Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Its commentaries

الدر المختارal-Haskafi

(وَقِيلَ الَّذِي يَعْقِلُ أَنَّ الْإِسْلَامَ سَبَبُ النَّجَاةِ وَيُمَيِّزُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَالْحُلْوَ مِنْ الْمُرِّ) قَائِلُهُ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ قَائِلًا وَلَمْ أَرَ مَنْ قَدَّرَهُ بِالسِّنِّ.

2,761

قُلْت: وَقَدْ رَأَيْت نَقْلَهُ. وَيُؤَيِّدُهُ " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «عَرَضَ الْإِسْلَامَ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَسِنُّهُ سَبْعٌ» وَكَانَ يَفْتَخِرُ بِهِ،

حَتَّى قَالَ:

سَبَقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا ... غُلَامًا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلْمِي وَسُقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ قَهْرًا ... بِصَارِمِ هِمَّتِي وَسِنَانِ عَزْمِي ثُمَّ هَلْ يَقَعُ فَرْضًا قَبْلَ الْبُلُوغِ؟ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ نَعَمْ اتِّفَاقًا.

2,762

وَفِي التَّحْرِيرِ: الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيِّ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِأَدَاءِ الْإِيمَانِ كَالْبَالِغِ،

حَتَّى لَوْ مَاتَ بَعْدَهُ بِلَا إيمَانٍ خُلِّدَ فِي النَّارِ نَهْرٌ وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ:

بِدَرْوِيشِ دَرْوِيشَانِ كَفَّرَ بَعْضُهُمْ ... وَصَحَّحَ أَنْ لَا كُفْرَ وَهْوَ الْمُحَرَّرُ كَذَا قَوْلُ شَيْ لِلَّهِ قِيلَ بِكُفْرِهِ ... وَيَا حَاضِرٌ يَا نَاظِرٌ لَيْسَ يَكْفُرُ وَمَنْ يَسْتَحِلُّ الرَّقْصَ قَالُوا بِكُفْرِهِ ... وَلَا سِيَّمَا بِالدُّفِّ يَلْهُو وَيَزْمُرُ وَمَنْ لِوَلِيٍّ قَالَ طَيُّ مَسَافَةٍ ... يَجُوزُ جَهُولٌ ثُمَّ بَعْضٌ يَكْفُرُ وَإِثْبَاتُهَا فِي كُلِّ مَا كَانَ خَارِقًا ... عَنْ النَّسَفِيِّ النَّجْمِ يُرْوَى وَيَنْصُرُ بَابُ الْبُغَاةِ الْبَغْيُ لُغَةً الطَّلَبُ، وَمِنْهُ {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} وَعُرْفًا: طَلَبُ مَا لَا يَحِلُّ مِنْ جَوْرٍ وَظُلْمٍ فَتْحٌ. وَشَرْعًا

رد المحتارIbn Abidin · a gloss on الدر المختار

(قَوْلُهُ وَقِيلَ الَّذِي يَعْقِلُ إلَخْ)

23,656

قَالَ فِي الْفَتْحِ بَيَّنَ أَيْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ زَادَ فِي الْمَبْسُوطِ كَوْنَهُ بِحَيْثُ يُنَاظِرُ وَيَفْهَمُ وَيُفْحِمُ. اهـ.

23,657

قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ، وَمَعْنَى تَمْيِيزِهِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الصِّدْقَ. مَثَلًا حَسَنٌ وَالْكَذِبَ قَبِيحٌ يُلَامُ فَاعِلُهُ،

23,658

وَأَنَّ الْعَسَلَ حُلْوٌ وَالصَّبْرَ مُرٌّ؛ وَمَعْنَى كَوْنِهِ بِحَيْثُ يُنَاظَرُ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْمُسْلِمَ فِي الْجَنَّةِ وَالْكَافِرَ فِي النَّارِ،

23,659

وَإِذَا قِيلَ لَهُ لَا يَنْبَغِي لَك أَنْ تُخَالِفَ دِينَ أَبَوَيْك يَقُولُ نَعَمْ لَوْ كَانَ دِينُهُمَا حَقًّا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ ابْنَ سَبْعٍ لَا يَعْقِلُ ذَلِكَ غَالِبًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُنَاظَرَةَ وَلَوْ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا وَدَفَعَ إلَى الْبَائِعِ الثَّمَنَ وَامْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ قَائِلًا لَا أُسَلِّمُهُ إلَّا إلَى أَبِيكَ لِأَنَّكَ قَاصِرٌ فَيَقُولُ لَهُ لِمَ أَخَذْتَ مِنِّي الثَّمَنَ؛

23,660

فَإِنْ لَمْ تُسَلِّمْنِي الْمَبِيعَ ادْفَعْ لِي الثَّمَنَ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ يَقَعُ مِنْ ابْنِ سَبْعٍ غَالِبًا، وَعَلَيْهِ يَتَّحِدُ الْقَوْلَانِ تَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ وَقَدْ رَأَيْتَ) بِفَتْحِ تَاءِ الْمُخَاطَبِ

(قَوْلُهُ وَسِنُّهُ سَبْعٌ) وَقِيلَ ثَمَانٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عُرْوَةَ،

23,661

وَقِيلَ عَشْرٌ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ،

23,662

وَقِيلَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَهُوَ مَرْدُودٌ وَتَمَامُ ذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الصِّبْيَانِ الْأَحْرَارِ،

23,663

وَمِنْ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ أَبُو بَكْرٍ،

23,664

وَمِنْ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنْ الْمَوَالِي زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَتَمَامُ تَحْقِيقِ ذَلِكَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى وَنَقَلَ عِبَارَتَهُ الْمُحَشِّيُّ

(قَوْلُهُ حَتَّى قَالَ إلَخْ) ذَكَرَ فِي الْقَامُوسِ فِي مَادَّةِ وَدَقَ.

قَالَ الْمَازِنِيُّ: لَمْ يَصِحَّ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ الشِّعْرِ غَيْرَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ تِلْكُمْ قُرَيْشٌ تَمُنَّانِي لِتَقْتُلَنِي إلَخْ وَصَوَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُ اهـ

23,665

وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ نِسْبَةَ مَا هُنَا إلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ

(قَوْلُهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ نَعَمْ اتِّفَاقًا)

23,666

فَائِدَةُ وُقُوعِهِ فَرْضًا عَدَمُ فَرِيضَةِ تَجْدِيدِ إقْرَارٍ آخَرَ بَعْدَ الْبُلُوغِ.

23,667

قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ. ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الصَّبِيِّ بَلْ يَقَعُ فَرْضًا قَبْلَ الْبُلُوغِ.

23,668

أَمَّا عِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ أَصْلُ الْوُجُوبِ بِهِ عَلَى الصَّبِيِّ بِالسَّبَبِ وَهُوَ حُدُوثُ الْعَالَمِ وَعَقْلِيَّةُ دَلَالَتِهِ دُونَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ بِالْخِطَابِ وَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ،

23,669

فَإِذَا وُجِدَ بَعْدَ السَّبَبِ وَقَعَ الْفَرْضُ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ.

23,670

وَأَمَّا عِنْدَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ لَا وُجُوبَ أَصْلًا لِعَدَمِ حُكْمِهِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ،

23,671

فَإِذَا وُجِدَ وُجِدَ، فَصَارَ كَالْمُسَافِرِ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ يَسْقُطُ فَرْضُهُ، وَلَيْسَتْ الْجُمُعَةُ فَرْضًا عَلَيْهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لِلتَّرْفِيهِ عَلَيْهِ بَعْدَ سَبَبِهَا فَإِذَا فَعَلَ تَمَّ اهـ.

مَطْلَبٌ هَلْ يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ الْإِيمَانُ

(قَوْلُهُ وَفِي التَّحْرِيرِ إلَخْ) هَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ. وَعِبَارَةُ التَّحْرِيرِ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ: وَعَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَالْمُعْتَزِلَةِ إنَاطَةُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِهِ أَيْ بِعَقْلِ الصَّبِيِّ وَعِقَابِهِ بِتَرْكِهِ. وَنَفَاهُ بَاقِي الْحَنَفِيَّةِ دِرَايَةً لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» وَرِوَايَةً لِعَدَمِ انْفِسَاخِ نِكَاحِ الْمُرَاهَقَةِ بِعَدَمِ وَصْفِ الْإِيمَانِ اهـ مُوَضَّحًا مِنْ شَرْحِهِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ.

23,672

وَقَالَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّانِي: وَزَادَ أَبُو مَنْصُورٍ إيجَابَهُ عَلَى الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، وَنَقَلُوا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ لَمْ يَبْعَثْ اللَّهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ رَسُولًا لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَتُهُ بِعُقُولِهِمْ.

23,673

وَقَالَ الْبُخَارِيُّونَ: لَا تَعَلُّقَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَالتَّبْلِيغِ كَالْأَشَاعِرَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَحَكَمُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ رِوَايَةِ: لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي الْجَهْلِ بِخَالِقِهِ، لِمَا يَرَى مِنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَخَلْقِ نَفْسِهِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ، وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ حَمْلُ الْوُجُوبِ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَتُهُ عَلَى مَعْنَى يَنْبَغِي، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِهِ الْمَذْكُورِ

(قَوْلُهُ لَوْ مَاتَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْعَقْلِ.

مَطْلَبٌ فِي مَعْنَى دَرْوِيشٍ دَرْوِيشَانِ

(قَوْلُهُ كَفَّرَ بَعْضُهُمْ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مُبَاحَةٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا لَا تَجُوزُ إبَاحَتُهُ فَيَكُونُ مُبِيحَ الْحَرَامِ وَهُوَ كُفْرٌ وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَسْكَنَةُ الْمَسَاكِينِ أَوْ فَقْرُ الْفُقَرَاءِ فَكَأَنَّهُ قَالَ تَمَسَّكْنَا بِمَسْكَنَةِ الْمَسَاكِينِ أَوْ افْتَقَرْنَا إلَيْكَ بِفَقْرِ الْفُقَرَاءِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ قَطُّ عَلَى مَا ذُكِرَ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَنَازَعَهُ فِي [نُورِ الْعَيْنِ] بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى هُوَ مَعْنَاهُ الْوَضْعِيُّ

23,674

أَمَّا الْعُرْفِيُّ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ اصْطِلَاحُ الْمَلَاحِدَةِ والقلندرية فَهُوَ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ مُبَاحَةٌ لَكَ. فَالْحَقُّ أَنْ يَكْفُرَ الْقَائِلُ إنْ كَانَ مِنْ تِلْكَ الْفِئَةِ، أَوْ أَرَادَ مَا أَرَادُوهُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ مَعْنَاهُ لَكِنَّهُ قَالَهُ تَقْلِيدًا وَتَشْبِيهًا بِهِمْ أَوْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ فَيُجَدِّدُ وُجُوبًا أَوْ احْتِيَاطًا إيمَانَهُ،

23,675

وَإِنْ قَالَهُ غَيْرُ عَالِمٍ وَلَا مُتَأَمِّلٍ فَهُوَ مُخْطِئٌ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ يُرَخِّصَ فِي التَّكَلُّمِ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ اهـ مُلَخَّصًا

(قَوْلُهُ قِيلَ بِكُفْرِهِ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ طَلَبَ شَيْئًا لِلَّهِ تَعَالَى وَاَللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَالْكُلُّ مُفْتَقِرٌ وَمُحْتَاجٌ إلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَجِّحَ عَدَمَ التَّكْفِيرِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ أَرَدْتُ أَطْلُبُ شَيْئًا إكْرَامًا لِلَّهِ تَعَالَى. اهـ. شَرْحُ الْوَهْبَانِيَّةِ.

23,676

قُلْتُ: فَيَنْبَغِي أَوْ يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ مَا فِيهِ خِلَافٌ يُؤْمَرُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَتَجْدِيدِ النِّكَاحِ، لَكِنَّ هَذَا إنْ كَانَ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ،

23,677

أَمَّا إنْ قَصَدَ الْمَعْنَى الصَّحِيحَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ

(قَوْلُهُ لَيْسَ يَكْفُرُ) فَإِنَّ الْحُضُورَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ شَائِعٌ - {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ}- وَالنَّظَرُ بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ - {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}- فَالْمَعْنَى يَا عَالِمَ مَنْ يَرَى بَزَّازِيَّةٌ. مَطْلَبٌ فِي مُسْتَحِلِّ الرَّقْصِ

(قَوْلُهُ وَمَنْ يَسْتَحِلُّ الرَّقْصَ قَالُوا بِكُفْرِهِ) الْمُرَادُ بِهِ التَّمَايُلُ وَالْخَفْضُ وَالرَّفْعُ بِحَرَكَاتٍ مَوْزُونَةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى التَّصَوُّفِ.

وَقَدْ نَقَلَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ إجْمَاعَ الْأَئِمَّةِ عَلَى حُرْمَةِ هَذَا الْغِنَاءِ وَضَرْبِ الْقَضِيبِ وَالرَّقْصِ. قَالَ وَرَأَيْتُ فَتْوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ جَلَالِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ الْكَرْمَانِيِّ أَنَّ مُسْتَحِلَّ هَذَا الرَّقْصِ كَافِرٌ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ. وَنَقَلَ فِي نُورِ الْعَيْنِ عَنْ التَّمْهِيدِ أَنَّهُ فَاسِقٌ لَا كَافِرٌ. ثُمَّ قَالَ: التَّحْقِيقُ الْقَاطِعُ لِلنِّزَاعِ فِي أَمْرِ الرَّقْصِ وَالسَّمَاعِ يَسْتَدْعِي تَفْصِيلًا ذَكَرَهُ فِي عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ وَإِحْيَاءِ الْعُلُومِ،

وَخُلَاصَتُهُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعَلَّامَةُ النِّحْرِيرُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا بِقَوْلِهِ:

مَا فِي التَّوَاجُدِ إنْ حَقَّقْتَ مِنْ حَرَجٍ ... وَلَا التَّمَايُلِ إنْ أَخْلَصْتَ مِنْ بَاسِ فَقُمْتَ تَسْعَى عَلَى رِجْلٍ وَحُقَّ لِمَنْ ... دَعَاهُ مَوْلَاهُ أَنْ يَسْعَى عَلَى الرَّاسِ الرُّخْصَةُ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَوْضَاعِ، عِنْدَ الذِّكْرِ وَالسَّمَاعِ، لِلْعَارِفَيْنِ الصَّارِفِينَ أَوْقَاتَهُمْ إلَى أَحْسَنِ الْأَعْمَالِ، السَّالِكِينَ الْمَالِكِينَ لِضَبْطِ أَنْفُسِهِمْ عَنْ قَبَائِحِ الْأَحْوَالِ، فَهُمْ لَا يَسْتَمِعُونَ إلَّا مِنْ الْإِلَهِ، وَلَا يَشْتَاقُونَ إلَّا لَهُ، إنْ ذَكَرُوهُ نَاحُوا،

23,678

وَإِنْ شَكَرُوهُ بَاحُوا، وَإِنْ وَجَدُوهُ صَاحُوا،

23,679

وَإِنْ شَهِدُوهُ اسْتَرَاحُوا، وَإِنْ سَرَحُوا فِي حَضْرَةِ قُرْبِهِ سَاحُوا، إذَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ الْوَجْدُ بِغَلَبَاتِهِ، وَشَرِبُوا مِنْ مَوَارِدِ إرَادَتِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ طَرَقَتْهُ طَوَارِقُ الْهَيْبَةِ فَخَرَّ وَذَابَ وَمِنْهُمْ مَنْ بَرَقَتْ لَهُ بَوَارِقُ اللُّطْفِ فَتَحَرَّكَ وَظَابَ، وَمِنْهُمْ مِنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْحُبُّ مِنْ مَطْلَعِ الْقُرْبِ سَكِرَ وَغَابَ، هَذَا مَا عَنَّ لِي فِي الْجَوَابِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

23,680

وَمَنْ يَكُ وَجْدُهُ وَجْدًا صَحِيحًا ... فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى قَوْلِ الْمُغَنِّي لَهُ مِنْ زَانَهُ طَرَبٌ قَدِيمٌ ... وَسُكْرٌ دَائِمٌ مِنْ غَيْرِ دَنِّ اهـ.

مَطْلَبٌ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ

(قَوْلُهُ وَمَنْ لِوَلِيٍّ إلَخْ) مَنْ مُبْتَدَأٌ وَقَالَ صِلَتُهُ وَجَهُولٌ خَبَرُهُ وَلِوَلِيٍّ مُتَعَلِّقٌ بِيَجُوزُ وَطَيُّ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَجُوزُ،

23,681

وَأَصْلُ التَّرْكِيبِ: وَمَنْ قَالَ طَيُّ مَسَافَةٍ يَجُوزُ لِوَلِيٍّ جَهُولٍ، وَهَذَا قَوْلُ الزَّعْفَرَانِيِّ، وَالْقَائِلُ بِكُفْرِهِ هُوَ ابْنُ مُقَاتِلٍ وَمُحَمَّدُ بْنِ يُوسُفَ ط

(قَوْلُهُ وَإِثْبَاتُهَا إلَخْ) قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا أَنَّ مَا هُوَ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ الْكِبَارِ: كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَقَلْبِ الْعَصَا حَيَّةً وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ. وَإِشْبَاعِ الْجَمْعِ مِنْ الطَّعَامِ، وَخُرُوجِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ لَا يُمْكِنُ إجْرَاؤُهُ كَرَامَةً لِلْوَلِيِّ، وَطَيُّ الْمَسَافَةِ مِنْهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «زُوِيَتْ لِي الْأَرْضُ»

23,682

فَلَوْ جَازَ لِغَيْرِهِ لَمْ يَبْقَ

23,683

فَائِدَةٌ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ فِي كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ. اهـ.

23,684

قُلْتُ: وَيَدُلُّ لَهُ مَا قَالُوا فِيمَنْ كَانَ بِالْمَشْرِقِ وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً بِالْمَغْرِبِ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يَلْحَقُهُ فَتَأَمَّلْ.

23,685

وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تُؤَيِّدُ الْجَوَازَ. وَقَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ بَعْدَ أَنْ حَكَى عَنْ أَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَنْعَ مِنْ وَأَنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا إِسْحَاقَ يَمِيلُ إلَى قَرِيبٍ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَحَكَى مَا قَدَّمْنَاهُ،

23,686

وَأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ قَالَ الْمَرَضِيُّ عِنْدَنَا تَجْوِيزُ جُمْلَةِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ فِي مَعْرِضِ الْكَرَامَاتِ. ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ قَدْ يَرِدُ فِي بَعْضِ الْمُعْجِزَاتِ نَصٌّ قَاطِعٌ، عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَأْتِي بِمِثْلِهِ أَصْلًا كَالْقُرْآنِ

note

ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ.

ثُمَّ قَالَ: وَالْإِنْصَافُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ حِين سُئِلَ عَمَّا يُحْكَى أَنَّ الْكَعْبَةَ كَانَتْ تَزُورُ وَاحِدًا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، هَلْ يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ فَقَالَ: نَقْضُ الْعَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَامَةِ لِأَهْلِ الْوِلَايَةِ جَائِزٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ.

23,687

قُلْت: النَّسَفِيُّ هَذَا هُوَ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ عُمَرُ مُفْتِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ رَأْسُ الْأَوْلِيَاءِ فِي عَصْرِهِ. اهـ. مِنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ، وَتَمَامُهُ فِيهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ [بَابُ الْبُغَاةِ] ِ أَخَّرَهُ لِقِلَّةِ وُجُودِهِ، وَلِبَيَانِ حُكْمِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ الْكُفَّارِ بَحْرٌ.

23,688

قُلْت: وَلَمْ يُتَرْجِمْ لَهُ بِكِتَابٍ إشَارَةً إلَى دُخُولِهِ تَحْتَ كِتَابِ الْجِهَادِ لِأَنَّ الْقِتَالَ مَعَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ مِنَّا شَهِيدًا كَمَا سَيَأْتِي إذْ لَا يَخْتَصُّ الْجِهَادُ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي النَّهْرِ.

23,689

قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْبُغَاةُ جَمْعُ بَاغٍ، وَهَذَا الْوَزْنُ مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ اسْمِ فَاعِلٍ مُعْتَلِّ اللَّامِ كَغُزَاةٍ وَرُمَاةٍ وَقُضَاةٍ اهـ وَإِنَّمَا جَمَعَهُ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يُوجَدُ وَاحِدٌ يَكُونُ لَهُ قُوَّةُ الْخُرُوجِ قُهُسْتَانِيٌّ

(قَوْلُهُ الْبَغْيُ لُغَةً الطَّلَبُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْفَتْحِ: الْبَغْيُ فِي اللُّغَةِ الطَّلَبُ، بَغَيْت كَذَا: أَيْ طَلَبْته. قَالَ تَعَالَى حِكَايَةَ ذَلِكَ {مَا كُنَّا نَبْغِ} ثُمَّ اُشْتُهِرَ فِي الْعُرْفِ فِي طَلَبِ مَا لَا يَحِلُّ مِنْ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَالْبَاغِي فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ الْخَارِجُ عَلَى إمَامِ الْحَقِّ اهـ لَكِنَّ فِي الْمِصْبَاحِ: بَغَيْته أَبْغِيهِ بَغْيًا طَلَبْته، وَبَغَى عَلَى النَّاسِ بَغْيًا: ظَلَمَ وَاعْتَدَى فَهُوَ بَاغٍ وَالْجَمْعُ بُغَاةٌ، وَبَغَى: سَعَى فِي الْفَسَادِ، وَمِنْهُ الْفِرْقَةُ الْبَاغِيَةُ؛ لِأَنَّهَا عَدَلَتْ عَنْ الْقَصْدِ، وَأَصْلُهُ مِنْ بَغَى الْجُرْحُ: إذَا تَرَامَى إلَى الْفَسَادِ اهـ وَفِي الْقَامُوسِ: الْبَاغِي الطَّالِبُ، وَفِئَةٌ بَاغِيَةٌ: خَارِجَةٌ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ.

اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَقَوْلُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: الْبَاغِي فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ الْخَارِجُ عَنْ إمَامِ الْحَقِّ تَسَاهُلٌ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا. اهـ.

23,690

قُلْت: قَدْ اُشْتُهِرَ أَنَّ صَاحِبَ الْقَامُوسِ يَذْكُرُ الْمَعَانِيَ الْعُرْفِيَّةَ مَعَ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ وَذَلِكَ مِمَّا عِيبَ بِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يَدُلُّ ذِكْرُهُ لِذَلِكَ أَنَّهُ مَعْنًى لُغَوِيٌّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَى الْإِمَامِ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَ فِي الشَّرْعِ بَعْدَ اللُّغَةِ نَعَمْ قَدْ يَعْتَرِضُ عَلَى الْفَتْحِ بِأَنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْبَغْيِ بِمَعْنَى الطَّلَبِ،

23,691

وَأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ مَعْنًى عُرْفِيٌّ فَقَطْ، وَقَدْ سَمِعْت أَنَّهُ لُغَوِيٌّ أَيْضًا. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ اُشْتُهِرَ فِي الْعُرْفِ إلَخْ الْعُرْفِ اللُّغَوِيِّ،

23,692

وَأَنَّ الْأَصْلَ وَمَدَارَ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَى الطَّلَبِ لَكِنْ يُنَافِيهِ قَوْلُ الْمِصْبَاحِ وَأَصْلُهُ مِنْ بَغَى الْجُرْحُ إلَخْ فَتَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ: وَشَرْعًا هُمْ الْخَارِجُونَ) عَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وَالْبَغْيُ شَرْعًا هُمْ الْخَارِجُونَ وَهُوَ فَاسِدٌ كَمَا أَفَادَهُ ح فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: فَالْبُغَاةُ عُرْفًا الطَّالِبُونَ لِمَا لَا يَحِلُّ مِنْ جَوْرٍ وَظُلْمٍ وَشَرْعًا إلَخْ أَفَادَهُ ط. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ: أَيْ وَالْبُغَاةُ شَرْعًا إلَخْ

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.