وإذا خلف المقتول ثلاثة بنين جبر الكسر عليهم، وحلف كل واحد منهم سبعة عشر يمينا. وسواء كان المقتول مسلما أو كافرا. حرا أو عبدا، إذا كان المقتول يقتل به المدعى عليه إذا ثبت عليه القتل، لأن القسامة توجب القود، إلا أن يحب الأولياء أخذ الدية.
Its commentaries
قال: وإذا خلف المقتول ثلاثة بنين جبر الكسر عليهم، وحلف كل واحد منهم سبعة عشر يمينا. ش: لما تقدم للخرقي أن النساء لا مدخل لهن في القسامة، أشار إلى أنها تشرع في حق الرجال الوارثين، وأنها تقسم بينهم على قدر إرثهم - ومن هنا قال أبو محمد: إن ظاهر كلام الخرقي أنها تختص بالوراث، وقد تقدم، فعلى هذا إذا خلف المقتول ابنين، حلف كل واحد منهما خمسا وعشرين يمينا، ولا كسر،
وإن خلف ثلاثة بنين جبر الكسر عليهم، فحلف كل واحد منهم سبعة عشر يمينا، إذ تكميل الخمسين واجب، ولا يمكن تبعيض اليمين ولا حمل بعضهم عن بعض، حذارا من الترجيح بلا مرجح، فوجب تكميل اليمين المكسورة على الجميع، نظرا إلى أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب. قال: وسواء كان المقتول مسلما أو كافرا. حرا أو عبدا، إذا كان المقتول يقتل به المدعى عليه إذا ثبت عليه القتل، لأن القسامة توجب القود، إلا أن يحب الأولياء أخذ الدية.
ش: أما المسلم الحر فلا نزاع فيه، لورود الحديث فيه،
وأما الكافر والعبد ففي معناه، إذ المقتضى للقسامة اللوث، وهو موجود في قتلهما، وعلى هذا يحلف سيد العبد، ويستحق القصاص أو قيمته،
ثم إن ظاهر كلام الخرقي أن القسامة لا تشرع إلا فيما يوجب القصاص، كذا فهم أبو محمد، واختار ذلك، فعلى هذا لا تشرع في غير العمد المحض، ولا في قتل غير المكافئ ونحو ذلك،
والمشهور مشروعية القسامة في جميع ذلك، حتى إني لم أر الأصحاب عرجوا على كلام الخرقي، والذي يظهر مشروعيتها في غير الخطأ، لوجود اللوث المقتضي لها،
بخلاف الخطأ، فإن اللوث وهو العداوة على المشهور لا يتأتى، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ خَلَف الْمَقْتُولُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ] (٧٠٣٠) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا خَلَّفَ الْمَقْتُولُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، جُبِرَ الْكَسْرُ عَلَيْهِمْ، فَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا. اخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ؛ فَرُوِيَ أَنَّهُ يَحْلِفُ مِنْ الْعَصَبَةِ الْوَارِثُ مِنْهُمْ وَغَيْرُ الْوَارِثِ، خَمْسُونَ رَجُلًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً. وَهَذَا قَوْلٌ لِمَالِكٍ، فَعَلَى هَذَا، يَحْلِفُ الْوَارِثُ مِنْهُمْ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ دَمَهُ،
فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ، تُمِّمُوا مِنْ سَائِرِ الْعَصَبَةِ، يُؤْخَذُ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ مِنْ قَبِيلَتِهِ الَّتِي يَنْتَسِبُ إلَيْهَا، وَيُعْرَفُ كَيْفِيَّةُ نَسَبِهِ مِنْ الْمَقْتُولِ،
فَأَمَّا مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الْقَبِيلَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ وَجْهُ النَّسَبِ، لَمْ يُقْسِمْ؛ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قُرَشِيًّا وَالْمَقْتُولُ قُرَشِيٌّ، وَلَا يُعْرَفُ كَيْفِيَّةُ نَسَبِهِ مِنْهُ، فَلَا يُقْسِمُ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِنْ آدَمَ وَنُوحٍ، وَكُلُّهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى أَبٍ وَاحِدٍ،
وَلَوْ قُتِلَ مَنْ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ، لَمْ يُقْسِمْ عَنْهُ سَائِرُ النَّاسِ،
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ نَسَبِهِ خَمْسُونَ، رُدِّدَتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ، وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمْ،
فَإِنْ انْكَسَرَتْ عَلَيْهِمْ، جُبِرَ كَسْرُهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسِينَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ:«يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» . وَقَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ خَمْسُونَ رَجُلًا وَارِثًا، فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ إلَّا أَخُوهُ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ، أَوْ أَقْرَبُ مِنْهُ نَسَبًا، وَلِأَنَّهُ خَاطَبَ بِهَذَا بَنِي عَمِّهِ، وَهُمْ غَيْرُ وَارِثِينَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يُقْسِمُ إلَّا الْوَارِثُ، وَتُعْرَضُ الْأَيْمَانُ عَلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ دُونَ غَيْرِهِمْ، عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ. هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ فِي دَعْوَى حَقٍّ، فَلَا تُشْرَعُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، تُقْسَمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ مِنْ الرِّجَالِ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَاتِ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ،
فَإِنْ انْقَسَمَتْ مِنْ غَيْرِ كَسْرٍ، مِثْلُ أَنْ يُخَلِّفَ الْمَقْتُولُ اثْنَيْنِ، أَوْ أَخًا وَزَوْجًا، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا،
وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ بَنِينَ، وَجَدًّا أَوْ أَخَوَيْنِ، جُبِرَ الْكَسْرُ عَلَيْهِمْ، فَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا؛ لِأَنَّ تَكْمِيلَ الْخَمْسِينَ وَاجِبٌ، وَلَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُ الْيَمِينِ، وَلَا حَمْلُ بَعْضِهِمْ لَهَا عَنْ بَعْضٍ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُ الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَإِنْ خَلَّفَ أَخًا مِنْ أَبٍ وَأَخًا مِنْ أُمٍّ، فَعَلَى الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ سُدُسُ الْأَيْمَانِ، ثُمَّ يُجْبَرُ الْكَسْرُ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ تِسْعُ أَيْمَانٍ، وَعَلَى الْأَخِ مِنْ الْأَبِ اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعِينَ خَمْسِينَ يَمِينًا، سَوَاءٌ تَسَاوَوْا فِي الْمِيرَاثِ أَوْ اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا حَلَفَهُ الْوَاحِدُ إذَا انْفَرَدَ، حَلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ، كَالْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَعَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: يُنْظَرُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْيَمِينِ. فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْآخَرِ. وَلَنَا، عَلَى أَنَّ الْخَمْسِينَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ:«تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» .
وَأَكْثَرُ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْأَيْمَانِ خَمْسُونَ،
وَلَوْ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ، لَكَانَتْ مِائَةً وَمِائَتَيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّهَا حُجَّةٌ لِلْمُدَّعِينَ، فَلَمْ تَزِدْ عَلَى مَا يُشْرَعُ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ، كَالْبَيِّنَةِ، وَيُفَارِقُ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ حُجَّةً لِلْمُدَّعِي، وَلِأَنَّهَا لَمْ يُمْكِنْ قِسْمَتُهَا، فَكَمَلَتْ فِي حَقِّ وَاحِدٍ؛ كَالْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ فِي الْقَسَامَةِ، فَإِنَّهَا تُجْبَرُ وَتَكْمُلُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ؛ لِكَوْنِهَا لَا تَتَبَعَّضُ، وَمَا لَا يَتَبَعَّضُ يَكْمُلُ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. وَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْيَمِينِ عَمَّنْ عَلَيْهِ بَعْضُهَا، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ تَسَاوَى الْكَسْرَانِ، بِأَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ نِصْفُهَا، أَوْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ ثُلُثُهَا، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُهَا؛
وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى تَكْمُلُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَسْتَوِي مَنْ لَهُ فِي الْمُدَّعَى كَثِيرٌ وَقَلِيلٌ، كَذَا هَاهُنَا، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ الْيَمِينَ غَيْرُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، كَالْيَمِينِ الْكَامِلَةِ، وَكَالْجُزْءِ الْأَكْبَرِ.
(٧٠٣١) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا قَسَامَةَ عَلَيْهِ بِحَالٍ، وَهُوَ النِّسَاءُ، سَقَطَ حُكْمُهُ،
فَإِذَا كَانَ ابْنٌ وَبِنْتٌ، حَلَفَ الِابْنُ الْخَمْسِينَ كُلَّهَا.
وَإِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ لِأُمٍّ وَأَخٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ، قُسِمَتْ الْأَيْمَانُ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ، عَلَى أَحَدَ عَشَرَ، عَلَى الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ ثَلَاثَةٌ، وَعَلَى الْآخَرِ ثَمَانِيَةٌ، ثُمَّ يُجْبَرُ الْكَسْرُ عَلَيْهِمَا، فَيَحْلِفُ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ يَمِينًا، وَالْأَخُ مِنْ الْأُمِّ أَرْبَعَ عَشْرَةَ يَمِينًا.
[فَصْلٌ مَاتَ الْمُسْتَحَقّ الْقَسَامَة] (٧٠٣٢) فَصْلٌ: فَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ، انْتَقَلَ إلَى وَارِثِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيْمَانِ، وَكَانَتْ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ، وَيُجْبَرُ الْكَسْرُ فِيهَا عَلَيْهِمْ، كَمَا يَنْجَبِرُ فِي حَقِّ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ.
وَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُمْ، قُسِمَ نَصِيبُهُ مِنْ الْأَيْمَانِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ،
فَلَوْ كَانَ لِلْقَتِيلِ ثَلَاثَةُ بَنِينَ، كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا،
فَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ، وَخَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، قُسِمَتْ أَيْمَانُهُ بَيْنَهُمْ، فَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سِتَّةُ أَيْمَانٍ.
وَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ تِسْعَةَ أَيْمَانٍ. وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ فِي إثْبَاتِ حُجَجِهِ، كَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ مَالِهِ، وَهَذَا مِنْ حُجَجِهِ، وَلِذَلِكَ يَمْلِكُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ وَالْحَلِفَ فِي الْإِنْكَارِ، وَمَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي دَعْوَى الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْأَيْمَانِ، فَحَلَفَ بَعْضَهَا،
فَإِنَّ وَرَثَتَهُ يَسْتَأْنِفُونَ الْأَيْمَانَ، وَلَا يَبْنُونَ عَلَى أَيْمَانِهِ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ جَرَتْ مَجْرَى الْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَحَدٌ بِيَمِينِ غَيْرِهِ، وَلَا يَبْطُلُ هَذَا بِمَا إذَا حَلَفَ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ ثُمَّ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمَالَ إرْثًا عَنْهُ، لَا بِيَمِينِهِ، وَلِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ الْوَارِثَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا،
فَإِنَّ الدِّيَةَ تُسْتَحَقُّ بِيَمِينِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْأَيْمَانِ، وَيَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ أَيْمَانِهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِ غَيْرِهِ،
وَإِنْ كَانَ اجْتِمَاعُ الْعَدَدِ شَرْطًا فِي اسْتِحْقَاقِهَا.
[فَصْلٌ حَلَفَ بَعْض الْأَيْمَانِ ثُمَّ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ] (٧٠٣٣) فَصْلٌ: وَلَوْ حَلَفَ بَعْضَ الْأَيْمَانِ، ثُمَّ جُنَّ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَإِنَّهُ يُتَمِّمُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ؛ لِأَنَّ أَيْمَانَهُ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا، وَيُفَارِقُ الْمَوْتَ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ إتْمَامُ الْأَيْمَانِ مِنْهُ، وَغَيْرُهُ لَا يَبْنِي عَلَى يَمِينِهِ، وَهَا هُنَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُتِمَّهَا إذَا أَفَاقَ، وَلَا تَبْطُلُ بِالتَّفْرِيقِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَلَّفَهُ بَعْضَ الْأَيْمَانِ، ثُمَّ تَشَاغَلَ عَنْهُ، لَمْ تَبْطُلْ، وَيُتِمُّهَا، وَمَا لَا يُبْطِلُهُ التَّفْرِيقُ، لَا يُبْطِلُهُ تَخَلُّلُ الْجُنُونِ لَهُ كَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ،
وَإِنْ حَلَفَ بَعْضَ الْأَيْمَانِ، ثُمَّ عُزِلَ الْحَاكِمُ، وَوُلِّيَ غَيْرُهُ، أَتَمَّهَا عِنْدَ الثَّانِي: وَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْنَافُهَا؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بَعْضَهَا، ثُمَّ سَأَلَ الْحَاكِمَ إنْظَارَهُ، فَأَنْظَرَهُ، بَنَى عَلَى مَا مَضَى، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِئْنَافُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ رَدَّتْ الْأَيْمَان عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَكَانَ عَمْدًا] (٧٠٣٤) فَصْلٌ: إذَا رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَكَانَ عَمْدًا، لَمْ تَجُزْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا،
وَإِنْ كَانَتْ عَنْ غَيْر عَمْدٍ، كَالْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ مِنْ شَرْطِهَا اللَّوْثُ، وَالْعَدَاوَةُ، إنَّمَا أَثَرُهَا فِي تَعَمُّدِ الْقَتْلِ، لَا فِي خَطَئِهِ،
فَإِنَّ احْتِمَالَ الْخَطَإِ فِي الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: فِيهِ قَسَامَةٌ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّوْثَ لَا يَخْتَصُّ الْعَدَاوَةَ عِنْدَهُمْ. فَعَلَى هَذَا تَجُوزُ الدَّعْوَى عَلَى جَمَاعَةٍ،
فَإِذَا اُدُّعِيَ عَلَى جَمَاعَةٍ، لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسُونَ يَمِينًا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تُقْسَمُ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ، كَقَسْمِهَا بَيْنَ الْمُدَّعِينَ، إلَّا أَنَّهَا هَاهُنَا تُقْسَمُ بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مُتَسَاوُونَ فِيهَا، فَهُمْ كَبَنِي الْمَيِّتِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْوَجْهَيْنِ. وَالْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» .
وَفِي لَفْظٍ قَالَ:«فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيَبْرَءُونَ مِنْ دَمِهِ» . وَلِأَنَّهُمْ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فِي الْقَسَامَةِ، فَتَسْقُطُ الْأَيْمَانُ عَلَى عَدَدِهِمْ، كَالْمُدَّعِينَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا،
فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ رَجُلًا، رُدِّدَتْ عَلَى مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ حَتَّى تَكْمُلَ خَمْسِينَ يَمِينًا،
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ يَحْلِفُ إلَّا الَّذِي اُدُّعِيَ عَلَيْهِ، حَلَفَ وَحْدَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» . وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ أَيْمَانٌ يُبْرِئُ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ نَفْسَهُ مِنْ الْقَتْلِ، فَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسُونَ، كَمَا لَوْ اُدُّعِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ قَتِيلٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُبْرِئُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَالَ الِاشْتِرَاكِ إلَّا مَا يُبْرِئُهُ حَالَ الِانْفِرَادِ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْلِفُ عَلَى غَيْرِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ،
بِخِلَافِ الْمُدَّعِينَ، فَإِنَّ أَيْمَانَهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَلْفِيقِهَا تَلْفِيقُ مَا يَخْتَلِفُ مَدْلُولُهُ أَوْ مَقْصُودُهُ.
[مَسْأَلَةٌ كَانَ الْمَقْتُول مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا] (٧٠٣٥) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ يُقْتَلُ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ تُوجِبُ الْقَوَدَ، إلَّا أَنْ يُحِبَّ الْأَوْلِيَاءُ أَخْذَ الدِّيَةِ
أَمَّا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا حُرًّا، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا،
فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَسَامَةِ قِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ حِينَ قُتِلَ بِخَيْبَرَ، فَاتُّهِمَ الْيَهُودُ بِقَتْلِهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَسَامَةِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا، وَكَانَ قَاتِلُهُ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ، وَهُوَ الْمُمَاثِلُ لَهُ فِي حَالِهِ، فَفِيهِ الْقَسَامَةُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا قَسَامَةَ فِي الْعَبْدِ؛ فَإِنَّهُ مَالٌ، فَلَمْ تَجِبْ الْقَسَامَةُ فِيهِ، كَقَتْلِ الْبَهِيمَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَتْلٌ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ، فَأَوْجَبَ الْقَسَامَةَ، كَقَتْلِ الْحُرِّ، وَفَارَقَ الْبَهِيمَةَ؛ فَإِنَّهَا لَا قِصَاصَ فِيهَا. وَيُقْسِمُ عَلَى الْعَبْدِ سَيِّدُهُ، لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِدَمِهِ. وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، كَالْقِنِّ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ ثَابِتٌ فِيهِمْ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مِمَّنْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، كَالْمُسْلِمِ يَقْتُلُ كَافِرًا، وَالْحُرِّ يَقْتُلُ عَبْدًا، فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَة إنَّمَا تَكُونُ فِيمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِمَا الْقَسَامَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، فَشَرَعَتْ الْقَسَامَةُ فِيهِ، كَقَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ، كَالْبَيِّنَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَأَشْبَهَ قَتْلَ الْبَهِيمَةِ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ شَرْعِهَا فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، شَرْعُهَا مَعَ عَدَمِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا اُتُّهِمَ بِقَتْلِ سَيِّدِهِ، شُرِعَتْ الْقَسَامَةُ إذَا كَانَ الْقَتْلُ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ،
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ لَمْ تُشْرَعْ الْقَسَامَةُ.
[فَصْلٌ قَتَلَ عَبْدُ الْمُكَاتَب] (٧٠٣٦) فَصْلٌ: وَإِنْ قُتِلَ عَبْدُ الْمُكَاتَبِ، فَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِلْعَبْدِ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ وَفِي بَدَلِهِ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ، وَلَهُ شِرَاؤُهُ مِنْهُ.
وَلَوْ اشْتَرَى الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ عَبْدًا، فَقُتِلَ، فَالْقَسَامَةُ لِسَيِّدِهِ دُونَهُ؛ لِأَنَّ مَا يَبْتَاعُهُ الْمَأْذُونُ يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ دُونَهُ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ.
وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ، فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُقْسِمَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْمُسْتَحِقَّ لِبَدَلِ الْمَقْتُولِ، بِمَنْزِلَةِ وَرَثَةِ الْحُرِّ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ،
وَلَوْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ عَبْدًا فَقُتِلَ، فَالْقَسَامَةُ لِلسَّيِّدِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: يَمْلِكُ الْعَبْدُ بِالتَّمْلِيكِ، أَوْ لَا يَمْلِكُ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَمْلِكْ، فَالْمِلْكُ لِسَيِّدِهِ،
وَإِنْ مَلَكَ فَهُوَ مِلْكٌ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ؛
وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ،
بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ.
وَإِنْ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِبَدَلِ الْعَبْدِ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ،
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، كَمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِثَمَرَةٍ لَمْ تُخْلَقْ. وَالْقَسَامَةُ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ الْقَائِمُونَ مَقَامَ الْمُوصِي فِي إثْبَاتِ حُقُوقِهِ،
فَإِذَا حَلَفُوا، ثَبَتَ لَهَا الْبَدَلُ بِالْوَصِيَّةِ،
وَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَحْلِفَ، كَمَا إذَا امْتَنَعَ الْوَرَثَةُ مِنْ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ.
[فَصْلٌ الْمَحْجُور عَلَيْهِ لَسَفَهٍ أَوْ فَلْس فِي دَعْوَى الْقَتْلِ] (٧٠٣٧) فَصْلٌ: وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، كَغَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فِي دَعْوَى الْقَتْلِ، وَالدَّعْوَى عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِمَالٍ، أَوْ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ بِالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْمَالِ فِي الْحَالِ غَيْرُ مَقْبُولٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فِي الْحَالِ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
[فَصْلٌ جُرِحَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ] (٧٠٣٨) فَصْلٌ: وَلَوْ جُرِحَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ، وَمَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ، فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْجُرْحَ، وَلَا قَسَامَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَلِأَنَّ مَالَهُ يَصِيرُ فَيْئًا، وَالْفَيْءُ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ فَتَثْبُتُ الْقَسَامَةُ لَهُ.
وَإِنْ مَاتَ مُسْلِمًا، فَارْتَدَّ وَارِثُهُ قَبْلَ الْقَسَامَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ،
وَإِنْ أَقْسَمَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ عَنْ مَالِهِ وَحُقُوقِهِ، فَلَا يَبْقَى مُسْتَحِقًّا لِلْقَسَامَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ.
وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ قَدْ أَقْدَمَ عَلَى الشِّرْكِ الَّذِي لَا ذَنْبَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ دَمَ مُسْلِمٍ، وَلَا يَثْبُتُ بِهَا قَتْلٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْأَوْلَى أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ،
فَإِنْ أَقْسَمَ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَالِ بِالْقَسَامَةِ حَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا يَبْطُلُ بِرِدَّتِهِ، كَاكْتِسَابِ الْمَالِ بِوُجُوهِ الِاكْتِسَابِ، وَكُفْرُهُ لَا يَمْنَعُ يَمِينَهُ،
فَإِنَّ الْكَافِرَ تَصِحُّ يَمِينُهُ، وَتُعْرَضُ عَلَيْهِ فِي الدَّعَاوَى فَإِنْ حَلَفَ، ثَبَتَ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ،
فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، كَانَ لَهُ،
وَإِنْ مَاتَ كَانَ فَيْئًا. وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ
إمَّا أَنْ يَكُونَ مِلْكُهُ قَدْ زَالَ عَنْهُ،
وَإِمَّا مَوْقُوفٌ، وَحُقُوقُ الْمَالِ حُكْمُهَا حُكْمُهُ؛
فَإِنْ قُلْنَا بِزَوَالِ مِلْكِهِ، فَلَا حَقَّ لَهُ،
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مَوْقُوفٌ. فَهُوَ قَبْلَ انْكِشَافِ حَالِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِشَيْءٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، فَكَيْفَ وَقَتْلُ الْمُسْلِمِ أَمْرٌ كَبِيرٌ لَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَلَا يُسْتَوْفَى مَعَ الشَّكِّ.
فَأَمَّا إنْ ارْتَدَّ قَبْلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، لَمْ يَكُنْ وَارِثًا، وَلَا حَقَّ لَهُ، وَتَكُونُ الْقَسَامَةُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْوُرَّاثِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ سِوَاهُ، فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ قَسَامَةِ غَيْرِهِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى رَجَعَ قَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ، قُسِمَ لَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَعُودُ الْقَسَامَةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا اُسْتُحِقَّتْ عَلَى غَيْرِهِ.
وَإِنْ ارْتَدَّ رَجُلٌ فَقُتِلَ عَبْدُهُ، أَوْ قُتِلَ ثُمَّ ارْتَدَّ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ.
فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، عَادَتْ الْقَسَامَةُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بَدَلَ الْعَبْدِ. [فَصْلٌ لَا قَسَامَة فِيمَا دُون النَّفْسِ مِنْ الْأَطْرَافِ وَالْجَوَارِح] (٧٠٣٩) فَصْلٌ: وَلَا قَسَامَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْأَطْرَافِ وَالْجَوَارِحِ. وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا، وَمِمَّنْ قَالَ: لَا قَسَامَةَ فِي ذَلِكَ. مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ تَثْبُتُ فِي النَّفْسِ لِحُرْمَتِهَا، فَاخْتَصَّتْ بِهَا دُونَ الْأَطْرَافِ، كَالْكَفَّارَةِ؛ وَلِأَنَّهَا تَثْبُتُ حَيْثُ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَتَعْيِينُ قَاتِلِهِ،
وَمَنْ قُطِعَ طَرَفُهُ، يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، وَحُكْمُ الدَّعْوَى فِيهِ حُكْمُ الدَّعْوَى فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ يَمِينًا وَاحِدَةً؛ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى لَا قَسَامَةَ فِيهَا، فَلَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ، كَالدَّعْوَى فِي الْمَالِ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.