وَإِنْ قَتَلَ مَنْ لَا يُكَافِئُهُ فَهَلْ يُقْتَلُ؟ قَاطِعُ الطَّرِيقِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
Its commentaries
مسألة: (وإن قَتَلَ مَن لا يكافِئُه، فهل يُقْتَلُ؟ على رِوايَتَيْن) إحداهما، لا تُعْتَبَرُ المكافَأَةُ ، بل يُؤْخَذُ الحُرُّ بالعبدِ، والمسلمُ بالذِّمِّىِّ، والأبُ بالابنِ؛ لأَنَّ هذا القَتْلَ حَد للَّهِ تعالى، فلا تُعْتَبَرُ فيه المُكافأةُ، كالزِّنى والسَّرِقَةِ. والثانيةُ تُعْتَبَرُ المُكافأةُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكَافِرٍ». والحَدُّ فيه انْحتامُه، بدليل أنَّه لو تاب قبلَ القُدْرَةِ عليه، سَقَطَ عنه الانحِتَامُ، ولم يَسْقُطِ القِصاصُ. فعلى هذه الرِّوايةِ، إذا قَتَل المسلمُ ذِمِّيًّا، أو الحُرُّ عبدًا، وأخَذَ مالَه، قُطِعَتْ يَدُه ورِجْلُه [مِن خِلافٍ]؛
لأخْذِه المالَ، وغَرِمَ ديَةَ الذِّمِّىِّ وقِيمَةَ العبدِ،
وإن قَتَلَه ولم يَأْخُذْ مالًا غَرِمَ دِيَتَه ونُفِىَ. وذَكَر القَاضى أنَّه إنَّما يَتَحَتَّمُ قَتْلُه إذا قَتَلَه ليَأْخُذَ المالَ،
وإن قَتَلَه لغيرِ ذلك، مثلَ أن يَقْصِدَ قَتْلَه لعَداوَةٍ بينَهما، فالواجِبُ قِصاصٌ غيرُ مُتَحَتِّم.
وإذا قَتَلَ صُلِبَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{أَوْ يُصَلَّبُوا}. والكَلامُ فيه في ثلاثةِ أُمورٍ؛ أحدُها، في وَقْتِه، وهو بعدَ القتلِ. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال الأوْزاعِىُّ، ومالك، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: يُصْلَبُ حَيًا ثم يُقْتَلُ مَصْلُوبًا، يُطْعَنُ بالحَرْبَةِ؛ لأَنَّ الصَّلْبَ عُقوبَةٌ، وإنَّما يُعاقَبُ الحَىُّ لا المَيِّتُ، ولأنَّه جَزاءٌ على المُحارَبَةِ فيُشْرَعُ في الحَياةِ كسائرِ الأجْزِيَةِ، ولأَنَّ الصَّلْبَ بعدَ قتلِه يَمْنَعُ دَفنَه وتَكْفِينَه ، فلا يجوزُ. ولَنا، أنَّ اللَّهَ تعالى قَدَّمَ القتلَ على الصلبِ لَفْظًا، والتَّرْتِيبُ بينَهما ثابت بغيرِ خِلافٍ، فيَجبُ تَقْدِيمُ الأَوَّلِ في اللَّفْظِ، كقولِه تعالى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}. ولأنَّ القتلَ إذا أُطْلِقَ على لسانِ الشَّرْعِ، كان قَتْلًا بالسيفِ.
ولهذا قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَان عَلَى كُلِّ شَئٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ». وأحْسَنُ القتلِ هو القتلُ بالسيفِ. وفى صَلْبِه حَيًّا تَعْذِيبٌ له، وقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن تعذيبِ الحَيَوانِ. وقولُهم: إنَّه جَزاءٌ على المُحارَبَةِ. قُلْنا: لو شُرِعَ لِردْعِه، لسَقَطَ بقتلِه، كما تَسْقُطُ سائرُ الحدودِ مع القتلِ، وإنَّما شُرِعَ الصَّلْبُ رَدْعًا لغيرِه، ليَشْتَهِرَ أمْرُه، وهذا يَحْصُلُ بصلبِه بعدَ قتلِه. وقولُهم: يَمْنَعُ تَكْفِينَه ودَفْنَه.
قُلْنا: هذا لازِمٌ لهم ؛ لأنَّهم يَتْرُكُونَه بعدَ قتلِه مَصْلُوبًا. الثانى، في قَدْرِه، ولا تَوْقِيتَ فيه إلَّا قَدْرَ ما يَشْتَهِرُ أمْرُه. هكذا ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وقال أبو بكرٍ: يُصْلَبُ قَدْرَ ما يَقَعُ عليه اسمُ الصَّلْبِ؛ لأَنَّ أحمدَ لم يُوقِّتْ في الصَّلبِ شيئًا.
والصَّحيحُ تَوْقيتُه بما ذَكَرَه الخِرَقِىُّ من الشُّهْرَةٍ؛ لأَنَّ المقصودَ يَحْصُلُ به.
وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفة: يُصْلَبُ ثلاثًا. وهذا تَوْقِيتٌ بغيرِ توْقِيفٍ، فلا يجوزُ، مع أنَّه في الظاهرِ يُفْضى إلى تَغَيُّرِه، ونَتَنِه ، وأذى المسلمين برائِحَتِه ونَظَرِه، ويَمْنَعُ تَغْسِيلَه وتَكْفِينَه ودَفْنَه، فلا يجوزُ بغيرِ دليلٍ. الثالثُ، في وجوبِه، وهو واجِبٌ حَتْمٌ في حَقِّ مَن قَتَل وأخَذَ المالَ، لا يَسْقُطُ بعَفْو ولا غيرِه.
وقال أصحابُ الرَّأْى: إن شاءَ الإِمامُ صَلَب،
وإن شاءَ لم يَصْلِبْ. ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، أنَّ جبريلَ نَزَل بأنَّ مَن قَتَل وأخَذَ المالَ صُلِبَ . ولأنَّه شُرِعَ حَدًّا، فلم يُتَخَيَّرْ بينَ فِعْلِه وتَرْكِه، كالقَتْلِ وسائرِ الحدودِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا اشْتُهِرَ أنْزِلَ، ودُفِعَ إلى أهلِه، فيُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ، ويُصَلَّى عليه، ويُدْفَنُ.
فصل: فإن ماتَ قبلَ قَتْلِه، لم يُصْلَبْ؛ لأَنَّ الصَّلْبَ من تَمامِ الحَد، وقد فاتَ الحَدُّ بمَوْتِه، فيَسْقُطُ ما هو من تَمامِه.
وإن قَتَلَ في المُحارَبَةِ بمُثَقَّل، قُتِلَ، كما لو قَتَل بمُحَدَّدٍ؛ لاسْتِوائِهما في وُجُوبِ القِصَاصِ بهما.
وإن قَتَل بآلةٍ لا يجبُ القِصاصُ بالقتلِ بها، كالسَّوْطِ والعَصا والحَجَرِ الصَّغِيرِ، فالظَّاهِرُ أنَّهم يُقْتَلُون أيضًا؛ لأنَّهم دَخَلُوا في العُمُومِ.
٤٥٣٨ -
(وَإِنْ قَتَلَ مَنْ لَا يُكَافِئُهُ) كَوَلَدِهِ، وَعَبْدٍ، وَذِمِّيٍّ، (فَهَلْ يُقْتَلُ؟ قَاطِعُ الطَّرِيقِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) .
إِحْدَاهُمَا: يُقْتَلُ، وَيُصْلَبُ، قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِلْعُمُومِ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُكَافَأَةُ كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا، ذَكَرَ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ " أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» فَعَلَى هَذَا إِذَا قَتَلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا أَوْ حُرٌّ عَبَدًا، وَأَخَذَ الْمَالَ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ لِأَخْذِ الْمَالِ، وَغَرِمَ دِيَةَ ذِمِّيٍّ، وَقِيمَةَ عَبْدٍ،
وَإِنْ قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا غَرِمَ دِيَتَهُ، وَنُفِيَ،
وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: الْقَتْلُ حَقٌّ لِلَّهِ فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ يُكَافِئُهُ، وَإِلَّا فَلَا،
وَفِي " الشَّرْحِ " عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ إِذَا قَتَلَهُ لِيَأْخُذَ الْمَالَ فَإِنْ قَتَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَعَدَاوَةٍ، فَالْوَاجِبُ قِصَاصٌ غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ،
وإنْ قتَل مَن لا يُكافِئُه -يعْنِى، كوَلَدِه والعَبْدِ والذِّمِّىِّ- فهل يُقتَلُ؟ على رِوايتَيْن. وأَطْلَقهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «البُلْغَةِ»، و «الشَّرْحِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»؛ إحْداهما، يُقْتَلُ. وهو المذهبُ. صحَّحه فى «التَّصْحيحِ». قال فى «تَجْريدِ العِنايَةِ»: يُقْتَلُ على الأظْهَرِ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَتَيْن»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يُقْتَلُ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا أمْشَى على قاعِدَةِ المذهبِ. واخْتارَها الشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ، والشِّيرازِىُّ. وهو وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْس، فَهَلْ يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاؤُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ظاهِرُ ما جزَم به فى «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ».
Adds nothing on this mas’ala.
قال: (وإن قتل من لا يكافئه فهل يقتل؟ على روايتين) .
أما كون من ذكر لا يقتل على روايةٍ؛ فلعموم قوله عليه السلام:«لا يُقتلُ حرٌ بعبد».
ولأن القتل وجب قصاصاً. بدليل أنه لو وجب حداً لسقط بالتوبة،
وإذا كان قصاصاً وجب اعتبار المكافأة فيه؛ كغير المحارب.
وأما كونه يقتل على روايةٍ؛ فلأنه حد طُلِبَ به الزّجرُ. فلم تعتبر فيه المكافأة؛ كالزنى.
والأولى أصح؛ لأنه ليس بحد. بدليل ما تقدم وبه فارق الزنى. ويؤيد عدم صحة قياسه على الزنى أن حد الزنى يسقط بالتوبة. بخلاف حد المحاربة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.