ثُمَّ الْأَنْصَارُ ثُمَّ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ وَهَلْ يُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
Its commentaries
مسألة: (ثُمَّ الْأنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ المُسْلِمِين. وَهَلْ يُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ) يُقَدِّمُ الأَنْصارَ بعدَ قُرَيْشٍ؛ لفَضْلِهم، وسابِقَتِهم، وآثارِهم الجميلةِ، ثم سائِرَ العربِ، ثم العَجَمَ والمَوالِىَ،
فإنِ اسْتَوى اثْنانِ في الدَّرَجَةِ، قَدَّم أسَنَّهما، ثم أقْدَمَهما هِجْرَةً وسابِقَةً، ويَخُصُّ في كلُّ ذا الحاجَةِ.
فصل: واخْتَلَفَ الخُلَفاءُ الراشدونَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهم، في قَسْمِ الفَىْءِ بينَ أهْلِه، فذَهَبَ أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى التَّسْوِيَةِ بينَهم. وهو المَشْهُورُ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. فرُوِىَ أنَّ أبا بكرٍ سَوَّى بينَ الناسِ في العَطاءِ، وأدْخَلَ فيه العَبِيدَ، فقال له عمرُ: يا خليفةَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتَجْعَل الذين جاهَدُوا في سَبِيْلِ اللَّهِ بأمْوالِهم وأنْفسِهم، وهَجَروا دِيارَهم له، كمَن إنَّما دَخَلُوا في الإِسْلامِ كَرْهًا! فقال أبو بكرٍ: إنَّما عَمِلُوا للَّهِ، وإنَّما أُجُورُهم على اللَّهِ، وإنَّما الدُّنْيا بَلَاغٌ.
فلمَّا وَلِىَ عُمَر، رَضِىَ اللَّه عنه، فاضَلَ بينَهم، وأخْرَجَ العَبِيدَ، فلمَّا وَلِىَ علىّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، سَوَّى بينَهم، وأخْرَجَ العَبِيدَ. وذُكِرَ عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه فَضَّلَ بينَهم في القِسْمَةِ. فعلى هذا مذهبُ اثْنَيْن منهم، أبى بكرٍ وعلىٍّ، التَّسْويةُ، ومذهَبُ اثْنَيْنِ، عمرَ وعُثمانَ، التَّفْضِيلُ. وقد رُوِى عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ [جَوازُ التَّفْضِيلِ]، فرَوَى عنه الحسَنُ بنُ علىِّ بنِ الحسَنِ ، أنَّه قال: للإِمامِ أن يُفَضِّلَ قَوْمًا على قَوْمٍ؛ لأنَّ عمرَ قَسَمَ بينهم على السَّوابِقِ،
وقال: لا أجْعَلُ مَن قاتَلَ على الإِسْلامِ، كمَن قُوتِلَ عليه. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم النَّفَلَ بينَ أهْلِه مُتَفاضِلًا على قَدْرِ غَنائِهم . وهذا في مَعْناه. ورُوِىَ عنه، أنَّه لا يجوزُ التَّفْضِيلُ. قال أبو بكرٍ: اخْتارَ أبو عبدِ اللَّهِ أن لا يُفَضلوا. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. قال الشافعىُّ: إنى رأيْتُ اللَّهَ قَسَمَ المَوارِيثَ على العَدَدِ، يكونُ الأخْوَةُ مُتَفاضِلِين في الغَناءِ عن المَيِّتِ، والصِّلَةِ في الحياةِ، والحِفْظِ بعدَ الموتِ، فلا يُفَضَّلُون، وقَسَم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أربعةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ على العَدَدِ، ومنهم مَن يُغْنِى غايةَ الغَناءِ، ويكونُ الفَتْحُ على يَدَيْه، ومنهم مَن يكونُ مَحْضَرُه
إمَّا غيرُ نافِعٍ، وإمَّا ضَررٌ بالجُبْنِ والهزِيمَةِ، وذلك أنَّهم اسْتَوَوْا سبَبِ الاسْتِحْقاقِ، وهو انْتِصابُهم للجِهادِ، فصاروا كالغانِمِين.
قال شيْخُنا : والصَّحيحُ، إن شاءَ اللَّهُ، أنَّ ذلك مُفَوَّضٌ إلى اجْتهادِ الإِمام، يَفْعَلُ ما يَراه مِن تَسْوِيَةٍ وتَفْضِيلٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الأَنْفَالِ، وهذا في مَعْناه. وقد رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه فَرَض للمُهاجِرِين مِن أهْلِ بَدْرٍ خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ، ولأهْلِ بَدْرٍ مِن الأنْصارِ أربعةَ آلافٍ أربعةَ آلافٍ، وفَرَض لأهْلِ الحُدَيْبيَةِ ثلاثةَ آلافٍ ثلاثةَ آلافٍ، ولأهْلِ الفَتْحِ ألْفَيْن ألْفَيْن .
فصل: قال القاضى: ويَتَعَرَّفُ قَدْرَ حاجَةِ أهْلِ العَطاءِ وكِفايَتِهِم، ويَزِيدُ ذا الوَلَدِ مِن أجْلِ ولَدِه، وذا الفَرَسِ مِن أجْلِ فَرَسِه.
وإن كان له عَبِيدٌ في مصالِحِ الحَرْب، حُسِبَتْ مُؤْنَتُهم في كِفايهم،
وإن كانُوا لِزينَةٍ أو تِجارَةٍ، لم تُحْسَبْ مُؤْنتَهم. ويَنْظُرُ في أسْعارِهم في بُلْدانِهم؛ لأنَّ أسْعارَ البلادِ تَخْتَلِفُ، والغَرَضُ الكِفايَةُ، ولهذا تُعْتَبَرُ الذُّرِّيَّةُ والوَلَدُ، فيَخْتَلِفُ عَطاؤُهم لاخْتلافِ ذلك.
وإن كانوا سَواءً في الكِفايةِ، لا يُفَضِّلُ بعْضَهم على بعضٍ، وإنَّما تَتَفاضَلُ كِفايَتُهم، ويُعْطَوْن قَدْرَ كِفايَتِهم، في كلِّ عامٍ مَرَّةً. وهذا، واللَّه أعلمُ، على قَوْلِ مَن رَأْى التَّسْوِيَةَ.
فأمَّا مَن رأى التَّفْضِيلَ، فإنَّه يُفَضِّلُ أهلَ السَّوابِقِ والغَناءِ في الإِسْلامِ على غيرِهم، بحَسَبِ ما يَراه كما فَعَل عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولم يُقَدِّرْ ذلك بالكِفايَةِ. والعَطاءُ الواجِبُ لا يكونُ إلَّا لبالغ يُطِيقُ مِثْلُه القِتالَ، ويكونُ عاقِلًا حُرًّا بَصِيرًا صحيحًا، ليس به مَرَضٌ يَمْنَعُه القِتالَ،
فإن مَرِض الصَّحِيحُ مَرَضًا غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، كالزَّمانَةِ ونحوِها، خرَج مِن المُقاتِلَةِ، وسَقَطَ يسهْمُه،
فإن كان مَرَضًا مَرْجُوَّ الزَّوالِ، كالحُمَّى والصُّدَاعِ والبِرْسامِ ، لم يَسْقُطْ عَطاؤُه؛ لأنَّه في حُكْمِ الصَّحيحِ، ولذلك لا يَستَنِيبُ في الحَجِّ، كالصَّحِيحِ.
١٤٨١ -
(ثُمَّ الْأَنْصَارُ) وَهُمُ الْحَيَّانِ: الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ. وَقُدِّمُوا عَلَى غَيْرِهِمْ، لِسَابِقَتِهِمْ وَآثَارِهِمُ الْجَمِيلَةِ. (ثُمَّ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ) لِيَحْصُلَ التَّعْمِيمُ بِالدَّفْعِ، وَصَرَّحَ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنَّ الْعَرَبَ تُقَدَّمَ عَلَى الْعَجَمِ وَالْمَوَالِي. (وَهَلْ يُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ) بِالسَّابِقَةِ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يُسَوِّي بَيْنَهُمْ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " وَهِيَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ (وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لِأَنَّ الْغَنَائِمَ تُقَسَّمُ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ بِالسَّوِيَّةِ، فَكَذَا الْفَيْءُ.
لَكِنْ أَبُو بَكْرٍ أَعْطَى الْعَبِيدَ، وَمَنَعَهُمْ عَلِيٌّ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ، وَهِيَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ عُمَرُ: لَا أَجْعَلُ مَنْ قَاتَلَ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَنْ قُوتِلَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَسَّمَ النَّفْلَ بَيْنَ أَهْلِهِ مُتَفَاضِلًا عَلَى قَدْرِ غَنَائِهِمْ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ فَرَضَ عُمَرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسَةَ آلَافٍ،
وَمِنَ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَالْعَطَاءُ الْوَاجِبُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِبَالِغٍ عَاقِلٍ حُرٍّ بَصِيرٍ صَحِيحٍ، يُطِيقُ الْقِتَالَ،
فَإِنْ حَدَثَ بِهِ مَرَضٌ غَيْرُ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ كَزَمَانَةٍ وَنَحْوِهَا " فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْأَصَحِّ.
وهل يُفاضِلُ بينَهم؟ على رِوايَتَيْن. قال فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»: وفى جَوازِ التَّفْضِيلِ بينَهم بالسَّابِقَةِ رِوايَتان. فحصَلَ الخِلافُ. وأطْلقَهما فى «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «الشَّرْحِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُحَرَّرِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الزَّرْكَشِىِّ»؛ إحْداهما، لا يجوزُ التَّفاضُلُ بينَهم، بل تجِبُ التَّسْوِيَةُ بينَهم. صحَّحه فى «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يجوزُ التَّفاضُلُ بينَهم لمَعْنًى فيهم. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، وابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِهِ». وصحَّحهُ فى «النَّظْمِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ»، و «نَظْمِ نِهايَةِ اينِ رَزِينٍ». وجزَم به فى «المُنَوِّرِ». وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن».
قال أبو بَكْرٍ: اخْتارَ أبو عبدِ اللَّهِ أنْ لا يُفاضِلَ، مع جَوازِه. قال فى «الفُروعِ»: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو ظاهِرُ كلامِه؛ لفِعْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ.
وعنه، له التَّفْضِيلُ بالسَّابِقَةِ؛ إسْلامًا أو هِجْرَةً. ذكَرَها فى «الرِّعايَةِ».
وقال المُصَنِّفُ: والصَّحيحُ، إنْ شاءَ اللَّه، أن ذلك مُفَوَّضٌ إلى اجْتِهادِ الإِمامِ، فيَفْعَلُ ما يرَاه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ؛ فقد فضل عمرُ وعُثْمانُ، ولم يُفَضِّلْ أبو بَكْرٍ وعلىٍّ، رِضْوانُ اللَّهِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليهم أجْمَعِين.
فائدتان؛ إحْداهما، إذا اسْتَوَى اثْنان مِن أهْلِ الفَىْءِ فى دَرَجَةٍ، فقال فى «المُجَرَّدِ»: يُقَدَّمُ أسَنُّهما، ثم أقْدَمُهما هِجْرَةً.
وقال فى «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: يُقدَّمُ بالسَّابِقَةِ فى الإِسْلامِ، ثم بالدِّينِ، ثم بالسَّبْقِ، ثم بالشَّجاعَةِ، ثم وَلِىُّ الأمْرِ مُخَيَّرٌ؛ إنْ شاءَ أقْرَعَ بينَهما،
وإنْ شاءَ رتَّبَهما على رأْيِه واجْتِهادِه.
وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ، دُفِعَ إِلَى وَرَثَتِهِ حَقُّهُ.
نقَلَه فى «القاعِدَةِ الأخِيرَةِ». الثَّانيةُ، العَطاءُ الواجِبُ لا يكونُ إلَّا لبالغٍ يُطِيقُ مِثْلُه القِتالَ. ويكونُ عاقِلًا حُرًّا بصِيرًا صَحِيحًا، ليس به مرَضٌ يَمْنَعُه القِتالَ،
فإنْ مرِضَ مرَضًا غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، كالزَّمانَةِ ونحوِها، خرَج مِنَ المُقاتِلَةِ، وسقَط سَهْمُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقيل: له فيه حقٌّ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.