وَمَنْ سُبِيَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ
Its commentaries
مسألة: (فَإنْ أسْلَمُوا رَقُّوا في الْحَالِ) يَعْنِى إذا أسْلَمَ الأسِير صارَ رَقيقًا في الحالِ، وزالَ التَّخْيِير فيه، وصارَ حُكْمُهُ حُكْمُ النِّساءِ. وبه قال الشافعىُّ في أَحَدِ قَوْلَيْه؛ لأنَّه أسيرٌ مُحَرَّمٌ قَتْلُه، فصارَ رقيقًا، كالمرأةِ. وفيه قولٌ آخر، أنَّه يَحْرمُ قَتْلُه؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ دَمْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإحْدَى ثلَاثٍ». ويَتَخَيَّرُ بينَ الخِصَالِ الثَّلاثِ الباقيةِ؛ المَنِّ، والفِداءِ، والاسْتِرْقاقِ. وهو القولُ الثانى للشافعىِّ؛ لأنَّه إذا جازَ المَنُّ عليه في حالِ كُفْرِه، ففى حالِ إسْلامِه أوْلَى؛
لأنَّ الإِسْلامَ حَسَنَةٌ يقْتَضِى إكْرامَه، والإِنْعامَ عليه، لا مَنعَ ذلك في حَقِّه. وهذا هو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
ولا يَجُوزُ رَدُّه إلى الكُفّارِ، إلَّا أن يكونَ له مَن يَمْنَعُه مِن المشركين، مِن عَشِيرَةٍ أو نحوِها، وإنَّما جازَ فِداؤُه؛ لأنَّه يتَخَلَّصُ به مِن الرِّقِّ.
فأمَّا إن أسْلَمَ قبلَ أسْرِه، حَرُمَ قَتْلُه واسْتِرْقاقُه والمُفاداةُ به، سَواءٌ أسْلَمَ وهو في حِصْنٍ، أو جَوْفٍ، أو مَضِيقٍ، أو غيرِ ذلك؛ لأنَّه لم يحْصُلْ في أَيْدِى الغانِمين.
١٤٠٤ - مسألة: (وَمَنْ سُبِىَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحدِ أَبَوَيْهِ، فهو مُسْلِمٌ.
ومَن سُبِىَ معَ أَبَوَيْه، فهو على دِينِهما) المَسْبِىُّ مِن أطْفالِ المُشْرِكِين ينقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، أنْ يُسْبَى مُنْفَرِدًا عن أَبَوَيْه، فيصيرَ مُسْلِمًا بالإِجْماعِ؛ لأنَّ الدِّينَ إنَّما يثْبُتُ له تَبَعًا، وقد انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُه لأَبوَيْه؛ لانْقطاعِه عنهما، وإخْراجِه عن دارِهما، ومصيرِه إلى دارِ الإِسْلامِ تَبَعًا لسابِيه المُسْلمِ، فكان تابعًا له في دِينهِ. الثانى، أن يُسْبَى مع أَحَدِ أَبَوَيْه، فيُحْكَمَ بإسْلامِه أَيضًا. وبه قال الأوْزَاعِىُّ.
وقال أبو الخطَّابِ: يَتْبَعُ أباه.
وقال القاضى: في رِوايَتان؛ أشْهَرُهما، أنَّه يُحْكَمُ بإسْلامِه. والثانيةُ، يَتْبَعُ أباه.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: يكونُ تابِعًا لأبِيه في الكُفْرِ؛ لأنَّه لم يَنْفَرِدْ عن أَحَدِ أَبَوَيْه، فلم يُحْكَمْ بإسْلامِه، كما لو سُبِىَ معَهما.
وقال مالكٌ: إن سُبِىَ مع أبِيه تَبِعَه؛ لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ أباه في الدِّينِ، كما يَتْبَعُه في النَّسَبِ،
وإن سُبِىَ مع أُمِّه فهو مُسْلِمٌ؛ لأنَّه لا يَتْبَعُها في النَّسَبِ، فكذلك في الدِّينِ. ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَودَانِه أوْ يُنَصِّرَانِه، أوْ يُمَجِّسَانِهِ». رَواه مالكٌ . فمَفْهُومُه أنَّه لا يَتْبَعُ أحَدَهما؛ لأنَّ الحُكْمَ متى عُلِّقَ بشَيْئَيْن لا يَثْبُتُ بأحَدِهما، ولأنَّه يَتْبَعُ سَابِيَه مُنْفَرِدًا، فيَتْبَعُه مع أحَدِ أَبَوَيْه، قياسًا على ما لو أسْلَمَ أحَدُ الأبَوَيْن، تَحْقِيقُه أنَّ كلَّ شخْصٍ غُلِّبَ حُكْمُ إسْلامِهِ مُنْفَرِدًا غُلِّبَ مع أحَدِ الأبَوَيْن، كالمُسْلِمِ مِن الأبَوَيْن.
الثالثُ، أن يُسْبَى مع أَبَوَيْه، فيَكونُ على دِينِهما. وبه قال أبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعىُّ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: يَكُونُ مُسْلِمًا؛ لأنَّ السابِىَ أحَقُّ به، لكَوْنِه مَلَكه بالسَّبْى، وزالت وِلايَةُ أبَوَيْه عنه، وانْقَطَعَ مِيراثُهما منه ومِيراثُه منهما، فكان أوْلَى به منهما. ولَنا، قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ:«فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرَانِه ويُمَجِّسَانِه». وهما معه، ومِلْكُ السّابِى له لا يَمْنَعُ اتِّباعَه لأَبَوَيْه، بدلِيلِ ما لو وُلِدَ في مِلْكِه مِن عَبْدِه وأمَتِه الكافِرَيْن.
١٤٠٥ -
(وَمَنْ سُبِيَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ) وَلَوْ مُمَيِّزًا (مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ) لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ انْقَطَعَتْ فَيَصِيرُ تَابِعًا لِسَابِيهِ فِي دِينِهِ،
وَعَنْهُ: كَافِرٌ كَمَا لَوْ سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ أَوْ مَعَ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:«مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَى عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَجَعَلَ التَّبَعِيَّةَ لِأَبَوَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ انْقَطَعَتِ التَّبَعِيَّةُ، وَوَجَبَ بَقَاؤُهُ عَلَى حُكْمِ الْفِطْرَةِ.
وَعَنْهُ: يَتْبَعُ أَبَوَيْهِ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي النَّسَبِ، فَكَذَا فِي الدِّينِ.
وَعَنْهُ: يَتْبَعُ الْمَسْبِيَّ مَعَهُ مِنْهُمَا. اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ.
ومَن سُبِىَ مِن أطْفالِهم مُنْفَرِدًا أو مع أحَدِ أُبوَيْه، فهو مُسْلِمٌ. إذا سُبِىَ وَإنْ سُبِىَ مَعَ أَبَوَيْهِ، فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا.
الطِّفْلُ مُنْفَرِدًا، فهو مُسْلِمٌ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: بالإِجْماعِ. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، أنَّه كافِرٌ.
فائدة: المُمَيِّزُ المَسْبِىُّ كالطِّفْلِ فى كوْنِه مُسْلِمًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذِهبِ. نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ: يكونُ مُسْلِمًا ما لم يَبْلُغْ عشْرًا.
وقيل: لا يُحْكَمُ بإسْلامِه حتَّى يُسْلِمَ بنَفْسِه، كالبالِغِ.
وإنْ سُبِىَ مع أَحَدِ أبوَيْه، فهو مُسْلِمٌ؛ قالَه المُصَنِّفُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أَكْثَرُ الأصحابِ. وجزَم به الخِرَقِىُّ، وابنُ عَقِيلٍ فى «تَذْكِرَتِه»، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»، و «المُنْتَخَبِ». وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
و «الرِّعايتَيْن»، وغيرِهم. قال القاضى: هذا أشْهَرُ الرِّوايتَيْن. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، يتْبَعُ أَبَاه. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: اخْتَارَه أبو الخَطَّابِ.
وعنه، يتْبَعُ المَسْبِىَّ معه منهما. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الآجُرِّىُّ. انتهى. وقدَّمه فى «الهِدايَةِ». وصحَّحه فى «الخُلاصَةِ».
وقال فى «الحاوِيَيْن»، و «الزَّرْكَشِىِّ»: وإنْ سُبِىَ مع أحَدِ أبَويْه، ففى إسْلامِه رِوايَتان.
قال فى «الرِّعايتَيْن» وغيرِه: وعنه، أنَّه كافِرٌ.
قال: (ومن سُبي من أطفالهم منفرداً، أو مع أحد أبويه فهو مسلم. وإن سبي مع أبويه فهو على دينهما) .
أما كون من سبي من أطفال الكفار منفرداً أو مع أحد أبويه مسلماً فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«كل مولودٍ يولد على الفطرة. وإنما أبواه يُهوّدانه ويُنصّرانه ويُمجّسانه» رواه مسلم. جعل التبعية لأبويه فإذا سبي منفرداً أو مع أحدهما انقطعت تبعيته عنهما فوجب بقاؤه على حكم الفطرة.
وأما كونه على دين أبويه إذا سبي معهما فلأن التبعية باقية.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.