Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Its commentaries

شرح الزركشي على مختصر الخرقيal-Zarkashi

باب ذكر الإحرام]

[سنن وآداب الإحرام]

«باب ذكر الإحرام» قال: ومن أراد الحج - وقد دخل أشهر الحج - فإذا بلغ الميقات فالاختيار [له] أن يغتسل. ش: الاختيار لمن أراد الإحرام أن يغتسل.

١٤٦٢ - لما روي عن خارجة بن زيد عن أبيه، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تجرد لإهلاله واغتسل» . رواه الترمذي وقال: حسن غريب.

١٤٦٣ - وثبت «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أسماء بنت عميس لما نفست أن تغتسل وتهل» . ١٤٦٤ -

1,745

وكذلك أمر عائشة لما حاضت.

١٤٦٥ - [وفي الموطأ عن نافع، أن عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كان يغتسل لإحرامه] قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية بعرفة.

1,746

فإن لم يجد ماء سن له التيمم عند القاضي، لأنه قائم مقامه، فشرع كالغسل الواجب، ولم يسن له التيمم عند أبي محمد، لأنه غسل مسنون، أشبه غسل الجمعة، ولفوات المقصود منه وهو التنظيف. وقد أشعر كلام الخرقي بأن المطلوب أن لا يحرم الإنسان بالحج إلا من الميقات المكاني،

1,747

وفي الميقات الزماني، أما الأول فقد تقدم،

1,748

وأما الثاني فلا ريب فيه، بحيث لو أحرم قبل ذلك كره، قياسا على الميقات المكاني وخروجا من الخلاف،

1,749

فإن بعض العلماء لا يصحح إحرامه بالحج قبل أشهره، وهو رواية عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ويحتمله كلام الخرقي، لظاهر قول الله تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: ١٩٧] أي وقت الحج أشهر معلومات،

1,750

وإذا كان هذا وقته فلا يجوز تقديم شيء منه عليه كوقت الصلاة.

١٤٦٦ - «وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج» . رواه البخاري. أي الطريقة والشريعة، هذا هو الظاهر

1,751

(والمذهب) المنصوص المختار للأصحاب صحة الحج قبلها، قياسا على الميقات المكاني، ولإطلاق قَوْله تَعَالَى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: ١٨٩] ظاهره أن جميع الأهلة مواقيت الحج، وتحمل الآية الكريمة السابقة على ما عدا الإحرام من أفعال الحج، أو يقال: الإحرام مستصحب، فيكتفى بالجزء الواقع فيها، فما خرج شيء من أفعال الحج عنها، والسنة في قول ابن عباس يحتمل أنها المقابلة للواجب.

١٤٦٧ - كما في قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إن الله فرض صيام رمضان، وسننت أنا قيامه» . وعلى الرواية الأولى - ولعلها أظهر - إذا أحرم بالحج صح عمرة، لصحة الإحرام بها في كل السنة، ومجرد الإحرام يقتضي أفعالها، وهو الطواف والسعي والحلق، وما زاد على ذلك مختص بالحج،

1,752

وإذا بطل الخصوص بقي العموم فهو كما لو أحرم بالصلاة قبل وقتها، لكن يقال على هذا بأن اقتضاء الإحرام لأفعالها لا يقتضي أنه إذا بطل الحج أنه تحصل له عمرة، إذ العمرة نسك آخر، فهو كالعصر إذا نقلها للظهر لا تصح ظهرا، غايته أن يقال: يتحلل بعمل عمرة.

وقد يبنى الخلاف في انعقاد الحج قبل أشهره على الخلاف في الإحرام، هل هو شرط أو ركن؟

1,753

فإن قلنا إنه شرط، صح، كالوضوء يصح قبل الوقت،

1,754

وإن قلنا ركن لم يصح، إذ ركن العبادة لا يصح في غير وقتها، وقد يقال: على القول بالشرطية لا يصح أيضا، لأن بالإحرام دخل في الحج، فيلزم إيقاع جزء من العبادة في غير وقتها، والانفصال عن هذا جميعه بأنا لا نسلم أن هذه الأشهر هي الوقت له، بل جميع السنة وقت له، والله تعالى أعلم.

وقد عرفت من هنا أن تقييد الخرقي مريد الحج بهذا الحكم لتخرج العمرة، فإنها تفعل في كل السنة.

١٤٦٨ - قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عمرة في رمضان تعدل حجة» متفق عليه.

١٤٦٩ - وعنه «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعتمر أربعا، إحداهن في رجب» . رواه الترمذي وصححه. ١٤٧٠ - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعتمر عمرتين، عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال» . رواه أبو داود، والله أعلم. قال: ويلبس ثوبين نظيفين. ش: أي والاختيار [للمحرم] أن يلبس ثوبين [أي] نوعين من الثياب، وهما الإزار والرداء.

١٤٧١ - لما روي عن ابن عمر في حديث له عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال «وليحرم أحدكم في إزار ورداء، ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل [من] الكعبين» ، رواه أحمد،

1,755

وقال ابن المنذر: ثبت ذلك عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (والمستحب) أن يكونا نظيفين، جديدين أو غسيلين، إذ يستحب له تنظيف بدنه، فكذلك ثيابه، والأولى أن يكونا أبيضين.

١٤٧٢ - لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «خير ثيابكم البياض» ، والله أعلم. قال: ويتطيب. ١٤٧٣ - ش: لما «روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: طيبت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيدي هاتين لإحرامه حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف، وبسطت يديها، وفي رواية: بطيب فيه مسك. وفي أخرى: في حجة الوداع للحل والإحرام. وفي أخرى: بأطيب ما أجد، حتى أجد وبيص المسك في رأسه [ولحيته] » .

1,756

وفي أخرى: «قال محمد بن المنتشر: سألت عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرما. فقال: ما أحب أن أصبح محرما أنضح طيبا، لأن أطلي بقطران، أحب [إلي من] أن أفعل ذلك. [فدخلت على عائشة، فأخبرتها أن ابن عمر قال: ما أحب أن أصبح محرما أنضح طيبا، لأن أطلي بقطران، أحب [إلي من] أن أفعل ذلك] . فقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنا طيبت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند إحرامه، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرما - زاد في رواية -: ينضح طيبا» متفق عليه.

١٤٧٤ - ورئي ابن عباس محرما وعلى رأسه مثل الرب من الغالية.

١٤٧٥ - وقال مسلم بن صبيح: رأيت [ابن] الزبير وهو محرم،

1,757

وفي رأسه ولحيته من الطيب ما لو [كان] لرجل اتخذ منه رأس مال.

وكلام الخرقي يشمل ما له جرم، وما لا جرم له، وصرح به غيره. ١٤٧٦ - وفي سنن أبي داود «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: كنا نخرج مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى مكة، فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلا ينهانها.»

ويشمل أيضا الطيب في البدن والثياب،

1,758

وكذلك كلام كثير من الأصحاب، إذ التنظيف مقصود فيهما،

1,759

وقال أبو محمد في الكافي والمغني: يستحب في بدنه لا في ثوبه. وهو الذي أورده ابن حمدان مذهبا، لأن في بعض روايات حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «طيبت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحله وطيبته لإحرامه، طيبا لا يشبه طيبكم هذا» . تعني ليس له بقاء، رواه النسائي.

1,760

وفي الثوب يبقى.

١٤٧٧ - وحديث يعلى بن أمية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رجلا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو بالجعرانة، قد أهل بعمرة، وهو مصفر لحيته ورأسه، وعليه جبة، فقال: يا رسول الله أحرمت بعمرة وأنا كما ترى؟ فقال «انزع عنك الجبة، واغسل عنك الصفرة» . متفق عليه، ورواه أبو داود وقال «اغسل عنك أثر الخلوق - أو قال -: أثر الصفرة» محمول [على] أنه كان زعفرانا.

١٤٧٨ - والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يتزعفر الرجل، وإذا نهى عن ذلك في غير الإحرام ففيه أحذر، ثم حديث عائشة متأخر، لأنه في حجة الوداع، في السنة العاشرة، وهذا الحديث بالجعرانة سنة ثمان، والعمل بالمتأخر أولى، ودعوى اختصاصه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالتطيب لهذا الحديث، مردود «بقول عائشة المتقدم: كنا نخرج مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [إلى مكة] فنضمد جباهنا» . الحديث. ثم هو في مقام البيان، وقد قال «خذوا عني مناسككم» فكيف لا يبين الخصوصية.

(تنبيه) : اللام في «لحله» لام الوقت، أي لوقت حله، كما في قَوْله تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: ٧٨] و «وبيص الطيب» بريقه ولمعانه، يقال: وبص الشيء يبص وبيصا، وبص يبص بصيصا، و «ينضح» يفوح، وأصله الرشح، فشبه كثرة ما يفوح من طيبه بالرشح، والرواية - بالحاء المهملة -، وجاء في بعض نسخ مسلم: «ينضخ» - بخاء معجمة -، فقيل: هما سيان في المعنى، وقيل: بل النضخ - بالمعجمة - أكثر من النضخ بالمهملة، وقيل غير ذلك. و «نضمد» يقال: ضمدت الجرح. إذا جعلت عليه الدواء، وضمدته بالزعفران ونحوه إذا لطخته.

و «السك» نوع من الطيب، و «الجعرانة» في الحل بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب، وتخفف وتشدد، والتخفيف أكثر، قال المنذري: [وهو الذي قيده] المتقنون والله أعلم.

المغنيIbn Qudama

بَابُ ذِكْرِ الْإِحْرَامِ][مَسْأَلَة مِنْ سُنَن الْإِحْرَام الِاغْتِسَال] ِ (٢٢٨٣) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (وَمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، وَقَدْ دَخَلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ، فَإِذَا بَلَغَ الْمِيقَاتَ، فَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ) قَوْلُهُ: (وَقَدْ دَخَلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ) . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى،

9,362

فَإِنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ مَكْرُوهٌ؛ لِكَوْنِهِ إحْرَامًا بِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَأَشْبَهَ الْإِحْرَامَ بِهِ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، وَلِأَنَّ فِي صِحَّتِهِ اخْتِلَافًا،

9,363

فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ صَحَّ،

9,364

وَإِذَا بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى وَقْتِ الْحَجِّ، جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ. وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقَ.

9,365

وَقَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَجْعَلُهُ عُمْرَةً؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} . تَقْدِيرُهُ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ، أَوْ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ. فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ،

9,366

وَمَتَى ثَبَتَ أَنَّهُ وَقْتُهُ، لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ إحْرَامِهِ عَلَيْهِ، كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ.

وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْهُرِ مِيقَاتٌ. وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نُسُكَيْ الْقِرَانِ، فَجَازَ الْإِحْرَامُ بِهِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، كَالْعُمْرَةِ، أَوْ أَحَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، فَصَحَّ الْإِحْرَامُ قَبْلَهُ كَمِيقَاتِ الْمَكَانِ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ بِهِ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ،

9,367

فَمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ طَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِمَا رَوَى خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ، وَاغْتَسَلَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،

9,368

وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وَهِيَ نُفَسَاءُ، أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ. وَأَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ، وَهِيَ حَائِضٌ. وَلِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ، فَسُنَّ لَهَا الِاغْتِسَالُ، كَالْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ جَائِزٌ بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ، وَأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا نَسِيَ الْغُسْلَ، يَغْتَسِلُ إذَا ذَكَرَ.

9,369

وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قِيلَ لَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: مَنْ تَرَكَ الْغُسْلَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَسْمَاءِ وَهِيَ نُفَسَاءُ:(اغْتَسِلِي) فَكَيْفَ الطَّاهِرُ؟ فَأَظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ أَحْيَانًا، وَيَتَوَضَّأُ أَحْيَانًا. وَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ،

9,370

وَلَا يَجِبُ الِاغْتِسَالُ، وَلَا نُقِلَ الْأَمْرُ بِهِ إلَّا لِحَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ،

9,371

وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَ بِهِ غَيْرَهُمَا، وَلِأَنَّهُ لِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَأَشْبَهَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ.

(٢٢٨٤) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً، لَمْ يُسَنَّ لَهُ التَّيَمُّمُ.

9,372

وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ مَشْرُوعٌ، فَنَابَ عَنْهُ التَّيَمُّمُ، كَالْوَاجِبِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ غُسْلٌ مَسْنُونٌ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِهِ، كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ مُنْتَقَضٌ بِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ، أَنَّ الْوَاجِبَ يُرَادُ لِإِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، وَالتَّيَمُّمُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَالْمَسْنُونُ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ، وَالتَّيَمُّمُ لَا يُحَصِّلُ هَذَا، بَلْ يَزِيدُ شُعْثًا وَتَغْيِيرًا، وَلِذَلِكَ افْتَرَقَا فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، فَلَمْ يُشْرَعْ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ، وَلَا تَكْرَارُ الْمَسْحِ بِهِ.

9,373

[فَصْل يُسْتَحَبّ التَّنَظُّف لِلْإِحْرَامِ] (٢٢٨٥) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ التَّنَظُّفُ بِإِزَالَةِ الشُّعْثِ، وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يُسَنُّ لَهُ الِاغْتِسَالُ وَالطِّيبُ، فَسُنَّ لَهُ هَذَا كَالْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ قَطْعَ الشَّعْرِ وَقَلْمَ الْأَظْفَارِ، فَاسْتُحِبَّ فِعْلُهُ قَبْلَهُ؛ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ.

[مَسْأَلَة فِي مَلَابِس الْإِحْرَام] (٢٢٨٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ) يَعْنِي إزَارًا وَرِدَاءً،

9,374

فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«إذَا لَمْ يَجِدْ إزَارًا، فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ» . وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ فِي شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَا يُخَاطُ عَلَى قَدْرِ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهِ، كَالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ.

9,375

وَلَوْ لَبِسَ إزَارًا مُوَصَّلًا، أَوْ اتَّشَحَ بِثَوْبٍ مَخِيطٍ، جَازَ.

9,376

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَا نَظِيفَيْنِ؛ إمَّا جَدِيدَيْنِ،

9,377

وَإِمَّا غَسِيلَيْنِ؛ لِأَنَّنَا أَحْبَبْنَا لَهُ التَّنَظُّفَ فِي بَدَنِهِ، فَكَذَلِكَ فِي ثِيَابِهِ، كَشَاهِدِ الْجُمُعَةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَا أَبْيَضَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ، فَأَلْبِسُوهَا أَحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» .

[مَسْأَلَة يُسْتَحَبّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَام أَنَّ يَتَطَيَّب فِي بَدَنه خَاصَّة] (٢٢٨٧) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَتَطَيَّبُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ يَتَطَيَّبَ فِي بَدَنِهِ خَاصَّةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَبْقَى عَيْنُهُ كَالْمِسْكِ وَالْغَالِيَةِ، أَوْ أَثَرُهُ كَالْعُودِ وَالْبَخُورِ وَمَاءِ الْوَرْدِ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَمُعَاوِيَةَ.

وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعُرْوَةَ، وَالْقَاسِمِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ. وَكَانَ عَطَاءٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، «كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. يَعْنِي سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: اغْسِلْ الطِّيبَ الَّذِي بِك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَانْزِعْ عَنْك الْجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِك» .

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ابْتِدَائِهِ، فَمُنِعَ اسْتَدَامَتْهُ كَاللُّبْسِ. وَلَنَا، قَوْلُ عَائِشَةَ:«كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. قَالَتْ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُحْرِمٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

9,378

وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ:«طَيَّبْته بِأَطْيَبِ الطِّيبِ. وَقَالَتْ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ» .

9,379

وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ:«كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ طِيبِ الْمِسْكِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَحَدِيثُهُمْ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرُ خَلُوقٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

9,380

وَفِي بَعْضِهَا: وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ.

9,381

وَفِي بَعْضِهَا: عَلَيْهِ دِرْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ. وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ طِيبَ الرَّجُلِ كَانَ مِنْ الزَّعْفَرَانِ، وَهُوَ مَنْهِيُّ عَنْهُ لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ، فَفِيهِ أَوْلَى.

وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» . وَلِأَنَّ حَدِيثَهُمْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ، وَحَدِيثُنَا فِي سَنَةِ عَشْرٍ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ شَأْنُ صَاحِبِ الْجُبَّةِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْآثَارِ، أَنَّ قِصَّةَ صَاحِبِ الْجُبَّةِ كَانَتْ عَامَ حُنَيْنٍ، بِالْجِعْرَانَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَحَدِيثَ عَائِشَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ إنْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ، فَحَدِيثُنَا نَاسِخٌ لِحَدِيثِهِمْ.

9,382

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ، قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَنْهَى عَنْ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَقَالَ: لَأَنْ أُطْلَى بِالْقَطِرَانِ أَحَبُّ إلَى مِنْ ذَلِكَ. قُلْنَا تَمَامُ الْحَدِيثِ، قَالَ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَدْ «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَطُوفُ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ يَنْضَحُ طِيبًا» .

9,383

فَإِذَا صَارَ الْخَبَرُ حُجَّةً عَلَى مَنْ احْتَجَّ بِهِ،

9,384

فَإِنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةٌ عَلَى ابْنِ عُمِرَ وَغَيْرِهِ، وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالنِّكَاحِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ.

9,385

[فَصْل إنْ طَيَّبَ الْمُحْرِم ثَوْبه فَلَهُ اسْتِدَامَة لَبِسَهُ مَا لَمْ يَنْزِعهُ] (٢٢٨٨) فَصْلٌ: وَإِنْ طَيَّبَ ثَوْبَهُ، فَلَهُ اسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ، مَا لَمْ يَنْزِعْهُ،

9,386

فَإِنْ نَزَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهُ،

9,387

فَإِنْ لَبِسَهُ افْتَدَى؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الطِّيبِ، وَلُبْسُ الْمُطَيَّبِ دُونَ الِاسْتِدَامَةِ،

9,388

وَكَذَلِكَ إنْ نَقَلَ الطِّيبَ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، افْتَدَى؛ لِأَنَّهُ تَطَيَّبَ فِي إحْرَامِهِ،

9,389

وَكَذَا إنْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ بِيَدِهِ، أَوْ نَحَّاهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ،

9,390

فَأَمَّا إنْ عَرِقَ الطِّيبُ، أَوْ ذَابَ بِالشَّمْسِ، فَسَالَ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، فَجَرَى مَجْرَى النَّاسِي. قَالَتْ عَائِشَةُ:«كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَنْهَاهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.