وَعَظْمُهَا، وَقَرْنُهَا، وَظُفْرُهَا نَجِسٌ وَصُوفُهَا، وَشَعَرُهَا، وَرِيشُهَا طَاهِرٌ
Its commentaries
٣٨ - مسألة؛ قال: (وعَظْمُها وقَرْنُها وظُفرُها نَجِسٌ) عِظامُ المَيتَةِ النَّجِسَةِ نَجِسَةٌ، مأكُولَةَ اللّحْمِ، أو غَيرِها كالفِيَلَةِ، لا تَطْهُرُ بِحالٍ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. ورَخَّص في الانْتِفاعِ بعظامِ الفِيَلَةِ محمدُ بن سِيرِينَ، وابنُ جُرَيجٍ؛ لِما رَوَى أبو داودَ [بإسْنادِه عن ثوْبَانَ]، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -[قال: «اشْتَرِ] لفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ وَسِوَارَينِ مِنْ عَاجٍ».
وقال مالكٌ: إنَّ الفِيلَ إنْ ذُكِّيَ فعَظْمُه طاهِرٌ، وإلَّا فهو نَجِسٌ. لأنَّ الفِيلَ مأْكُولٌ عندَه.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: عِظامُ المَيتاتِ طاهِرَة؛ لأنَّ الموت لا يُحِلُّها، فلا تَنْجُسُ به، كالشَّعَرِ. ولَنا، قولُ الله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ}. والعَظْمُ مِن جُمْلَتِها، فيَكُونُ مُحَرَّمًا، والفِيلُ لا يُؤْكَلُ لحمُه، فيكونُ نَجِسًا على كلِّ حالٍ، والدَّلِيلُ على تَحرِيمِه نَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن كلِّ ذِى نابٍ مِن السِّباعِ. مُتَّفَقٌ عليه ، والفِيلُ أعْظَمُها نابًا. وحديثُ ثَوْبَانَ، قال الخَطّابِيُّ، عن الأصْمَعِيُّ : العاج: الذَّبْلُ . ويقال: هو عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفاةِ البَحْريِّةِ .
وقولُهم: إنَّ العِظامَ لا يُحِلُّها الموتُ. مَمْنُوعٌ، لأنَّ الحياةَ تُحِلُّها، وكلُّ ما تُحِلُّه الحياةُ يُحِلُّه الموتُ؛ بدَلِيلِ قولِه تعالى:{قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}. ولأنَّ دليلَ الحياةِ الإحساسُ والأَلَمُ، وهو في العَظْمِ أشَدُّ مِنه في اللَّحمِ، والضِّرْسُ يأْلَمُ، ويَلْحَقُه الضَّرَسُ ، ويُحِسُّ ببَرْدِ الماءِ وحَرارتِه، وما يُحِلُّه الموتُ يَنْجُسُ، والقَرْنُ والظُّفْرُ والحافِرُ كالعَظْمِ؛ إن أُخِذَ مِن مُذَكَّى فهو طاهرٌ،
وإن أُخِذ مِن حَيٍّ فهو نَجِسٌ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا يُقْطعُ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيتَة». رواه التِّرْمِذِيُّ ،
وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وكذلك ما يَتَساقَطُ مِن قُرُونِ الوُعُولِ في حياتِها، ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا طاهرٌ؛ لأنَّه طاهرٌ مُتَّصِلًا مع عَدَمِ الحياةِ فيه، فلم يَنْجُسْ بفَصْلِه مِن الحيوان كالشَّعَرِ. والخَبَرُ أُرِيدَ به ما يُقْطعُ مِن البَهِيمَةِ مِمّا فيه حياةٌ فيَمُوتُ بفَصْلِه، بدليلِ الشَّعَرِ،
فأمّا ما لا يَنْجُسُ بالموتِ كالسَّمَكِ، فلا بأْسَ بعِظامِه؛ لأنَّه لا يَنْجُسُ بالموتِ، فهو كالمُذَكَّى.
٣٩ - مسألة؛ قال: (وصُوفُها وشَعَرُها ورِيشُها طاهِرٌ) يعني: شَعَرَ ما كان طاهرًا في حياتِه وصُوفَه. رُوى ذلك عن الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ. وبه قال مالكٌ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْي. ورُوى عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه نَجِسٌ. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه يَنْمِي مِن الحيوانِ، فنَجُسَ بمَوْتِه، كأعْضائِه. ولَنا، ما رُوىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لا بَأْسَ بِمَسْكِ الْمَيتَةِ إذَا دُبغَ، وَصُوفِهَا وَشَعَرِهَا إذَا غُسِلَ».
رواه الدّارَقُطْنِيُّ ، وقال: لم يأْتِ به إلَّا يوسُفُ بنُ السَّفْرِ، وهو ضَعِيفٌ. ولأنَّه لا تَفتَقِرُ طهارةُ مُنْفَصِلِه إلى ذَكاةِ أصْلِه، فلم يَنْجُسْ بمَوْتِه، كأجْزاءِ السَّمَكِ والجَرادِ. ولأنَّه لا حياةَ فيه، وما لا تُحِلُّه الحياةُ لا يموتُ، والدَّلِيلُ على أنَّه لا حياةَ فيه، أنَّه لو كان فيه حياةٌ لَنَجُسِ بفَصْلِه مِن الحيوانِ، في حالِ حَياتِه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فهُوَ مَيِّتٌ». رواه أبو داودَ بمعناه.
وما ذكَرُوه يَنْتقِضُ بالبَيضِ، ويُفارِقُ الأعضاءَ؛ لأنَّ فيها حياةً، ولذلكَ تَنْجُسُ بفَصْلِها مِن الحيوانِ حال حياتِه، والنُّمُوُّ لا يَدُلُّ على الحياةِ، بدليلِ نُمُوِّ الشَّجَرِ، والرِّيشُ كالشَّعَرِ؛ لأنَّه في مَعْناه،
فأمّا أصُولُ الرِّيشِ والشَّعَرِ، إذا نُتِفَ مِن المَيتَةِ وهو رَطْبٌ، فهو نَجِسٌ برُطُوبةِ المَيتَةِ، وهل يَطْهُرُ بالغَسْلِ؟ على وَجْهَين؛ أحدُهما، يَطهُرُ كرُءُوسِ الشَّعَرِ إذا تَنَجَّس.
والثاني، لا يَطهُرُ؛ لأنَّه جُزْءٌ مِن اللَّحْمِ لم يَكمُلْ شعرًا ولاريشًا.
فصل: وشَعَرُ الآدَمِيّ طاهرٌ؛ مُنْفَصِلًا ومُتَّصِلًا، في الحياةِ والموتِ.
وقال الشافعيُّ في أحدِ قوْلَيه: يَنْجُسُ بفَصْلِهِ. [ولهم في شَعَرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَجْهانِ؛ أحَدُهما، هو نَجِسٌ كعُضْوه]. ولَنا، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَّق شَعَرَه بينَ أصحابِه، قال أنَسٌ: لَمّا رَمَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ونَحَر نُسُكَه، ناوَلَ الحالِقَ شِقَّه الأيمَنَ، فحَلَقَه، ثم دَعا أبا طَلْحَةَ الأْنصارِيَّ، فأعطاهُ إيَّاهُ، ثم ناوَلَه الشِّقَّ الأيسَرَ، فقال:«احْلِقْ». فحَلَقَه، وأعطاه أبا طَلْحَةَ، فقال:«اقْسِمْهُ بَينَ النَّاسِ».
رواه مسلم . ورُوىَ أنَّ مُعاويةَ أوْصَى أن يُجْعَلَ نَصِيبُه منه في فِيه إذا ماتَ. وكان في قَلَنْسُوَةِ خالدٍ شَعَراتٌ مِن شَعرِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -،
ولو كان نَجِسًا لَما ساغَ ذلك،
ولَما فَرَّقَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد عَلِم أنَّهم يأْخُذُونَه يَتَبَرَّكُون به ، وما كان طاهرًا مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان طاهرًا مِمَّن سِواه، كسائِرِه. ولأنَّه شَعَرٌ مُتَّصِلُه طاهرٌ، فكذلك مُنْفَصِلُه، كشعرِ الحيواناتِ الطاهرةِ،
وكذلك نَقُولُ في أعْضاءِ الآدَمِيِّ،
وإن سَلَّمْنا نجاسَتَها، فإنَّها تَنْجُسُ مِن الحيواناتِ بفَصْلِها في الحياةِ،
بخلافِ الشعرِ، فحَصَل الفَرْقُ.
فصل: ولا يَجوزُ اسْتِعْمالُ شَعَرِ الآدَمِيِّ وإن كان طاهرًا؛ لحُرْمَتِه لا لنجاسَتِه، ذكرَه ابنُ عَقِيلٍ.
فأما الصلاةُ فيه فصَحِيحةٌ. فصل: وكلُّ حيوانٍ فحُكمُ شَعَرِه حكمُ بَقِيَّةِ أجْزائِه في النجاسةِ والطهارةِ، لا فَرْقَ بينَ حالةِ الحياةِ والموتِ، إلَّا أنَّ الحيواناتِ التي حَكَمْنا بطَهارتِها لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ، كالهِرِّ وما دونَها، فيها بعدَ الموتِ وَجْهان؛ أحدُهما، نجاسَتُها؛ لأنَّها كانت طاهرةً في الحياةِ، مع وجودِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ لمُعارِضٍ، وهو عَدَمُ إمكانِ التَّحَرُّزِ عنها، وقد زال ذلك بالموتِ، فَتَنْتَفِي الطهارةُ.
والثاني، هي طاهرةٌ. وهو أصَحُّ؛ لأنَّها كانت طاهرةً في الحياةِ، والموتُ لا يقْتَضِي تَنْجِيسَها، فتَبْقَى طاهرةً. وما ذُكِر للوَجْهِ الأوَّلِ لا يَصِحُّ، ولا نُسَلِّمُ وجودَ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ،
وإن سَلَّمْناه غيرَ أنَّ الشَّرْعَ ألغاهُ، ولم يَعْتَبِرْه في موضِعٍ، فليس لنا اعتبارُه بالتَّحَكُّمِ.
فصل: وهل يَجُوزُ الخَرْزُ بشَعَرِ الخِنْزِيرِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، كَراهَتُه. حُكِي ذلك عن الحسنِ، وابنِ سِيرينَ، وإسحاقَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه استعمالٌ للعَينِ النَّجِسَةِ، ولا يَسلَمُ مِن التَّنْجِيسِ بها، فحَرُمَ الانْتِفاعُ بها، كجِلْدِه. والثانية، يجوزُ الخَرْزُ به. قال: وباللِّيفِ أحَبُّ إلينا. ورَخَّص فيه الحسنُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ،. وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ الحاجةَ تَدْعُو إليه.
فإذا خَرَز به شيئًا رَطْبًا، أو كانت الشَّعْرَةُ رَطْبَةً نَجُسَ، وَيَطْهُرُ بالغَسْلِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد رُوِيَ عن أحمد، أنَّه لا بأْسَ به. ولَعَلَّه قال ذلك لأنَّه لا يَسلَمُ الناسُ مِنه،
وفي تَكْلِيفِ غَسْلِه إتلافُ أموالِ الناسِ. قال شيخُنا: والظَّاهِرُ أنَّ أحمدَ إنَّما عَنَى: لا بأْسَ بالخَرْزِ.
فأمّا الطهارةُ فلا بُدَّ مِنها . [
(وَعَظْمُهَا، وَقَرْنُهَا، وَظُفْرُهَا) وَسِنُّهَا، وَحَافِرُهَا، وَعَصَبُهَا (نَجِسٌ) نُصَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَأْكُولٍ، أَوْ غَيْرِهِ، كَالْفِيلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} ، وَالْعَظْمُ مِنْ جُمْلَتِهَا، فَيَكُونُ مُحَرَّمًا،
وَعَنْهُ: طَاهِرٌ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُحِلُّهَا، فَلَا تَنْجُسُ بِالْمَوْتِ كَالشَّعَرِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانَ:«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا ثَوْبَانُ، اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ، وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ.
» وَالْعَاجُ هُوَ عَظْمُ الْفِيلِ،
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ ذُكِّيَ الْفِيلُ فَعَظْمُهُ طَاهِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ نَجِسٌ، لِأَنَّ الْفِيلَ مَأْكُولٌ عِنْدَهُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ وَهْبٍ الْمَالِكِيُّ فَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ،
وَقِيلَ: - وَهُوَ أَصَحُّ - لِأَنَّ سَبَبَ التَّنْجِيسِ وَهِيَ الرُّطُوبَةُ مُنْتَفِيَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ الْحَيَاةَ تُحِلُّهُ، فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، كَالْجِلْدِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} الْآيَةَ، وَبِدَلِيلِ الْإِحْسَاسِ وَالْأَلَمِ، وَهُوَ فِي الْعِظَامِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي اللَّحْمِ، وَالضِّرْسُ يَأْلَمُ، وَيَلْحَقُهُ الْقَرْسُ، وَيُحِسُّ بِبُرُودَةِ الْمَاءِ وَحَرَارَتِهِ، وَحَدِيثُ ثَوْبَانَ فِيهِ حُمَيْدٌ الشَّامِيُّ، وَسُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ فَقَالَا: لَا نَعْرِفُهُ،
وَلَوْ سَلِمَ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ: الْعَاجُ الذَّبْلُ،
وَقِيلَ: هُوَ عَظْمُ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ،
وَقِيلَ: الْعَصَبُ كَالشَّعَرِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رُطُوبَةٌ مُنَجِّسَةٌ، وَحُكْمُ مَا ذَكَرْنَا إِنْ أُخِذَ مِنْ مُذَكًّى فَهُوَ طَاهِرٌ،
وَإِنْ أُخِذَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ نَجِسٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا يُقْطَعُ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَكَذَا مَا يَسْقُطُ مِنْ قُرُونِ الْوُعُولِ فِي حَيَاتِهَا،
وَفِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ " احْتِمَالٌ بِطَهَارَتِهِ كَالشَّعَرِ،
وَأَمَّا مَا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ كَالسَّمَكِ فَلَا بَأْسَ بِعِظَامِهِ. (وَصُوفُهَا، وَشَعَرُهَا، وَرِيشُهَا طَاهِرٌ) يَعْنِي الْمَيْتَةَ الطَّاهِرَةَ فِي الْحَيَاةِ، وَإِلَّا فَالنَّجِسَةُ فِيهَا لَا يَزِيدُهَا الْمَوْتُ إِلَّا خُبْثًا، وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ، نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: صُوفُ الْمَيْتَةِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} الْآيَةَ، وَهِيَ فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ، فَالظَّاهِرُ شُمُولُهَا لِحَالَتَيِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهَا نَجِسَةٌ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي شَعَرِ الْآدَمِيِّ الْحَيِّ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ،
وَمِنْ ثَمَّ حِكَايَةُ صَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " الْخِلَافَ فِي شَعَرِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَالْقَطْعُ بِالطَّهَارَةِ فِيهِ غَرِيبٌ،
وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ:«لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ» ، وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ: الْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ،
وَمِنْ خَاصِّيَّتِهَا الْحِسُّ وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ، وَهُمَا مَنْفِيَّانِ فِي الشَّعَرِ، وَوَبَرٌ كَشَعَرٍ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِنَا: الْمَيْتَةُ الطَّاهِرَةُ فِي الْحَيَاةِ شَعَرُ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ،
وَقِيلَ بِنَجَاسَتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِزَوَالِ عِلَّةِ الطَّوَافِ بِهِ، وَجَعَلَ الْقَاضِي الْخِلَافَ فِي الْمُنْفَصِلِ فِي حَيَاتِهِ أَيْضًا، وَأَلْحَقَ ابْنُ الْبَنَّا بِذَلِكَ سِبَاعَ الْبَهَائِمِ إِذَا قُلْنَا بِطَهَارَتِهَا،
فَأَمَّا أُصُولُ الشَّعَرِ وَالرِّيشِ إِذَا نُتِفَ مِنَ الْمَيْتَةِ وَهُوَ رَطْبٌ، فَهُوَ نَجِسٌ بِرُطُوبَةِ الْمَيْتَةِ، وَهَلْ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يُنْتَفَعُ بِصُوفِهَا إِذَا غُسِلَ قِيلَ: فَرِيشُ الطَّيْرِ؛ قَالَ: هَذَا أَبْعَدُ، وَحَرَّمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " نَتْفَ ذَلِكَ مِنْ حَيٍّ لِإِيلَامِهِ، وَكَرِهَهُ فِي " النِّهَايَةِ ".
[
وعَظْمُها، وقَرْنُها، وظُفْرُها، نَجسٌ. وكذا عَصَبُها وحافِرُها، يعْني التي تَنْجُسُ بمَوْتِها. وهو المذهبُ، وعليه الأصحاب.
وعنه، طاهِرٌ. ذكَرَها في «الفُروع»، وغيرِه.
قال في «الفائقِ»: وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ الطَّهارَةَ، واخْتارَه شيخُنا. يعني به الشيخَ تَقِيِّ الدِّين. قال: وهو المُخْتارُ. انتهى. قال بعضُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابِ: فعلَى هذا يجوزُ بَيعُه.
قال في «الفُروع»: فقيل: لأنَّه لا حياةَ فيه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل، وهو الأصَحُّ: لانْتِفاءِ سبَبِ التَّنْجِيس، وهو الرُّطُوبَةُ. انتهى.
وفي أصْلِ المسْألَةِ وَجْهٌ؛ أنَّ ما سقطَ عادةً مِثْلُ قُرونِ الوُعولِ، طاهِرٌ وغيرُه نَجِسٌ. وَصُوفُهَا وَشَعَرُهَا وَرِيشُهَا طَاهِرٌ. وصُوفُها، وشَعَرُها، ورِيشُها، طاهرٌ.
وكذلك الوَبَرُ، يعني، الطاهَر في حالِ الحياة. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به أكْثَرُهم. نقَلَ المَيمُونيُّ: صوفُ المَيتَةِ ما أعْلَمُ أحدًا كَرِهَه.
وعنه، أنَّ ذلك كلُّه نَجِسٌ. اخْتارَه الآجُرِّيُّ، قال: لأنَّه مَيتَةٌ.
وقيل: يَنْجُسُ شَعَرُ الهِرِّ وما دُونَها في الخِلْقَةِ بالموتِ؛ لزَوالِ عِلَّةِ الطَّوافِ. ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.
فائدة: في الصُّوفِ والشَّعَرِ والرِّيشِ، المُنْفَصِلِ من الحيوانِ الحَيِّ الذي لا يُؤْكَلُ، غيرِ الكلبِ والخِنْزِيرِ والآدَمِيِّ، ثلاثُ رِواياتٍ؛ النَّجاسَةُ، والطَّهارَةُ، والنَّجاسَةُ مِن النَّجِسِ، والطَّهارَةُ مِن الطَّاهرِ. وهي المذهبُ. قال المُصَنّفُ في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُغْنِي»، والشَّارِحُ، وابنُ تَميمٍ، و «مَجْمعِ البَحْرَين»: وكلُّ حيوانٍ فحُكْمُ شَعَرِه حكمُ بقِيَّة أجْزائِه؛ ما كان طاهِرًا فشَعَرُه طاهِرٌ حيًّا وَمَيِّتًا، وما كان نَجِسًا فشَعَرُه كذلك، لا فرْقَ بين حالةِ الحياةِ وحالةِ الموتِ. قال ابنُ عُبَيدان: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والضَّابِطُ أنَّ كلَّ صُوفٍ، أو شَعَرٍ، أو وَبَرٍ، أو رِيشٍ، فإنَّه تابعٌ لأصْلِه في الطَّهَارةِ والنَّجاسَةِ، وما كان أصْلُه مُخْتلَفًا فيه، خُرِّجَ على الخلاف. انتهى.
وقال في «الحاويَين»، و «الرِّعايَة الصُّغرى»: وشَعَرُها وصُوفُها ووَبَرُها ورِيشُها، طاهِرٌ.
وعنه، نَجِسٌ. وكذلك كلُّ حيوانٍ طاهرٍ لا يُؤْكَلُ.
وقال في «الرِّعايَة الكُبْرى»، بعدَ أنْ حكَى الخِلاف في الصُّوفِ، ونحوه: ومُنْفَصِلُه في الحياةِ طاهرٌ،
وقيل: لا. وهو بعيدٌ. انتهى.
وقال في «الفُروعِ»، بعدَ أنْ حكَى الخِلافَ في الشَّعَرِ، ونحوه،
وقدَّمَ أنَّه طاهرٌ: وكذلك مِن حَيوانٍ حَيٍّ لا يُؤْكَلُ.
وعنه، مِن طاهرٍ، طاهرٌ. انتهى. فظاهِرُ كلامِه، أنَّ تلك الأجْزاءَ مِن الحيوانِ الحَيِّ الذي لا يُؤْكَلُ، طاهِرَةٌ، على المُقَدَّمِ، سواءٌ كانت مِن طاهرٍ أو نَجِسٍ، وليس كذلك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وظاهِرُ كلامِه إدْخالُ شَعَرِ الكلْبِ والخِنزيرِ،
وأنَّ المُقَدَّمَ أنَّه طاهِرٌ، وليس الأمْرُ كذلك، بل هو قَدَّمَ في بابِ إزالةِ النجاسةِ أنَّ شَعَرَهما نَجِسٌ، وقطَع به جمهورُ الأصحابِ. والظَّاهِرُ أنَّه أرادَ غيرَهما. وأطْلقَ الرِّواياتِ الثَّلاثَ ابنُ تَميمٍ في آخرِ بابِ اللِّباس.
وأمَّا شَعَرُ الآدَمِيِّ المُنْفَصِلُ، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، وعليه الأصحابُ، طَهارَتُه. قطَع به كثيرٌ منهم.
وعنه، نجاستُه، غيرَ شَعَرِ النَّبَيِّ - صلى الله عليه وسلم -
وعنه، نجاستُه مِن كافرٍ. وهو قوْلٌ في «الرِّعايَة». واخْتارَه بعضُ الأصحابِ.
والصَّحيحُ مِن المذهبِ، طهارةُ ظُفْرِه. وعليه الأصحابُ. وفيه احْتِمالٌ بنجاستِه. ذكَرَه ابنُ رجبٍ في «القاعدةِ الثَّانية»، وغيرُه. قال ابنُ عُبَيدان: واخْتارَه القاضي. وهما وَجْهان مُطْلَقًا في بابِ إزالةِ النَّجاسةِ، مِن «الرعايَة»، و «الحاويَين». ويأتِي في ذلك البابِ حكمُ الآدَمِيِّ وأبْعاضِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . .
فائدتان؛ إحْدَاهما، إذا صَلُبَ قِشْرُ بَيضَةِ المَيتَةِ مِن الطَّيرِ المَأْكولِ، فَباطِنُها طاهِرٌ بلا نزاعٍ،. ونصَّ عليه.
وإنْ لم يَصْلُبْ فهو نَجَسٌ على الصَّحيحِ من المذهبِ، وعليه أكْثَرُ الأصحابِ. جزَمَ به أبو الحسين في «فُروعِه»، وغيرُه. وقدَّمَه في «الكافِي»، و «الحاوي الكبير»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ».
وقيل: طاهِرٌ. واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ. وأطْلَقَهما في «الفُروع»، و «الرَّعايتَين»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «المُذْهَبِ»، و «الحاوي الصَّغِير». والثَّانيةُ، لو سُلِقَتِ البَيضَةُ في نَجاسَةٍ لم تَحْرُمْ. نصَّ عليه، وعليه الأصحاب.
Says nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.