Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Its commentaries

الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar

مسألة: (وهل تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، ومَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه، أو مَن يسبَّ اللهَ تَعَالى أو رسولَه، أو السَّاحِرِ؟ على روَايَتَين؛ إحْدَاهُما، لا تُقْبَلُ تَوْبَتُه، ويُقتَلُ بِكُلِّ حالٍ. والأُخْرَى، تُقْبَلُ توْبَتُه كغيرِه) مفهومُ كلامِ الشيخِ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ المُرْتَدَّ إذا تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُه، ولم يُقْتَلْ، أيَّ كُفْرٍ كان. وهو ظاهرُ كلام الخِرَقِيِّ، سَواءٌ كان زِنْدِيقًا، أو لم يَكُنْ. وهذا مذهبُ الشافعَيِّ، وَالعَنْبَرِيِّ. ويُرْوَى ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، واختيارُ أبي بكرٍ الخَلَّالِ،

35,941

وقال: إنَّه أَوْلَى على مذهبِ أبي عبدِ اللهِ. والرِّوايةُ الأُخْرَى، لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ،

35,942

ومَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه. وهو قولُ مالكٍ، واللَّيثِ، وإسْحاق. وعن أبي حنيفةَ رِوايَتان، كهاتَين. واخْتيارُ أبي بكرٍ أنَّها لا تُقْبَلُ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا}. والزِّنْدِيقُ لا يَظْهَرُ منه ما يُبَيِّنُ به رُجُوعَه وتَوْبَتَه؛ لأنَّه كان مُظْهِرًا للإِسْلامِ، مُسِرًّا للكُفْرِ،

35,943

فإذا أظْهَرَ التَّوْبَةَ، لم يَزِدْ على ما كان منه قبلَها، وهو إظْهارُ الإِسْلامِ،

35,944

وأمَّا مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه، فقد قال اللهُ تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا}. وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، عن ظَبْيانَ بنِ عُمارَةَ، أنَّ رَجلًا مِن بني سَعْدٍ مَرَّ على مسجدِ بني حَنِيفَةَ،

35,945

فإذا هم يَقْرَأْونَ برَجَزِ مُسَيلَمَةَ، فرَجَعَ إلى ابنِ مسعودٍ، فذَكَرَ ذلك له، فبَعَث إليهم، فأُتِيَ بهم، فاسْتَتابَهُم، فتابُوا، فخَلَّى سَبِيلَهم، إلَّا رجُلًا منهم يُقالُ له: ابنُ النَّوَّاحَةِ. قال: قد أُتِيتُ بك مَرَّةً، فزَعَمْتَ أنَّك قد تُبْت، وأرَاكَ قد عُدْتَ. فقَتَلَه . ووَجْهُ الرَّوايةِ الأولى، قولُ اللهِ تعالى:{قُل للَّذِينَ كَفَروا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ}. ورُوِيَ أنَّ رجلًا سَارَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلم يُدْرَ ما سَارَّه به،

35,946

فإذا هو يَسْتَأْذِنُه في قَتْلِ رَجُلٍ من المُنافِقين، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «أَليسَ يَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ؟». قال: بلى، ولا شَهادةَ له. قال:«أليسَ يُصَلِّي؟». قال: بلى، ولَا صلاةَ له. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِيَ اللهُ عَنْ قَتْلِهِمْ». وقد قال اللهُ تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إلا الَّذِينَ تَابُوا}. ورُوِيَ أنَّ مَخشِيَّ ابنَ حُمَيِّرٍ كان في النَّفَرِ الذين أنْزَلَ اللهُ فيهم:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}.

فأتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وتابَ إلى اللهِ تعالى، فقَبِلَ اللهُ توْبَتَه ، وهو الطَّائِفَةُ التي عَفا اللهُ عنها بقولِه سبحانه:{إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً}. ورُوِيَ أنَّه سألَ اللهَ تعالى أن يُقْتَلَ شَهِيدًا في سَبيلِه، ولا يُعْلَمَ بمكانِه، فقُتِلَ يومَ اليَمامَةِ، ولم يُعْلَمْ مَوْضِعُه. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَفَّ عن المُنافِقِين بما أظْهَرُوا مِن الشَّهادةِ، مع إخْبارِ الله تعالى له بباطِنِهم، بقولِه تعالى:{وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} وغيرِها مِن الآياتِ.

وحديثُ ابن مسعودٍ حُجَّةُ في قَبُولِ تَوْبَتِهم، مع إسْرارِهِم بكُفْرِهم.

35,947

فأمَّا قَتْلُ ابنِ النَّوَّاحَةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّه قَتَلَه لظُهُورِ كَذبِه في تَوْبَتِه؛ لأنَّه أظْهَرَها، وتَبَيَّنَ أنَّه ما زال عمَّا كان عليه مِن كُفْرِه. ويَحْتَمِلُ أنَّه قَتَلَه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - له حينَ جاءَ رسولًا لمُسَيلِمَةَ:«لَوْلَا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكَ». فقَتَلَه تَحْقِيقًا لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقد رُوِيَ أنَّه قَتَلَه لذلك.

فصل: فأمَّا مَن سَبَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى أو رَسُولَه، فروَى القاضي، عن أحمدَ، أنَّه قال: لا تَوْبَةَ لِمَن سَبَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ رِوايةً أُخْرَى، أنَّ تَوْبَتَه مَقْبُولَةٌ، لقَوْلِ اللهِ تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}. ولحديثِ مَخْشِيِّ بنِ حُمَيِّرٍ، ولأنَّ مَن زَعَم أنَّ للهِ ولدًا فقد سبَّ اللهَ تعالى، بدَليلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إخْبارًا عن رَبِّه تعالى أنَّه قال:«شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَشْتِمَنِي، أمَّا شَتْمُه إِيَّايَ، فَزَعَمَ أنَّ لِي وَلدًا».

وتَوْبَتُه مَقْبُولةٌ، بغيرِ خِلافٍ، وإذا قُبِلَتْ تَوْبَةُ مَن سبَّ اللهَ تعالى،

35,948

فمن سبَّ نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم - أَوْلَى أن تُقْبَلَ توْبَتُه. فصل: وهل تُقْبَلُ تَوْبَةُ السَّاحِرِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحدَاهُما، لا يُسْتَتابُ. وهو ظاهِرُ ما نُقِلَ عن الصحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، فإنَّه لم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم أنَّه اسْتَتابَ ساحِرًا،

35,949

وفي الحديثِ الذي رَواه هشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن عائشةَ، أنَّ امرأةً جاءَتْها، فقالت: يا أُمَّ المُؤْمِنينَ، إنَّ عَجُوزًا ذَهَبتْ بي إلى هاروتَ وماروتَ، فقلتُ: عَلِّمانيَ السِّحْرَ. فقالا: اتَّقِي اللهَ ولا تَكْفُرِي، فإنَّكِ على رأسِ أمْرِكِ. فقلتُ: عَلِّمانِيَ السِّحْرَ. فقالا: اذْهَبِي إلى ذلك التَّنُّورِ، فبُولِي فيه. ففعَلْتُ، فرأيتُ كأنَّ فارِسًا مُقَنَّعًا في الحديدِ خرَج مِنِّي حتى طارَ، فغابَ في السَّماءِ، فرَجَعْتُ إليهما، فأخْبَرْتُهما، فقالا: ذلك إيمانُكِ. فذكَرتْ باقِيَ القِصَّةِ، إلى أن قالتْ: واللهِ يا أمَّ المؤمِنين ما صنعتُ شيئًا غيرَ هذا، ولا أصْنَعُه أبدًا، فهل لي مِن تَوْبَةٍ؟

قالت عائشةُ: ورأيتُها تَبْكِي بُكاءً شديدًا، فطَافَتْ في أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهم مُتوافِرُون تسْألُهم، هل لها مِن تَوْبةٍ؟ فما أفْتاها أحدٌ، إلَّا ابنَ عَبَّاسٍ قال: إن كان أحَدٌ مِن أُبوَيكِ حَيًّا، فبَرِّيه، وأكْثِري مِن عملِ البِرِّ ما اسْتَطَعْتِ . ولأنَّ السِّحْرَ مَعْنًى في قلبِه لا يزولُ بالتَّوْبَةِ، فيُشْبهُ مَن لم يَتُبْ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، يُسْتَتابُ،

35,950

فإن تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُه، فإنَّ اللَّهَ تَعالى قَبِلَ تَوْبَةَ سَحَرَةِ فِرْعَونَ، وجَعَلَهم مِن أوْلِيائِه في ساعةٍ، ولأنَّ السَّاحِرَ لو كان كافِرًا فأسْلَمَ صَحَّ إسْلامُه وتَوْبَتُه،

35,951

فإذا صَحَّتِ التَّوْبَةُ منهما؛ صَحَّتْ من أحَدِهما، كالكُفْرِ، ولأنَّ الكُفْرَ والقتلَ ما هو إلَّا بعَمَلِه بالسِّحْرِ، [لا بعِلْمِه]، بدَليلِ السَّاحِرِ إذا أسْلَمَ، والعملُ به تُمْكِنُ التَّوْبَةُ منه،

35,952

وكذلك اعْتِقادُ ما يَكْفُرُ باعْتِقادِه، تُمْكِنُ التَّوْبَةُ منه، كالشِّرْكِ.

فصل: والخِلافُ بينَ الأئِمَّةِ في قَبُولِ تَوْبَتِهم إنَّما هو في الظَّاهِرِ مِن أحْكام الدُّنْيا؛ مِن تَرْكِ قَتْلِهم، وثُبُوتِ أحْكامِ الإِسْلامِ في حَقِّهِم؛

35,953

فأمَّا قَبُولُ اللَّهِ تعالى لها في الباطِنِ، وغُفْرَانُ ذُنُوبِهم لِمَن تابَ وأقْلَعَ ظاهِرًا وباطِنًا، فلا خِلافَ فيه،

المبدع في شرح المقنعIbn Muflih

(وَعَنْهُ: لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالِاعْتِقَادِ، وَالْقَصْدِ، وَالسَّكْرَانُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ، أَشْبَهَ الْمَعْتُوهَ، وَلِأَنَّهُ زَائِلٌ العقل غير مُكَلَّفٌ أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ، وَجَوَابُهُ: الْمَنْعُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ،

22,838

وَعَنْهُ: يَصِحُّ إِسْلَامُهُ فَقَطْ، حَكَاهَا ابْنُ الْبَنَّا.

22,839

تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ رِدَّةُ مَجْنُونٍ، وَلَا إِسْلَامُهُ، لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ،

22,840

فَإِنِ ارْتَدَّ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يُقْتَلْ فِي حَالِ جُنُونِهِ، لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْإِصْرَارِ عَلَى الرِّدَّةِ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُوصَفُ بِالْإِصْرَارِ،

22,841

فَإِنْ قُتِلَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ عُزِّرَ الْقَاتِلُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَتَلَ كَافِرًا لَا عَهْدَ لَهُ، أَشْبَهَ قَتْلَ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ. (وَهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ؟) وَهُوَ: الْمُنَافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، وَيُخْفِي الْكُفْرَ

الإنصافal-Mardawi

وهل تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْذِيقِ، ومَن تَكَررَتْ رِدَّتُه، أو مَن سَبَّ اللهَ أو رَسُولَه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والسَّاحِرِ؟ -يعْنِي، الذي يُكَفَّرُ بسِحْرِه- على رِوايتَين. وأطْلَقهما الزَّرْكَشِيُّ؛ إحْداهما، لا تُقْبَلُ توْبَتُه، ويُقْتَلُ بكُلِّ حالٍ. وهو المذهبُ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «إدْراكِ الغايةِ». وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، وغيرِهم. وهو اخْتِيارُ أبي بَكْرٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . .

والشَّرِيفِ، وأبي الخَطَّابِ، وابنِ البَنَّا، والشِّيرَازِيِّ، في الزِّنْديقِ. قال القاضي في «التَّعْليقِ»: هذا الذي نصَره الأصحابُ. وهو اخْتِيارُ أبِي الخَطَّابِ -في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

«خِلافِه»، في السَّاحرِ. وقطَع به القاضي في «تَعْليقِه»، والشِّيرَازِيُّ، في سابِّ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -، والخِرَقِيُّ، في قوْلِه: مَن قذَف أُمَّ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قُتِلَ. والأُخْرَى: تُقْبَلُ توْبَتُه، كغيرِه. وهو ظاهرُ ما قدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى »، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وهو ظاهرُ كلامِ الْخِرَقيِّ. وهو اخْتِيارُ الخَلَّالِ، في السَّاحرِ،

37,927

ومَن تكَرَّرَتْ رِدَّتُه، والزِّنْدِيقِ، وآخِرُ قَوْلَي الإمامِ أحمدَ، رَحِمَهُ اللهُ. وهو اخْتِيارُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

القاضي في «رِوايتَيه»، في مَن تكَرَّرَتْ رِدَّتُه. وظاهرُ كلامِه في «تَعْليقِه»، في سابِّ اللهِ تعالى.

37,928

وعنه، لا تُقْبَلُ إنْ تكَرَّرَتْ رِدَّتُه ثلاثًا فأكثرَ، وإلَّا قُبِلَتْ.

37,929

وقال في «الفُصولِ» عن أصحابِنا: لا تُقْبَلُ توْبَتُه إنْ سبَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه حقُّ آدَمِيٍّ لا يُعْلَمُ إسْقاطُه، وأنَّها تُقْبَلُ إنْ سبَّ اللهَ تعالى؛ لأنَّه يقْبَلُ التَّوْبَةَ في خالِصِ حقِّه. وجزَم به في «عُيونِ المَسائلِ» وغيرِها؛ لأنَّ الخالِقَ مُنَزَّهٌ عن النَّقائصِ، فلا يَلْحَقُ به،

37,930

بخِلافِ المَخْلوقِ، فإنَّه مَحَلٌّ لها؛ ولهذا افْتَرقا.

37,931

وعنه، مِثْلُهم في من وُلِدَ على الفِطْرَةِ ثم ارْتَدَّ. ذكرَه الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ.

37,932

تنبيه: مَحَل الخِلافِ في السَّاحِرِ، حيثُ يُحْكَمُ بقَتْلِه بذلك. على ما يأتِي في آخرِ البابِ.

فوائد؛ الأُولَى، حُكْمُ مَنْ تَنقَّصَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، حُكْمُ مَنْ سبَّه صلَواتُ اللهِ وسلامُه عليه. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. ونقَله حَنْبَلٌ. وقدَّمه في «الفُروعِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

37,933

وقيل: ولو تعْرِيضًا. نقَل حَنْبَلٌ، مَنْ عرَّضَ بشيءٍ مِن ذِكْرِ الرَّبِّ، فعليه القَتْلُ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا، وأنَّه مذهَبُ أهْلِ المَدِينَةِ. وسألَه ابنُ مَنْصُورٍ، ما الشَّتِيمَةُ التي يُقْتَلُ بها؟. قال: نحنُ نرَى في التَّعْريضِ الحدَّ. قال: فكانَ مذهَبُه فيما يجِبُ فيه الحدُّ مِن الشَّتِيمَةِ التَّعْريضَ.

الثَّانيةُ، محَلُّ الخِلافِ المُتقَدِّمِ، في عدَمِ قَبُولِ توْبَتِهم وقَبُولِها، في أحْكامِ الدُّنْيا؛ مِن تَرْكِ قَتْلِهم، وثُبوتِ أحْكامِ الإِسْلامِ،

37,934

فأمَّا في الآخِرَةِ، فإنْ صدَقَتْ توْبَتُه، قُبِلَتْ، بلا خِلافٍ. ذكَره ابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، والشَارِحُ، وجماعَةٌ. وقدَّمه في «الفُروعِ».

37,935

وفي «إرْشادِ ابنِ عَقِيلٍ» رِوايةٌ، لا تُقْبَلٍ توْبَةُ الزِّنْديقِ باطِنًا. وضعَّفَها،

37,936

وقال: كمَن تَظاهرَ بالصَّلاحِ، إذا أتَى مَعْصِيَة وتابَ منها. وذكَر القاضي، وأصحابُه رِوايةً، لا تُقْبَلُ توْبَةُ داعِيَةٍ إلى بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ. اخْتارَها أبو إسْحَاقَ بنُ شَاقْلا.

37,937

وقال ابنُ عَقِيل في «إرْشادِه»: نحنُ لا نَمْنَعُ أنْ يكونَ مُطالبًا بمَن أضَلَّ.

37,938

قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِ غيرِه، لا مُطالبَةَ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: قد بيَّن اللهُ أنَّه يتُوبُ على أئمَّةِ الكُفْرِ الَّذينَ هم أعْظَمُ مِن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أئمَّةِ البِدَعِ. وقال في «الرَّعايةِ»: مَن كفَر ببِدْعَتِه، قُبِلَتْ توْبَتُه، على الأصحِّ.

37,939

وقيل: إنِ اعْترَفَ بها. وقيل: لا تُقْبَلُ مِن داعِيَةٍ.

الثَّالثةُ، الزِّنْديقُ هو الذي يُظْهِرُ الإسْلامَ ويُخْفِي الكُفْرَ، ويُسَمَّى مُنافِقًا في الصَّدْرِ الأولِ.

37,940

وأمَّا مَنْ أظْهَرَ الخَيرَ، وأَبْطَنَ الفِسْقَ، فكَالزِّنْديقِ في توْبَتِه، في قِياسِ المذهبِ. قاله في «الفُروعِ». وذكَره ابنُ عَقِيلٍ، وحمَل رِوايةَ قَبُولِ تَوْبَةِ السَّاحرِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

على المُتَظاهرِ، وعَكْسُه بعَكْسِه. قال في «الفُروعِ»: يُؤيِّدُه تعْلِيلُهم للرِّوايةِ المَشْهورةِ، بأنَّه لم يُوجَدْ بالتَّوْبَةِ سِوَى ما يُظْهِرُه. قال: وظاهرُ كلامِ غيرِه، تُقْبَلُ، وهو أوْلَى في الكُلِّ. انتهى.

الرَّابعةُ، تُقْبَلُ تَوْبَةُ القاتلِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وعليه الأصحابُ قاطِبَةً. وذكَر القاضي وأصحابُه رِوايةً، لا تُقْبَلُ توْبَتُه. فعلى المذهبِ، لو اقْتُصَّ مِن القاتلِ، أو عُفِيَ عنه، هل يُطالِبُه المَقْتولُ في الآخِرَةِ؟ فيه وَجْهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ». قال الإِمامُ ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَه اللهُ، في «الدَّاءِ والدَّواءِ» وغيرِه، وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ إِسْلَامُهُ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ،

37,941

وَأَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. إلا أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِإِنْكَارِ فَرْضٍ، أَوْ إِحْلَالِ مُحَرَّمٍ أو جَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ، أَوْ انْتَقَلَ إِلَى دِينِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا بعدَ ذِكْرِ الرِّوايتَين: والتَّحْقيقُ في المَسْألَةِ، أنَّ القَتْلَ يتعَلَّقُ به ثَلاثةُ حُقوقٍ؛ حقٌّ للهِ، وحقٌّ للمَقْتولِ، وحقٌّ للوَليِّ،

37,942

فإذا أسْلَمَ القاتِلُ نفْسَه طَوْعًا واخْتِيارًا إلى الوَليِّ؛ نَدَمًا على ما فعَل، وخَوْفًا مِن اللهِ، وتوْبَةً نصُوحًا، سقَط حقُّ اللهِ بالتَّوْبَةِ، وحقُّ الأوْلياءِ بالاسْتِيفاءِ، أو الصُّلْحِ، أو العَفْو، وبَقِيَ حقُّ المَقْتولِ، يُعَوِّضُه اللهُ تعالى عنه يومَ القِيامَةِ عن عَبْدِه التَّائبِ المُحْسِنِ، ويصْلِحُ بينَه وبينَه، فلا يذهبُ حقُّ هذا، ولا تَبْطُلُ تَوْبَةُ هذا. انتهى. [وهو الصَّوابُ].

الممتع في شرح المقنعIbn al-Munajja

قال: (وهل تقبل توبة الزنديق، ومن تكررت ردته، أو من سبّ الله تعالى أو رسوله، والساحر؟ على روايتين: إحداهما (١): لا تقبل توبته، ويقتل بكل حال. والأخرى: تقبل توبته كغيره).

15,009

أما كون توبة الزنديق لا تقبل على روايةٍ؛ فلأنه لا يؤمن أن يظهر التوبة ويبطن غيرها كما كان يظهر الإسلام ويبطن الكفر.

ولأن في قبول توبته خطراً؛ لأنه لا سبيل إلى الثقة بقوله.

ولأن إبقاءه يؤدي إلى تسلطه في الباطن على إفساد عقائد المسلمين،

15,010

وفي ذلك ضرر عظيم.

وأما كون [توبة من] تكررت ردته لا تقبل على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال:{إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديم سبيلا}.

وروى الأثرم بإسناده عن ظيبان بن عمارة «أن رجلاً من بني سعيد مرّ على مسجدٍ لبني حنيفة. فإذا هم يقرؤون برجز مسيلمة، فرجعَ إلى ابن مسعود فذكر له ذلك. فبعث إليهم فأُتي بهم فاستتابهم فتابوا فخلى سبيلهم؛ إلا رجلاً منهم يقال له: ابن النوَّاحةِ قال: قد أتيتُ بكَ مرة فزعمتَ أنك قد تبتَ وأراكَ قد عدتَ فقتلَه» .

15,011

وأما كون توبة من سبّ الله أو رسوله لا تقبل على روايةٍ؛ فلأن ذنبه عظيم جداً. أشبه الزنديق.

15,012

وأما كون توبة الساحر لا تقبل؛ فلأن الصحابة رضوان الله عليهم ما نقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحراً. ولأن السحر معنى في القلب لا يزول بالتوبة. أشبه الزنديق المستتر بكفره.

15,013

وفي الحديث عن عائشة: «أن امرأةً جاءتها. فجعلت تبكي بكاءً شديداً وقالت: يا أم المؤمنين! إن عجوزاً ذهبتْ إلى هاروت وماروت فقلت: علِّماني السحر. فقالا: اتق الله ولا تكفري فإنك على رأس أمركِ. فقلت: علِّماني السحر. فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه ففعلت. فرأيت كأن فارساً مقنعاً في الحديد خرجَ مني حتى طارَ فغابَ في السماء. فرجعت إليهما فقالا: ذلك الإيمان ... وذكرت باقي القصة. قالت: والله ما صنعتُ شيئاً غيرَ هذا فهل لي من توبة؟ قالت عائشة ورأتها تبكي بكاء شديداً فطافت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسألهم: هل لها من توبة؟ فما أفتاها أحدٌ إلا ابن عباس قال لها: إن كان أحدٌ من أبويكِ حياً فبرّيه وأكثري من عمل البِّر ما استطعت» .

15,014

وأما كون توبة كل من ذكر تقبل على روايةٍ؛

15,015

فإن ذنوبهم إما شرك أو ما دونه، والشرك تقبل التوبة فيه بدليل قوله تعالى:{قُل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف}.

15,016

وإذا قبل في الشرك فلأن يقبل فيما دونه بطريق الأولى.

15,017

والصحيح في المذهب الرواية الأولى؛ لأن أدلتها خاصة، وأدلة الثانية عامة، والخاص مقدم على العام.

ولأن ذنوبهم زيادة على الشرك المطلق. فلا يلزم من الغفران فيه الغفران فيها لزيادتها عليه.

فعلى هذا يقتل من اتصف بأحد ما ذكر في الحال؛ لأن التأخير لأجل الاستتابة،

15,018

ومن لا تقبل توبته لا حاجة إلى استتابته.

قال: (وتوبة المرتد إسلامه. وهو: أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله؛ إلا أن تكون ردته بإنكار فرض، أو إحلال محرم، أو جحد نبي أو كتاب، أو إلى دين من يعتقد أن محمداً بعث إلى العرب خاصة فلا يصح إسلامه حتى يقر بما جحده ويشهد أن محمداً بعث إلى العالمين، أو يقول: أنا بريء من كل دين يخالف الإسلام).

15,019

أما كون توبة المرتد إسلامه؛ فلأنه ينافي ما صدر منه وهو متأخر عنه والحكم للمتأخر.

15,020

وأما كون إسلامه هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إذا لم تكن ردته بإنكار ما ذكر؛ [فلأن من قال ذلك حكم بإسلامه ما لم يوجد منه ما يناقضه. فكذلك المرتد.

15,021

وأما كون من تكون ردته بإنكار ما ذكر] لا يصح إسلامه حتى يقر بما جحده؛ فلأن ردته لجحده.

15,022

فإذا لم يقر بما جحده بقي الأمر على ما كان عليه من الردة الموجبة لتكفيره.

15,023

وأما كون من تكون ردته إلى دين من يعتقد أن محمداً بعث إلى العرب خاصة لا يصح إسلامه حتى يشهد أن محمداً بعث إلى العالمين، أو يقول: أنا بريء من كل دين يخالف الإسلام؛ فلأن الرجوع عما ذهب إليه لا يحصل إلا بأحدهما.

15,024

فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: وتوبة المرتد إسلامه وهو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله يدل على أن الإسلام لا يحصل إلا بهما،

15,025

وقوله: إلا أن تكون ردته بإنكار فرض ... إلى قوله: ولا يصح إسلامه حتى يقر بما يجحده ويشهد أن محمداً بعث إلى العالمين يدل على أن من ردته بإنكار ما ذكر يصح إسلامه بمجرد إقراره بما جحد وشهادته بأن محمداً بعث إلى العالمين من غير أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويدل على أنه لا بد للمنكر لما ذكر من مجموع الأمرين من الإقرار والشهادة المذكورة آخراً.

قيل: أما الأول: فلا يكفي فيه مجرد إقراره بما جحده بل لا بد فيه من الشهادتين المذكورتين أولاً. وقول المصنف رحمه الله: فلا يصح إسلامه؛ مشعر بذلك ؛ لأن المراد بإسلامه ما تقدم من الشهادة لتفسيره الإسلام بهما، والمعنى فلا تصح الشهادتان المتقدم ذكرهما حتى يقر بما جحده.

15,026

وأما الثاني: فهو من باب التوزيع كقولك: ركب الرجال الدواب على معنى ركب كل واحد دابة. فكذا قول المصنف رحمه الله: فلا يصح إسلامه حتى يقر ويشهد معناه حتى يشهد من أنكر فرضاً أو جحد نبياً أو كتاباً بما تقدم ذكره ويقر بما جحده، وحتى يشهد [من ارتد إلى دين من يعتقد أن محمداً بعث إلى العرب خاصة بما تقدم ذكره] وأن محمداً بعث إلى العالمين أو يقول: أنا بريء من كل دين يخالف الإسلام.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.