هُوَ كَحَدِّ الشُّرْبِ كَمِّيَّةً وَثُبُوتًا وَيُحَدُّ الْحُرُّ أَوْ الْعَبْدُ قَاذِفُ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْعَفِيفِ بِصَرِيحِ الزِّنَا أَوْ زَنَأْت فِي الْجَبَلِ أَوْ لَسْتَ لِأَبِيك أَوْ لَسْت بِابْنِ فُلَانٍ لِأَبِيهِ وَأُمَّهُ مُحْصَنَةٌ فِي غَضَبٍ بِطَلَبِ الْمَقْذُوفِ
Its commentaries
بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ هُوَ لُغَةً الرَّمْيُ. وَشَرْعًا الرَّمْيُ بِالزِّنَا، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ بِالْإِجْمَاعِ فَتْحٌ، لَكِنْ فِي النَّهْرِ: قَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ كَصَغِيرَةٍ وَمَمْلُوكَةٍ وَحُرَّةٍ مُتَهَتِّكَةٍ مِنْ الصَّغَائِرِ. (هُوَ كَحَدِّ الشُّرْبِ كَمِّيَّةً وَثُبُوتًا) فَيَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ يَسْأَلُهُمَا الْإِمَامُ عَنْ مَاهِيَّتِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ إلَّا إذَا شَهِدَا بِقَوْلِهِ يَا زَانِي ثُمَّ يَحْبِسُهُ لِيَسْأَلَ عَنْهُمَا كَمَا يَحْبِسُهُ لِشُهُودٍ يُمْكِنُ إحْضَارُهُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِلَّا لَا ظَهِيرِيَّةٌ؛ وَلَا يُكَلِّفُهُ خِلَافًا لِلثَّانِي نَهْرٌ. (وَيُحَدُّ الْحُرُّ أَوْ الْعَبْدُ) وَلَوْ ذِمِّيًّا أَوْ امْرَأَةً (قَاذِفُ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ) الثَّابِتَةُ حُرِّيَّتُهُ وَإِلَّا فَفِيهِ التَّعْزِيرُ (الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْعَفِيفِ) عَنْ فِعْلِ الزِّنَا، فَيَنْقُصُ عَنْ إحْصَانِ الرَّجْمِ بِشَيْئَيْنِ: النِّكَاحِ وَالدُّخُولِ.
وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَكُونَ وَلَدَهُ أَوْ وَلَدَ وَلَدِهِ أَوْ أَخْرَسَ أَوْ مَجْبُوبًا أَوْ خَصِيًّا أَوْ وَطِئَ بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ فَاسِدٍ أَوْ هِيَ رَتْقَاءُ أَوْ قَرْنَاءُ وَأَنْ يُوجَدَ الْإِحْصَانُ وَقْتَ الْحَدِّ؛ حَتَّى لَوْ ارْتَدَّ سَقَطَ حَدُّ الْقَاذِفِ وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَتْحٌ (بِصَرِيحِ الزِّنَا) وَمِنْهُ أَنْتَ أَزَنَى مِنْ فُلَانٍ أَوْ مِنِّي عَلَى مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ،
وَمِثْلُهُ النَّيْكُ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ شَرْحِ الْمَنَارِ؛
وَلَوْ قَالَ يَا زَانِئُ بِالْهَمْزِ لَمْ يُحَدَّ شَرْحُ تَكْمِلَةٍ (أَوْ) بِقَوْلِهِ (زَنَأْت فِي الْجَبَلِ) بِالْهَمْزِ فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفَاحِشَةِ وَالصُّعُودِ.
وَحَالَةُ الْغَضَبِ تُعَيِّنُ الْفَاحِشَةَ (أَوْ لَسْتَ لِأَبِيك) وَلَوْ زَادَ وَلَسْتَ لِأُمِّك أَوْ قَالَ لَسْت لِأَبَوَيْك فَلَا حَدَّ (أَوْ لَسْت بِابْنِ فُلَانٍ لِأَبِيهِ) الْمَعْرُوفِ بِهِ (وَ) الْحَالُ أَنَّ (أُمَّهُ مُحْصَنَةٌ) لِأَنَّهَا الْمَقْذُوفَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ إذْ الْمُعْتَبَرُ إحْصَانُ الْمَقْذُوفَةِ لَا الطَّالِبِ شُمُنِّيٌّ (فِي غَضَبٍ) يَتَعَلَّقُ بِالصُّوَرِ الثَّلَاثِ (بِطَلَبِ الْمَقْذُوفِ) الْمُحْصَنِ لِأَنَّهُ حَقُّهُ
(قَوْلُهُ وَشَرْعًا الرَّمْيُ بِالزِّنَا) الْأَوْلَى مَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّهُ نِسْبَةُ الْمُحْصَنِ إلَى الزِّنَا صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً إذْ الْحَدُّ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُحْصَنِ نَهْرٌ.
قُلْت: لَكِنْ الْإِحْصَانُ شَرْطُ الْحَدِّ، وَلَهُ شُرُوطٌ أُخَرُ سَتُذْكَرُ، وَالْكَلَامُ فِي الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَشْرُوطَةِ بِمَا يَأْتِي. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ أَيْضًا بِكَوْنِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ وَالشَّتْمِ لِيُخْرِجَ شَهَادَةَ الزِّنَا
(قَوْلُهُ لَكِنْ فِي النَّهْرِ إلَخْ) عَزَاهُ فِي النَّهْرِ إلَى الْحَلِيمِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْإِيذَاءَ فِي قَذْفِ هَؤُلَاءِ دُونَهُ فِي الْحُرَّةِ الْكَبِيرَةِ الْمُتَسَتِّرَةِ، وَذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا غَيْرَ مُعْزًى. وَنَقَلَ أَيْضًا عَنْ شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّ الْقَذْفَ فِي الْخَلْوَةِ صَغِيرَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ لُحُوقُ الْعَارِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْخَلْوَةِ. وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ فِي الْفَتْحِ اسْتَدَلَّ لِلْإِجْمَاعِ بِآيَةِ - {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ}- وَبِحَدِيثِ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» وَعَدَّ مِنْهَا قَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ، أَيْ وَهَذَا صَادِقٌ عَلَى قَذْفِ الْمُحْصَنَةِ فِي الْخَلْوَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ وَاعْتَرَضَهُ أَيْضًا الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى بِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ مُوجِبَةٍ لِلْحَدِّ لِانْتِفَاءِ الْمَفْسَدَةِ،
وَقَالَ مُحَشِّيهِ اللَّقَانِيُّ: إنَّ الْمُحَقَّقَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ نَفْيُ إيجَابِ الْحَدِّ لَا نَفْيُ كَوْنِهِ كَبِيرَةً أَيْضًا لِتَوَجُّهِ النَّفْيِ عَلَى الْقَيْدِ،
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَيْضًا: إنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَ صَادِقًا دُونَ الْكَاذِبِ لِجَرَاءَتِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَإِنْ كَانَ فِي الْخَلْوَةِ.
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى: قُلْت وَاَلَّذِي حَرَّرْته فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ وَالِدِ شَيْخِنَا النَّجْمِ الْغَزِّيِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا وَلَا شُهُودَ لَهُ عَلَيْهِ وَلَوْ مِنْ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ أَوْ لِوَلَدِ وَلَدِهِ وَإِنْ لَمْ يُحَدَّ بِهِ بَلْ يُعَزَّرُ وَلَوْ لِغَيْرِ مُحْصَنٍ، وَشَرْطُ الْفُقَهَاءُ الْإِحْصَانَ إنَّمَا هُوَ لِوُجُوبِ الْحَدِّ لَا لِكَوْنِهِ كَبِيرَةً. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ قَذَفَ ذِمِّيًّا حُدَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسِيَاطٍ مِنْ نَارٍ» ".
ثُمَّ مِنْ الْمَعْلُومِ ضَرُورَةً أَنَّ قَذْفَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كُفْرٌ سَوَاءٌ كَانَ سِرًّا أَوْ جَهْرًا،
وَكَذَا الْقَوْلُ فِي مَرْيَمَ، وَكَذَا الرَّمْيُ بِاللِّوَاطَةِ اهـ أَيْ إنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ أَيْضًا وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِ فِي بَابِ التَّعْزِيرِ
(قَوْلُهُ كَمِّيَّةً) أَيْ قَدْرًا وَهُوَ ثَمَانُونَ سَوْطًا إنْ كَانَ حُرًّا وَنِصْفُهَا إنْ كَانَ الْقَاذِفُ عَبْدًا بَحْرٌ
(قَوْلُهُ فَيَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ وَثُبُوتًا
وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِشَهَادَةِ النِّسَاءِ كَمَا مَرَّ،
وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَكِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي.
وَيَثْبُتُ أَيْضًا بِإِقْرَارِ الْقَاذِفِ مَرَّةً كَمَا فِي الْبَحْرِ؛ وَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ فِي السَّرِقَةِ لِأَجْلِ الْمَالِ،
فَإِنْ أَبَى ضَمِنَ الْمَالَ وَلَمْ يُقْطَعْ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي الزَّمَانِ لَمْ تَبْطُلْ شَهَادَتُهُمَا عِنْدَهُ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ: وَعِنْدَهُمَا لَا يُحَدُّ الْقَاذِفُ،
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْقَذْفِ وَالْآخَرُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ لَمْ يُحَدَّ اتِّفَاقًا اسْتِحْسَانًا،
وَكَذَا تَبْطُلُ لَوْ اخْتَلَفَا فِي اللُّغَةِ الَّتِي قَذَفَ بِهَا أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَسْت لِأَبِيك اهـ مُلَخَّصًا مِنْ كَافِي الْحَاكِمِ
(قَوْلُهُ عَنْ مَاهِيَّتِهِ) أَيْ حَقِيقَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَارَّةِ
(قَوْلُهُ وَكَيْفِيَّتِهِ) أَيْ اللَّفْظِ الَّذِي قَذَفَ بِهِ. اهـ. ح.
قُلْت: فِيهِ إنَّ هَذَا اللَّفْظَ رُكْنُ الْقَذْفِ، وَالْكَيْفِيَّةُ الْحَالَّةُ وَالْهَيْئَةُ، كَمَا يُقَالُ: كَيْفَ زَيْدٌ؟ فَتَقُولُ صَحِيحٌ أَوْ سَقِيمٌ وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ السُّؤَالِ عَنْ الْكَيْفِيَّةِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا بِالطَّوْعِ أَوْ الْإِكْرَاهِ. فَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ هُنَا كَذَلِكَ، إذْ لَوْ أَكْرَهَ الْقَاذِفُ عَلَى الْقَذْفِ لَمْ يُحَدَّ، لَكِنْ ظَاهِرُ مَا فِي الْكَافِي أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ هَذَا غَيْرُ لَازِمٍ حَيْثُ قَالَ وَإِنْ جَاءَ الْمَقْذُوفُ بِشَاهِدَيْنِ فَشَهِدَا أَنَّهُ قَذَفَهُ سُئِلَا عَنْ مَاهِيَّتِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ،
فَإِنْ لَمْ يَزِيدَا عَلَى ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ،
فَإِنَّ الْقَذْفَ يَكُونُ بِالْحِجَارَةِ وَبِغَيْرِ الزِّنَا،
وَإِنْ قَالَا نَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ يَا زَانِي قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا وَحَدَدْت الْقَاذِفَ اهـ فَظَاهِرُهُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ الْمَاهِيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ إنَّمَا هُوَ إذَا شَهِدَا بِالْقَذْفِ،
أَمَّا لَوْ شَهِدَا بِأَنَّهُ قَالَ يَا زَانِي لَا يَلْزَمُ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ أَصْلًا إذْ لَوْ كَانَ مُكْرَهًا لَبَيَّنَّاهُ فَلْيَتَأَمَّلْ، وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْكَيْفِيَّةِ أَنَّهُ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ فَتَأَمَّلْ.
وَفِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٍ عَنْ الْحَمَوِيِّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُمَا عَنْ الْمَكَانِ لِاحْتِمَالِ قَذْفِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْبَغْيِ، وَعَنْ الزَّمَانِ لِاحْتِمَالِ قَذْفِهِ فِي صِبَاهُ لَا لِاحْتِمَالِ التَّقَادُمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ،
بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُدُودِ، ثُمَّ رَأَيْت الْأَوَّلَ فِي الْبَدَائِعِ. اهـ.
(قَوْلُهُ إلَّا إذَا شَهِدَا إلَخْ) تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ آنِفًا
(قَوْلُهُ كَمَا يَحْبِسُهُ لِشُهُودٍ) الْأَوْلَى لِشَاهِدٍ بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُمَا حَبَسَهُ الْقَاضِي حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُمَا،
وَكَذَا لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا وَادَّعَى أَنَّ الثَّانِيَ فِي الْمِصْرِ حَبَسَهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً،
وَلَوْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً فِي الْمِصْرِ حَبَسَهُ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْحَبْسِ فِي الْأَوَّلَيْنِ حَقِيقَتُهُ، وَفِي الثَّالِثِ الْمُلَازَمَةُ
(قَوْلُهُ وَلَا يَكْفُلُهُ) أَيْ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا إلَى الْمَجْلِسِ الثَّانِي.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَأْخُذُهُ نَهْرٌ وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ فِي عِبَارَةِ الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ وَيُحَدُّ الْحُرُّ إلَخْ) أَيْ الشَّخْصُ الْحُرُّ، فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ وَلَوْ ذِمِّيًّا أَوْ امْرَأَةً فَافْهَمْ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِشُرُوطِ الْقَاذِفِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا نَاطِقًا طَائِعًا فِي دَارِ الْعَدْلِ، فَلَا يُحَدُّ الصَّبِيُّ بَلْ يُعَزَّرُ، وَلَا الْمَجْنُونُ إلَّا إذَا سَكِرَ بِمُحَرَّمٍ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّاحِي فِيمَا فِيهِ حُقُوقُ الْعِبَادِ كَمَا مَرَّ، وَلَا الْمُكْرَهُ وَلَا الْأَخْرَسُ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالزِّنَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الشَّلَبِيِّ عَنْ النِّهَايَةِ، وَلَا الْقَاذِفُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْبَغْيِ كَمَا مَرَّ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِكَوْنِهِ نَاشِئًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا أَيْضًا، لَكِنْ فِي كَافِي الْحَاكِمِ حَرْبِيٌّ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَقَذَفَ مُسْلِمًا لَمْ يُحَدَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ، وَيُحَدُّ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبَيْهِ اهـ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَوْ فِي فَوْرِ دُخُولِهِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ فِي كُلِّ مِلَّةٍ فَيَحْرُمُ الْقَذْفُ بِهِ أَيْضًا فَلَا يُصَدَّقُ بِالْجَهْلِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْهُ
(قَوْلُهُ وَلَوْ ذِمِّيًّا) الْأَوْلَى وَلَوْ كَافِرًا لِيَشْمَلَ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ كَمَا عَلِمْته آنِفًا، وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا
(قَوْلُهُ قَاذِفُ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ إلَخْ) بَيَانٌ لِشُرُوطِ الْمَقْذُوفِ
(قَوْلُهُ الثَّابِتَةُ حُرِّيَّتُهُ) أَيْ بِإِقْرَارِ الْقَاذِفِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ إذَا أَنْكَرَ الْقَاذِفُ حُرِّيَّتَهُ،
وَكَذَا لَوْ أَنْكَرَ حُرِّيَّةَ نَفْسِهِ وَقَالَ أَنَا عَبْدٌ، وَعَلَى حَدِّ الْعَبِيدِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ بَحْرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ
(قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْذُوفُ مُسْلِمًا حُرًّا، بِأَنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مَمْلُوكًا،
وَكَذَا مَنْ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ إذَا قَذَفَهُ بِالزِّنَا فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ وَيَبْلُغُ بِهِ غَايَتَهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ
(قَوْلُهُ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ) خَرَجَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمَا الزِّنَا إذْ هُوَ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ وَالْحُرْمَةُ بِالتَّكْلِيفِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: إذَا قَذَفَ غُلَامًا مُرَاهِقًا فَادَّعَى الْغُلَامُ الْبُلُوغَ بِالسِّنِّ أَوْ بِالِاحْتِلَامِ لَمْ يُحَدَّ الْقَاذِفُ بِقَوْلِهِ بَحْرٌ، فَهَذَا يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ رَاهَقَا وَقَالَا بَلَغْنَا صُدِّقَا، وَأَحْكَامُهُمَا أَحْكَامُ الْبَالِغِينَ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ
(قَوْلُهُ الْعَفِيفِ عَنْ فِعْلِ الزِّنَا) زَادَ الشَّارِحُ فِي بَابِ اللِّعَانِ وَتُهْمَتِهِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ قَذْفِ ذَاتِ وَلَدٍ لَيْسَ لَهُ أَبٌ مَعْرُوفٌ، وَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ مَوْجُودَةٌ، فَيَنْبَغِي ذِكْرُ هَذَا الْقَيْدِ هُنَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الزِّنَا فِي الشَّرْعِ أَعَمُّ مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ وَمَا لَا يُوجِبُهُ وَهُوَ الْوَطْءُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ، حَتَّى لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ لَا يُحَدُّ لِلزِّنَا وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ بِالزِّنَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ زِنًا وَإِنْ كَانَ لَا يُحَدُّ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ أَوَّلَ الْحُدُودِ.
وَأَمَّا لَوْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ فَلَيْسَ بِزِنًا؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِيقَةِ الْمَلِكِ كَوَطْءِ زَوْجَتِهِ الْحَائِضِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لِعَارِضٍ، وَالزِّنَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَطْئًا مُحَرَّمًا لِعَيْنِهِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ أَوْ رَجُلٌ وَطِئَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، وَلِهَذَا قَالَ مِسْكِينٌ قَوْلُهُ عَفِيفًا عَنْ الزِّنَا احْتِرَازٌ عَنْ الْوَطْءِ الْحَرَامِ فِي الْمِلْكِ فَإِنَّهُ لَا يُخْرِجُ الْوَاطِئَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا. اهـ. فَمَا قِيلَ إنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالزِّنَا هُنَا الْمُصْطَلَحُ وَلَا غَيْرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ فَيَنْقُصُ عَنْ إحْصَانِ الرَّجْمِ بِشَيْئَيْنِ) الْأَوْلَى شَيْئَيْنِ بِدُونِ الْبَاءِ الْجَارَةِ؛ لِأَنَّ نَقَصَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ أَفَادَهُ ط هَذَا.
وَقَدَّمْنَا أَنَّ شُرُوطَ الْإِحْصَانِ تِسْعَةٌ فَتَدَبَّرْهُ
(قَوْلُهُ وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ إلَخْ)
قُلْت: بَقِيَ مِنْهَا أَيْضًا عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ: أَنْ لَا يَكُونَ أُمَّ وَلَدِهِ الْحُرَّةَ الْمَيْتَةَ،
وَأَنْ لَا يَكُونَ أُمَّ عَبْدِهِ الْحُرَّةَ الْمَيْتَةَ،
وَأَنْ يَطْلُبَ الْمَقْذُوفُ الْحَدَّ، وَأَنْ لَا يَمُوتَ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ الْقَاذِفُ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَا تُورَثُ
(قَوْلُهُ أَنْ لَا يَكُونَ) أَيْ الْمَقْذُوفُ وَوَلَدُ الْقَاذِفِ
(قَوْلُهُ أَوْ أَخْرَسَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الدَّعْوَى،
وَفِي إشَارَةِ الْأَخْرَسِ احْتِمَالٌ يُدْرَأُ بِهِ الْحَدُّ
(قَوْلُهُ أَوْ مَجْبُوبًا) هُوَ مَقْطُوعُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ جَمِيعًا كَمَا فَسَّرُوهُ فِي بَابِ الْعِنِّينِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ وَحْدَهُ مِثْلُهُ اهـ ح وَوَجْهُهُ أَنَّ الزِّنَا مِنْهُ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَمْ يَلْحَقْهُ عَارٌ بِالْقَذْفِ لِظُهُورِ كَذِبِ الْقَاذِفِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ أَوْ خَصِيًّا) بِفَتْحِ الْخَاءِ: مَنْ سُلَّتْ خُصْيَتَاهُ وَبَقِيَ ذَكَرُهُ وَالشَّارِحُ تَبِعَ فِي التَّعْبِيرِ بِهِ صَاحِبَ النَّهْرِ، وَهُوَ وَهْمٌ سَرَى مِنْ ذِكْرِ الْمَجْبُوبِ لِتَقَارُنِهِمَا فِي الْخَيَالِ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: بِخِلَافِ مَا لَوْ قَذَفَ خَصِيًّا أَوْ عِنِّينًا؛ لِأَنَّ الزِّنَا مِنْهُمَا مُتَصَوَّرٌ؛ لِأَنَّ لَهُمَا آلَةَ الزِّنَا. اهـ. ح
(قَوْلُهُ أَوْ مِلْكٍ فَاسِدٍ) كَذَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ النُّتَفِ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ، وَهُوَ خِلَافُ نَصِّ الْمَذْهَبِ. فَفِي كَافِي الْحَاكِمِ: رَجُلٌ اشْتَرَى جَارِيَةً شِرَاءً فَاسِدًا فَوَطِئَهَا ثُمَّ قَذَفَهُ إنْسَانٌ قَالَ عَلَى قَاذِفِهِ الْحَدُّ اهـ
وَمِثْلُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، وَكَذَا فِي الْفَتْحِ قَالَ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ الْفَاسِدَ يُوجِبُ الْمِلْكَ،
بِخِلَافِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ مِلْكٌ فَلِذَا يَسْقُطُ إحْصَانُهُ بِالْوَطْءِ فِيهِ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ اهـ وَنَحْوُهُ فِي ح عَنْ الْمُحِيطِ.
قُلْت: وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلْكِ الْفَاسِدِ مَا ظَهَرَ فِيهِ فَسَادُ الْمِلْكِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، فَفِي الْخَانِيَّةِ: اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَطِئَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَقَذَفَهُ إنْسَانٌ لَا يُحَدُّ
(قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ ارْتَدَّ) وَكَذَا لَوْ زَنَى أَوْ وَطِئَ وَطْئًا حَرَامًا أَوْ صَارَ مَعْتُوهًا أَوْ أَخْرَسَ أَوْ بَقِيَ كَذَلِكَ لَمْ يُحَدَّ الْقَاذِفُ كَافِي الْحَاكِمِ.
[تَنْبِيهٌ] ذَكَرَ فِي النَّهْرِ عَنْ السِّرَاجِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ قَذَفَ خُنْثَى بَلَغَ مُشْكِلًا لَا يُحَدُّ. قَالَ: وَوَجْهُهُ أَنَّ نِكَاحَهُ مَوْقُوفٌ وَهُوَ لَا يُفِيدُ الْحِلَّ. اهـ.
وَاعْتَرَضَهُ الْحَمَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا دَخْلَ لِلنِّكَاحِ الْبَاتِّ الْمُفِيدِ لِلْحِلِّ فِي إيجَابِ حَدِّ الْقَذْفِ. حَتَّى يَتَرَتَّبَ عَلَى عَدَمِهِ عَدَمُ وُجُوبِ الْحَدِّ، وَإِنَّمَا ذَاكَ فِي حَدِّ الزِّنَا. اهـ.
قُلْت: مُرَادُ النَّهْرِ أَنَّ الْخُنْثَى لَوْ تَزَوَّجَ وَدَخَلَ فَقَذَفَهُ آخَرُ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ إذْ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ إلَّا إذَا زَالَ الْإِشْكَالُ
(قَوْلُهُ بِصَرِيحِ الزِّنَا) بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ وَغَيْرُهَا.
وَاحْتُرِزَ عَمَّا لَوْ قَالَ وَطِئَك فُلَانٌ وَطْئًا حَرَامًا أَوْ جَامَعَك حَرَامًا فَلَا حَدَّ بَحْرٌ،
وَكَذَا لَوْ قَالَ فَجَرْت بِفُلَانَةَ أَوْ عِرْضٍ فَقَالَ لَسْت بِزَانٍ كَمَا فِي الْكَافِي،
وَفِيهِ: وَإِنْ قَالَ قَدْ أُخْبِرْت بِأَنَّك زَانٍ أَوْ أَشْهَدَنِي رَجُلٌ عَلَى شَهَادَتِهِ إنَّك زَانٍ، أَوْ قَالَ اذْهَبْ فَقُلْ لِفُلَانٍ إنَّك زَانٍ فَذَهَبَ الرَّسُولُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَدٌّ
(قَوْلُهُ عَلَى مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ) وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْمَبْسُوطِ: أَنْتَ أَزَنَى مِنْ فُلَانٍ أَوْ أَزَنَى النَّاسِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَعَلَّلَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتَ أَقْدَرُ النَّاسِ عَلَى الزِّنَا وَنَقَلَ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنْتَ أَزَنَى النَّاسِ أَوْ أَزَنَى مِنْ فُلَانٍ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَفِي أَنْتَ أَزَنَى مِنِّي لَا حَدَّ عَلَيْهِ اهـ.
قُلْت: وَوَجْهُ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ النِّسْبَةَ إلَى الزِّنَا صَرِيحًا.
وَمَا فِي الْمَبْسُوطِ نَاظِرٌ إلَى احْتِمَالِ التَّأْوِيلِ، وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ التَّفْرِقَةِ مُشْكِلٌ.
وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ أَزَنَى مِنْ فُلَانٍ فِيهِ نِسْبَةُ فُلَانٍ إلَى الزِّنَا وَتَشْرِيكُ الْمُخَاطَبِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْقَذْفِ،
بِخِلَافِ أَنْتَ أَزَنَى مِنِّي؛ لِأَنَّ فِيهِ نِسْبَةَ نَفْسِهِ إلَى الزِّنَا وَذَلِكَ غَيْرُ قَذْفٍ فَلَا يَكُونُ قَذْفًا لِلْمُخَاطَبِ أَنَّهُ تَشْرِيكٌ لَهُ فِيمَا لَيْسَ بِقَذْفٍ
(قَوْلُهُ عَنْ شَرْحِ الْمَنَارِ) أَيْ لِابْنِ مَالِكٍ فِي بَحْثِ الْكِنَايَةِ. اهـ. ح.
قُلْت: وَمِثْلُهُ فِي الْمُغْرِبِ حَيْثُ قَالَ: النَّيْكُ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّرِيحِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ مَاعِزٍ " أَنِكْتَهَا؟ قَالَ نَعَمْ "
(قَوْلُهُ لَمْ يُحَدَّ) الظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ لَمْ سَبْقُ قَلَمٍ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ يَا زَانِئُ بِرَفْعِ الْهَمْزَةِ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ إذَا قَالَ عَنَيْت بِهِ الصُّعُودَ عَلَى شَيْءٍ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ وَيُحَدُّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مَعَ الْهَمْزِ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ الصُّعُودُ إذَا ذُكِرَ مَقْرُونًا بِمَحِلِّ الصُّعُودِ، يُقَالُ زَانِئُ الْجَبَلِ وَزَانِئُ السَّطْحِ،
أَمَّا غَيْرُ مَقْرُونٍ بِمَحِلِّ الصُّعُودِ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ الزِّنَا إلَّا أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَهْمِزُ اللِّينَ وَقَدْ تُلِينُ الْهَمْزَةَ، فَقَدْ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ فَلَا يُصَدَّقُ اهـ ح.
قُلْت: وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ صَرَّحَ بِالْخِلَافِ فِي كَافِي الْحَاكِمِ فَقَالَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا حَدَّ عَلَيْهِ،
وَمِثْلُهُ فِي الْخَانِيَّةِ، فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ أَوْ بِقَوْلِهِ زَنَأْت فِي الْجَبَلِ) أَيْ وَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الصُّعُودَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَلَا يُحَدُّ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الصُّعُودِ عِنْدَهُ
(قَوْلُهُ بِالْهَمْزِ) فَلَوْ أَتَى بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ حُدَّ اتِّفَاقًا،
وَكَذَا لَوْ حَذَفَ الْجَبَلَ كَمَا أَفَادَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ،
وَلَوْ قَالَ عَنْ الْجَبَلِ، قِيلَ لَا يُحَدُّ وَجَزَمَ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّهُ يُحَدُّ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْغَضَبِ تُعَيِّنُ تِلْكَ الْإِرَادَةَ وَكَوْنُهَا فَوْقَهُ، وَتَعَيُّنُ الصُّعُودِ مُسَلَّمٌ فِي غَيْرِ حَالَةِ السِّبَابِ نَهْرٌ.
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدِي
(قَوْلُهُ فَلَا حَدَّ) لِلْكَذِبِ، وَلِأَنَّ فِيهِ نَفْيَ الزِّنَا؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْوِلَادَةِ نَفْيٌ لِلْوَطْءِ بَحْرٌ،
وَكَذَا لَوْ نَفَاهُ عَنْ أُمِّهِ فَقَطْ لِلصِّدْقِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَيْسَ لِأُمِّهِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ لِأَبِيهِ الْمَعْرُوفِ) أَيْ الَّذِي يُدْعَى لَهُ،
وَكَذَا لَسْت مِنْ وَلَدِ فُلَانٍ أَوْ لَسْت لِأَبٍ أَوْ لَمْ يَلِدْك أَبُوك،
بِخِلَافِ لَسْت مِنْ وِلَادَةِ فُلَانٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ بَحْرٌ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِأَبِيهِ الْمَعْرُوفِ احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ نَفَاهُ عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ أَبِيهِ لَا عَمَّا لَوْ نَفَاهُ عَنْ أَبٍ مُطْلَقٍ شَامِلٍ لِأَبِيهِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنَّك ابْنُ فُلَانٍ لِغَيْرِ أَبِيهِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ مِنْ التَّفْصِيلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا الْمَقْذُوفَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ نَفْيَ نَسَبِهِ مِنْ أَبِيهِ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ زَانِيًا، فَلَزِمَ أَنَّ أُمَّهُ زَنَتْ مَعَ أَبِيهِ فَجَاءَتْ بِهِ مِنْ الزِّنَا نَهْرٌ وَنَحْوُهُ فِي الْفَتْحِ.
قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْمَقْذُوفِ هُوَ الْأُمُّ وَحْدَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَوَّلًا،
أَمَّا زِنَا الْأَبِ فَغَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ وَقَدْ نَفَى الْقَاذِفُ نَسَبَهُ عَنْ أَبِيهِ لَزِمَ مِنْهُ أَنَّ أُمَّهُ زَنَتْ بِرَجُلٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَبِ أَبُوهُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ كَمَا مَرَّ، نَعَمْ يَصِحُّ ذَلِكَ لَوْ أُرِيدَ بِالْأَبِ مَنْ خُلِقَ هُوَ مِنْ مَائِهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَذْفًا لِلْأُمِّ وَلِمَنْ عَلِقَتْ بِهِ مِنْ مَائِهِ لَا لِلْأَبِ الْمَعْرُوفِ، لَكِنَّهُ يُخَالِفُ قَوْلَهُ قَبْلَهُ لِأَبِيهِ الْمَعْرُوفِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْهُ
(قَوْلُهُ لَا الطَّالِبُ) هُوَ الَّذِي يَقَعُ الْقَدْحُ فِي نَسَبِهِ كَمَا يَأْتِي، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الِابْنُ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْمَقْذُوفَةُ مَيِّتَةً،
فَلَوْ حَيَّةً فَالطَّالِبُ هِيَ، وَعَلَى كُلٍّ فَالشَّرْطُ إحْصَانُهَا لَا إحْصَانُ ابْنِهَا
(قَوْلُهُ فِي غَضَبٍ) إذْ فِي الرِّضَا يُرَادُ بِهِ الْمُعَاتَبَةُ بِنَفْيِ مُشَابَهَتِهِ لَهُ فِي أَسْبَابِ الْمُرُوءَةِ هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ يَتَعَلَّقُ بِالصُّوَرِ الثَّلَاثِ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْبَحْرِ، حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْغَضَبِ فِي الثَّانِيَةِ بَلْ أَطْلَقَ فِيهَا تَبَعًا لِظَاهِرِ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ، لَكِنْ أَوَّلَهَا الشُّرَّاحُ فَأَجْرُوا التَّفْصِيلَ فِي الْكُلِّ.
وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي النَّهْرِ
(قَوْلُهُ بِطَلَبِ الْمَقْذُوفِ الْمُحْصَنِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُحْصَنُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ: وَإِلَّا فَاشْتِرَاطُ الْإِحْصَانِ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، فَيَكُونُ إشَارَةً إلَى مَا بَحَثَهُ فِي الْقُنْيَةِ حَيْثُ نَقَلَ أَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ عَفِيفٍ فِي السِّرِّ لَهُ مُطَالَبَةُ الْقَاذِفِ دِيَانَةً، ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ زَانِيًا لَمْ يَكُنْ قَذْفُهُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وَأَيَّدَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ رَفْعَ الْعَارِ مُجَوَّزٌ لَا مُلْزَمٌ وَإِلَّا لَامْتَنَعَ عَفْوُهُ عَنْهُ وَأُجْبِرَ عَلَى الدَّعْوَى وَهُوَ خِلَافُ الْوَاقِعِ. اهـ.
قُلْت: بَلْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَحَسُنَ أَنْ لَا يَرْفَعَ الْقَاذِفُ إلَى الْقَاضِي وَلَا يُطَالِبَهُ بِالْحَدِّ، وَحَسُنَ مِنْ الْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ لَهُ قَبْلَ الثُّبُوتِ أَعْرِضْ عَنْهُ وَدَعْهُ. اهـ.
فَحَيْثُ كَانَ الطَّلَبُ غَيْرَ لَازِمٍ، بَلْ يَحْسُنُ تَرْكُهُ فَكَيْفَ يَحِلُّ طَلَبُهُ دِيَانَةً إذَا كَانَ الْقَاذِفُ صَادِقًا
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ) عِبَارَةُ النَّهْرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّهُ مِنْ حَيْثُ دَفْعُ الْعَارِ عَنْهُ اهـ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الشَّرْعِ أَيْضًا، بَلْ هُوَ الْغَالِبُ فِيهِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهَا
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.