ولو قال: والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك، فهرب منه لم يحنث.
Its commentaries
قال: ولو قال: والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك، فهرب منه لم يحنث. ش: لأن يمين الحالف انصبت على أنه لا يفارقه، فهي على فعل نفسه، فمتى هرب منه المحلوف عليه لم يوجد منه فعل، فلم يحنث، ومنصوص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية جعفر بن أحمد بن شاكر أنه يحنث لأن المقصود من نحو هذه اليمين أن لا يحصل بيننا مفارقة، فاليمين توجهت على فعل الحالف والمحلوف فيحنث، فهو كما لو قال: لا افترقنا، واختار أبو البركات متابعة لما جزم به أبو محمد في الكافي أنه متى أمكنه متابعته وإمساكه فلم يفعل حنث، لأنه والحال هذه مختار للمفارقة، فينسب إليه،
بخلاف ما إذا لم يمكنه ذلك، فإنه لم توجد منه المفارقة ولا نسبت إليه.
(تنبيه) : لو فلسه الحاكم وحكم عليه بفراقه، فهل يحنث نظرا إلى أن المفارقة وإن كان سببها من غيره قد وجدت منه، أو لا يحنث لأن الفعل والحال هذه لا ينسب إليه، لعدم اختياره له؟ يخرج على روايتي ما إذا فارقه مكرها بضرب، وما أجري مجراه والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَاَللَّهِ لَا فَارَقْتُكِ حَتَّى أَسْتَوْفِي حَقِّي مِنْك فَهَرَبَ مِنْهُ] (٨١٢٢) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا فَارَقْتُك حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك. فَهَرَبَ مِنْهُ، لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ قَالَ: لَا افْتَرَقْنَا. فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ)
أَمَّا إذَا حَلَفَ: لَا فَارَقْتُك. فَفِيهِ مَسَائِلُ عَشْرٌ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يُفَارِقَهُ الْحَالِفُ مُخْتَارًا، فَيَحْنَثُ، بِلَا خِلَافٍ، سَوَاءٌ أَبْرَأَهُ مِنْ الْحَقِّ أَوْ فَارَقَهُ، وَالْحَقُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْهُ. الثَّانِيَةُ، فَارَقَهُ مُكْرَهًا، فَيُنْظَرُ؛
فَإِنْ حُمِلَ مُكْرَهًا حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ أُكْرِهَ بِالضَّرْبِ وَالتَّهْدِيدِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: يَحْنَثُ.
وَفِي النَّاسِي تَفْصِيلٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى. الثَّالِثَةُ، هَرَبَ مِنْهُ الْغَرِيمُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَلَا يَحْنَثُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنْ لَا تَحْصُلَ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ، وَقَدْ حَصَلَتْ. وَلَنَا، أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فِي الْفُرْقَةِ، وَمَا فَعَلَ، وَلَا فَعَلَ بِاخْتِيَارِهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا قُمْت. فَقَامَ غَيْرُهُ.
الرَّابِعَةُ، أَذِنَ لَهُ الْحَالِفُ فِي الْفُرْقَةِ، فَفَارَقَهُ، فَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ يَحْنَثُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْفُرْقَةَ الَّتِي حَلَفَ إنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا. وَلَنَا، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ لَأُلْزِمَنَّك.
وَإِذَا فَارَقَهُ بِإِذْنِهِ فَمَا لَزِمَهُ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا هَرَبَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ الْخِرَقِيِّ؛ وَلِأَنَّ الْخِرَقِيِّ قَالَ: فَهَرَبَ مِنْهُ. فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا فَارَقَهُ بِغَيْرِ هَرَبٍ، أَنَّهُ يَحْنَثُ. الْخَامِسَةُ، فَارَقَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، وَلَا هَرَبَ، عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ مُلَازَمَتُهُ، وَالْمَشْيُ مَعَهُ، وَإِمْسَاكُهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
السَّادِسَةُ، قَضَاهُ قَدْرَ حَقِّهِ، فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ وَفَّاهُ، فَخَرَجَ رَدِيئًا أَوْ بَعْضُهُ، فَيُخَرَّجُ فِي الْحِنْثِ رِوَايَتَانِ؛ بِنَاءً عَلَى النَّاسِي. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَحْنَثُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مُخْتَارًا.
وَالثَّانِي، لَا يَحْنَثُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ إذَا وَجَدَهَا زُيُوفًا،
وَإِنْ وَجَدَ أَكْثَرَهَا نُحَاسًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ.
وَإِنْ وَجَدَهَا مُسْتَحَقَّةً، فَأَخَذَهَا صَاحِبُهَا، خُرِّجَ أَيْضًا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّاسِي؛ لِأَنَّهُ ظَانٌّ أَنَّهُ مُسْتَوْفٍ حَقَّهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهَا رَدِيئَةً.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ. وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَحْنَثُ،
وَإِنْ عِلْمَ بِالْحَالِ فَفَارَقَهُ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ. السَّابِعَةُ، فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ، فَفَارَقَهُ، نَظَرْت؛
فَإِنْ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ، فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ،
وَإِنْ لَمْ يُلْزِمْهُ مُفَارَقَتَهُ، لَكِنَّهُ فَارَقَهُ لِعِلْمِهِ بِوُجُوبِ مُفَارَقَتِهِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ، فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَصَلَّاهَا.
الثَّامِنَةُ، أَحَالَهُ الْغَرِيمُ بِحَقِّهِ، فَفَارَقَهُ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا يَحْنَثُ. لِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ إلَيْهِ مِنْهُ وَلَنَا، أَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ، وَلِذَلِكَ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ، فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ لَمْ يُحِلْهُ.
فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَرَّ بِذَلِكَ، فَفَارَقَهُ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ هَذَا جَهْلٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحِنْثُ، كَمَا لَوْ جَهِلَ كَوْنَ هَذِهِ الْيَمِينِ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَا فَارَقْتُك وَلِي قِبَلَك حَقٌّ. فَأَحَالَهُ بِهِ، فَفَارَقَهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ.
وَإِنْ أَخَذَ بِهِ ضَمِينًا أَوْ كَفِيلًا أَوْ رَهْنًا، فَفَارَقَهُ، حَنِثَ، بِلَا إشْكَالٍ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْغَرِيمِ. التَّاسِعَةُ، قَضَاهُ عَنْ حَقِّهِ عِوَضًا عَنْهُ، ثُمَّ فَارَقَهُ. فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَحْنَثُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ. حَقَّهُ وَبَرِئَ إلَيْهِ مِنْهُ بِالْقَضَاءِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ، وَهَذَا بَدَلُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَا فَارَقْتُك حَتَّى تَبْرَأَ مِنْ حَقِّي، أَوْ: لِي قِبَلَك حَقٌّ. لَمْ يَحْنَثْ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ. الْعَاشِرَةُ، وَكَّلَ وَكِيلًا يَسْتَوْفِي لَهُ حَقَّهُ،
فَإِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْوَكِيلِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ.
وَإِنْ اسْتَوْفَى الْوَكِيلُ، ثُمَّ فَارَقَهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ وَكِيلِهِ اسْتِيفَاءٌ لَهُ، يَبْرَأُ بِهِ غَرِيمُهُ، وَيَصِيرُ فِي ضَمَانِ الْمُوَكِّلِ.
[فَصْلٌ: قَالَ: لَا فَارَقْتنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك فَأُكْرِهَ عَلَى فِرَاقِهِ] (٨١٢٣) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ قَالَ: لَا فَارَقْتنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك. نَظَرْت؛
فَإِنْ فَارَقَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُخْتَارًا، حَنِثَ.
وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى فِرَاقِهِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ فَارَقَهُ الْحَالِفُ مُخْتَارًا، حَنِثَ، إلَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي تَأْوِيلِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَسَائِرُ الْفُرُوعِ تَأْتِي هَاهُنَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْلٌ: كَانَتْ يَمِينُهُ لَا افْتَرَقْنَا فَهَرَبَ مِنْهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ] (٨١٢٤) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَا افْتَرَقْنَا فَهَرَبَ مِنْهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَقْتَضِي أَلَّا تَحْصُلَ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ بِوَجْهٍ، وَقَدْ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بِهَرَبِهِ.
وَإِنْ أُكْرِهَا عَلَى الْفُرْقَةِ، لَمْ يَحْنَثْ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَرَ الْإِكْرَاهَ عُذْرًا.
[فَصْلٌ: حَلَفَ لَا فَارَقَتْك حَتَّى أُوفِيك حَقّك فَأَبْرَأَهُ الْغَرِيمُ مِنْهُ] (٨١٢٥) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ: لَا فَارَقْتُك حَتَّى أُوَفِّيَك حَقَّك. فَأَبْرَأَهُ الْغَرِيمُ مِنْهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى الْمُكْرَهِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا، فَوَهَبَهَا لَهُ الْغَرِيمُ، فَقَبِلَهَا، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ إيفَاءَهَا لَهُ بِاخْتِيَارِهِ.
وَإِنْ قَبَضَهَا مِنْهُ، ثُمَّ وَهَبَهَا إيَّاهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَا فَارَقْتُك وَلَك قِبَلِي حَقٌّ. لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَبْرَأهُ، أَوْ وَهَبَ الْعَيْنَ لَهُ. (٨١٢٦) فَصْلٌ: وَالْفُرْقَةُ فِي هَذَا كُلِّهِ، مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا فِي الْعَادَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفُرْقَةَ فِي الْبَيْعِ، وَمَا نَوَاهُ بِيَمِينِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.