وَيَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَيَخْطُبَ قَائِمًا وَيَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًا وَيَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَيُقَصِّرَ الْخُطْبَةَ وَيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ
Its commentaries
مسألة: (ويَخْطُبَ قائِمًا) رُوِىَ عن الإِمامِ أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ القِيامَ في الخُطْبَةِ واجِبٌ، وهو مَذهَبُ الإِمامِ الشافعىُّ. فرَوَى الأثْرَمُ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْألُ عن الخُطْبَةِ قاعِدًا، أو يَقْعُدُ في إحْدَى الخُطْبَتَيْن؟ فلم يُعْجِبْه،
وقال: قال اللَّه تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}. وكان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ قائِمًا. فقال له الهَيْثَمُ بنُ خَارِجَةَ : كان عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ يَجْلِسُ في خُطْبَتِه. فظَهَرَ منه إنْكارُه. ووَجْهُ ذلك ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْطُبُ خُطْبَتَيْن ، وهو قائِمٌ، يَفْصِلُ بينَهما بجُلُوسٍ. مُتَّفَقٌ عليه . وروَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْطُبُ قائِمًا، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ قائِمًا،
فمَن نَبَّأكَ أنَّه كان يَخْطُبُ جالِسًا فقد كَذَب، فقد واللَّهِ صَلَّيْتُ معه أكثرَ مِن ألْفَىْ صلاةٍ. رَواه مسلمٌ .
وقال القاضى: تُجْزِئُه الخُطةُ قاعِدًا. وقد نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ ليس مِن شَرْطِه الاسْتِقْبالُ، فلم يَجبْ له القِيامُ، كالأذانِ، ولأنَّ المَقْصودَ يَحْصُلُ بدونِه. وهذا اخْتِيارُ أكَثرِ أصحابِنا. ٦٥١ - مسألة: (ويَعْتَمِدَ على سَيفٍ، أو قَوْسٍ، أو عَصًا) لِما روَى الحَكَمُ بنُ حَزْنٍ، قال: وَفَدْتُ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشَهِدْنا معه الجُمُعَةَ، فقام مُتَوَكِّئًا على عَصًا أو قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه، كَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيِّباتٍ مُبارَكَاتٍ.
رَواه أبو داودَ . فإن لم يَفْعَلِ اسْتُحِبَّ أن يُسَكِّنَ أطْرَافَه،
إمَّا أن يَضَعَ يَمِينَه على شِمالِه، أو يُرْسِلَهُما ساكِنَتَيْن إلى جَنْبَيْه.
٦٥٢ - مسألة: (ويَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِه) لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُ ذلك ولأنَّ في التِفاتِه إلى أحَدِ جانِبَيْه إعْراضًا عن الجانِبِ الآخَرِ،
فإن خالَفَ فاسْتَدْبَرَ النَّاسَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، صَحَّتِ الخُطْبَةُ؛ لحُصُولِ المَقْصُودِ به، كما لو أذَّنَ غيرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه ترَك الجِهَةَ المَشْرُوعَةَ، أشْبَهَ ما لو اسْتَدْبَرَ القِبْلَةَ في الصَّلاةِ، ولأنَّ مَقْصُودَ الخُطْبَةِ المَوْعِظَةُ، وذلك لا يَتِمُّ باسْتِدْبارِ النَّاسِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ للنَّاسِ أن يَسْتَقْبِلُوا الخَطِيبَ إذا خَطَب. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: يَكُونُ الإِمامُ عن يَمِينى مُتباعِدًا،
فإذا أرَدْتُ أن أنْحَرِفَ إليه حَوَّلْتُ وَجْهِىَ عن القِبْلَةِ. فقال: نعم، تَنْحَرفُ إليه. ومِمَّن كان يَسْتَقْبِلُ الإِمامَ ابنُ عمرَ، وأنسٌ. وهو قولُ أكثرِ العُلَماءِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا كالإجْماعِ. ورُوِىَ عن الحسنِ، أنَّه اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ولم يَنْحَرِفْ إلى الإِمامِ. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان لا يَسْتَقْبِلُ هِشامَ ابنَ إسماعيلَ إذا خَطَبَ، فوَكَلَ به هِشامٌ شُرَطِيًّا يَعْطِفُه إليه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما روَى عَدِىُّ بنُ ثابِتٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا قام على المِنْبَرِ اسْتَقْبَلَه أصحابُه بوُجُوهِهم.
رَواه ابنُ ماجه . ولأنَّ ذلك أبْلغُ في إسماعِهم، فاسْتُحِبَّ، كاسْتِقْبَالِه إيَّاهم.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ صَوْتَه ليُسْمِعَ النَّاسَ قال جابِرٌ: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا خَطَب احْمَرَّتْ عَيْنَاه، وعَلَا صَوْتُه، واشْتَدَّ غَضبُه حتى كأنَّه مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحكُمْ ومَسَّاكُمْ، ويَقُولُ:«أمَّا بَعْدُ، فَإنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم، وَشَرَّ الأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». رَواه مسلمٌ .
ويُسْتَحَبُّ تَرْتِيبُ الخُطْبَةِ، وهو أن يَبْدَأَ بالحَمْدِ قبلَ المَوْعِظَةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُ ذلك، ثمَّ يُثْنِى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثمَّ يَعِظُ.
فإن عَكَس ذلك صَحَّ؛ لحُصُولِ المَقْصُودِ منه . قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنَّهما فَصْلان مِن الذِّكْرِ يَتَقَدَّمان الصلاةَ، فلم يَصِحَّا مُنَكَّسَيْن، كالأذانِ والإِقامَةِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ في خُطْبَتِه مُتَرَسِّلًا، مُبينًا، مُعْرِبًا، لا يَعْجَلُ فيها، ولا يَقْطَعُها،
وأن يكونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَّعِظًا بما يَعِظُ الناسَ به؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال:«عُرِضَ عَلَىَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقِيلَ لِى: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ».
٦٥٣ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الخُطْبَةِ) لِما روَى عَمَّارٌ، قال: إنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقُولُ: «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِه مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَأقْصِرُوا الخُطْبَةَ». رَواه مسلمٌ . وعن جابِرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يُطِيلُ المَوْعِظَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إنَّما هى كَلِماتٌ يَسِيراتٌ. رَواه أبو داود .
٦٥٤ - مسألة: (و) يُسْتَحَبُّ أن (يَدْعُوَ) لنَفْسِه، (والمسلمين) والمُسْلِماتِ، والحاضِرِينَ،
وإن دَعَا لسُلْطانِ المسلمين بالصَّلاحِ، فحَسَنٌ. وقد روَى ضَبَّةُ بنُ مُحْصَنٍ ، أنَّ أبا موسى كان إذا خَطَب فحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنَى عليه، وصَلَّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يَدْعُو لعمرَ.
وقال القاضى: لا يُسْتَحَبُّ ذلك؛ لأنَّ عَطاءً قال: هو مُحْدَثٌ. وفِعْلُ الصحابةِ أوْلَى مِن قولِ عَطَاءٍ؛ ولأنَّ سُلْطَانَ المسلمين إذا صَلَح كان فيه صَلاحٌ لهم، ففى الدُّعاءِ له دُعاءٌ لهم، وذلك مُسْتَحَبٌّ غيرُ مَكْرُوهٍ.
فصل: وسُئِلَ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، عمَّن قَرَأ سُورَةَ الحَجِّ على المِنْبَرِ، أيُجْزِئُه؟ قال: لا، لم يَزَلِ النَّاسُ يَخْطُبُون بالثَّناءِ على اللَّهِ والصلاةِ على رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال: لا تكونُ الخُطْبَةُ إلَّا كما خَطَب النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. أو خُطْبَةٌ تَامَّةٌ. ولأنَّ هذا لا يُسَمَّى خُطْبَةً، ولا يَجْمَعُ الشُّروطَ.
فإن قَرَأ آيَاتٍ فيها حَمْدُ اللَّهِ تعالى، والمَوْعِظَةُ، وصَلَّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، صَحَّ؛ لاجْتِماعِ الشُّروطِ.
فصل: وإن قَرَأ سَجْدَةً في أثْناءِ الخُطْبَةِ،
فإن شاء نَزَل فسَجَدَ، وإن أمْكَنَه السُّجودُ على المِنْبَرِ، سَجَد عليه.
وإن تَرَك السُّجودَ فلا حَرَج، فَعَلَه عمرُ وتَرَك . وبهذا قال الإِمامُ الشافعىُّ. ونَزَل عثمانُ، وأبو موسى، وعَمّارٌ، والنُّعْمانُ، وعُقْبَةُ بنُ عامرٍ. وبه قال أصحابُ الرَّأْى.
وقال الإِمامُ مالكٌ: لا يَنْزِلُ؛ لأنَّه تَطَوُّعٌ بصلاةٍ، فلم يَشْتَغِلْ به في أثْناءِ الخُطْبَةِ، كصلاةِ رَكْعَتَيْن. ولَنا، فِعْلُ عمرَ، وفِعْلُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، -رَضِىَ اللَّهُ عنهم-، ولأنَّه سُنَّةٌ وُجِدَ سَبَبُها في أثْناءِ الخُطْبَةِ، لا يَطُولُ الفَصْلُ بها، فاسْتُحِبَّ فِعْلُها، كحَمْدِ اللَّهِ إذا عَطَس.
ولا يَجِبُ ذلك؛ لِما قَدَّمْنَا مِن أنَّ سُجُودَ التِّلاوَةِ غيرُ واجِبٍ. ويُفارِقُ صلاةَ رَكْعَتَيْن؛ لأنَّ سَبَبَها لم يُوجَدْ في الخُطْبَةِ، ويَطُولُ بها الفَصْلُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الأذانُ إذا صَعِدَ الإِمامُ على المِنْبَرِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه قد كان يُؤَذَّنُ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ: كان النِّداءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إذا جَلَس الإِمامُ على المِنْبَرِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبى بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، فلمَّا كان زَمَنُ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وكَثُرَ النَّاسُ، زاد النِّداءَ الثَّالِثَ على الزَّوْرَاءِ. رَواه البخارىُّ . فهذا النِّداءُ الأوُسَطُ هو الذى يَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ السَّعْى، وتَحْرِيمُ البَيْعِ؛
لقَوْلِه سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}. وهذا النِّداءُ الذى كان على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ نُزولِ الآيَةِ، فَتعَلَّقَتِ الأحْكِامُ به. والنِّداءُ الأوَّلُ مُسْتَحَبٌّ في أوَّلِ الوَقْتِ، سَنَّه عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وعَمِلَت به الأُمَّةُ بعدَه، وهو للإِعْلامِ بالوَقْتِ، والثَّانِى للإِعْلامِ بالخُطْبَةِ،
والثَّالِثُ للإِعْلامِ بقِيامِ الصَّلاةِ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ روايةً أنَّ الأذانَ الذى يُوجِبُ السَّعْىَ
ويُحَرِّمُ البَيْعَ هو الأذانُ الأوَّلُ على المَنارَةِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
فصل: فأمَّا مَن يَكُونُ مَنْزِلُه بَعيدًا، لا يُدْرِكُ الجُمُعَةَ بالسَّعْى وَقْتَ النِّداءِ، فعليه السَّعْىُ في الوقتِ الذى يَكُونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ؛ لكَوْنِه مِن ضَرُورَةِ إدْراكِها، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به واجِبٌ، كاسْتِسْقاءِ الماءِ مِن البئْرِ للوُضُوءِ إذا احْتاجَ إليه. ٦٥٥ -
(وَيَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ؛ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَجِلْسَتِهِ الْأُولَى،
وَيُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهَا، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ،
وَعَنْهُ: يَجِبُ الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا، اخْتَارَهُ النَّجَّادُ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عَلِيٌّ، سَرَدُوا الْخُطْبَةَ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فَلَمْ يَجِبْ كَالْأُولَى (وَيَخْطُبَ قَائِمًا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الِاسْتِقْبَالُ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ الْقِيَامُ كَالْأَذَانِ،
وَعَنْهُ: يَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " النَّصِيحَةِ "، وَبِالْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا،
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ (وَيَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًا) لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ حَزَنٍ قَالَ: «وَفَدْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فَشَهِدْنَا مَعَهُ الْجُمُعَةَ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى سَيْفٍ، أَوْ قَوْسٍ، أَوْ عَصًا» . مُخْتَصَرٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لَهُ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ فُتِحَ بِهِ، وَيَكُونُ اعْتِمَادُهُ عَلَى ذَلِكَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ بِالْيُسْرَى، وَالْأُخْرَى بِحَرْفِ الْمِنْبَرِ،
فَإِنْ لَمْ يَعْتَمِدْ أَمْسَكَ يَمِينَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ أَرْسَلَهُمَا (وَيَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَلِأَنَّ فِي الْتِفَاتِهِ إِلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ إِعْرَاضًا عَنِ الْآخَرِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا الْتَفَتَ أَوِ اسْتَدْبَرَ النَّاسَ أَنَّهُ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، صَرَّحُوا بِهِ فِي الِاسْتِدْبَارِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يُجْزِئُ لِتَرْكِهِ الْجِهَةَ الْمَشْرُوعَةَ، وَيَنْحَرِفُ إِلَيْهِ الْمَأْمُومُونَ إِذَا خَطَبَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ. (وَيُقَصِّرَ الْخُطْبَةَ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَمَّارٍ مَرْفُوعًا «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ» وَفِي " التَّعْلِيقِ ". وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ، جَعَلَهُ أَصْلًا لِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ،
وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ صَوْتِهِ حَسَبَ الْإِمْكَانِ (وَيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَهُمْ مَسْنُونٌ فِي غَيْرِ الْخُطْبَةِ، فَفِيهَا أَوْلَى،
وَلَا يَجِبُ فِي الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ: وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ "، وَاحْتَجَّ بِالْعُمُومِ،
وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ، قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ بِدْعَةٌ وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الدُّعَاءَ لَا يُسَنُّ لِلْمُسْلِمَاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ يَشْمَلُهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ الدُّعَاءَ لِلسُّلْطَانِ فِيهَا، وَلَا لِمُعَيَّنٍ؛ وَهُوَ جَائِزٌ، بَلْ قِيلَ: يُسْتَحَبُّ لِلسُّلْطَانِ، حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ أَوْ غَيْرُهُ: لَوْ كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِإِمَامٍ عَادِلٍ، وَلِأَنَّ فِي صَلَاحِهِ صَلَاحَ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ يَدْعُو فِي خُطْبَتِهِ لِعُمَرَ، وَرَوَى الْبَزَّارُ: أَرْفَعُ النَّاسِ دَرَجَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ عَادِلٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: إِنِّي لَأَدْعُو لَهُ بِالتَّسْدِيدِ وَالتَّوْفِيقِ.
فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا نَزَلَ عِنْدَ لَفْظَةِ الْإِقَامَةِ فِي وَجْهٍ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "،
وَفِي الْآخَرِ إِذَا فَرَغَ مِنْهَا، وَيَنْزِلُ مُسْرِعًا.
ويَجْلِسَ بينَ الخُطْبتَيْن. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ؛ أنَّ جلُوسَه بينَ الخُطتَيْن سُنَّةٌ، وعليه جمهورُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وعنه، أنَّه شَرْطٌ. جزَم به فى «النَّصِيحَةِ». وقالَه أبو بَكْرٍ النَّجَّادُ.
فائدتان؛ إحْداهما، حيثُ جوَّزْنا الخُطْبَةَ جالِسًا، على ما يأْتى بعدَ ذلك، فالمُسْتَحَبُّ أنْ يجْعلِ بينَ الخُطْبَتَيْن سكْتَةً بدَلَ الجَلْسَةِ. قالَه الأصحابُ. الثَّانيةُ، تكونُ الجَلْسةُ خَفِيفة جِدًّا. قال جماعةٌ: بقَدْرِ سُورةِ الإخْلاصِ. وحَكاه فى «الرِّعايَةِ» قولًا. وجزَم به فى «التَّلْخيصِ».
فلو أبَى الجُلوسَ، فصَل بينَهما بسَكْتَةٍ. ويَخْطُبَ قائِمًا. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ؛ أنَّ الخُطْبَةَ قائِمًا سُنَّةٌ. نصَّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه، وعليه جمهورُ الأصحابِ. قالَه فى «الحَواشِى» وغيرِه. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المشْهورُ عندَ الأصحابِ. وقدَّمه فى «الفُروعٍ» وغيرِه.
وعنه، شرْطٌ. جزَم به فى «النَّصِيحَةِ»، وقدَّمه فى «الفائقِ». ويَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ، أَوْ قَوْسٍ، أَوْ عَصًا، وَيَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فوائد؛ منها، قوله: ويعْتَمِدَ على سَيْفٍ، أو قَوْسٍ، أو عصًا. بلا نِزاعٍ. وهو مُخَيَّرٌ بينَ أنْ يكونَ ذلك فى يُمْناه أو يُسْراه. ووَجَّه فى «الفُروعِ» تَوْجيهًا، يكونُ فى يُسْراه،
وأمَّا اليَدُ الأُخْرى، فيَعْتَمِدُ بها على حرْفِ المِنْبَرِ أو يُرْسِلُها.
وإذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يعْتَمِدْ على شئٍ، أمْسَك يَمِينَه بشِمالِه أو أرْسَلهما. وَيَقْصِرَ الْخُطْبَةَ، ومنها، قوله: ويَقْصِرَ الخُطْبَةَ. هذا بلا نِزاعٍ. لكنْ تكونُ الخُطْبَةُ الثَّانيةُ أقْصَرَ. وَيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ.
قالَه القاضى فى «التَّعْليقِ». والواقِعُ كذلك. ومنها، يرْفَعُ صوْتَه حسَبَ طاقَتِه. ومنها، قوله: ويدْعُوَ للمُسْلمِين. يعْنِى، عُمومًا. وهذا بلا نِزاعٍ.
ويجوزُ لمُعَيَّنٍ مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يُسْتَحَبُّ للسُّلْطانِ. وما هو ببَعيدٍ. والدُّعاءُ له . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُسْتَحَبٌّ فى الجُمْلَةِ، حتى قال الإِمامُ أحمدُ، وغيرُه: لو كان لنا دعْوَةٌ مُسْتجابةٌ، لدَعْونا بها لإمامٍ عادِلٍ؛ لأنَّ فى صَلاحِه صلاحٌ للمُسْلِمين.
قال فى «المُغْنِى» وغيرِه: وإنْ دَعا لسُلْطانِ المُسْلِمين فحسَنٌ. وأطْلَقَهما ابنُ تَميمٍ، وابنُ حَمْدانَ. ومنها، لا يْرفَعُ يدَيْه فى الدُّعاءِ، والحالَةُ هذه. على الصَّحيحِ مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: هذا أصحُّ الوَجْهَيْن لأصحابِنا.
وقيل: وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ.
وَعَنْهُ، يُشْتَرَطُ.
يْرفَعُهما. وجزَم به فى «الفُصولِ». وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وقيل: لا يُسْتَحَبُّ. قال المَجْدُ: هو بِدْعَةٌ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.