وَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ
Its commentaries
مسألة: (والاخْتِيارُ أن لا يُحْرِمَ قبلَ مِيقاتِه، ولا يُحْرِمَ بالحَجِّ قبلَ أشْهُرِه، فإن فَعَل فهو مُحْرِمٌ) الأفْضلُ الإِحْرامُ مِن المِيقاتِ،
ويُكْرَهُ قبلَه. رُوِىَ نَحْوُ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ، رَضِىَ الله عَنهما. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: الأفْضلُ الإِحْرامُ مِن بَلَدِه. وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن. وكان عَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وعبدُ الرحمنِ يُحْرِمُون مِن بُيُوتِهم. واحْتَجُّوا بما رَوت أُمُّ سَلَمَةَ، زَوْجُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّها سَمِعَت رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ:«مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أوْ عُمْرةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى إلَى الْمَسْجدِ الْحَرَامِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأخَّرَ - أو - وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ». شَكَّ عبدُ اللهِ أيَّتَهما قال.
رَواه أبو داودَ . وأحْرَمَ ابنُ عُمَرَ من إيليَاءَ . وروَى النَّسائِيُّ، وأبو داودَ ، بإسْنادِهِما. عن الصُّبَىِّ بنِ مَعْبَدٍ، قال: أهْلَلْتُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ، فَلمَّا أتَيْتُ العُذَيْبَ لَقِيَنِى سَلْمانُ بنُ رَبِيعَةَ، وزَيْدُ بنُ صُوحانَ، وأنا أُهِلُّ بهما، فقالَ أحَدُهُما: ما هذا بأفْقَهَ مِن بَعِيرِه. فأتَيْتُ عُمَرَ، فذَكَرْتُ ذلك له، فقالَ لى: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبيِّكَ - صلى الله عليه وسلم -. وهذا إحْرامٌ به قبلَ المِيقاتِ. ورُوِىَ عن عُمَرَ، وعليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما، في قوْلِه تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}.
إنما هو أن تُحْرِمَ بهما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِك . ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وأصْحابَه أحْرَمُوا مِن المِيقاتِ، ولا يَفْعَلُون إلَّا الأفْضَلَ.
فإن قِيلَ: إنَّما فعَل ليُبَيِّنَ الجَوازَ. قُلْنا: قد حَصَل بَيانُ الجَوازِ بقَوْلِه، كما في سائِرِ المَواقِيتِ. ثم لو كان كذلك، لكانَ أصْحابُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وخُلفاؤه يُحْرِمُون مِن بُيُوتِهم،
ولَما تَواطَأُوا على تَرْكِ الأفْضَلِ واخْتِيارِ الأدْنَى، وهم أفْضَلُ الخَلْقِ، ولهم مِن الحِرْصِ على الفضائِلِ والدَّرَجاتِ ما لهم. وروَى أبو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ، بإسْنادِه، عن أبى أيُّوبَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَسْتَمْتِعُ أحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّه لَا يَدْرِى مَا يَعْرِضُ لَهُ فِى إحْرامِهِ». وروَى الحسنُ، أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ أحْرَمَ مِن مِصْرِه، فبَلَغَ ذلك عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فغَضِبَ،
وقال: يَتَسامَعُ النّاسُ أنَّ رجلًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحْرَمَ مِن مِصْرِه.
وقال: إنَّ عبدَ اللهِ بنَ عامِرٍ أحْرَمَ مِن خُراسانَ، فلَمّا قَدِم على عثمانَ، رَضِىَ الله عنه، لامَه فيما صَنَع، وكَرِهَه له. رَواهما سعيدٌ، والأثْرَمُ .
وقال البخاريُّ : كَرِه عثمانُ أن يُحْرِمَ مِن خُراسانَ أو كِرْمانَ. ولأنَّه أحْرَمَ قبلَ المِيقاتِ، فكُرِهَ، كالإِحْرامِ بالحَجِّ قبل أشْهُرِه. ولأنَّه تَغْرِيرٌ بالإِحْرامِ، وتَعْرِيضٌ لفِعْلِ مَحْظُوراتِه، وفيه مَشَقَّةٌ على النَّفْسِ، فكُرِهَ، كالوصالِ في الصَّوْمِ. قال عَطاءٌ: انْظُرُوا هذه المَواقِيتَ التي وَقَّتَ لكم، فخُذُوا برُخَصِ اللهِ فيها، فإنَّه عَسَى أن يُصِيبَ أحَدُكم ذَنْبًا في إحْرامِه، فيَكُونَ أعْظَمَ لوِزْرِه،
فإنَّ الذَّنْبَ في الإِحْرامِ أعْظَمُ مِن ذلك.
فأمّا حديثُ الإِحْرامِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ ، ففيه ضَعْفٌ، يَرْوِيه ابنُ أبى فُدَيْكٍ، ومحمدُ بنُ إسْحاقَ، وفيهما مَقالٌ. ويَحْتَمِلُ اخْتِصاصَ هذا ببَيْتِ المَقْدِس دُونَ غيرِه؛ ليَجْمَعَ بينَ الصلاةِ في المَسْجِدَيْن في إحْرامٍ واحِدٍ، ولذلك أحْرَمَ ابنُ عُمَرَ منه، ولم يَكُنْ يُحْرِمُ مِن غيرِه، إلَّا مِن المِيقاتِ. وقولُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، للصُّبَىِّ : هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبِيِّك. يَعْنِى في الجَمْعِ بينَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، لا في الإِحْرامِ مِن قَبلِ المِيقاتِ،
فإنَّ سُنَّةَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - الإِحْرامُ مِن المِيقاتِ، بيَّنَ ذلك بفِعْلِه وقَوْلِه، وقد تَبَيَّنَ أنَّه لم يُرِدْ ذلك بإنْكارِه على عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، حينَ أحْرَمَ مِن مِصْرِه.
وأمّا قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما، فإنَّما قالا: إتْمامُ العُمْرَةِ أن تنْشِئَها مِن بَلَدِك. يَعْنِى أن تنْشِئَ لها سَفَرًا مِن بلَدِك، تَقصِدُ له، ليسِ أن تُحْرِمَ بها مِن أهْلِك. قال أحمدُ: كان سُفْيان يُفَسِّرُه بهذا.
وكذلك فَسَّرَه به أحمدُ. ولا يَصِحُّ أن يُفَسَّرَ بنَفْسِ الإِحْرامِ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه ما أحْرَمُوا بها مِن بُيُوتِهم، وقد أمَرَهم اللهُ سبحانه بإتْمامِ العُمْرَةِ،
فلو حُمِل قَوْلُهم على ذلك لكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه تَارِكين الأمْرَ.
ثم إنَّ عُمَرَ وعليًّا ما كانا يُحْرِمان إلَّا مِن المِيقاتِ، أفَتَراهما يَرَيان أنَّ ذلك ليس بإتْمامٍ لها، ويَفْعَلانه؟! هذا لا يَنْبَغى أن يَتَوَهَّمَه أحَدٌ. ولذلك أنْكَرَ عُمَرُ على عِمْرانَ إحْرامَه مِن مِصْرِه، واشْتَدَّ عليه، وكَرِه أن يَتَسامَعَ النّاسُ، مَخافَةَ أن يُؤْخَذَ به، أفتراه كَرِه إتْمامَ العُمْرَةِ، واشْتَدَّ عليه أن يَأْخُذَ النّاسُ بالأفْضَلِ؟! هذا لا يَجُوزُ، فتَعَيَّنَ حَمْلُ قَوْلِهما على ما حَمَلَه عليه الأئِمَّةُ.
فصل: ويُكْرَهُ الإِحْرامُ بالحَجِّ قبلَ أشْهُرِه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لكَوْنِه إحْرامًا به قبلَ وَقْتِه، فأشْبَهَ الإِحْرامَ به قبلَ مِيقاتِه، بل الكَراهَةُ هنا أشَدُّ؛ لأنَّ في صِحَّتِه اخْتِلافًا.
فإن أحْرَمَ بالحَجِّ قبلَ مِيقاتِ المَكانِ صَحَّ إحْرامُه بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، إلَّا أنَّه يُكْرَهُ ذلك، وقد ذَكَرْناه.
وإن أحْرَمَ به قبلَ أشْهُرِه، صَحَّ أيضًا، إذا بَقِىَ على إحْرامِه إلى وَقْتِ الحَجِّ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَماعَةٍ. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ، ومالكٍ، وإسْحاقَ.
وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والشافعيُّ: يَجْعَلُه عُمْرَةً. وذَكَر القاضى في «الشَّرْحِ» رِوايَةً مثلَ ذلك. واخْتارَها ابنُ حامِدٍ، لقولِ اللهِ تعالى:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}. تَقْدِيرُه وَقْتُ الحَجِّ، أو أشْهُرُ الحَجِّ، مِن قَبِيلِ حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إليه مُقامَه.
وإذا ثَبَت أنَّه وَقْتُه لم يَصِحَّ تَقْدِيمُه عليه، كأوْقاتِ الصَّلَواتِ. ولَنا، قَوْلُه تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}. يَدُلُّ على أنَّ جميعَ الأَشْهُرِ مِيقاتٌ. ولأنَّه أحَدُ النُّسُكَيْن، فجاز الإِحْرامُ به في جَمِيعِ السَّنَةِ، كالعُمْرَةِ، وأحدِ المِيقاتَيْن، فَصَحَّ الإِحْرامُ قبلَه، كمِيقاتِ المكانِ، والآيَةُ مَحْمُولَةٌ على أنَّ الإِحْرامَ به إنَّما يُسْتَحَبُّ فيها.
١١٥٥ -
(وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ» ، وَلِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ. (وَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ) بَعْدَ إِحْرَامِهِ، لَمْ يَسْقُطِ الدَّمُ عَنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِتَرْكِ إِحْرَامِهِ مِنْ مِيقَاتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ،
وَعَنْهُ: يَسْقُطُ لِإِتْيَانِهِ بِالْوَاجِبِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَفْسَدَ نُسُكَهُ هَذَا، لَمْ يَسْقُطْ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ كَدَمٍ مَحْظُورٍ، وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَنقلَ مهَنا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ. (وَالِاخْتِيَارُ) أَيِ: الْأَفْضَلُ (أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ) الْمَكَانِيِّ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا يُعْدَلُ عَنِ الْأَفْضَلِ، وَالْجَوَازُ حَصَلَ بِقَوْلِهِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: إِنْ نَوَى عَلَى ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ، وَاحْتَجَّ الْمُجِيزُ بِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:«مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيَّتُهُمَا. قَالَ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِهِ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَقَوْلُهُ فِي " الشَّرْحِ " وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ مَرْدُودٌ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ مَعْنَى أَهَلَّ، أَيْ: قَصَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَيَكُونُ إِحْرَامُهُ مِنَ الْمِيقَاتِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الصلاتين مِنَ الْمَسْجِدَيْنِ فِي إِحْرَامٍ وَاحِدٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَحْرَمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُحْرِمُ فِي غَيْرِهِ إِلَّا مِنَ الْمِيقَاتِ.
Says nothing on this mas’ala.
قال رحمه الله: (والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته، ولا يحرم بالحج قبل أشهره فإن فعل فهو محرم. وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة) .
أما كون الاختيار أن لا يحرم قبل الميقات فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من ذي الحليفة» ولم يكن يترك المختار.
وأما كونه لا يُحْرِم بالحج قبل أشهره فلأنه إحرام بالعبادة قبل وقتها فلم يكن مختاراً كميقات المكان.
وأما صيرورته محرماً إذا أحرم قبل الميقات المكاني أو الزماني فلما روي عن الصبي بن معبد «أنه أحرم قبل الميقات قارناً فذكر ذلك لعمر رضي الله عنه فقال: هديت لسنة نبيك».
وأما كون أشهر الحج شوالاً وذا القعدة وعشراً من ذي الحجة فلأن ابن مسعود وجابراً وابن الزبير قالوا:«أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة». [
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.