وَلَا تَصِحُّ إِلَّا عَلَى عِوَضٍ مَعْلُومٍ مُنَجَّمٍ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا يَعْلَمُ قَدْرَ مَا يُؤَدِّي فِي كُلِّ نَجْمٍ
Its commentaries
مسألة: ويُشْتَرَطُ عِلْمُ ما يُؤَدَّى إليه، في كُلِّ نَجْمٍ، كالثَّمَنِ في البَيعِ، ولِئلَّا يُفْضِيَ إلى التَّنازعِ والاخْتِلافِ.
ولا يُشْتَرَطُ تَساوي النُّجُوم، فإذا قال: كاتبْتُك على ألْفٍ إلى عَشْرِ سِنينَ، تُؤَدِّي عندَ انْقِضاءِ كُلِّ سَنَةٍ مائةً. أو قال: تُؤَدِّي منها مائةً عندَ انْقِضاءِ خَمْسِ سِنِينَ، وباقِيَها عندَ تَفامِ العَشَرَةِ. أو قال: تُؤَدِّي في آخِرِ العامِ الأوَّلِ مائةً، وتِسْعَمائةٍ عندَ انْقِضاءِ السَّنةِ العاشرةِ. فكلًّ ذلك جائِزٌ.
فإن قال: تُؤَدِّي في كُلِّ عام مائةً. جازَ، ويكونُ أجَلُ كُلِّ مائةٍ عندَ انْقِضاء السَّنةِ . وظاهِرُ قولِ القاضي، وأصحابِ الشافعيِّ، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لم يُبَيِّنْ وقْتَ الأداءِ مِن العامِ. ولَنا، قولُ بَرِيرَةَ: كاتَبْتُ أهْلِي على تِسْعِ أوَاقٍ، في كلِّ عام أُوقِيَّة. ولأنَّ الأجَلَ إذا عُلِّقَ بمُدَّةٍ، تَعَلَّقَ بأَحَدِ طَرَفَيها.
فإن كان بحَرفِ «إلى» تَعَلَّقَ بأوَّلِها، كقولِه: إلى شَهْرِ رَمضانَ.
وإن كان بحَرفِ «في»، كان إلى آخرِها؛ لأنَّه جعَل جميعَها وقْتًا لأدائِها،
فإذا أدَّى في آخرِها كان مُؤَدِّيًا لها في وَقْتِها، فلم يَتَعَيّنْ عليه الأداءُ قبلَه، كتأْدِيةِ الصلاةِ في آخِرِ وَقْتِها.
وإن قال: تُؤَدِّيها في عَشْرِ سِنينِ. أو: إلى عَشْرِ سِنينَ. لم يَجُز؛ لأنَّه نَجْمٌ واحدٌ.
ومَن أجازَ الكِتابَةَ على نجْمٍ واحدٍ أجازَة.
وإن قال: تؤدِّي بَعْضَها في نِصْفِ المُدَّةِ، وباقِيَهَا في آخِرِها. لم يَجُزْ؛ لأنَّ البَعْضَ يَقَعُ على القَلِيلِ والكَثيرِ، فيكونُ مَجْهُولًا.
فصل: وتجوزُ الكِتابةُ على كلِّ مالٍ يجوزُ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه مالٌ يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا في مُعاوَضَةٍ، فجاز ذلك فيه، كعَقْدِ السَّلَمِ.
فإن كان مِن الأثْمانِ، وكان في البَلَدِ نَقْدٌ واحدٌ، جازَ إطْلاقُه؛ لأنَّه يَنْصَرِفُ إليه، فأشْبَهَ البَيعَ.
وإن كان فيه نُقُودٌ بَعْضُها أغْلَبُ في الاسْتِعمالِ، جاز الإِطْلاقُ أيضًا، وانْصَرَفَ إليه عندَ الإِطْلاقِ، كما لو انْفَرَدَ.
وإن كانت مُخْتَلفةً مُتَساويةً في الاسْتِعمالِ، وَجَبَ بَيانُه بما يَتَمَيَّزُ به مِن غيرِه مِن النُّقودِ.
وإن كان مِن غيرِ الأثْمانِ، وَجَبَ وَصْفُه بما يُوصَف به في السَّلَم.
فأمَّا ما لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه ، فلا يجوزُ أن يكونَ عِوَضًا في الكِتابةِ؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعَاوضةٍ يَثْبُتُ عِوَضُه في الذِّمَّةِ، فلم يَجُزْ بعِوَض مَجْهُولٍ، كالسَّلَمِ.
(وَلَا تَصِحُّ إِلَّا عَلَى عِوَضٍ) مُبَاحٍ (مَعْلُومٍ مُنَجَّمٍ نَجْمَيْنِ) لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ،
وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا ; لِأَنَّ جَعْلَهُ حَالًّا يُفْضِي إِلَى الْعَجْزِ عَنْ أَدَائِهِ، وَفُسِخَ الْعَقْدُ، مَعَ أَنَّ جَمَاعَةَ الصَّحَابَةِ عَقَدُوهَا كَذَلِكَ،
وَلَوْ جَازَتْ حَالَّةً لَفُعِلَ (فَصَاعِدًا) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: نَجْمٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: نَجْمَانِ، وَنَجْمَانِ أَحَبُّ إِلَيَّ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْ نَجْمَيْنِ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الضَّمِّ، فَوَجَبَ افْتِقَارُهَا إِلَى نَجْمَيْنِ، لِيَحْصُلَ الضَّمُّ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ وفي الشرح: إنه قياس المذهب (يَعْلَمُ قَدْرَ مَا يُؤَدِّي فِي كُلِّ نَجْمٍ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَسَوَاءٌ سَاوَتِ الْمُدَّةُ أَوِ اخْتَلَفَتْ، وَعَلَيْهِ فِي تَوْقِيتِهَا بِسَاعَتَيْنِ، أَمْ يُعْتَبَرُ مَا لَهُ وَقَعَ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ، فِيهِ خِلَافٌ فِي الِانْتِصَارِ
ولا تصِحُّ إلَّا على عِوَضٍ مَعْلُومٍ.
[ولو خِدْمَةً أو مَنْفعَةً وغيرَها]. قال الأصحابُ؛ مُباح يصِحُّ السَّلَمُ فيه. مُنَجَّم بنَجْمَين فصاعِدًا، يَعْلَمُ قَدْرَ ما يُؤدِّي في كُلِّ نَجْمٍ. الصِّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّها لا تصِحُّ إلَّا على نَجْمَين . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصاعِدًا، يَعْلَمُ قَدْرَ ما يُؤَدِّي في كُلِّ نَجْمٍ. جزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
وقِيلَ: تصِحُّ على نَجْمٍ واحِدٍ. اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى.
قال في «الفائقِ»: وهو ظاهِرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
[وقيل: تصِحُّ أنْ تكونَ على خِدْمَةٍ مُفرَدَةٍ على مُدَّةٍ واحَدَةٍ].
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّها لا تصِحُّ إلَّا على عِوَضٍ معْلومٍ، فلا تصِحُّ على عَبْدٍ يَعْلَمُ قَدْرَ مَا يُؤَدِّي في كُلِّ نَجْمٍ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ.
وَقَال الْقَاضِي: تَصِحُّ عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ، وَلَهُ الْوَسَطُ.
مُطْلَقٍ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ وغيرُه، وعليه أكْثَرُ الأصحابِ. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ» ونَصَرَاه، و «الخُلاصَةِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال القاضي: تصِحُّ على عَبْدٍ مُطْلَقٍ، وله الوَسَطُ. وقاله أصحابُ القاضي.
قال في «الرِّعايتَين»: وإنْ كاتَبَه على عَبْدٍ مُطْلَقٍ، صحَّ، في الأصحِّ، وله الوَسَطُ.
وقال في «الحاوي الصَّغِيرِ»: وإنْ كاتَبَه على عَبْدٍ مُطْلَقٍ صحَّ، ووجَب الوَسَطُ. وقِياسُ قوْلِ أبِي بَكْرٍ بُطْلانُه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ الكِتابَةَ لا تصِحُّ حالَّةً. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَع به أكثرُهم. وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ في «المُغْنِي»، والشَّارِحِ، أنَّ فيها قَوْلًا بالصِّحَّةِ؛ فإنَّهما قالا: ولا تجوزُ إلا مُؤَجَّلَةً مُنَجَّمَةً، هذا ظاهِرُ المذهبِ. فدلَّ أنَّ فيها خِلافًا. وهو خِلافُ ظاهرِ المذهبِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . .
واخْتارَه في «الفائقِ»، فقال: والمُخْتارُ صِحَّةُ الكِتابَةِ حالةً.
وقال في «التَّرْغيبِ»: في كِتابَةِ مَن نِصْفُه حُرٌّ، حالَّةً، وَجْهان. فعلى المذهبِ، في جَوازِ تَوْقيتِ النَّجْمَين بساعتَين وعدَمِه، فيُعْتبَرُ ما لَه وَقْعٌ في القُدْرَةِ على الكَسْبِ، فيه خِلافٌ في «الانْتِصارِ».
قلتُ: الصَّوابُ الثَّاني. وإنْ كان ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ الأوَّلَ. وتقدَّم في أواخِرِ العِتْقِ، هل يصِحُّ شراءُ العَبْدِ نفْسَه مِن سيِّدِه بمالٍ في يَدِه، أمْ لا؟ وعلى المذهبِ أيضًا، تكونُ الكِتابَةُ باطِلَةً مِن أصْلِها، على الصَّحيحِ. ذكَرَه القاضي، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ، وغيرُهم. وصرَّح ابنُ عَقِيلٍ بأنَّ الإِخلال بشَرْطِ النُّجومِ يُبْطِلُ العَقْدَ. وذكَر صاحِبُ «التَّلخيصِ»، أنَّ الكِتابَةَ تصِيرُ فاسِدَةً، ولا تبْطُلُ مِن أصْلِها. ويأتي الإِشْكالُ فيما إذا كاتَبَه على عِوَضٍ مَجْهولٍ، أنَّها تكونُ فاسِدَةً لا باطِلَةً، آخِرَ البابِ.
وَتَصِحُّ عَلَى مَالٍ وَخِدْمَةٍ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتِ الْخِدْمَةُ أَوْ تَأْخَّرَتْ.
قال: (ولا تصح إلا على عوض معلومٍ مُنَجَّمٍ نجمين فصاعداً. يُعلم قدر ما يؤدي في كل نجم. وقيل: تصح على نجمٍ واحد. وقال القاضي: تصح على عبد مطلق وله الوسط) .
أما كون الكتابة لا تصح إلا على عوض معلوم على المذهب؛ فلأن الكتابة عقد معاوضة. فلا يصح مع جهل العوض؛ كالبيع.
ولأن الكتابة بيع. فاشترط فيها العلم بالعوض؛ كسائر البياعات.
وأما كونه منجماً والمعنِيُّ به أن لا يكون حالاًّ؛ فلأن جماعة من الصحابة عقدوا الكتابة. ولم ينقل عن واحدٍ منهم أنها عقدها حالّة،
ولو كان ذلك يجوز لم يتفق جميعهم على تركه.
ولأن الكتابة عقد معاوضة يعجز عن أداء عوضها حالاًّ. فكان من شرطه التأجيل؛ كالسلم.
وأما كون العوض مُنَجَّماً نجمين فصاعداً. فقال الإمام أحمد: من الناس من يقول: نجمان، ومنهم من يقول: نجم، ونجمان أحب إليّ.
وظاهره أنه ذهب إلى أنه لا يجوز أقل من نجمين.
ووجهه: أن الكتابة مشتقة من الضم. فوجب افتقارها إلى نجمين؛ ليحصل الضم.
وعن علي رضي الله عنه أنه قال:«الكتابة على نجمين». وعن عثمان رضي الله عنه:«أنه غضب على عبد له فقال: لأعاقبنك، ولأكاتبنك على نجمين».
وقال ابن أبي موسى: تصح على نجمٍ واحدٍ؛ لأنه عقدٌ يشترط فيه التأجيل. فجاز أن يكون إلى أجلٍ واحد؛ كالسلم.
ولأن اعتبار التأجيل؛ ليتمكن من تسليم العوض، وهذا يحصل بنجمٍ واحد.
وأما كون قدر ما يؤدي في كل نجمٍ يعلم؛ فلئلا يؤدي إلى المنازعة.
وأما كون الكتابة على عبدٍ مطلق وله الوسط على قول القاضي؛ فلأنه كذلك عنده في النكاح والخلع. فليكن كذلك في الكتابة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.