وَكُرِهَ إحْضَارُ مَبِيعٍ فِيهِ وَصَمْتٌ وَتَكَلُّمٌ إلَّا بِخَيْرٍ كَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَحَدِيثٍ وَعِلْمٍ
Its commentaries
(وَكُرِهَ) أَيْ تَحْرِيمًا لِأَنَّهَا مَحَلُّ إطْلَاقِهِمْ بَحْرٌ (إحْضَارُ مَبِيعٍ فِيهِ) كَمَا كُرِهَ فِيهِ مُبَايَعَةُ غَيْرِ الْمُعْتَكِفِ مُطْلَقًا لِلنَّهْيِ
وَكَذَا أَكْلُهُ وَنَوْمُهُ إلَّا لِغَرِيبٍ أَشْبَاهٌ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ قُبَيْلَ الْوِتْرِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ كَمَالٍ لَا يُكْرَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالنَّوْمُ فِيهِ مُطْلَقًا وَنَحْوُهُ فِي الْمُجْتَبَى. (وَ) يُكْرَهُ تَحْرِيمًا (صَمْتٌ) إنْ اعْتَقَدَهُ قُرْبَةً وَإِلَّا لَا لِحَدِيثِ " مَنْ صَمَتَ نَجَا "
وَيَجِبُ أَيْ الصَّمْتُ كَمَا فِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ عَنْ شَرٍّ لِحَدِيثِ «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَكَلَّمَ فَغَنِمَ أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ» (وَتَكَلُّمٌ إلَّا بِخَيْرٍ) وَهُوَ مَا لَا إثْمَ فِيهِ وَمِنْهُ الْمُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا عِنْدَ عَدَمِهَا وَهُوَ مَحْمَلُ مَا فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي الْمَسْجِدِ، يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ كَمَا حَقَّقَهُ فِي النَّهْرِ (كَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَحَدِيثٍ وَعِلْمٍ) وَتَدْرِيسٍ فِي سِيَرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَكِتَابَةِ أُمُورِ الدِّينِ.
(قَوْلُهُ إحْضَارُ مَبِيعٍ فِيهِ) لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مُحْرَزٌ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَفِيهِ شَغْلُهُ بِهَا وَدَلَّ تَعْلِيلُهُمْ أَنَّ الْمَبِيعَ لَوْ لَمْ يَشْغَلْ الْبُقْعَةَ لَا يُكْرَهُ إحْضَارُهُ كَدَرَاهِمَ يَسِيرَةٍ أَوْ كِتَابٍ وَنَحْوِهِ بَحْرٌ لَكِنَّ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ الْكَرَاهَةُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَغِلْ نَهْرٌ.
قُلْت: التَّعْلِيلُ وَاحِدٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مُحْرَزٌ عَنْ شَغْلِهِ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَقَوْلُهُمْ وَفِيهِ شَغْلُهُ بِهَا نَتِيجَةُ التَّعْلِيلِ وَلِذَا أَبْدَلَهُ فِي الْمِعْرَاجِ بِقَوْلِهِ: فَيُكْرَهُ شَغْلُهُ بِهَا فَافْهَمْ.
وَفِي الْبَحْرِ وَأَفَادَ إطْلَاقُهُ أَنَّ إحْضَارَ مَا يَشْتَرِيهِ لِيَأْكُلَهُ مَكْرُوهٌ، وَيَنْبَغِي عَدَمُ الْكَرَاهَةِ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ أَيْ لِأَنَّ إحْضَارَهُ ضَرُورِيٌّ لِأَجْلِ الْأَكْلِ وَلِأَنَّهُ لَا شَغْلَ بِهِ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ.
وَقَالَ أَبُو السُّعُودِ نَقَلَ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ أَنَّ إحْضَارَ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ الَّذِي لَا يَشْغَلُ الْمَسْجِدَ جَائِزٌ اهـ
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ احْتَاجَ إلَيْهِ لِنَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ أَوْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ أَحْضَرَهُ أَوْ لَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَبْلَهُ وَمِنْ الزَّيْلَعِيِّ وَالْبَحْرِ
(قَوْلُهُ لِلنَّهْيِ) هُوَ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ أَوْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ وَنَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَكَذَا أَكْلُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمُعْتَكِفِ
(قَوْلُهُ لَكِنْ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا فِي الْأَشْبَاهِ وَعِبَارَةُ ابْنِ الْكَمَالِ عَنْ جَامِعِ الْإِسْبِيجَابِيِّ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ مُقِيمًا كَانَ أَوْ غَرِيبًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَّكِئًا رِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ إلَى غَيْرِهَا فَالْمُعْتَكِفُ أَوْلَى اهـ وَنَقَلَهُ أَيْضًا فِي الْمِعْرَاجِ وَبِهِ يُعْلَمُ تَفْسِيرُ الْإِطْلَاقِ قَالَ ط: لَكِنَّ قَوْلَهُ رِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِمَا نَصُّوا عَلَيْهِ مِنْ الْكَرَاهَةِ اهـ وَمُفَادُ كَلَامِ الشَّارِحِ تَرْجِيحُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ النَّوْمِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ إذَا لَمْ يَشْغَلْ الْمَسْجِدَ وَلَمْ يُلَوِّثْهُ لِأَنَّ تَنْظِيفَهُ وَاجِبٌ كَمَا مَرَّ لَكِنْ
قَالَ فِي مَتْنِ الْوِقَايَةِ: وَيَأْكُلُ أَيْ الْمُعْتَكِفُ وَيَشْرَبُ وَيَنَامُ وَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي فِيهِ لَا غَيْرُهُ قَالَ مُنْلَا عَلِيٍّ فِي شَرْحِهِ: أَيْ لَا يَفْعَلُ غَيْرُ الْمُعْتَكِفِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي الْمَسْجِدِ اهـ
وَمِثْلُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ ثُمَّ نَقَلَ مَا مَرَّ عَنْ الْمُجْتَبَى.
(قَوْلُهُ وَصَمْتٌ) عَدَلَ عَنْ السُّكُوتِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّ السُّكُوتَ ضَمُّ الشَّفَتَيْنِ،
فَإِنْ طَالَ سُمِّي صَمْتًا نَهْرٌ وَإِنَّمَا كُرِهَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَرِيعَتِنَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - " «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَسْنَدَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صَوْمِ الْوِصَالِ وَعَنْ صَوْمِ الصَّمْتِ» " فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَيَجِبُ) لَمْ يَقُلْ يُفْتَرَضُ لِيَشْمَلَ الْوَاجِبَ،
فَإِنَّ الْكَلَامَ قَدْ يَكُونُ حَرَامًا كَالْغِيبَةِ مَثَلًا وَقَدْ يُكْرَهُ كَإِنْشَادِ شِعْرٍ قَبِيحٍ وَكَذِكْرٍ لِتَرْوِيجِ سِلْعَةٍ فَالصَّمْتُ عَنْ الْأَوَّلِ فَرْضٌ وَعَنْ الثَّانِي وَاجِبٌ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَتَكَلُّمٌ إلَّا بِخَيْرٍ) فِيهِ التَّفْرِيغُ فِي الْإِيجَابِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ نَفْيُ مَعْنًى ط عَنْ الْحَمَوِيِّ أَيْ لِأَنَّ كُرْهٌ بِمَعْنَى لَا يَفْعَلُ كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى - {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ}- وَقَوْلُهُ - {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ}- لِأَنَّهُ بِمَعْنَى لَا يُرِيدُ وَمَعْنَى لَا تَسْهُلُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي آخِرِ الْمُغْنِي، وَيُحْتَمَلُ كَوْنُ إلَّا بِمَعْنَى غَيْرِ كَمَا فِي - {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}- وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا حَرْفُ الْجَرِّ، بَلْ تَخَطَّاهَا لِمَا بَعْدَهَا لِأَنَّهَا عَلَى صُورَةِ الْحَرْفِيَّةِ وَالْأَوْلَى جَعْلُ الْجَارِّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ تَكَلُّمِ الْمَذْكُورِ.
وَالْمَعْنَى: وَكُرِهَ تَكَلُّمٌ إلَّا تَكَلُّمًا بِخَيْرٍ فَحُذِفَ الْمُتَعَلِّقُ الْخَاصُّ لِلْقَرِينَةِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ كَلَامٍ تَامٍّ مُوجِبٍ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَمِنْهُ الْمُبَاحُ إلَخْ) أَيْ مِمَّا لَا إثْمَ فِيهِ وَهَذَا مَا اسْتَظْهَرَهُ فِي النَّهْرِ أَخْذًا مِنْ الْعِنَايَةِ وَبِهِ رُدَّ عَلَى مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى تَفْسِيرُ الْخَيْرِ بِمَا فِيهِ ثَوَابٌ فَيُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ التَّكَلُّمُ بِالْمُبَاحِ
بِخِلَافِ غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ الْمُعْتَكِفِ اهـ بِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي عَدَمِ اسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْمُبَاحِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَكَيْفَ يُكْرَهُ لَهُ مُطْلَقًا اهـ وَالْمُرَادُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقُرْبَةَ وَإِلَّا فَفِيهِ ثَوَابٌ
(قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ الْمُبَاحُ عِنْدَ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ ط
(قَوْلُهُ إنَّهُ مَكْرُوهٌ) أَيْ إذَا جَلَسَ لَهُ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ قُبَيْلَ الْوِتْرِ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ عَنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ: لَا بَأْسَ بِالْحَدِيثِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ قَلِيلًا
فَأَمَّا أَنْ يُقْصَدَ الْمَسْجِدُ لِلْحَدِيثِ فِيهِ فَلَا اهـ وَظَاهِرُ الْوَعِيدِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِ تَحْرِيمِيَّةٌ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.