وإن كانا وصيين فمات أحدهما، أقيم مقام الميت أمين.
Its commentaries
قال: وإن كانا وصيين فمات أحدهما، أقيم مقام الميت أمين. ش: إذا أوصى لرجلين، فليس لأحدهما الانفراد بالتصرف، لحصول التشريك بينهما، إلا أن يجعل لكل واحد منهما التصرف منفردا، فعلى هذا لو مات أحدهما أو جن أقام الحاكم مقامه أمينا، لأن الميت لم يرض بتصرف الآخر وحده،
وكذلك إن ماتا في وجه، لأنه لم يرض بتصرف واحد،
وفي آخر يجوز أن يقيم واحدا، لأن الأمر رجع إليه، أشبه ما لو لم يوص،
ولو كان قد جعل لكل واحد التصرف منفردا، فمات أحدهما لم يبدل، لاستقلال الآخر بالتصرف، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ الْوَصِيَّةِ إلَى الْفَاسِقِ] (٤٧٧٦) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْوَصِيُّ خَائِنًا، جُعِلَ مَعَهُ أَمِينٌ) ظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ إلَى الْفَاسِقِ، وَيُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَدْلًا فَتَغَيَّرَتْ حَالُهُ إلَى الْخِيَانَةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا، وَيُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوَ ذَلِكَ. قَالَ: إذَا كَانَ الْوَصِيُّ مُتَّهَمًا، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ أَوْصَى لِرَجُلَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِمَوْضِعٍ لِلْوَصِيَّةِ، فَقَالَ لِلْآخَرِ: أَعْطِنِي. لَا يُعْطِيهِ شَيْئًا، لَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعٍ لِلْوَصِيَّةِ. فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ الْمَرِيضُ قَدْ رَضِيَ بِهِ؟
فَقَالَ: وَإِنْ رَضِيَ بِهِ. فَظَاهِرُ هَذَا إبْطَالُ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ. وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ وَكَلَامَ أَحْمَدَ فِي إبْقَائِهِ فِي الْوَصِيَّةِ، عَلَى أَنَّ خِيَانَتَهُ طَرَأَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ،
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ خِيَانَتُهُ مَوْجُودَةً حَالَ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ، لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْخَائِنِ عَلَى يَتِيمٍ فِي حَيَاتِهِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وِلَايَةٌ وَأَمَانَةٌ، وَالْفَاسِقُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِمَا. فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْوَصِيُّ فَاسِقًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَا وَصِيَّ لَهُ، وَيَنْظُرُ فِي مَالِهِ الْحَاكِمُ.
وَإِنْ طَرَأَ فِسْقُهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، زَالَتْ وِلَايَتُهُ وَأَقَامَ الْحَاكِمُ مُقَامَهُ أَمِينًا. هَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: لَا تَزُولُ وِلَايَتُهُ وَيُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ يَنْظُرُ مَعَهُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ حِفْظُ الْمَالِ بِالْأَمِينِ، وَتَحْصِيلُ نَظَرِ الْوَصِيِّ بِإِبْقَائِهِ فِي الْوَصِيَّةِ، فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُ الْمَالِ بِالْأَمِينِ، تَعَيَّنَ إزَالَةُ يَدِ الْفَاسِقِ الْخَائِنِ وَقَطْعُ تَصَرُّفِهِ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَالِ عَلَى الْيَتِيمِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ قَوْلِ الْمُوصِي الْفَاسِدِ.
وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْفِسْقِ الطَّارِئِ وَبَيْنَ الْمُقَارِنِ، فَبَعِيدٌ؛
فَإِنَّ الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ فِي الدَّوَامِ، كَاعْتِبَارِهَا فِي الِابْتِدَاءِ، سِيَّمَا إذَا كَانَتْ لِمَعْنًى يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الدَّوَامِ،
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّفْرِيقِ، لَكَانَ اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ فِي الدَّوَامِ أَوْلَى، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْفِسْقَ إذَا كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْوَصِيَّةِ، فَقَدْ رَضِيَ بِهِ الْمُوصِي، مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ، وَأَوْصَى إلَيْهِ رَاضِيًا بِتَصَرُّفِهِ مَعَ فِسْقِهِ، فَيُشْعِرُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مِنْ الشَّفَقَةِ عَلَى الْيَتِيمِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّفْرِيطِ فِيهِ وَخِيَانَتِهِ فِي مَالِهِ،
بِخِلَافِ مَا إذَا طَرَأَ الْفِسْقُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَالِاعْتِبَارُ بِرِضَاهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى إلَى وَاحِدٍ، جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ وَحْدَهُ،
وَلَوْ وَصَّى إلَى اثْنَيْنِ، لَمْ يَجُزْ لِلْوَاحِدِ التَّصَرُّفُ.
[فَصْلٌ الْوَصِيَّةَ لَلْعَدْلُ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ النَّظَرِ لِعِلَّةِ أَوْ ضَعْفٍ] (٤٧٧٧) فَصْلٌ: وَأَمَّا الْعَدْلُ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ النَّظَرِ، لِعِلَّةٍ أَوْ ضَعْفٍ،
فَإِنْ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ إلَيْهِ، وَيَضُمُّ إلَيْهِ الْحَاكِمُ أَمِينًا، وَلَا يُزِيلُ يَدَهُ عَنْ الْمَالِ، وَلَا نَظَرَهُ؛ لِأَنَّ الضَّعِيفَ أَهْلٌ لِلْوِلَايَةِ وَالْأَمَانَةِ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ. وَهَكَذَا إنْ كَانَ قَوِيًّا، فَحَدَثَ فِيهِ ضَعْفٌ أَوْ عِلَّةٌ، ضَمَّ الْحَاكِمُ إلَيْهِ يَدًا أُخْرَى، وَيَكُون الْأَوَّلُ هُوَ الْوَصِيُّ دُونَ الثَّانِي، وَهَذَا مُعَاوِنٌ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصِيِّ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ. وَلَا أَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا.
[فَصْل تَغَيَّرَتْ حَالُ الْوَصِيِّ بِجُنُونِ أَوْ كُفْرٍ أَوْ سَفَهٍ] (٤٧٧٨) فَصْلٌ: وَإِذَا تَغَيَّرَتْ حَالُ الْوَصِيِّ بِجُنُونٍ، أَوْ كُفْرٍ، أَوْ سَفَهٍ، زَالَتْ وِلَايَتُهُ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوصَ إلَيْهِ، وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ، فَيُقِيمُ أَمِينًا نَاظِرًا لِلْمَيِّتِ فِي أَمْرِهِ وَأَمَرَ أَوْلَادَهُ مِنْ بَعْدِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُخْلِفْ وَصِيًّا.
وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَقَبْلَ الْمَوْتِ، ثُمَّ عَادَ فَكَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ جَامِعًا لِشُرُوطِ الْوَصِيَّةِ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ مَوْجُودَةٌ حَالَ الْعَقْدِ وَالْمَوْتِ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَتَغَيَّرْ حَالُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْطُلَ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَالَةٍ مِنْهَا حَالَةٌ لِلْقَبُولِ وَالرَّدِّ، فَاعْتُبِرَتْ الشُّرُوطُ فِيهَا.
فَأَمَّا إنْ زَالَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَانْعَزَلَ، ثُمَّ عَادَ، فَكَمَّلَ الشُّرُوطَ، لَمْ تَعُدْ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهَا زَالَتْ، فَلَا تَعُودُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
[فَصْلٌ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ وَرَدُّهَا فِي حَيَاةِ الْمُوصِي] (٤٧٧٩) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ وَرَدُّهَا فِي حَيَاةِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهَا إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَصَحَّ قَبُولُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ، كَالتَّوْكِيلِ،
بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لَهُ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي وَقْتٍ، فَلَمْ يَصِحَّ الْقَبُولُ قَبْلَ الْوَقْتِ.
وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَبُولِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ وَصِيَّةٍ، فَصَحَّ قَبُولُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، كَالْوَصِيَّةِ لَهُ،
وَمَتَى قَبِلَ صَارَ وَصِيًّا، وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ، مَعَ الْقُدْرَة وَالْعَجْزِ، فِي حَيَاةِ الْمُوصِي وَبَعْدَ مَوْتِهِ، بِمَشْهَدٍ مِنْهُ وَفِي غَيْبَتِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِحَالٍ،
وَلَا يَجُوزُ فِي حَيَاتِهِ إلَّا بِحَضْرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ ب الْتِزَامِ وَصِيَّتِهِ، وَمَنَعَهُ بِذَلِكَ الْإِيصَاءَ إلَى غَيْرِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، فِي " الْإِرْشَادِ " رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، لَيْسَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِذَلِكَ. وَلَنَا، أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ، فَكَانَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ، كَالْوَكِيلِ.
[فَصْلٌ الرَّجُلِ يُوصِي إلَى الرَّجُلِ وَيَجْعَلُ لَهُ دَرَاهِم مُسَمَّاةً] (٤٧٨٠) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْوَصِيِّ جُعْلًا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ، وَالْوَكَالَةُ تَجُوزُ بِجُعْلٍ، فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ. وَقَدْ نَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، فِي الرَّجُلِ يُوصِي إلَى الرَّجُلِ، وَيَجْعَلُ لَهُ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً، فَلَا بَأْسَ. وَمُقَاسَمَةُ الْوَصِيِّ الْمُوصَى لَهُ جَائِزَةٌ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ، وَمُقَاسَمَتُهُ لِلْوَرَثَةِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُ.
[فَصْلٌ أُوصَى إلَى رَجُلٍ وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى مَنْ يَشَاءُ] (٤٧٨١) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ، وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى مَنْ يَشَاءُ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: أَذِنْت لَك أَنْ تُوصِيَ إلَى مَنْ شِئْت، أَوْ كُلُّ مَنْ أَوْصَيْت إلَيْهِ فَقَدْ أَوْصَيْت إلَيْهِ، أَوْ فَهُوَ وَصِيٌّ صَحَّ، وَلَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى مَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِاجْتِهَادِهِ وَاجْتِهَادِ مَنْ يَرَاهُ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ وَصَّى إلَيْهِمَا مَعًا. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ
قَالَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِتَوْلِيَةٍ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوصِيَ، كَالْوَكِيلِ. وَلَنَا، أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ، كَالْوَكِيلِ إذَا أُمِرَ بِالتَّوْكِيلِ، وَالْوَكِيلُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
فَأَمَّا إنْ أَوْصَى إلَيْهِ، وَأَطْلَقَ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْإِيصَاءِ وَلَا نَهَاهُ عَنْهُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى غَيْرِهِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فَكَانَ لَهُ الْوَصِيَّةُ، كَالْأَبِ. وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ فِي الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِتَوْلِيَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّفْوِيضُ، كَالْوَكِيلِ، وَيُخَالِفُ الْأَبَ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِغَيْرِ تَوْلِيَةٍ.
[مَسْأَلَةٌ كَانَا وَصِيَّيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا] (٤٧٨٢) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَا وَصِيَّيْنِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، أُقِيمَ مُقَامَ الْمَيِّتِ أَمِينٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْوَصِيَّةُ إلَى اثْنَيْنِ، فَمَتَى أَوْصَى إلَيْهِمَا مُطْلَقًا، لَمْ يَجُزْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ،
فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ جُنَّ، أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ عَزْلَهُ، أَقَامَ الْحَاكِمُ مُقَامَهُ أَمِينًا؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِنَظَرِ هَذَا الْبَاقِي مِنْهُمَا وَحْدَهُ.
فَإِنْ أَرَادَ الْحَاكِمُ رَدَّ النَّظَرِ إلَى الْبَاقِي مِنْهُمَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَجْهًا فِي جَوَازِهِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ لَوْ كَانَ لَهُ لِمَوْتِ الْمُوصِي عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ، كَانَ لَهُ رَدُّهُ إلَى وَاحِدٍ، كَذَلِكَ هَاهُنَا، فَيَكُونُ نَاظِرًا بِالْوَصِيَّةِ مِنْ الْمُوصِي، وَالْأَمَانَةِ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِم. وَلَنَا، أَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفِ هَذَا وَحْدَهُ، فَوَجَبَ ضَمُّ غَيْرِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى نَظَرِ الْحَاكِمِ وَاجْتِهَادِهِ.
وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُمَا جَمِيعًا بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَنْصِبَ مَكَانَهُمَا. وَهَلْ لَهُ نَصْبُ وَاحِدٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا عُدِمَ الْوَصِيَّانِ، صَارَ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يُوصِ،
وَلَوْ لَمْ يُوصِ لَاكْتُفِيَ بِوَاحِدٍ، كَذَا هَاهُنَا. وَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَيًّا؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِهَا وَحْدَهُ،
بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَا مَعًا.
وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْصِبَ إلَّا اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِوَاحِدٍ، فَلَمْ يَقْتَنِعْ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَيًّا.
فَأَمَّا إنْ جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ خَرَجَ مِنْ الْوَصِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُقِيمَ مُقَامَهُ أَمِينًا؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْهُمَا لَهُ النَّظَرُ بِالْوَصِيَّةِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى غَيْرِهِ.
وَإِنْ مَاتَا مَعًا، أَوْ خَرَجَا عَنْ الْوَصِيَّةِ، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُقِيمَ وَاحِدًا يَتَصَرَّفُ.
وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ تَغْيِيرًا لَا يُزِيلُهُ عَنْ الْوَصِيَّةِ، كَالْعَجْزِ عَنْهَا لِضَعْفٍ أَوْ عِلَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَانَا مِمَّنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ مُنْفَرِدًا، فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِمَا أَمِينًا؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْهُمَا يَكْفِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مِنْهُمَا يَعْجِزُ عَنْ التَّصَرُّفِ وَحْدَهُ؛ لِكَثْرَةِ الْعَمَلِ وَنَحْوِهِ، فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ أَمِينًا.
وَإِنْ كَانَا مِمَّنْ لَيْسَ لَأَحَدِهِمَا التَّصَرُّفُ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُقِيمَ مُقَامَ مَنْ ضَعُفَ عَنْهَا أَمِينًا، يَتَصَرَّفُ مَعَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَيَصِيرُونَ ثَلَاثَةً؛ الْوَصِيَّانِ وَالْأَمِينُ مَعَهُمَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ التَّصَرُّفُ وَحْدَهُ.
[فَصْل اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ عِنْدَ مَنْ يُجْعَلُ الْمَالُ مِنْهُمَا] (٤٧٨٣) فَصْلٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ عِنْدَ مَنْ يُجْعَلُ الْمَالُ مِنْهُمَا، لَمْ يُجْعَلْ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُقْسَمْ بَيْنَهُمَا، وَجُعِلَ فِي مَكَان تَحْتَ أَيْدِيهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَأْمَنْ أَحَدَهُمَا عَلَى حِفْظِهِ، وَلَا التَّصَرُّفِ فِيهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُجْعَلُ عِنْدَ أَعْدَلِهِمَا.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا. وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ اخْتَلَفُوا فِي مُرَادِهِ بِكَلَامِهِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا أَرَادَ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوصًى إلَيْهِ عَلَى الِانْفِرَادِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ عَامٌّ فِيهِمَا. وَلَنَا، أَنَّ حِفْظَ الْمَالِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوصَى بِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِهِ، كَالتَّصَرُّفِ. وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِحِفْظِ بَعْضِهِ، لَجَازَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ فِي بَعْضِهِ.
[فَصْلٌ الدُّخُولِ فِي الْوَصِيَّةِ] (٤٧٨٤) فَصْلٌ: لَا بَأْسَ بِالدُّخُولِ فِي الْوَصِيَّةِ،
فَإِنَّ الصَّحَابَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، كَانَ بَعْضُهُمْ يُوصِي إلَى بَعْضٍ، فَيَقْبَلُونَ الْوَصِيَّةَ، فَرُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، أَنَّهُ لَمَّا عَبَرَ الْفُرَاتَ أَوْصَى إلَى عُمَرَ. وَأَوْصَى إلَى الزُّبَيْرِ سِتَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ عُثْمَانُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْمِقْدَادُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَمُطِيعُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَآخَرُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ وَصِيًّا لَرَجُلٍ.
وَفِي وَصِيَّةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنْ حَدَثَ بِي حَادِثُ الْمَوْتِ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَنَّ مَرْجِعَ وَصِيَّتِي إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ثُمَّ إلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ. وَلِأَنَّهَا وَكَالَةٌ وَأَمَانَةٌ، فَأَشْبَهَتْ الْوَدِيعَةَ وَالْوَكَالَةَ فِي الْحَيَاةِ. وَقِيَاسُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ تَرْكَ الدُّخُولِ فِيهَا أَوْلَى؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْخَطَرِ، وَهُوَ لَا يَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا، وَلِذَلِكَ كَانَ يَرَى تَرْكَ الِالْتِقَاطِ، وَتَرْكُ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ، تَحَرِّيًا لِلسَّلَامَةِ، وَاجْتِنَابًا لِلْخَطَرِ. وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ:«إنِّي أَرَاك ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ.» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
[فَصْلٌ مَاتَ رَجُلٌ لَا وَصِيَّ لَهُ وَلَا حَاكِمَ فِي بَلَدِهِ] (٤٧٨٥) فَصْلٌ: فَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ لَا وَصِيَّ لَهُ، وَلَا حَاكِمَ فِي بَلَدِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَجُوزُ لَرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ، وَيَبِيعَ مَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهِ،
فَإِنَّ صَالِحًا نَقَلَ عَنْهُ، فِي رَجُلٍ بِأَرْضِ غُرْبَةٍ، لَا قَاضِيَ بِهَا، مَاتَ وَخَلَّفَ جَوَارِيَ وَمَالًا أَتَرَى لَرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَيْعَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ
أَمَّا الْمَنَافِعُ وَالْحَيَوَانُ، فَإِنْ اُضْطُرُّوا إلَى بَيْعِهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَاضٍ، فَلَا بَأْسَ،
وَأَمَّا الْجَوَارِي فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَلَّى بِيعَهُنَّ حَاكِمٌ مِنْ الْحُكَّامِ. وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ عَنْ بَيْعِ الْإِمَاءِ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ بَيْعَهُنَّ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ فَرْجٍ، وَأَجَازَ بَيْعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَة.
[فَصْلٌ أُوصَى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِ مَالٍ] (٤٧٨٦) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِ مَالٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: إذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَأَبْوَابِ الْبِرِّ، وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا، إنَّمَا أُمِرَ بِتَنْفِيذِهِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إذَا قَالَ الْمُوصِي: جَعَلْت لَك أَنْ تَضَعَ ثُلُثِي حَيْثُ شِئْت، أَوْ حَيْثُ رَأَيْت. فَلَهُ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْمُوصِي. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ،
فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَخْذَهُ مِنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ الَّذِينَ يُصْرَفُ إلَيْهِمْ ذَلِكَ، أَوْ عَادَتُهُ الْأَخْذُ مِنْ مِثْلِهِ، فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ إعْطَاءَ وَلَدِهِ وَسَائِرِ أَقَارِبِهِ إذَا كَانُوا مُسْتَحِقِّينَ دُونَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّفْرِيقِ، وَقَدْ فَرَّقَ فِي مَنْ يَسْتَحِقُّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَ إلَى أَجْنَبِيٍّ. وَلَنَا، أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مَلَكَهُ بِالْإِذْنِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهَا مِنْ نَفْسِهِ.
[فَصْلٌ وَصَى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ فَأَبَى الْوَرَثَةُ إخْرَاجَ ثُلُثِ مَا فِي أَيْدِيهمْ] (٤٧٨٧) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ، فَأَبَى الْوَرَثَةُ إخْرَاجَ ثُلُثِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يُخْرِجُ الثُّلُثَ كُلَّهُ مِمَّا فِي يَدِهِ. نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِأَجْزَاءِ التَّرِكَةِ، فَجَازَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِمَّا فِي يَدِهِ، كَمَا يَدْفَعُ إلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ. وَالْأُخْرَى، يَدْفَعُ إلَيْهِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، وَلَا يُعْطِيهِمْ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِهِ حَتَّى يُخْرِجُوا ثُلْثَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.
نَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ إذَا كَانَ لِلْمَدِينِ فِي يَدَيْهِ مَالٌ، لَمْ يَمْلِكْ اسْتِيفَاءَهُ مِمَّا فِي يَدَيْهِ، كَذَا هَاهُنَا. وَيُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَالُ جِنْسًا وَاحِدًا، فَلِلْمُوصِي أَنْ يُخْرِجَ الثُّلُثَ كُلَّهُ مِمَّا فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا
فَائِدَةَ فِي انْتِظَارِ إخْرَاجِهِمْ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ، مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَالُ أَجْنَاسًا،
فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِثُلُثِ كُلِّ جِنْسٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ عِوَضًا عَنْ ثُلُثِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ لَا تَجُوزُ إلَّا بِرِضَاهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ عَلِمَ الْوَصِيُّ أَنَّ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا] (٤٧٨٨) فَصْلٌ: إذَا عَلِمَ الْوَصِيُّ أَنَّ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا،
إمَّا بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ أَوْ غَيْرِهَا، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَقْضِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ ابْنُ الْمَيِّتِ يُصَدِّقُهُ؟ قَالَ: يَكُونُ ذَلِكَ فِي حِصَّةِ مَنْ أَقَرَّ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ.
وَقَالَ فِي مَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ،
وَقَالَ: إنْ أَنَا مِتّ، فَادْفَعْهَا إلَى ابْنِي الْكَبِيرِ. وَلَهُ ابْنَانِ، أَوْ قَالَ: ادْفَعْهَا إلَى أَجْنَبِيٍّ. فَقَالَ: إنْ دَفَعَهَا إلَى أَحَدِ الِابْنَيْنِ، ضَمِنَ لِلْآخَرِ قَدْرَ حِصَّتِهِ،
وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى الْآخَرِ، ضَمِنَ. وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ أَحْمَدَ فِيمَا إذَا لَمْ يُصَدِّقْ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّ، وَلَمْ يُقِرُّوا، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَقَرَّ عِنْدِي وَأَذِنَ لِي، إثْبَاتُ وِلَايَةٍ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ، وَلَا شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِالْوِلَايَةِ. وَقَدْ نَقَلَ أَبُو دَاوُد، فِي رَجُلٍ أَوْصَى أَنَّ لَفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا، يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يُنْفِذَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ إنْ لَمْ يُنْفِذْهُ. فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْوَرَثَةَ يُصَدِّقُونَ الْوَصِيَّ أَوْ الْمُدَّعِيَ، أَوْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَمُوَافِقَةً لِلدَّلِيلِ.
قِيلَ لِأَحْمَدَ: فَإِنْ عِلْمَ الْمُوصَى إلَيْهِ لَرَجُلٍ حَقًّا عَلَى الْمَيِّتِ، فَجَاءَ الْغَرِيمُ يُطَالِبُ الْوَصِيَّ، وَقَدَّمَهُ إلَى الْقَاضِي لِيَسْتَحْلِفَهُ أَنَّ مَالِي فِي يَدَيْك حَقٌّ. فَقَالَ: لَا يَحْلِفُ. وَيُعْلِمُ الْقَاضِيَ بِالْقَضِيَّةِ،
فَإِنْ أَعْطَاهُ الْقَاضِي فَهُوَ أَعْلَمُ.
فَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ قَبُولُهَا، وَقَضَاءُ، الدَّيْنِ بِهَا، مِنْ غَيْرِ حُضُورِ حَاكِمٍ؟ فَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، قَالَ: لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ بِدَعْوَاهُ، إلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ جَوَّزَ الدَّفْعَ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَهُ حُجَّةٌ،
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ أُخَرَ: إلَّا أَنْ يُثْبِتَ بَيِّنَةً عِنْدَ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ،
فَأَمَّا إنْ صَدَّقَهُمْ الْوَرَثَةُ عَلَى ذَلِكَ. قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.