ثُمَّ السُّلْطَانُ فَأَمَّا الْأَمَةُ فَوَلِيُّهَا سَيِّدُهَا
Its commentaries
(ثم السُّلْطانُ) لا نعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ للسُّلْطانِ ولايةَ تَزْويجِ المرأةِ عندَ عَدَمِ أوْلِيائِهَا أو عَضْلِهم. وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي. والأصْلُ فيه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَليَّ لَهُ». وروَى أبو داودَ بإسْنادِه عن أمِّ حَبِيبَةَ، أنَّ النَّجاشِيَّ زَوَّجَها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت عندَه. ولأنَّ للسُّلْطانِ ولايةً عامَّةً، بدليلِ أنَّه يَلِي المال ويَحْفَظُ الضَّوَالَّ، فكانت له الولايةُ في النِّكاحِ كالأبِ.
فصل: والسُّلطانُ ههُنا هو الإِمامُ، أو الحاكِمُ، أو مَن فَوَّضَا إليه ذلك. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في والِي البَلَدِ، فقال في مَوْضِع: يُزَوِّجُ وَالِي البلدِ.
وقال في الرُّسْتَاقِ يكونُ فيه الوالِي وليس فيه قاضٍ، قال: يُزَوِّجُ إذا احْتاطَ لها في المَهْرِ والكُفْءِ، أرجو أن لا يكونَ به بَأْسٌ؛ لأنَّه ذو سلطانٍ، فيَدْخُلُ في عُمومِ الحديثِ.
وقال في موضِعٍ آخَرَ، في المرأةِ إذا لم يَكُنْ لها وَلِيٌّ: فالسلطانُ المُسَلَّطُ على الشيءِ ؛ القاضِي يَقْضِي في الفُرُوجِ والحُدُودِ والرَّجْمِ، وصاحِبُ الشُّرْطَةِ إنَّما هو مُسَلَّطٌ في الأدَبِ والجِنَايَةِ .
وقال: ما للوالِي وذَا! إنَّما هو إلى القاضي.
وتَأَوَّلَ القاضي الرِّوايَةَ الأُولَى على أنَّ الوالِي أذِنَ له في التَّزْويجِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه جَعَل له ذلك إذا لم يَكُنْ في مَوْضِعِ ولايَتِه قاضٍ، فكأنَّه قد فَوَّضَ إليه النَّظَرَ فيما يَحْتاجُ إليه في ولايَتِه، وهذا منها.
فصل: إذا اسْتَوْلَى أهلُ البَغْي على بَلَدٍ، جَرَى حُكْمُ سُلْطانِهم وقَاضِيهم في ذلك مَجْرَى الإِمامِ وقاضِيه؛ لأنَّه أُجْرِىَ مُجْراه في قَبْضِ الصَّدَقاتِ و الجِزْيَةِ والخَراجِ، فكذلك في هذا.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في المرأةِ تُسْلِمُ على يَدِ رجلٍ، فقال في مَوْضِعٍ: لا يكونُ وَلِيًّا لها، ولا يُزَوجُ حتى يَأْتِيَ السُّلطان؛ لأنَّه ليس مِن عَصَبَتِها، ولا يَعْقِلُ عنها، ولا يَرِثُها، فأشْبَهَ الأجنبيَّ.
وقال في روايةِ حَرْبٍ، في امرأةٍ أسْلَمَتْ على يَدِ رَجُلٍ: يُزَوِّجُها هو. وهو قولُ إسْحاقَ. ورُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ أنَّه لا يَفْعَل ذلك حتى يَأْتِيَ السُّلطانَ. وعن الحسنِ أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا في أن يُزَوِّجَها نَفْسَه؛ وذلك لِما روَى أبو داودَ بإسْنادِه عن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، ما السُّنَّةُ في الرَّجُلِ يُسْلِمُ على يَدِ الرَّجُلِ مِن المسلمينَ؟ قال:«هو أوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ». إلَّا أنَّ هذا الحديث ضَعَّفَه أحمدُ،
وقال: رِوَاية عبدِ العزيزِ -يعني ابْنَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ- وليس هو مِن أهْلِ الحِفْظِ والإِتْقانِ.
فصل: فإن لم يُوجَدْ للمرأةِ وَلِيٌّ ولا ذو سلطانٍ، فعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه يُزَوِّجُها رجلٌ عَدْلٌ بإذْنِها، فإنَّه
قال في دُهْقانِ قَرْيَةٍ: يُزَوِّجُ مَن لا وَلِيَّ لها إذا احْتاطَ لها في الكُفْءِ والمَهْرِ، إذا لم يَكُنْ في الرُّسْتاقِ قاضٍ. قال ابنُ عَقِيل: أخذ قومٌ مِن أصْحابِنا مِن هذه الرِّوايةِ أنَّ النِّكاحَ لا يَقِفُ على وَلِيٍّ.
قال: وقال القاضي: نُصُوصُ أحمدَ تَمْنَعُ مِن ذلك.
قال شيخُنا : والصَّحيحُ أنَّ هذا القَوْلَ [مُخْتَصٌّ بحالِ] عَدَمِ الوَلِيِّ والسلطانِ، لأنَّه شَرَط أنْ لا يكونَ في الرُّسْتاقِ قاضٍ. [ووَجْهُ ذلك] أنَّ اشْتِراطَ الوَلِيِّ ههُنا يَمْنَعُ النِّكاحَ بالكُلِّيَّةِ، فلم يَجُزْ، كاشْتِراطِ المُناسِبِ في حَقِّ مَن لا مُناسِبَ لها. ورُوِيَ عنه أنَّه لا يَجُوزُ النِّكاحُ إلَّا بوَلِيٍّ، لعُمُومِ الأخْبارِ فيه.
٣١٠٨ -
(ثُمَّ السُّلْطَانُ) ; لِمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، قَالَ أَحْمَدُ: الْقَاضِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْأَمِيرِ فِي هَذَا، انْتَهَى،
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ بُغَاةٍ إِذَا اسْتَوْلَوْا عَلَى بَلَدٍ،
فَإِنْ عُدِمَ، وَكَّلَتْ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَسْلَمَتْ عَلَى يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلِي نِكَاحَهَا عَلَى الْأَشْهَرِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ كَالْإِرْثِ وَلَا وَالِي الْبَلَدِ،
وَعَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ الْقَاضِي، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْجَوَازَ مُطْلَقًا لِلضَّرُورَةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ وَلِيٌّ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ مُطْلَقًا، قَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فِي سَفَرٍ، لَيْسَ مَعَهُمَا وَلِيٌّ وَلَا شُهُودٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا،
وَإِنْ خَافَ الزِّنَا بِهَا، وَعَنْهُ: يُزَوِّجُهَا عَدْلٌ بِإِذْنِهَا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَخَذَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَقِفُ عَلَى وَلِيٍّ، وَنُصُوصُ أَحْمَدَ تَمْنَعُهُ، وَأَخَذَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ دِهْقَانِ الْقَرْيَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَزْوِيجُ الْأَيَامَى فَرْضُ كِفَايَةٍ،
فَإِنْ أَبَاهُ حَاكِمٌ إِلَّا بِظُلْمٍ كَطَلَبِهِ جُعْلًا لَا يَسْتَحِقُّهُ، صَارَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ، فَقِيلَ: تُوَكِّلُ مَنْ يُزَوِّجُهَا،
وَقِيلَ: لَا تَتَزَوَّجُ، وَالصَّحِيحُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ: يُزَوِّجُهَا ذُو السُّلْطَانِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ كَالْعَضْلِ (فَأَمَّا الْأَمَةُ) حَتَّى الْآبِقَةُ (فَوَلِيُّهَا سَيِّدُهَا) إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِهَا، فَكَانَ إِلَيْهِ كَإِجَارَتِهَا وَلَوْ مُكَاتَبًا أَوْ فَاسِقًا،
فَإِنْ كَانَ لَهَا سَيِّدَانِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِهَا
ثم السُّلْطانُ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، مَن أسْلَمَتْ على يَدِ إنْسانٍ، فهو أحقُّ بتَزْويجِها مِن السُّلْطانِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ منها، السُّلْطانُ هنا؛ هو الإمامُ أو الحاكِمُ، أو مَن فُوِّضَ إليه. ذكَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والزَّرْكَشِيّ، وغيرُهم.
وإذا اسْتَوْلَى أهْلُ البَغْي على بَلَدٍ، جرَى حُكْمُ سُلْطانِهم وقاضِيهم في ذلك مَجْرَى الإِمامِ وقاضِيه. قاله المُصَنِّفُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشَّارِحُ، وغيرُهما. ومنها، قال الزَّرْكَشِيُّ: المَشْهورُ أنَّه لا يُزَوجُ والِي البَلَدِ. وهو إحْدَى الرِّوايتَين. واخْتارَه القاضي وغيرُه.
وعنه، يُزَوِّجُ عندَ عدَمِ القاضي. لكن القاضي أبو يَعْلَى حمَل هذه الرِّوايَةَ على أنَّه أُذِنَ له في التَّزْويجِ، والشَّيخُ تَقِيُّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدِّينِ، رَحِمَه الله، حمَلَها على ظاهِرِها. ومنها، قال الزَّرْكَشِيُّ أيضًا: إذا لم يكُنْ للمَرْأَةِ وَلِيٌّ، فعنه، وهو ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ، لا بُدَّ مِن الوَلِيِّ مُطْلَقًا. حتى قال القاضي أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ، في رَجُلٍ وامْرَأَةٍ في سفَرٍ ليس معها وَلِيٌّ ولا شُهودٌ: لا يجوزُ أنْ يَتَزوَّجَ بها وإنْ خافَ الزِّنَى بها.
قلتُ: وليس بظاهِرٍ مع خوفِ الزِّنَى بها.
قلتُ: وليس بظاهِر مع خوفِ الزِّنَى.
وعنه، والِى البَلَدِ أو كَبِيرُه يُزَوِّجُ. اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله. وقدَّمه في «النَّظْمِ».
قال في «الفُروعِ»: والصَّحيحُ ما نُقِلَ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله، وغيرِه، يُزَوِّجُها
فَأَمَّا الْأَمَةُ، فَوَلِيُّهَا سَيِّدُهَا، فَإِنْ كَانَتْ لِامْرأَةٍ، فَوَلِيُّهَا وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا، وَلَا يُزَوِّجُهَا إلا بِإِذْنِهَا.
ذو السُّلْطانِ في ذلك المَكانِ، كالعَضْلِ،
فإنْ تعَذَّرَ، وَكّلَتْ. وعنه، ثم عَدْلٌ. قدَّمه في «الرِّعايَةِ».
تنبيه: قوْلُه: فأمَّا الأمَةُ، فوَلِيُّها سَيِّدُها. هذا بلا نِزاعٍ،
ولو كان فاسِقًا أو مُكاتَبًا. وتقدَّم أنَّ لسَيِّدِها أنْ يُجْبرَها إلَّا أنْ تكونَ مُكاتَبةً. على الصحيحَ مِن المذهبِ.
قال: (فأما الأمة فوليها سيدها. فإن كانت لامرأة فوليها ولي سيدتها. ولا يزوجها إلا بإذنها) .
أما كون ولي الأمة سيدها؛ فلأنه يملك منافعها. فملك تزويجها؛ كإجارتها.
وأما كون ولي الأمة إذا كانت لامرأة ولي سيدتها؛ فلأنه قد ثبت أنه لا ولاية للمرأة. فوجب أن يليها ولي سيدتها؛ لأنه أحق بالناس بها بعدها.
ولأنه إذا ثبت له الولاية على سيدتها. فلأن تثبت عليها بطريق الأولى.
وأما كونه لا يزوجها إلا بإذنها؛ فلأنها مالها.
ولا يجوز التصرف في مال الرشيدة بغير إذنها وبغير نطقها في هذا الإذن وإن كانت بكراً؛ لأن صماتها إنما اكتفي به في تزويج نفسها لحيائها وهو مفقود هنا؛ لأنها لا تستحي من تزويج أمتها.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.