وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ
Its commentaries
(وإن دَفَعَها إلى مَن لا يَسْتَحِقُّها وهو لا يَعْلَمُ، ثم عَلِم، لم يُجْزِئْه، إلَّا الغَنِىَّ إذا طنَّه فَقِيرًا، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن) إذا دفع الزَّكاةَ إلى مَن لا يَسْتَحِقُّها جاهِلًا بحالِه، كالعَبْدِ، والكافِرِ، والهاشِمِىِّ، وقَرابَةِ المُعْطِى مِمَّن لا يَجُوزُ دَفْعُها إليه، لم يُجْزِئْه رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّه ليس بمُسْتَحِقٍّ، ولا يَخْفَى حالُه غالِبًا، فلم يُجْزِئْه الدَّفْعُ إليه، كدُيُونِ الآدَمِيِّين.
فأمّا إن أعْطَى مَن يَظنّه فَقِيرًا، فبانَ غَنِيًّا، ففيه رِوايتان، إحْدَاهما، يُجْزِئُه. اخْتارَها أبو بكرٍ. وهو قولُ الحسنِ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى حنيفةَ، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى الرَّجُلَيْن الجَلْدَيْن،
وقال: «إنْ شِئْتُمَا أعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ» .
وقال للرجلِ الذى سَألَه مِن الصَّدَقَةِ:«إنْ كُنْتَ من تِلْكَ الأجْزَاءِ أعطيْتُكَ حَقَّكَ».
ولو اعْتَبَرَ حقيقةَ الغِنَى لَما اكْتَفَى بقَوْلِهم. وروَى أبو هُرَيْرَةَ، عنِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال:«قال رجُلٌ: لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِه، فوَضَعَهَا فِى يَدِ غَنِىٍّ، فَأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِىٍّ. فأُتِىَ فَقِيلَ لَهُ: أمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، لَعَلَّ الْغَنِىَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ ممّا أعْطاهُ اللَّهُ». رَواه النَّسائِىُّ . والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه دَفَع الواجِبَ إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه، فلم يَخْرُجْ مِن عُهْدَتِه، كما لو دَفَعَها إلى كافِرٍ، أو ذِى قرابَةٍ، وكدُيُونِ الآدَمِيِّين.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبى يُوسُف، وابنِ المُنْذِرِ. وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن. والأوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللَّهُ تعالى؛ لأنَّ الفَقْرَ والغِنَى يَعْسُرُ الاطِّلاعُ عليه والمَعْرِفَةُ بحَقِيقَتِه، قال اللَّهُ تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ}. فاكْتَفَى بظُهورِ الفَقْرِ، ودَعْواه
بخِلافِ غيرِه. واللَّهُ أعلمُ.
(وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا) كَبَنِي هَاشِمٍ وَالْعَبِيدِ (وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) أَيْ: جَاهِلًا بِحَالِهِ
Adds nothing on this mas’ala.
وإنْ دَفَعَها إلى مَن لا يسْتَحِقُّها وهو لا يعْلَمُ، ثم عَلِم، لم يُجْزِئْه، إلَّا الغَنِىَّ إذا ظنَّه فَقيرًا، فى إحْدَى الروايتَيْن. اعلمْ أنَّه إذا دفَعَها إلى مَن لا يَسْتَحِقُّها، وهو لا يعْلَمُ ثم عَلِم، فَتارَةً يكونُ عدَمُ اسْتِحْقاقِه لغِنَاه، وتارَةً يكونُ لغيرِه،
فإن كان لكُفرِه أو لشَرَفِه أو كوْنِه. عَبْدًا، فجزَم المُصَنِّفُ هنا، أنَّها لا تُجْزِئُه. وهو المذهبُ. قال فى «الفُروعِ»: لم تُجْزِئْه فى الأشْهَرِ. قال صاحِبُ «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، والمصنِّفُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشَّارِحُ: لم تُجْرِئْه، روايةً واحدةً. وجرَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائِق»، و «الخُلاصَةِ».
وقيلَ: حُكْمُه حُكْمُ ما لو بانَ غَنِيًّا، على ما يأْتِى قرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى. وجزَم به ابنُ عَقِيل فى «فُنونِه».
وكذلك ذكَرَه القاضى فى «الجامِعِ الصَّغِيرِ». وحكَاهُما ابنُ تَميم طَريقَتَيْن، وأطْلَقهما. قال فى «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ»: فيه طريقَان؛ أحَدُهما، كالغَنِىِّ. والثَّانِى، لا تُجْزِئُه قَطْعًا. فعلى المذهبِ، يَسْتَرِدُّها بزِيادَةٍ مُطْلَقًا. ذكَرَه الآجُرِّىُّ، وأبو المَعالِى، وغيرُهما، واقْتَصرَ عليه فى «الفُروعِ».
وإنْ ظهَر قرِيبًا للمُعْطِى، فجزَم المُصَنِّفُ هنا، أنَّه لا يُجْزِئُه. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. قالَه المَجْدُ، وتَبِعَه فى «الفُروعِ». وسَوَّى فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن» بينَ ما إذا بانَ قرِيبًا غيرَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَمُودَىِ النَّسَبِ، وبينَ ما إذا بانَ غَنِيًّا، وأطْلقَ الروايتَيْن. والمَنْصُوصُ، أنَّه يُجْزِئُه إذا بانَ قرِيبًا مُطْلَقًا. قال المَجْدُ فى «شَرْحِه»: هذا أصْوَبُ عندى؛ لخُروجها عن مِلْكِه إلى من يَجُوزُ دفْعُ زكاةِ سائرِ النَّاسِ إليه، ولحَديثِ يَزيدَ بنِ مَعْنٍ . انتهى.
قال فى «القَواعِدِ»: فإنْ بانَ نَسِيبًا، فطَرِيقان؛ أحدُهما، لا يُجْزِئُه. قوْلًا واحدًا. والثَّانى، هو كما لو بانَ غَنيًّا. والمَنْصُوصُ هنا، الإجْزاءُ؛ لأنَّ المانِعَ خشْيَةُ المُحابَاةِ، وهو مُنْتَفٍ مع عدَمِ العِلْمِ،
وأمَّا إذا دفَعَها إلى غَنِىٍّ، وهو لا يَعْلَمُ، ثم عَلِم، فأطلقَ المُصَنِّفُ فى الإجْزاءِ رِوايتَيْن، وأطْلَقهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائِق»؛ إحداهما، يُجْزِئُه. وهو المذهب. نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: هذا الصَّحيحُ.
وقال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: هذا المذهبُ. قال المَجْدُ: اخْتارَه أصحابُنا. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه، وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يُجْزِئُه. اخْتارَه الآجُرىُّ، والمَجْدُ، وغيرُهما. فعلى هذه الرِّوايةِ، يرْجعُ على الغنِىِّ بها إنْ كانت باقِيَةً،
وإنْ كانت تَلِفَتْ، رُجِعَ بقِيمَتِها يومَ تَلَفِها إذا عَلِم أنَّها زَكاةٌ. رِوايةً واحدَةً. ذكَرَه القاضى وغيرُه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابنُ شِهَابٍ: ولا يَلْزَمُ إذا دفَع صدَقَةَ تطَوُّع إلى فَقيرٍ، فَبانَ غَنِيًّا؛ لأنَّ مَقْصِدَه فى الزَّكاةِ إبْراءُ الذِّمَّةِ، وقد بطَل ذلك، فيَمْلِكُ الرُّجوعَ، والسَّبَبُ الذى أخْرَجَ لأجْلِه فى التَّطوُّعِ الثَّوابُ، ولم يَفُتْ، فلم يَمْلِكِ الرُّجوعَ. وسبَق رِوايَةُ مُهَنَّا فى آخِرِ البابِ الذى قبلَه، عندَ قولِه: لم يَرْجِعْ على المِسْكِينِ. وسبَق كلامُ أبى الخَطَّابِ وغيرِه هناك. وذكَر جماعةٌ مِنَ الأصحابِ أنَّ كلَّ زَكاةٍ لا تُجْزِئُ، أو إنْ بانَ الآخِذُ غَنِيًّا، فالحُكْمُ فى الرُّجوعِ كالزَّكاةِ المُعَجَّلةِ، عَلى ما تقدَّم فى آخِرِ البابِ الذى قبلَه، وتقدَّم هناك تَفارِيعُ ذلك كلِّه.
فوائد؛ إحداها، لو دَفَع الإِمامُ أو السَّاعِى الزَّكاةَ إلى مَن يظُنُّه أهْلًا لأخْذِها، لم يَضْمَنْ إذا بانَ غَنِيًّا، ويَضْمَنُ فى غيرِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال فى «الفُروعِ»: هذا الأشْهَرُ. قال القاضى فى «المُجَردِ»: لا يَضْمَنُ الإِمامُ إذا بانَ غَنِيًّا، بغيرِ خِلافٍ. وصحَّحَه فى «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، وجزَم المَجْدُ وغيرُه بعدَمِ الضَّمانِ إذا بانَ غَنِيًّا، وفى غيرِه رِوايَتان. انتهى.
وعنه، يضْمَنُ فى الجميعِ. قدَّمه فى «الرِّعايَةِ الصُّغرَى»، ولم يذكُرْ رِوايَةَ التَّفْرِقَةِ، وتابعَه فى «الحاوِيَيْن». قال فى «الفُروعِ»: كذا قال.
وعنه، لا يضْمَنُ فى الجميعِ. وذكَر فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» رِوايَةَ التَّفْرِقَةِ. وقدَّم الضَّمانَ مُطْلَقًا، وأطْلقَهُنَّ ابنُ تَميمٍ. الثَّانيةُ، لا يجوزُ دفْعُ الزَّكاةِ إلَّا لمَن يظُنُّه مِن أهْلِها،
فلو لم يَظُنَّه مِن أهْلِها، فدفَعَها إليه، ثم بانَ مِن أهْلِها، لم تُجْزِئْه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال فى فَصْلٌ: وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ، «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ تخْريجٌ مِنَ الصَّلاةِ إذا أصابَ القِبْلَةَ. الثَّالثةُ، الكفَّارَةُ كالزَّكاةِ، فيما تقدَّم مِنَ الأحْكامِ،
ومَن ملَك فيهما الرُّجوعَ، ملَكَه وَارِثُه. وَهِىَ أَفْضَلُ فِى شَهْر رَمَضَانَ، وَأوْقَاتِ الْحَاجَاتِ. وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِى الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ.
فائدة: قوله: والصَّدَقَةُ على ذِى الرَّحِمِ صَدَقَة وصِلَة. هذا بلا نِزاعٍ، وهى أفْضَلُ مِنَ العِتْقِ. نقَلَه حَرْبٌ، لحَديثِ مَيْمُونَةَ. والعِتْقُ أفْضَلُ مِنَ الصَّدقَةِ على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأجانبِ، إلَّا زَمَنَ الغَلاءِ والحاجَةِ. نَقَله بَكْرُ بنُ محمدٍ، وأبو داوُدَ.
وقال الحَلْوَانِىُّ فى «التَّبْصِرَةِ»، وصاحِبُ «الحاوِى الصَّغيرِ»: العِتْقُ أحَبُّ القُرَبِ إلى اللَّهِ. انتهيا. ويأْتِى ذلك أوَّلَ كتابِ العِتْقِ. وهلِ الحَجُّ أفْضَلُ، أم الصَّدقَةُ مع الحاجَةِ، أم مع الحاجَةِ على القَريبِ، أم على القَريبِ مُطْلَقًا؟ فيه أرْبَعُ رِوَاياتٍ. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: الحَج أفْضَلُ مِنَ الصَّدقَةِ، وهو مذهَبُ أحمدَ. انتهى.
قلتُ: الصَّدقَةُ زمَنَ المَجاعَةِ لا يَعْدِلُها شئٌ، لاسِيَّما الجارُ، خُصوصًا القَرابَةَ.
وقال فى «المُسْتَوْعِبِ»: وَصِيَّتُه بالصَّدقَةِ أفْضَلُ مِن وَصِيَّتِه بالحَجِّ التَّطَوُّعِ. فيُؤْخَذُ منه، أن الصَّدقَةَ أفْضَلُ بلا حاجَةٍ، فيَبْقَى قوْلٌ خامِسٌ. وفى كتابِ «الصَّفْوَةِ» لابنِ الجَوْزِىِّ: الصَّدقَةُ أفْضَلُ مِنَ الحَج ومِنَ الجِهادِ. وسبَق فى أوَّلِ صلاةِ التَّطوُّعِ، أنَّ الحَجَّ أفْضَلُ مِنَ العِتْقِ. فحيثُ قُدِّمتِ الصَّدقَةُ على الحَجِّ، فعلى العِتْقِ بطَريقٍ أوْلَى، وحيثُ قُدِّمَ العِتْقُ على الصدقَةِ، فالحَجُّ بطَريقٍ أوْلَى. ويأْتِى فى بابِ الوَلِيمَة، هل يجوزُ الأَكْلُ مِن مالِ مَن فى مالِه حرامٌ وحلالٌ أم لا؟
وَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بِالفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ.
وَإنْ تَصَدَّقَ بِمَا يَنْقُصُ مُؤْنَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، أَثِمَ.
قال: (وإن دفعها إلى من لا يستحقها وهو لا يعلم ثم علم لم يجزئه، إلا الغني إن ظنه فقيراً في إحدى الروايتين) .
أما كون من دفع الزكاة إلى من لا يستحقها غير الغني وهو لا يعلم ذلك مثل أن يدفعها إلى كافر لا يعلم كفره أو إلى ذوي القربى ولا يعلم أنهم كذلك أو نحو ذلك لا يجزئه فلأنه دفعها إلى من لا يستحقها مما لا يخفى حاله غالباً فلم يعذر بخطئه كديون الآدميين.
وأما كون من دفع الزكاة إلى غني ظنه فقيراً لا يجزئه على روايةٍ فلأن الفقر يعسر الوقوف عليه فاكتفي فيه بالظهور، كما اكتفي في جواز الدفع إليه،
وكذلك لما سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة قال:«إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» فاكتفى بإخباره عن نفسه فدل على أنه يجزئ وإن كان غنياً في الباطن.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.