يَصِحُّ أَمَانُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُطْلَقًا أَوْ أَسِيرًا وَفِي أَمَانِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ
Its commentaries
بَابُ الْأَمَانِ (يَصِحُّ أمَانُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ، ذَكَرًا كَانَ أو أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُطْلَقًا أو أَسِيرًا. وَفِى أَمانِ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الأمانَ إذا أُعْطِىَ أهلَ الحَرْبِ، حَرُم قَتْلُهم ومالُهم والتَّعرُّضُ لهم.
ويَصِحُّ مِن كلِّ مُسْلم بالغٍ عاقلٍ مُخْتارٍ، ذكرًا كان أَو أُنْثَى، حُرًّا أو عبدًا. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، والأوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ القاسمِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ. ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهُ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ: لا يَصِحُّ أمانُ العبدِ، إلَّا أن يكونَ مَأْذُونًا له في القِتالِ؛ لأنَّه لا يَجِبُ عليه الجِهادُ، فلا يَصِحُّ أمانُه، كالصَّبِىِّ، ولأنَّه مَجْلُوبٌ مِن دارِ الحَرْبِ، فلا يُؤْمَنُ أن يَنْظُرَ لهم في تقْدِيمِ مصْلَحَتِهم. ولَنا، ما روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ، فَمَنْ أخْفَر مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ صرْفٌ وَلَا عَدْلٌ».
رواه البُخارِىُّ . والعبدُ إمّا أن يكونَ أدْناهُم، فيَصِحُّ أمانُه بالحَديثِ، أو يكونَ غيرُه أدْنَى منه، فيَصِحُّ أمانُه بطرَيقِ التَّنْبِيهِ. وروَى فُضَيْلُ بنُ يزيدَ الرَّقاشِىُّ، قال: جَهَّز عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ جَيْشًا، فكنت فيه، فحَصَرْنا مَوْضِعًا، فرَأَيْنَا أنَّا سنَفْتَحُها اليومَ، وجَعَلْنا نُقْبِلُ ونَروحُ، وبَقِىَ عَبْدٌ منّا، فراطَنَهم وراطَنُوه، فَكَتَب لهم الأمانَ في صَحِيفَةٍ، وشَدَّها على سَهْمٍ، ورَمَى بها إليهم، فأخَذُوها، وخَرَجُوا، فكَتَبَ بذلك إلى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، فقال: العَبْدُ المُسْلِمُ رجل مِن المسلمين، ذِمَّتُه ذِمَّتُهم.
رَواه سعيدٌ . ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّفٌ، فصَحَّ أمانُه، كالحُرِّ والمَرْأةِ. وما ذَكَرُوه من التُّهْمَةِ يَبْطُلُ بما إذا أُذِن له في القِتالِ، فإنَّه يَصِحُّ أمانُه، وبالمرأةِ.
فصل: ويَصِحُّ أمانُ المرأةِ، في قولِ الجميعِ. قالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: إن كانتِ المرأةُ لتجِيرُ على المسلمين فيَجُوزُ. وعن أُمِّ هانِىٌّ، أنَّها قالت: يا رسولَ اللَّهِ، قد أجَرْتُ أحْمائِى، وأغْلَقْتُ عليهم،
وإنَّ ابنَ أُمِّى أرادَ قَتْلَهم. فقال لها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قَدْ أَجرْنَا مَنْ أَجرْتِ يَا أُمِّ هَانِئٍ، إِنَّمَا يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدنَاهُم». رَواهما سعيدٌ . وأجارَت زينبُ بنتُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا العاصِ بنَ الرَّبِيعِ، فأمْضاهُ رسولُ اللَّهِ - صلى اللَّه عليه وسلم- .
فصل: ويَصِحُّ أمانُ الأسِيرِ إذا عَقَدَه غيرَ مُكْرَهٍ؛ لدُخُولِه في عُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّف مُخْتَارٌ، أشْبَهَ غيرَ الأسِيرِ.
وكذلك يَصِحُّ أمانُ الأجِيرِ والتّاجِرِ في دارِ الحَرْبِ. وبهذا قال الشافعىّ.
وقال الثَّوْرِىُّ: لا يَصِحُّ أمانُ أحَدٍ منهم. ولَنا، عُمُومُ الحديثِ، والقِياسُ.
فأمَّا الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، ففيه رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يَصِحُّ أمانُه. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، ولا يَلْزمُه بقَولِه حكْمٌ، فلا يَلْزَمُ غيرَه، كالمَجْنونِ. والثانيةُ، يَصِحُّ أمانُه. وهو قولُ مالكٍ. قال أبو بكرٍ: يَصِحُّ أمانُه، رِوايَةً واحدةً. وحَمَل رِوايةَ المَنْعِ على غيرِ المُمَيِّزِ ، واحْتَجَّ بعُمُومِ الحدِيثِ، ولأنَّه مسلمٌ عاقِلٌ، فصَحَّ أمانُه، كالبالِغِ،
بخِلافِ المجنونِ، فإنَّه لا قَوْلَ له أصْلًا.
فصل: ولا يَصِحُّ أمانُ كافِرٍ،
وإن كان ذِمِّيًّا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«ذِمَّةُ المسلمين وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ». فجَعَل الذِّمَّةَ للمسلمين، فلا تَحْصُلُ لغيرِهم، ولأنَّه مُتَّهمٌ على الإِسلامِ وأهْلِه، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ.
ولا يَصِحُّ أمانُ مَجْنونٍ، ولا طِفْلٍ؛ لأنَّ كَلامَه غيرُ مُعْتَبَرٍ، فلا يَثْبُتُ به حُكْم.
ولا يَصِحُّ أمانُ زائِلِ العَقْلِ بنَوْمٍ أو سُكْرٍ أو إغْماءٍ؛ لذلك، ولأنَّه لا يَعْرِفُ المَصْلَحَةَ مِن غيرِها، أشْبَهَ المَجْنونَ.
ولا يَصِحُّ مِن مُكرَهٍ؛ لأنَّه قولٌ أُكْرِهَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ، كالإِقْرارِ.
١٤٨٤ -
بَابُ الْأَمَانِ] الْأَمَانُ ضِدُّ الْخَوْفِ، وَهُوَ مَصْدَرُ: أَمِنَ أَمْنًا، وَأَمَانًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى:{فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ،
وَإِذَا أُعْطُوا الْأَمَانَ حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَأَخْذُ مَالِهِمْ وَالتَّعَرُّضُ إِلَيْهِمْ. (يَصِحُّ أَمَانُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ) أَيِ: الْبَالِغُ الْعَاقِلُ فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ،
وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ كَالْحَرْبِيِّ، وَلَا مِنْ طِفْلٍ، وَمَجْنُونٍ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ،
وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ إِغْمَاءٍ هُوَ كَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمَصْلَحَةَ مِنْ غَيْرِهَا (ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى) نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَجَارَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَأَجَارَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (حُرًّا) اتِّفَاقًا (أَوْ عَبْدًا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِ عُمَرَ: الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ أَمَانُهُ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَصَحَّ أَمَانُهُ بِالْحَدِيثِ،
وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَدْنَى مِنْهُ، فَيَصِحُّ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّ مِنْهُ كَالْحُرِّ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ أَوْ لَا (أَوْ أَسِيرًا) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَلِلْعُمُومِ، وَبَعْضُهُمْ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْحُرَّ الْمُطْلَقَ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْأَمَانِ، لَمْ يَصِحَّ، فَلَا حَاجَةَ لِاخْتِصَاصِ الْأَسِيرِ بِهِ. (وَفِي أَمَانِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ) ؛ إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، كَالْمَجْنُونِ، وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَ الْأَوَّلُ عَلَى غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ عَاقِلٌ، فَصَحَّ مِنْهُ كَالْبَالِغِ،
بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ مُنَجَّزًا، وَمُعَلَّقًا بِشَرْطٍ،
وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا. وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَعَدَمِ الضَّرَرِ عَلَيْنَا،
وَأَنْ لَا تَزِيدَ مُدَّتُهُ عَلَى عَشْرِ سِنِينَ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَفِي جَوَازِ إِقَامَتِهِمْ بِدَارِنَا هَذِهِ الْمُدَّةَ بِلَا جِزْيَةٍ، وَجْهَانِ. وَشَرَطَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لِصِحَّتِهِ مَعْرِفَةَ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ الْإِجْمَاعَ فِي الْمَرْأَةِ بِدُونِ هَذَا الشَّرْطِ
بَابُ الْأَمَانِ يَصِحُّ أَمَانُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ، ذَكَرًا كَانَ أو أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُطْلَقًا أو أَسِيرًا. وَفِى أَمَانِ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ.
بَابُ الْأَمَانِ ويَصِحُّ أمَانُ المُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ، ذَكَرًا كَانَ أو أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُطْلَقًا أَوْ أَسِيرًا. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به أكْثَرُهم.
وقال فى «عُيونِ المَسائِل» وغيرِها: يصِحُّ منهم، بشَرْطِ أن يَعْرِفَ المَصْلَحَةَ فيه. قال فى «الفُروعِ»: وذكَر غيرُ واحدٍ الإجْماعَ فى المَرْأةِ بدُونِ هذا الشَّرْطِ.
وقال فى «المُسْتَوْعِبِ»: يصِحُّ أمانُ المرْأةِ عن القَتْلِ دُونَ الرِّقِّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال: ويُشْتَرَطُ [فى أمانِ الإِمامِ] عدَمُ الضَّرَرِ علينا،
وأنْ لا تَزِيدَ مُدَّتُه على عَشْرِ سِنِين.
وقوْلُه: وأنْ لا تَزِيدَ مُدَّتُه على عَشْرِ سِنِين. جزَم به فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: مفْهومُ كلامِه، أنَّه لا يصِحُّ أمانُ الكافِرِ،
ولو كان ذِمِّيًّا. وهو كذلك. ولا أمَانُ المَجْنونِ، والطِّفْلِ، والمُغْمَى عليه. وهو كذلك.
ولا يصِحُّ أمانُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السَّكْرانِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وخرَّجَ الصِّحَّةَ.
ولا يصِحُّ أمانُ المُكْرَهِ، بلا نِزاعٍ. وفى أمانِ الصَّبِى المُمَيِّزِ رِوايَتان. وأطْلقَهما فى «الهِدايَةِ»،
وَيَصِحُّ أمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَانُ الْأمِيرِ لِمَنْ جُعِلَ بِإِزَائِهِ، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»؛ إحْداهما، يصِحُّ. وهو المذهبُ. جزَم به فى «الوَجيزِ»، و «الهادِى»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَقِيلٍ»، والقاضى فى «الجامِعِ الصَّغِيرِ»، والشِّيرازىُّ، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ، فى «خِلافَيْهما»، و «تَذْكِرَةِ ابن عَبْدُوسٍ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأَزَجِىِّ»، وغيرِهم.
وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ». قال أبو بَكْرٍ: يصِحُّ أمانُه، رِوايَةً واحدةً. وحمَل رِوايَةَ المَنْعِ على غيرِ المُمَيِّزِ. وهو مُقْتَضَى كلامِ شَيْخِه، والزَّرْكَشِىِّ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يصِحُّ أمانُه. ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِىِّ.
فائدة: يصِحُّ أمانُ الإِمامِ للأسِيرِ الكافِرِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه القاضى وغيرُه. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، وَأَمَانُ أحَدِ الرَّعِيَّةِ لِلْوَاحِدِ، وَالْعَشَرَةِ، وَالْقَافِيَةِ.
و «النَّظْمِ»، و «الحاوِيَيْن»، وهو ظاهِر ما جزَم به فى «الرِّعايتَيْن». وظاهِرُ ما قدَّمه فى «الفُروعِ»، أنَّه لا يصِحُّ؛ فإنه قال،
بعدَ أنْ ذكَر صِحَّةَ الأمانِ: وقيلَ: يصِحُّ للأسِيرِ مِنَ الإِمامِ.
وقيل: والأمِيرِ. انتهى. وهو مُشْكِلٌ.
ويصِحُّ أمانُ غيرِ الإِمامِ للأسِيرِ الكافِرِ. نصَّ عليه فى رِوايَةِ أبى طالِبٍ، وقدَّمه فى «المُحَرِّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «النَّظْمِ» و «الحاوِيَيْن». واخْتارَ القاضى عدَمَ الصِّحَّةِ مِن غيرِ الإِمامِ، كما لو كان فيه ضرَرٌ.
وقال فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»: فأمَّا آحَادُ الرَّعِيَّةِ، فليسَ له أمانُه، وذكَر أبو الخَطَّابِ، أنَّه يصِحُّ. انتهيا.
باب الأمان] الأمان جائز بالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: {فَأَجِرْه حتى يسمع كلام الله}.
وأما السنة فما روى علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» رواه البخاري.
قال المصنف رحمه الله: (يصح أمان المسلم المكلف ذكراً كان أو أنثى، حراً أو عبداً، مطلقاً أو أسيراً. وفي أمان الصبي المميز روايتان) .
أما كون أمان المسلم المكلف الذكر يصح فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم:«ذمة المسلمين واحدة ... الحديث».
وأما كونه يصح من الأنثى فلدخولها في ذلك.
ولما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:«إن كانت المرأة لَتُجِير على المسلمين فيجوز».
وأما كونه يصح من العبد فلقوله صلى الله عليه وسلم:«يسعى بها أدناهم».
ولما روى فضيل بن يزيد الرقاشي قال:«جهّز عمر رضي الله عنه جيشاً فحصرنا موضعاً فرأينا أنا سنفتحها اليوم وجعلنا نقبل ونروح فبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه. فكتب لهم الأمان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم فأخذوها وخرجوا. فكتب بذلك إلى عمر رضي الله عنه فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين يجوز أمانه» رواه سعيد. ولأنه مسلم مكلف فصح أمانه كالحر.
وأما كونه يصح من الأسير فلأن لفظ الحديث يشمله.
ولأنه مسلم عاقل أشبه البالغ.
وأما كونه لا يصح منه في رواية فلأن القلم رفع عنه.
ولأنه لا يلزمه بقوله حكم فلأن لا يلزم غيره بطريق الأولى.
وفي قول المصنف رحمه الله: يصح أمان المسلم المكلف إشعار بأنه لا يصح أمان كافر ولا مجنون ولا صبي. وصرح في الكافي بذلك.
أما كونه لا يصح أمان كافر فلأنه ليس منا فلا يدخل في الحديث المتقدم.
ولأنه متهم في الدين فلم يقبل أمانه لمكان التهمة.
وأما كونه لا يصح أمان مجنون فلأنه لا قول له.
وأما الصبي فإن كان طفلاً فلا يصح أمانه لعدم اعتبار قوله،
وإن كان مميزاً ففيه روايتان تقدم ذكرهما.
ويشترط أن لا يكون معطي الأمان مكرهاً؛ لأن قول المكرَه لا يترتب عليه حكم شرعي. ولم يذكره المصنف رحمه الله للعلم به وعادة الأصحاب يشترطونه في الأسير . ولم يشترطه المصنف رحمه الله فيه لأن الحر المطلق لو أكره على الأمان لم يصح فلا حاجة إلى اختصاص الأسير به وإنما ذكره الأصحاب نظراً إلى المظنة بخلاف المطلق.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.