزهري، وبالجملة اتفقوا فيما علمناه على تقديم الحارصة، وتأخير السمحاق، واختلفوا في البازلة مع الباضعة، أيهما يقدم على الأخرى - والبازلة فاعلة من: بزلت الشجة الجلد، أي شقته فجرى الدم، يقال: بزلت الخمر. ثقبت إناءها فاستخرجتها، فالدم محبوس في محله، كالمائع في وعائه، والشجة بزلته، والسمحاق قشرة رقيقة فوق عظم الرأس،
فإذا وصلت الشجة إليها سميت سمحاقا باسمها، والله أعلم.
[دية ما لم يكن فيه من الجراح توقيت]
[مَسْأَلَةٌ وَطِئَ زَوْجَته وَهِيَ صَغِيرَة فَفَتْقهَا] (٦٩٨٥) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ، وَهِيَ صَغِيرَةٌ، فَفَتَقَهَا، لَزِمَهُ ثُلُثُ الدِّيَةِ) . مَعْنَى الْفَتْقِ، خَرْقُ مَا بَيْنَ مَسْلَكِ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ.
وَقِيلَ: بَلْ مَعْنَاهُ خَرْقُ مَا بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، إلَّا أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَذْهَبَ بِالْوَطْءِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْحَاجِزِ، فَإِنَّهُ حَاجِزٌ غَلِيظٌ قَوِيٌّ. وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فِي فَصْلَيْنِ؛ (٦٩٨٦) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، فِي أَصْلِ وُجُوبِ الضَّمَانِ.
وَالثَّانِي: فِي قَدْرِهِ: أَمَّا الْأَوَّلُ،
فَإِنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِوَطْءِ الصَّغِيرَةِ أَوْ النَّحِيفَةِ الَّتِي لَا تَحَمَّلُ الْوَطْءَ، دُونَ الْكَبِيرَةِ الْمُحْتَمِلَةِ لَهُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ الضَّمَانُ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ. وَلَنَا، أَنَّهُ وَطْءٌ مُسْتَحَقٌّ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ كَالْبَكَارَةِ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ مِمَّنْ يَصِحُّ إذْنُهُ، فَلَمْ يُضْمَنْ مَا تَلِفَ بِسِرَايَتِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي مُدَاوَاتِهَا بِمَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ، وَكَقَطْعِ السَّارِقِ، أَوْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، وَعَكْسُهُ الصَّغِيرَةُ وَالْمُكْرَهَةُ عَلَى الزِّنَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ، مَعَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَيَكُونُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ، إنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا لَا تُطِيقُهُ،
وَأَنَّ وَطْأَهُ يُفْضِيهَا.
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ، وَكَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُفْضِيَ إلَيْهِ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ، فَيَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَمْدَ الْخَطَإِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي مَالِهِ.
(٦٩٨٧) الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ ثُلُثُ الدِّيَةِ. وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنْفَعَةَ الْوَطْءِ، فَلَزِمَتْهُ الدِّيَةُ، كَمَا لَوْ قَطَعَ إسْكَتَيْهَا. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى فِي الْإِفْضَاءِ بِثُلُثِ الدِّيَةِ. وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا. وَلِأَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ تَخْرِقُ الْحَاجِزَ بَيْنَ مَسْلَكِ الْبَوْلِ وَالذَّكَرِ، فَكَانَ مُوجَبُهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَالْجَائِفَةِ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَمْنَعُ الْوَطْءَ،
وَأَمَّا قَطْعُ الْإِسْكَتَيْنِ، فَإِنَّمَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّهُ قَطْعُ عُضْوَيْنِ فِيهِمَا نَفْعٌ وَجَمَالٌ، فَأَشْبَهَ قَطْعَ الشَّفَتَيْنِ.
(٦٩٨٨) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَطْلَقَ بَوْلُهَا مَعَ ذَلِكَ، لَزِمَتْهُ دِيَةٌ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ دِيَةٌ وَحُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَتَيْنِ، فَلَزِمَهُ أَرْشُهُمَا، كَمَا لَوْ فَوَّتَ كَلَامَهُ وَذَوْقَهُ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَتْلَفَ عُضْوًا وَاحِدًا، فَلَمْ يَفُتْ غَيْرُ مَنَافِعِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ ذَوْقُهُ وَكَلَامُهُ. وَمَا قَالَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ دِيَةَ الْمَنْفَعَتَيْنِ، لَأَوْجَبَ دِيَتَيْنِ؛ لِأَنَّ اسْتِطْلَاقَ الْبَوْلِ مُوجِبٌ الدِّيَةَ، وَالْإِفْضَاءُ عِنْدَهُ مُوجِبٌ الدِّيَةَ مُنْفَرِدًا، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ الْحُكُومَةَ، وَلَمْ يُوجَدْ مُقْتَضِيهَا، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ فِي الْإِفْضَاءِ حُكُومَةً.
(٦٩٨٩) فَصْلٌ: وَإِنْ انْدَمَلَ الْحَاجِزُ، وَانْسَدَّ، وَزَالَ الْإِفْضَاءُ، لَمْ يَجِبْ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَوَجَبَتْ حُكُومَةٌ، لِجَبْرِ مَا حَصَلَ مِنْ النَّقْصِ.
[فَصْلٌ أَكْرَه امْرَأَة عَلَى الزِّنَى فَأَفْضَاهَا] (٦٩٩٠) فَصْلٌ: وَإِنْ أَكْرَهَ امْرَأَةً عَلَى الزِّنَى، فَأَفْضَاهَا، لَزِمَهُ ثُلُثُ دِيَتِهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِوَطْءٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ، وَلَا مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ بِهِ، كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ. وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ مَعَ ذَلِكَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْبَكَارَةِ دَاخِلٌ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ،
فَإِنَّ مَهْرَ الْبِكْرِ أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ الثَّيِّبِ، فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا هُوَ عِوَضُ أَرْشِ الْبَكَارَةِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ مَرَّتَيْنِ، كَمَا فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ. وَالثَّانِيَةُ، يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ أَتْلَفَهُ بِعُدْوَانِهِ، فَلَزِمَهُ أَرْشُهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِإِصْبَعِهِ.
فَأَمَّا الْمُطَاوِعَةُ عَلَى الزِّنَى، إذَا كَانَتْ كَبِيرَةً فَفَتَقَهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي فَتْقِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ الْوَطْءُ دُونَ الْفَتْقِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَهَا. وَلَنَا، أَنَّهُ ضَرَرٌ حَصَلَ مِنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَأَرْشِ بَكَارَتِهَا، وَمَهْرِ مِثْلِهَا، وَكَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا، فَسَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِهَا. وَفَارَقَ مَا إذَا أَذِنَتْ فِي وَطْئِهَا، فَقَطَعَ يَدَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَلَا مِنْ ضَرُورَتِهِ.
[فَصْلٌ وَطِئَ امْرَأَة بِشُبْهَةِ فَأَفْضَاهَا] (٦٩٩١) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةِ فَأَفْضَاهَا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ إفْضَائِهَا، مَعَ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ إنَّمَا أُذِنَ فِيهِ اعْتِقَادًا أَنَّ الْمُسْتَوْفِيَ لَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ،
فَإِذَا كَانَ غَيْرُهُ، ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ الضَّمَانِ لِمَا أَتْلَفَ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي أَخْذِ الدَّيْنِ لِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُسْتَحِقُّهُ، فَبَانَ أَنَّهُ غَيْرُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ لَهَا أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ أَرْشِ إفْضَائِهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ لِإِتْلَافِ الْعُضْوِ، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ ضَمَانِهِ وَضَمَانِ مَنْفَعَتِهِ، كَمَا لَوْ قَلَعَ عَيْنًا.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ تُنْقَلُ عَنْ الْوَطْءِ، فَلَمْ يَدْخُلُ بَدَلُهُ فِيهَا، كَمَا لَوْ كَسَرَ صَدْرَهَا. وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛
فَإِنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ لِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ، وَالْأَرْشُ يَجِبُ لِإِتْلَافِ الْحَاجِزِ، فَلَا تَدْخُلُ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ.
[فَصْلٌ اسْتَطْلَقَ بَوْل الْمُكْرَهَة عَلَى الزِّنَى وَالْمَوْطُوءَة بِشُبْهَةِ مَعَ إفْضَائِهِمَا.] (٦٩٩٢) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَطْلَقَ بَوْلُ الْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَى، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، مَعَ إفْضَائِهِمَا، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَالْمَهْرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا،
وَيَجِبُ أَكْثَرُهُمَا. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ.
[مَسْأَلَة دِيَة الضِّلْع وَالتَّرْقُوَة] (٦٩٩٣) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الضِّلْعِ بَعِيرٌ، وَفِي التَّرْقُوَةِ بَعِيرَانِ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ فِي كُلِّ تَرْقُوَةٍ بَعِيرَيْنِ، فَيَكُونُ فِي التَّرْقُوَتَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَالتَّرْقُوَةُ: هُوَ الْعَظْمُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَ الْعُنُقِ مِنْ النَّحْرِ إلَى الْكَتِفَ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَرْقُوَتَانِ، فَفِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ التَّرْقُوَتَانِ مَعًا، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِإِدْخَالِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَيَكُونُ فِي كُلِّ تَرْقُوَةٍ بَعِيرٌ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَإِسْحَاقُ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ،
وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرْنَا حُكُومَةً، وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ عَظْمٌ بَاطِنٌ، لَا يَخْتَصُّ بِجَمَالِ وَمَنْفَعَةٍ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، كَسَائِرِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ، وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يَكُونُ بِتَوْقِيفٍ أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَوْقِيفٌ وَلَا قِيَاسٌ. وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ فِي التَّرْقُوَةِ أَرْبَعِينَ دِينَارًا،
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: فِي التَّرْقُوَتَيْنِ الدِّيَةُ،
وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا؛ لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِيهِمَا جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا، فَكَمَلَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ، كَالْيَدَيْنِ.
وَلَنَا، قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْهَاشِمَةِ؛ فَإِنَّهَا كَسْرُ عِظَامٍ بَاطِنَةٍ، وَفِيهَا مُقَدَّرٌ.
وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِجَمَالٍ وَمَنْفَعَةٍ.
فَإِنَّ جَمَالَ هَذِهِ الْعِظَامِ وَنَفْعِهَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا، وَلَا مُشَارَكَ لَهَا فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فَمُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَافَقَهُ فِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ دِيَة الزَّنْد] (٦٩٩٤) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الزَّنْدِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَظْمَانِ) قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي بِهِ الزَّنْدَيْنِ فِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا أَرْبَعَةَ عِظَامٍ، فَفِي كُلِّ عَظْمٍ بَعِيرٌ. وَهَذَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: فِيهِ حُكُومَةٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. وَلَنَا، مَا رَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ فِي أَحَدِ الزَّنْدَيْنِ إذَا كُسِرَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: إنَّ فِيهِ بَعِيرَيْنِ،
وَإِذَا كُسِرَ الزَّنْدَيْنِ فَفِيهِمَا أَرْبَعَةٌ مِنْ الْإِبِلِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَهَذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
[فَصْل دِيَة الْعِظَام] (٦٩٩٥) فَصْلٌ: وَلَا مُقَدَّرَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْعِظَامِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِي عَظْمِ السَّاقِ بَعِيرَانِ،
وَفِي السَّاقَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، وَفِي عَظْمِ الْفَخِذِ بَعِيرَانِ،
وَفِي الْفَخِذَيْنِ أَرْبَعَةٌ، فَهَذِهِ تِسْعَةُ عِظَامٍ فِيهَا مُقَدَّرٌ؛ الضِّلَعُ، وَالتَّرْقُوَتَانِ؛ وَالزَّنْدَانِ، وَالسَّاقَانِ، وَالْفَخِذَانِ، وَمَا عَدَاهَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْقَاضِي: فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ بَعِيرَانِ. وَزَادَ أَبُو الْخَطَّابِ عَظْمَ الْقَدَمِ؛ لِمَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَالزَّنْدِ إذَا كُسِرَ وَاحِدٌ مِنْهَا فَجُبِرَ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ دُحُورٌ يَعْنِي عِوَجًا بِعَيْرٍ،
وَإِنْ كَانَ فِيهَا دُحُورٌ، فَبِحِسَابِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْخَبَرُ، إنْ صَحَّ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ، فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي غَيْرِ الْخَمْسَةِ؛ الضِّلَعِ، وَالتَّرْقُوَتَيْنِ، وَالزَّنْدَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوْقِيفِ، وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ الْحُكُومَةِ فِي هَذِهِ الْعِظَامِ الْبَاطِنَةِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا خَالَفْنَاهُ فِي هَذِهِ الْعِظَامِ لِقَضَاءِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَفِيمَا عَدَاهَا يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الْعِظَامَ، كَعَظْمِ الظَّهْرِ وَغَيْرِهِ، فَفِيهِ الْحُكُومَةُ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا،
وَإِنْ خَالَفَ فِيهَا مُخَالِفٌ، فَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لَا يَسْتَنِدُ إلَى دَلِيلٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَارُ إلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ دِيَة الشِّجَاج الَّتِي لَا تَوْقِيت فِيهَا] (٦٩٩٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالشِّجَاجُ الَّتِي لَا تَوْقِيتَ فِيهَا، أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ) يَعْنِي تَشُقُّهُ قَلِيلًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْحَارِصَةُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ، ثُمَّ السِّمْحَاقُ، وَهِيَ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ، ثُمَّ الْمُوضِحَةُ.
هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الَّتِي وَصَلَتْ إلَيْنَا: الْحَارِصَةُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ. ثُمَّ الْبَازِلَةُ. وَلَعَلَّهُ مِنْ غَلَطِ الْكَاتِبِ، وَالصَّوَابُ: الْحَارِصَةُ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ، هَكَذَا رَتَّبَهَا سَائِرُ مَنْ عَلِمْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَلِأَنَّ الْبَاضِعَةَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ، فَلَا يُمْكِنُ وُجُودُهَا قَبْلَ الْبَازِلَةِ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ، وَتُسَمَّى الدَّامِعَةَ، لِقِلَّةِ سَيَلَانِ دَمِهَا، تَشْبِيهًا لَهُ بِخُرُوجِ الدَّمْعِ مِنْ الْعَيْنِ، وَاَلَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ يَسِيلُ مِنْهَا دَمٌ كَثِيرٌ فِي الْغَالِبِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ جَعْلُهَا سَابِقَةً عَلَى مَا لَا يَسِيلُ مِنْهَا إلَّا دَمٌ يَسِيرٌ كَدَمْعِ الْعَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ، جَعَلَ فِي الْبَازِلَةِ بَعِيرًا،
وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَيْنِ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: وَالشِّجَاجُ. يَعْنِي: جِرَاحَ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ؛ فَإِنَّهُ يُسَمَّى شِجَاجًا خَاصَّةً، دُونَ جِرَاحِ سَائِرِ الْبَدَنِ. وَالشِّجَاجُ الْمُسَمَّاةُ عَشْرٌ؛ خَمْسٌ مِنْهَا أَرْشُهَا مُقَدَّرٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا، وَخَمْسٌ لَا تَوْقِيتَ فِيهَا، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ قَلِيلًا. يَعْنِي تَقْشِرُ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ الْجِلْدِ، لَا يَظْهَرُ مِنْهُ دَمٌ، وَمِنْهُ: حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ. إذَا شَقَّهُ قَلِيلًا. ثُمَّ الْبَازِلَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَنْزِلُ مِنْهَا الدَّمُ. أَيْ يَسِيلُ. وَتُسَمَّى الدَّامِيَةَ أَيْضًا، وَالدَّامِعَةَ ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ.
ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ، يَعْنِي دَخَلَتْ فِيهِ دُخُولًا كَثِيرًا يَزِيدُ عَلَى الْبَاضِعَةِ، وَلَمْ تَبْلُغْ السِّمْحَاقَ. ثُمَّ السِّمْحَاقُ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى قِشْرَةٍ رَقِيقَةٍ فَوْقَ الْعَظْمِ، تُسَمَّى تِلْكَ الْقِشْرَةُ سِمْحَاقًا، وَسُمِّيَتْ الْجِرَاحُ الْوَاصِلَةُ إلَيْهَا بِهَا، وَيُسَمِّيهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْمِلْطَا وَالْمِلْطَاةُ، وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ اللَّحْمَ كُلَّهُ حَتَّى تَخْلُصَ مِنْهُ. ثُمَّ الْمُوضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَقْشُرُ تِلْكَ الْجِلْدَةَ، وَتُبْدِي وَضَحَ الْعَظْمِ، أَيْ بَيَاضَهُ، وَهِيَ أَوَّلُ الشِّجَاجِ الْمُوَقَّتَةِ، وَمَا قَبْلَهَا مِنْ الشِّجَاجِ الْخَمْسِ فَلَا تَوْقِيتَ فِيهَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ فِي الدَّامِيَةِ بَعِيرًا،
وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَيْنِ، وَفِي الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَةً،
وَفِي السِّمْحَاقِ أَرْبَعَةَ أَبْعِرَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا يُرْوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي السِّمْحَاقِ مِثْلُ ذَلِكَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْهُمَا.
وَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، فِيهَا نِصْفُ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهَا جِرَاحَاتٌ لَمْ يَرِدْ فِيهَا تَوْقِيتٌ فِي الشَّرْعِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا حُكُومَةً، كَجِرَاحَاتِ الْبَدَنِ. رُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ «قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُوضِحَةِ بِخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَلَمْ يَقْضِ فِيمَا دُونَهَا» ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا مُقَدَّرٌ بِتَوْقِيفٍ، وَلَا لَهُ قِيَاسٌ يَصِحُّ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْحُكُومَةِ، كَالْحَارِصَةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْجِرَاحَاتِ مِنْ الْمُوضِحَةِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي رَأْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُوضِحَةٌ إلَى جَانِبِهَا، قُدِّرَتْ هَذِهِ الْجِرَاحَةُ مِنْهَا،
فَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ النِّصْفِ، وَجَبَ نِصْفُ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ، إنْ كَانَتْ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَجَبَ ثُلُثُ الْأَرْشِ.
وَعَلَى هَذَا، إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْحُكُومَةُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، فَتُوجِبَ مَا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ،
فَإِذَا كَانَتْ الْجِرَاحَةُ قَدْرَ نِصْفِ الْمُوضِحَةِ، وَشَيْنُهَا يَنْقُصُ قَدْرَ ثُلُثَيْهَا، أَوْجَبْنَا ثُلُثَيْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ،
وَإِنْ نَقَصَتْ الْحُكُومَةُ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ، أَوْجَبْنَا النِّصْفَ، فَنُوجِبُ الْأَكْثَرَ مِمَّا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ، أَوْ قَدْرَهَا مِنْ الْمُوضِحَةِ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ سَبَبَانِ مُوجِبَانِ؛ الشَّيْنُ وَقَدْرُهَا مِنْ الْمُوضِحَةِ، فَوَجَبَ بِهَا أَكْثَرُهُمَا؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى إيجَابِ الْمِقْدَارِ، أَنَّ هَذَا اللَّحْمَ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَكَانَ فِي بَعْضِهِ بِمِقْدَارِهِ مِنْ دِيَتِهِ، كَالْمَارِنِ وَالْحَشَفَةِ وَالشَّفَةِ وَالْجَفْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَهَذَا لَا نَعْلَمُهُ مَذْهَبًا لِأَحْمَدْ وَلَا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ،
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جِرَاحَةٌ تَجِبُ فِيهَا الْحُكُومَةُ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا مُقَدَّرٌ. كَجِرَاحَاتِ الْبَدَنِ،
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الْحُكُومَةُ، وَلَا نَعْلَمُ لِمَا ذَكَرُوهُ نَظِيرًا.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.