Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Its commentaries

شرح الزركشي على مختصر الخرقيal-Zarkashi

قال: وإذا قذف بالغ عاقل حرا مسلما أو حرة مسلمة بالزنا، جلد الحد ثمانين جلدة إن طالب المقذوف، ولم تكن للقاذف بينة. ش: القذف محرم بالإجماع، للأذى الحاصل به المأمور بانتفائه شرعا، وقد نص الله تعالى ورسوله على القذف بالزنا، لتأكد تحريمه، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: ٤] ،

٣١٥٠ - وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» متفق عليه.

6,293

ويجب الحد بالقذف بالزنا بالإجماع، للآية الكريمة، ووجوبه بشروط أربعة: اثنان منها في القاذف، واثنان في المقذوف؛

6,294

فأما اللذان في القاذف: (فأحدهما) : أن يكون مكلفا، وهو العاقل البالغ، إذ غيرهما لا يتعلق به حكم خطابي، لرفع القلم عنه، فلا حد على مجنون، ولا مبرسم، ولا نائم، ولا سكران، على ظاهر كلامه، وعموم كلام غيره يقتضي أنه على الروايتين، ولا على صبي.

(الثاني) : أن لا يكون له بينة بما قاله على المقذوف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: ٤] الآية، شرط سبحانه للجلد عدم البينة،

6,295

وفي معنى البينة الإقرار من المقذوف،

6,296

فإن كان القاذف زوجا اشترط شرط ثالث، وهو عدم لعانه،

6,298

وأما الاثنان اللذان في المقذوف: (فأحدهما) : أن يكون محصنا، والمحصن هنا فسره الأصحاب بالحر المسلم العاقل، العفيف عن الزنا، الذي يجامع مثله،

6,299

وفي اشتراط سلامته من وطء الشبهة وجهان،

6,300

وكذلك في اشتراط بلوغه روايتان، وهذا قد يؤخذ من كلام الخرقي مفرقا، فالحرية والإسلام نص عليهما هنا، والعفة عن الزنا تؤخذ من الشرط الثاني في القاذف.

وكونه يجامع مثله يذكره بعد، واقتصاره على ذلك يفهم منه أنه لا يشترط البلوغ، والعقل يؤخذ من نفيه الحد عن قاذف الطفل، والسلامة من وطء الشبهة لا يشترطها، وبيان ذلك،

6,301

أما الحرية والإسلام، فلأن العبد والكافر حرمتهما ناقصة، فلا ينتهض لإيجاب الحد، والآية الكريمة وردت في الحرة المسلمة، وغيرهما ليس في معناهما،

6,302

وأما العقل فلأن غير العاقل لا يعير بالزنا، لعدم تكليفه، والحد إنما وجب دفعا للعار عن المقذوف،

6,303

وأما العفة عن الزنا؛ فلأن غير العفيف لا يشينه القذف، والحد إنما وجب من أجل ذلك، وقد أسقط الله تعالى الحد عن القاذف إذا كانت له بينة بما قال،

6,304

وأما كونه مثله يجامع؛ فلأن غير ذلك لا يعير بالقذف، لتحقق كذب القاذف، والقذف إنما وجب لذلك، وأقل من يجامع مثله أن يكون له عشر سنين إن كان ذكرا، أو تسع سنين إن كان أنثى، كذا ذكر أبو محمد تبعا لظاهر كلام الخرقي.

6,305

وأما اشتراط البلوغ على رواية قيل: إنها مخرجة، وليست بمنصوصة. فلأن غير البالغ غير مكلف أشبه المجنون.

6,306

وأما عدم اشتراطه على أخرى - وهو مقتضى كلام الخرقي، وقطع بها القاضي والشريف وأبو الخطاب في خلافاتهم، والشيرازي وابن عقيل في التذكرة - فلأن ابن عشر سنين ونحوه يلحقه الشين بإضافة الزنا إليه. ويعير بذلك، ولهذا جعل عيبا في الرقيق، وأشبه البالغ.

6,307

وأما اشتراط السلامة من وطء الشبهة وعدمه، فلعل مبنى ذلك على أن وطء الشبهة هل يوصف بالتحريم أم لا، وقد تقدم عن القاضي أنه وصفه بالتحريم،

6,308

وأن ظاهر كلام الخرقي وجماعة عدم وصفه بذلك،

6,309

وكذلك ظاهر كلام جماعة هنا أنه لا يشترط السلامة من ذلك.

6,310

(تنبيه) : ظاهر كلام الأصحاب أنه لا يشترط العدالة، بل لو كان المقذوف فاسقا لشرب خمر ونحوه أو لبدعة، ولم يعرف بالزنا،

6,311

فإن الحد يجب بقذفه، وقال الشيرازي: لا يجب الحد بقذف مبتدع ولا مبتدعة.

(الشرط الثاني) : في المقذوف مطالبته بالقذف، لأنه حق له، فلا يستوفى بدون طلبه كبقية حقوقه.

وهذا سواء قلنا: إنه للقاذف محض حق له، كما هو المنصوص،

6,312

والمختار للأصحاب، أو قلنا: هو حق الله تعالى، وليست بالبينة، لأنه أذى للآدمي فيه حق، قطعا للأذى الحاصل له، مع أن مقتضى كلام أبي البركات نفي الخلاف رأسا، والقطع بأنه حق للآدمي، وهو الصواب، وبيان ذلك له محل آخر، وتعتبر استدامة الطلب إلى إقامة الحد،

6,313

فلو طالب ثم عفى عن الحد سقط، على المذهب وعلى الرواية المحكية بأنه حق لله تعالى لا يسقط بالعفو.

(تنبيهان) : أحدهما: إذا وجب الحد بقذف من لم يبلغ لم يقم حتى يبلغ ويطالب، لعدم اعتبار كلامه قبل البلوغ، وليس لوليه المطالبة، حذارا من فوات التشفي،

6,314

ولو قذف غائبا اعتبر قدومه وطلبه، إلا أن يثبت أنه طالب في غيبته، فيقام على المذهب،

6,315

وقيل: لا، لاحتمال عفوه، ولو قذف عاقلا فجن أو أغمي عليه قبل الطلب، لم يقم حتى يفيق ويطالب،

6,316

فإن كان قد طالب ثم جن أو أغمي عليه جازت إقامته.

(الثاني) : يستثنى مما تقدم الوالد لا يحد بقذف ولده، والله أعلم.

المغنيIbn Qudama

[مَسْأَلَةٌ قَذَفَ بَالِغٌ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ حُرَّةً مُسْلِمَةً] (٧٢٠٩) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَذَفَ بَالِغٌ حُرًّا مُسْلِمًا، أَوْ حُرَّةً مُسْلِمَةً، جُلِدَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ) الْقَذْفُ: هُوَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا. وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛

36,780

وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. قَالُوا: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْمُحْصَنَاتُ هَاهُنَا الْعَفَائِفُ.

وَالْمُحْصَنَاتُ فِي الْقُرْآنِ جَاءَتْ بِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ؛ أَحَدُهَا هَذَا.

36,781

وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الْمُزَوَّجَاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} .

36,782

وَالثَّالِثُ: بِمَعْنَى الْحَرَائِرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} . وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} . وَقَوْلِهِ:{فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} . وَالرَّابِعُ: بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ، كَقَوْلِهِ:{فَإِذَا أُحْصِنَّ} . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إحْصَانُهَا إسْلَامُهَا. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ قَذَفَ الْمُحْصَنَ، إذَا كَانَ مُكَلَّفًا.

وَشَرَائِطُ الْإِحْصَانِ الَّذِي يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ صَاحِبِهِ، خَمْسَةٌ: الْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا،

36,783

وَأَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يُجَامِعُ مِثْلُهُ. وَبِهِ يَقُولُ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، سِوَى مَا رُوِيَ عَنْ دَاوُد، أَنَّهُ أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْعَبْدِ. وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالُوا: إذَا قَذَفَ ذِمِّيَّةً، وَلَهَا وَلَدٌ مُسْلِمٌ، يُحَدُّ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، لَا يُحَدُّ وَلَهُ وَلَدٌ، كَالْمَجْنُونَةِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ، فَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ شَرْطٌ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛

لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيْ التَّكْلِيفِ، فَأَشْبَهَ الْعَقْلَ؛ وَلِأَنَّ زِنَا الصَّبِيِّ لَا يُوجِبُ حَدًّا، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالْقَذْفِ بِهِ، كَزِنَا الْمَجْنُونِ.

وَالثَّانِيَةُ: لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ عَاقِلٌ عَفِيفٌ يَتَعَيَّرُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمُمْكِنِ صِدْقُهُ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ.

فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يُجَامِعُ مِثْلُهُ، وَأَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ لِلْغُلَامِ عَشْرٌ، وَلِلْجَارِيَةِ تِسْعٌ.

36,784

(٧٢١٠) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِ الْخَصِيِّ، وَالْمَجْبُوبِ، وَالْمَرِيضِ الْمُدْنِفِ، وَالرَّتْقَاءِ، وَالْقَرْنَاءِ.

36,785

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ مَجْبُوبٍ.

36,786

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَذَلِكَ الرَّتْقَاءُ.

36,787

وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْخَصِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَارَ مُنْتَفٍ عَنْ الْمَقْذُوفِ بِدُونِ الْحَدِّ، لِلْعِلْمِ بِكَذِبِ الْقَاذِفِ، وَالْحَدُّ إنَّمَا يَجِبُ لِنَفْيِ الْعَارِ. وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} . وَالرَّتْقَاءُ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ هَذَا؛ وَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِمُحْصَنٍ، فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ، كَقَاذِفِ الْقَادِرِ عَلَى الْوَطْءِ؛ وَلِأَنَّ إمْكَانَ الْوَطْءِ أَمْرٌ خَفِيٌّ، لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَلَا يَنْتَفِي الْعَارُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ بِدُونِ الْحَدِّ، فَيَجِبُ، كَقَذْفِ الْمَرِيضِ.

36,788

[فَصْلٌ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ] (٧٢١١) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

36,789

وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي دَارٍ لَا حَدَّ عَلَى أَهْلِهَا. وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ} . الْآيَةَ. وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ، قَذَفَ مُحْصَنًا، فَأَشْبَهَ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.

[فَصْلٌ قَدْرُ حَدِّ الْقَاذِفِ] (٧٢١٢) فَصْلٌ: وَقَدْرُ الْحَدِّ ثَمَانُونَ، إذَا كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا؛ لِلْآيَةِ وَالْإِجْمَاعِ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً.

36,790

وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مُكْرَهٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُشْتَرَطَةٌ لِكُلِّ حَدٍّ. [مَسْأَلَةٌ قَالَ طَالَبَ الْمَقْذُوفُ بِالْحَدِّ وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاذِفِ بَيِّنَةٌ] (٧٢١٣) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إذَا طَالَبَ الْمَقْذُوفُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاذِفِ بَيِّنَةٌ.) وَجُمْلَتُهُ أَنْ يُعْتَبَرَ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ بَعْدَ تَمَامِ الْقَذْفِ بِشُرُوطِهِ شَرْطَانِ؛ أَحَدُهُمَا: مُطَالَبَةُ الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يُسْتَوْفَى قَبْلَ طَلَبِهِ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ} .

فَيُشْتَرَطُ فِي جَلْدِهِمْ عَدَمُ الْبَيِّنَةِ،

36,791

وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الْإِقْرَارِ مِنْ الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيِّنَةِ. إنْ كَانَ الْقَاذِفُ زَوْجًا، اُعْتُبِرَ شَرْطٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ امْتِنَاعُهُ مِنْ اللِّعَانِ. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي هَذَا كُلِّهِ. وَتُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الطَّلَبِ إلَى إقَامَةِ الْحَدِّ،

36,792

فَلَوْ طَلَبَ ثُمَّ عَفَا عَنْ الْحَدِّ، سَقَطَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.

36,793

وَقَالَ الْحَسَنُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَفْوِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ. وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بَعْدَ مُطَالَبَةِ الْآدَمِيِّ بِاسْتِيفَائِهِ، فَسَقَطَ بِعَفْوِهِ، كَالْقِصَاصِ، وَفَارَقَ سَائِرَ الْحُدُودِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي إقَامَتِهَا الطَّلَبُ بِاسْتِيفَائِهَا، وَحَدُّ السَّرِقَةِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُطَالَبَةُ بِالْمَسْرُوقِ، لَا بِاسْتِيفَاءِ الْحَدِّ؛ وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا تَصِحُّ دَعْوَاهُ، وَيَسْتَحْلِفُ فِيهِ، وَيَحْكُمُ الْحَاكِمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ.

36,794

[فَصْلٌ حَدُّ قَذْفِ الْغَائِبِ] (٧٢١٤) فَصْلٌ: وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِقَذْفِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، لَمْ تَجُزْ إقَامَتُهُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُطَالِبَ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ؛ لِأَنَّ مُطَالَبَتَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَا تُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ كَلَامِهِ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي، فَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَائِهِ، كَالْقِصَاصِ،

36,795

فَإِذَا بَلَغَ وَطَالَبَ، أُقِيمُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ.

36,796

وَلَوْ قَذَفَ غَائِبًا، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَتَّى يَقْدَمَ وَيُطَالِبَ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ طَالَبَ فِي غَيْبَتِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَجُوزَ إقَامَتُهُ فِي غَيْبَتِهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعْفُوَ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ؛ لِكَوْنِهِ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ.

36,797

وَلَوْ قَذَفَ عَاقِلًا، فَجُنَّ بَعْدَ قَذْفِهِ وَقَبْلَ طَلَبِهِ، لَمْ تَجُزْ إقَامَتُهُ حَتَّى يُفِيقَ وَيَطْلُبَ،

36,798

وَكَذَلِكَ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ طَالَبَ بِهِ قَبْلَ جُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ، جَازَتْ إقَامَتُهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.