وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ
Its commentaries
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ الله عنه: (ويَتَعَلَّقُ بالحَجْرِ عليه أرْبَعَةُ أحْكامٍ؛ أحَدُها، تَعَلُّقُ حَقِّ الغُرَماءِ بمالِه، فلا يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، ولا يُقْبَلُ إقْرارُه عليه، إلَّا العِتْقَ على إحْدَى الرِّوايَتَين) متى حُجر على المُفْلِسِ، لم يَنْفُذْ تَصَرُّفُه في شيءٍ مِن مالِه،
فإن تَصَرَّفَ فيه ببَيع، أَو هِبَةٍ، أو وَقْفٍ، أو أصْدَقَ امرأةً مالًا له، أو نحو ذلك، لم يَصِحَّ. وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ في قولٍ،
وقال في آخَرَ: يَقِفُ تَصَرُّفُه،
فإن كان فيما بَقِيَ مِن مالِه وفاءُ الغُرَماءِ نَفَذ ، وإلَّا بَطَل. ولَنا، أنَّ حُقُوقَ الغُرَماء تَعَلَّقَتْ بأعْيانِ مالِه، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه فيها، كالعَينِ المَرْهُونَةِ، ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه بحُكْمِ حاكِمٍ، فأشْبَهَ السَّفِيهَ.
فإن أقَرَّ بدَينٍ، لم يُقْبَلْ في الحالِ، ويُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه. نَصَّ عليه. وهو قوْلُ مالِكٍ، ومحمدِ بن الحَسَنِ، والثوْرِيِّ، والشافعيِّ في قولٍ،
وقال في الآخَرِ: يُشارِكُهم. اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه دَينٌ ثابتٌ مُضافٌ إلى ما قبلَ الحَجْرِ، فشارَكَ صاحِبُه الغُرَماءَ، كما لو ثَبَت ببَيِّنَةٍ. ولَنا، أنَّه مَحْجُورٌ عليه، فلم يَصِحَّ إقْرارُه فيما حُجِر عليه فيه، كالسَّفِيهِ، ولأنَّه إقْرارٌ يُبْطِلُ ثُبُوتُه حَقَّ غيرِ المُقِرِّ، فلم يُقْبَلْ، أو إقْرار على الغُرَماءِ، فلم يُقْبَلْ، كإقْرارِ الرّاهِنِ، ولأنَّه مُتَّهَمٌ في إقْرارِه، وفارَقَ البَيِّنَةَ، فإنَّه لا تُهْمَةَ في حَقِّها.
فإن كان المُفْلِسُ صانِعًا، كالقَصَّارِ ، والحائِكِ، في يَدِه مَتاعٌ، فأقَرَّ به لأرْبابِه، لم يُقْبَلْ، والقَوْلُ فيها كالتي قبلَها. وتُباعُ العَينُ التي في يَدِه، وتُقْسَمُ بينَ الغُرَماءِ، وتَكُونُ قِيمَتُها واجِبَةً على المُفْلِسِ إذا قَدَر عليها؛ لأنَّها انْصَرَفَتْ في وَفاءِ دَينِه بسَبَبٍ مِن جِهَتِه، فكانت قِيمَتُها عليه، كما لو أذِنَ في ذلك.
وإن تَوَجَّهَتْ على المُفْلِسِ يَمِين، فنَكَلَ عنها، فَقُضِيَ عليه، فحُكْمُه حُكْمُ إقْرارِه، يَلْزَمُ في حَقِّه دُونَ الغُرَماءِ.
فإن أعْتَقَ بعضَ رَقِيقِه، صَحَّ، في إحْدَى الرِّوايَتَين، ونَفَذ. وهو قولُ أبي يُوسُفَ، وإسحاقَ، لأنَّه عِتْقٌ مِن مالِكٍ رَشِيدٍ، فنَفَذَ، كما قبلَ الحَجْرِ. وفارَقَ سائِرَ التَّصَرُّفاتِ؛ لأنَّ للعِتْقِ تَغْلِيبًا وسِرايَةً، ولهذا يَسْرِي إلى مِلْكِ الغيرِ،
بخِلافِ غَيرِه. والأُخْرَى، لا يَنْفُذُ عِتْقُه. وبه قال مالِكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ. واخْتارَه أبو الخَطّاب في «رُءُوسِ المَسائِلِ»؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن التبرعِ لحَقِّ الغُرَماءِ، فلم يَنْفُذْ عِتْقُه، كالمَرِيضِ الذي يَسْتَغْرِقُ دَينُه ماله.
وأمّا سِرايَتُه إلى مِلْكِ الغَيرِ،
فمِن شَرْطِه أن يَكُونَ مُوسِرًا، يُوخَذُ منه قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِه، ولا يَتَضَرَّرُ،
ولو كان مُعْسِرًا، لم يَنْفُذْ عِتْقُه إلَّا في مِلْكِه، صِيانَةً لحَقِّ الغيرِ وحِفْظًا له عن الضَّياعِ. كذا ها هنا. وهذا أصَحُّ، إن شاء الله تعالى. ١٩١٢ -
(وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ) ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ
فَائِدَةٌ، وَلِأَنَّهُ يُبَاعُ فِي دُيُونِهِمْ فَكَانَتْ حُقُوقُهُمْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ كَالرَّهْنِ
ويَتَعَلَّقُ بالحَجْرِ عليه أرْبَعَةُ أحْكامٍ؛ أحَدُها، تَعَلُّقُ حَقِّ الغُرَماءِ بمالِه، فلا يُقْبَلُ إقْرَارُه عليه، ولا يَصِح تَصَرُّفُه فيه، إلَّا بالعِتْقِ على إحْدَى الرِّوايتَين. اعْلمْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه إذا كان عليه دَينٌ أكثرُ مِن مالِه، وتَصَرَّفَ، فلا يَخْلُو؛
إمَّا أنْ يكونَ تصَرُّفُه قبلَ الحَجْرِ عليه، أو بعدَه؛
فإنْ كان قبلَ الحَجْرِ عليه، صحَّ تصَرُّفُه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم،
ولو اسْتَغْرَقَ جميعَ مالِه، حتى
قال في «المُسْتَوْعِبِ» وغيرِه: لا يَخْتَلِفُ المذهبُ في ذلك.
وقيل: لا يَنْفُذُ تصَرُّفُه. ذكَرَه الشيخُ تَقِي الدِّينِ، وحَكاه رِوايةً، واخْتارَه. وسألَه جَعْفَر: مَن عليه دَين، يتَصَدَّقُ بشيءٍ؛ قال: الشَّيء اليَسِيرُ، وقَضاءُ دَينهِ أوْجَبُ عليه.
قلتُ: وهذا القَوْلُ هو الصَّوابُ، خُصوصًا وقد كَثُرَتْ حِيَلُ النَّاسِ. وجزَم به في «القاعِدَةِ الثَّالِثَةِ والخَمْسِين»،
وقال: المُفْلِسُ إذا طلَب البائعُ منه سِلْعَتَه التي يَرْجِعُ بها قبلَ الحَجْرِ، لم يَنْفُذْ تَصرُّفُه. نصَّ عليه. وذكَر في ذلك ثَلاثَةَ نُصُوصٍ، لكِنَّ ذلك مَخْصوصٌ بمُطالبَةِ البائعِ.
وعنه، له مَنْعُ ابنِه مِن التَّصَرُّفِ في مالِه بما يَضُرُّه. ونقَل حَنْبَلٌ في مَن تصَدَّقَ وأبَواه فَقِيران، رُدَّ عليهما، لا لمَن دُونَهما. ونصَّ في رِوايَةٍ، على أن مَن أوْصَى لأجانِبَ، وله أقارِبٌ مُحْتاجُونَ، أنَّ الوَصِيَّةَ تُرَدُّ عليهم.
قال في «القاعِدَةِ الحادِيَةَ عَشَرَ»: فيُخَرَّجُ مِن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك، أن مَن تبَرَّعَ وعليه نفَقَةٌ واجِبَةٌ لوارِثٍ، أو دَينٌ، وليس له وَفاءٌ، أنَّه يُرَدُّ. ولهذا يُباعُ المُدَبَّرُ في الدَّينِ خاصَّةً، على رِوايَةٍ. ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ، في مَن تصَدَّقَ عندَ مَوْتِه بمالِه كلِّه، قال: هذا مَرْدُودٌ،
ولو كان في حَياتِه، لم أُجَوِّزْ إذا كان له وَلَدٌ. فعلى المذهبِ، يَحْرُمُ عليه التَّصَرُّف إنْ أضَرَّ بغَرِيمِه. ذكَرَه الآدَمِيُّ البَغْدادِيُّ، واقْتصَرَ عليه في «الفُروعِ»، وهو حَسَنٌ.
وإنْ تصَرَّفَ بعدَ الحَجْرِ عليه، فلا يَخْلُو؛
إمَّا أنْ يتَصَرَّفَ بالعِتْقِ أو بغيرِه،
فإنْ تصَرَّفَ بالعِتْقِ، فأطْلقَ المُصَنِّفُ في صِحَّةِ عِتْقِه رِوايتَين. وأطْلَقَهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، و «الهادِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغةِ»، وغيرِهم؛ إحْداهما، لا يصِحُّ. وهو المذهبُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والزَّرْكَشِيُّ، في كتابِ العِتْقِ: هذا أصحُّ. واخْتارَه أبو الخَطَّابِ في «رُءُوسِ المَسائلِ»، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «والمُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأزَجِيِّ»، وغيرِهم. وصحَّحه في «التَّصْحيحِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ».
والرِّوايَةُ الثَّانيَةُ، يصِحُّ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، والقاضي، والشَّرِيفُ. قاله الزَّرْكَشِيُّ.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: يصِحُّ عِتْقُه على الأقْيَسِ.
وإنْ تصرَّفَ بغيرِ العِتْقِ، فلا يَخْلُو؛
إمَّا أنْ يكونَ بتَدْبِيرِ رَقيقِه أو غيرِه؛
فإنْ كان بالتَّدْبيرِ، صحَّ، بلا نِزاع أعْلَمُه.
وإنْ كان بغيرِه، فلا يَخْلُو؛
إمَّا أنْ يكونَ بالشَّيءِ اليَسِيرِ، أو غيرِه؛
فإنْ كان بالشَّيءِ اليَسِيرِ، لم يَنْفُذْ تصرُّفُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.
وفي «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَةِ»، يصِحُّ تصرُّفُه بالصَّدقَةِ في الشَّيءِ اليَسِيرِ. زادَ في «الرِّعايَةِ»، بشَرْطِ أنْ لا يَضُرَّ.
قلتُ: إذا كانتِ العادَةُ ممَّا جرَتْ به، وسامَحَ بمِثْلِه، فيَنْبَغِي أنْ يصِحَّ تصرُّفُه بلا خِلافٍ.
وفي «الرِّعايَةِ» وغيرِها: تصِحُّ وَصِيَّتُه، بشَرْطِ أنْ لا يَضرَّ بمالِه. انتهى.
وإنْ كان تصرُّفُه بغيرِ اليَسِيرِ، لم يصِحَّ تصَرفُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، ونصَّ وَإنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ، أَوْ ضَمَانٍ، أو إِقْرَارٍ، صَحَّ. وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ.
عليه. ونقَل مُوسى بنُ سَعِيدٍ، إنْ تصَرَّفَ قبلَ طَلَبِ رَبِّ العَينِ لها، جازَ، لا بعدَه.
فائدتان؛ إحْداهما، لو باعَ ماله لغَرِيمٍ بكُلِّ الدَّينِ الذي عليه، ففي صِحَّتِه وَجْهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
قال في «الرِّعايَةِ»: يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، يصِحُّ لرِضاهما به. وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله. والوَجْهُ الثَّانِي، لا يصِحُّ؛ لاحْتِمالِ ظُهورِ غَرِيمٍ آخَرَ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. الثَّانيةُ، يَمْلِكُ رَدَّ مَعِيبٍ اشْتَراه قبلَ الحَجْم، ويَمْلِكُ الرَّدَّ بخِيارٍ، غيرَ مُتَقَيِّدٍ بالأحَظِّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «التَّلْخيصِ»: ولا يتَقَيَّدُ بالأحَظِّ على الأظْهَرِ.
قال في «الفائقِ»: هذا أصحُّ الوَجْهَين وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الحاويَيْن»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»؛ فإنَّهما قالا: وله رَدُّ ما اشْتَراه قبلَ الحَجْرِ بعَيبٍ أو خِيارٍ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو المَشْهورُ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، في الثَّانيةِ.
وقيل: إنْ كان فيه حَظٌّ نفَذ تصَرُّفُه، وإلَّا فلا.
قال في «التَّلْخيصِ»: وهو قِياسُ المذهبِ. قلتُ: وهو الصَّوابُ.
فصل [في أحكام الحجر] قال المصنف رحمه الله: (ويتعلق عليه بالحجر أربعة أحكام: أحدها: تعلق حق الغرماء بماله. فلا يقبل إقراره عليه.
ولا يصح تصرفه فيه إلا العتق على إحدى الروايتين).
أما كون المال المذكور يتعلق به أربعة أحكام إذا حجر على مالكه فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وأما كون حق الغرماء يتعلق به؛ فلأنه لو لم يكن كذلك لما كان في الحجر
فائدة.
ولأنه يباع في ديونهم فكانت حقوقهم متعلقة به كالرهن.
وأما كونه لا يقبل إقراره عليه؛ فلأنه مال متعلّق به حق الغير فلم يقبل الإقرار عليه كالعين المرهونة.
وأما كونه إذا تصرف فيه بغير العتق لا يصح فلما ذكر.
ولأنه محجور عليه بحكم الحاكم فلم يصح تصرفه فيه كالسفيه.
وأما كونه إذا تصرف بالعتق لا يصح على روايةٍ فلما ذكر.
ولأن حق الغرماء تعلق بماله فمنع صحة عتقه كما لو كان مريضاً.
وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأنه عتق من مالك رشيد صحيح. أشبه عتق الراهن.
ولأن للشارع تشوفاً إلى العتق. ولذلك صحح معلقه وكمثل مبعضه.
قال صاحب النهاية فيها: لعل الأول أولى لأن الحاكم لم ينشئ الحجر إلا للمنع من التصرف،
وفي صحة العتق إبطال لذلك.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.