وَإِذَا جَاءَهُ بِالسَّلَمِ قَبْلَ مَحِلِّهِ
Its commentaries
مسألة: (وإذَا جاءَهُ بالسَّلَمِ قَبْلَ مَحِلِّه، ولا ضَرَرَ في قَبْضِه، لَزِمَهُ قَبْضُه، وإلَّا فَلَا) عَبَّرَ بالسَّلَمِ عن المُسْلَمِ فيه، كما يُعَبَّرُ بالسَّرِقَةِ عن المَسْرُوقِ، وبالرَّهْنِ عن المَرْهُونِ. [إذا أحْضَرَ] المُسْلَمَ فيه على الصِّفَةِ المَشْرُوطَةِ، لم يَخْلُ من أَحْوالٍ ثَلَاثةٍ؛ أحدُها، أنْ يُحْضِرَه في مَحِلِّه، فَيَلْزَمُ قَبُولُه؛ كالمَبِيعِ المُعَيَّنِ، سَواءٌ تَضَرَّرَ بقَبْضِه أَوْ لَا؛ لأنَّ عَلَى المُسْلَمِ إليه ضَرَرًا في بقائِه في يَدِه.
فإنِ امْتَنَعَ، قِيلَ له: إمَّا أنْ تَقْبِضَ حَقَّكَ، أو تُبْرِئَ منه.
[فإن أبى، قَبَضَه الحَاكمُ له، وبَرِئَت ذِمَّةُ المُسْلَمِ إليه منه]، لأنَّ قَبْضَ الحاكِمِ قامَ مَقامَ قَبْضِ المُمْتَنِعِ، بولَايِته، إلَّا أنّه ليس له الإِبرَاءُ. الحالُ الثانِي، أنْ يُحْضِرَهَ بعدَ مَحِلِّ الوُجُوبِ، فهو كما لو أحْضَرَ المَبِيعَ بعدَ تَفَرُّقِهِما. الحالُ الثالِثُ، أنْ يُحْضِرَهُ قبلَ مَحِلِّه، فيُنْظَرُ؛
فإن كان في قَبْضِه قبلَ المَحِلِّ ضَرَرٌ،
إمّا لكَوْنِه ممَّا يَتَغَيَّرُ، كالفاكِهَةِ والأطْعِمَةِ كُلِّها، أو كان قَدِيمُه دُونَ حَدِيِثه، كالحُبُوبِ ونحو هذا، لم يَلْزَمِ المُسْلِمَ قَبُولُه؛ لأنَّ له غَرَضًا في تَأْخِيرِه، بأَن يَحْتَاج إلى أَكْلِه أو إِطْعَامِهِ في ذلك الوَقْتِ،
وكذلك الحَيَوانُ؛ لأنَّه لا يأُمَنُ تَلَفَه، ويَحْتَاجُ إلى المُؤْنَةِ. وهكذا إن كان مما يُحْتَاجُ في حِفْظِه إلى مُؤْنَةٍ، كالقُطْنِ ونحوه، أو كان الوَقْتُ مَخُوفًا يَخْشَى على ما يَقْبِضُه، فلا يَلْزَمُه الأَخْذُ في هذه الأَحْوالِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في قَبْضِه، ولم يأْتِ مَحِلُّ اسْتِحْقَاقِه له، ففو كنَقْصِ صِفَةٍ فيه.
وإنْ كان ممّا لا ضَرَرَ في قَبْضِه، ولا يَتَغَيَّرُ؛ كالحَدِيدِ، والرَّصَاصِ، والنُّحَاسِ؛ فإنّه يَسْتَوي فيه قَدِيمُه وحَدِيثُه، ونحوُ ذلك الزَّيتُ والعَسَلُ، ولم يَكُنْ في قَبْضِه ضَرَرُ الخَوْفِ، ولا تحَمُّلُ مُؤْنَةٍ، فَعَلَيه قَبْضُه؛ لحُصُولِ غَرَضِه مع زِيادَةِ تَعْجِيلِ المَنْفَعَةِ، فَجَرى مَجْرَى زِيادَةِ الصِّفَةِ، وزِيَادَةِ الجَوْدَةِ في المُسْلَمَ فيه.
(وَإِذَا جَاءَهُ بِالسَّلَمِ) أَيْ: الْمُسْلَمُ فِيهِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَفْعُولُ، كَمَا يُعَبَّرُ عَنِ السَّرِقَةِ بِالْمَسْرُوقِ وَبِالرَّهْنِ عَنِ الْمَرْهُونِ (قَبْلَ مَحِلِّهِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ
Adds nothing on this mas’ala.
وإذا جاءَه بدونِ ما وصَفَه له، أو بنَوْعٍ آخَرَ، فله أَخْذُه. إذا جاءَه بدُونِ ما وصَف مِن نَوْعِه، فلا خِلافَ أنَّه مُخَيَّرٌ في أخْذِه.
وإنْ جاءَه بنَوْعٍ آخَرَ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه مُخَيَّرٌ أيضًا في أخْذِه وعدَمِه. جزَم به في «الوَجيزِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهما. واخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه. وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الكافِي» -وقال: هو أصحُّ- وغيرِهم. وعندَ القاضي وغيرِه، يَلْزَمُ أخْذُه إذا لم يَكُنْ أدْنَى مِنَ النَّوْعِ المُشْتَرَطِ. واخْتارَه المَجْدُ، وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «المُحَرَّرِ».
وعنه، يَحْرُمُ أخْذُه، كأخْذِ غيرِ جِنْسِه. نقَلَه جماعَةٌ عن أحمدَ. وأطْلَقهُنَّ الزَّرْكَشِيُّ، وأطْلَقَ في «التَّلْخيصِ»، في الأَخْذِ وعدَمِه، رِوايتَين.
وقال: بِناءً على كوْنِ النَّوْعِيَّةِ تَجْرِي مَجْرَى الصِّفَةِ أو الجِنْسِ.
وَإِنْ جَاءَهُ بِجِنْسٍ آخَرَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ.
وَإنْ جَاءَهُ بِأَجْوَدَ مِنْهُ مِنْ نَوْعِهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ،
وإذا جاءَه بالسَّلَمِ قبلَ مَحِلِّه، ولا ضرَرَ في قَبْضِه، لَزِمَه قَبْضُه، وإلَّا فلا. هذا المذهبُ. نقلَه الجماعَةُ عن أحمدَ. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الحاوي»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «الرَّوْضَةِ»: إنْ كان ممَّا يَتْلَفُ، أو يتَغَيَّرُ قَدِيمُه أو حَدِيثُه، لَزِمَه قَبْضُه، وإلَّا فلا. وقطَع القاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم، أنَّه إذا كان ممَّا يَتْلَفُ، أو يتَغَيَّرُ قَدِيمُه أو حَدِيثُه، لا يَلْزَمُ قَبْضُه، للضَّرَرِ . وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
تنبيه: عبَّر المُصَنِّفُ -رَحِمَه اللهُ- بالسَّلَمِ عنِ المُسْلَمِ فيه، كما يُعَبَّرُ بالسَّرِقَةِ عنِ المَسْرُوقِ، وبالرَّهْنِ عنِ المَرْهُونِ.
فائدتان؛ إحْداهما، حيثُ قلْنا: يَلْزَمُه قَبْضُه. وامْتنَعَ منه،
قيل له: إمَّا أنْ تَقْبِضَ حقَّك، أو تُبْرِئ منه.
فإنْ أبَى رُفِعَ الأمْرُ إلى الحاكِمِ، فيَقْبِضُه له.
قال في «الفُروعِ»: هذا المَشْهورُ. وجزَم به في «الشَّرْحِ» هنا،
وكذلك في فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَّ الْوُجُودِ فِي مَحِلِّهِ، «الكافِي».
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ أيضًا: إنْ أبَى قَبْضَه، بَرِئَ. ذكَراه في المَكْفُولِ به.
قال في «القاعِدَةِ الثَّالثَةِ والعِشْرِين»: لو أتاه الغَرِيمُ بدَينِه الذي يجبُ عليه قَبْضُه، فأبَى أنْ يَقْبِضَه،
قال في «المُغْنِي»: يَقْبِضُه الحاكمُ، وتَبْرأُ ذِمَّةُ الغَريم؛ لِقيامِ الحاكمِ مَقامَ المُمْتَنِعِ بولايَتِه. الثَّانيةُ،
وكذا الحُكْمُ في كُلِّ دَينٍ لم يحِلَّ، إذا أتَى به قبلَ مَحِلِّه. ذكَرَه في «الفُروعِ» وغيرِه. ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، في بابِ الكِتابةِ : إذا عَجَّلَها قبلَ مَحِلِّها.
قال: (وإذا جاءه بالسلم قبل مَحِلِّه ولا ضرر في قبضه لزمه قبضه، وإلا فلا) .
أما كون المسلِم يلزمه قبض ما لا ضرر في قبضه كالحديد والرصاص والنحاس والزيت والعسل وسائر ما لا يختلف قديمه وحديثه إذا جاء به قبل محله؛ فلأن غرضه حاصل وزيادة تعجيل المنفعة فجرى مجرى زيادة الصفة.
وأما كونه لا يلزمه قبض ما في قبضه ضرر
إما لكونه مما يتغير كالفاكهة والأطعمة كلها،
وإما لكون قديمه دون حديثه كالحبوب ونحوها؛ فلأن له غرضاً في تأخيره بأن يحتاج إلى أكله أو إطعامه في ذلك الوقت.
وكذا الحيوان لا يلزم قبضه قبل محله لأنه لا يأمن تلفه ويحتاج إلى نفقة
وكذا ما يحتاج في حفظه إلى مؤونة كالقطن ونحوه.
وكذا لو كان الوقت مخوفاً يخشى تلف ما يقبضه لأن عليه ضرراً في قبضه ولم يأت محل استحقاقه فجرى مجرى نقصان الصفة فيه.
وفي قول المصنف رحمه الله: قبل مَحِلِّه إشعار بأنه إذا جاء بالمسلَم فيه في محله لزمه قبضه سواء كان في قبضه ضرر أو لم يكن لأنه أتاه بحقه في محله فلزمه قبضه كالمبيع المعين.
فإن امتنع من قبضه قيل له
إما أن تقبض أو تبرئ.
فإن امتنع من أحدهما قبضه الحاكم وبرئت ذمة الدافع لأن الحاكم يقوم مقام الممتنع بولايته إلا أنه لا يملك الإبراء لما فيه من الضرر.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.