وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ لِامْرَأَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَيَصِحُّ
Its commentaries
مسألة: (وإن أقَرَّ لوارِثٍ، لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) وبهذا قال شُرَيْحٌ، وأبو هاشِم، وابنُ أُذَيْنَةَ، والنَّخَعِىُّ، ويَحْيَى الأنْصارِىُّ، وأبو حنِيفةَ وأصحابُه. ورُوِىَ ذلك عن القَاسِمِ، وسالِم.
وقال عَطَاءٌ، والحَسَنُ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ: يُقْبَلُ؛ لأَنَّ مَن صَحَّ الإِقْرارُ له في الصِّحَّةِ، صَحَّ في المَرَضِ، كالأجْنَبِىِّ. وللشّافِعِىِّ قَوْلانِ كالمَذْهبَيْنِ.
وقال مالِك: يَصِحُّ إذا لم يُتَّهم،
ويَبْطُل إذا اتُّهِمَ، كمَن له بِنْتٌ وابْنُ عَمٍّ، فأقَرَّ لابْنَتِه، لم يُقبَلْ،
وإن أَقَرَّ لِابنِ عَمِّه، قُبِلَ؛ لأنَّه لا يُتَّهَمُ في أنَّه يَروِى ابْنَتَه ويُوصِلُ المالَ إلى ابْنِ عَمِّه، وعِلَّةُ مَنْعِ الإِقْرارِ التُّهْمَةُ، فاخْتَصَّ المَنْعُ بمَوْضِعِها. ولَنا، أنه إيصالٌ لِمَالِه إلى وارثِه بقَوْلِه في مَرَضِ مَوْتِه، فلم يَصحَّ بغيرِ رِضَا بَقِيةِ وَرَثَتِه، كَهِبَتِه، ولأنَّه مَحجُورٌ عليه في حَقِّه، فلم يَصِحَّ الإِقْرارُ له، كالصَّبِىِّ في حَقِّ جَميعِ النّاسِ. وفارَقَ الأجْنَبِىَّ،
فإنَّ هِبَتَه له تَصِحُّ. وما ذكَرَه مالِكٌ لا يَصِحُّ،
فإنَّ التُّهْمَةَ لا يُمكِنُ اعْتِبارُها بِنَفْسِها، فوَجَبَ اعتبارُها بمَظِنَّتِها، وهو الإِرْثُ، ولذلك اعتُبِرَ في الوَصِيَّةِ والتَّبرُّعِ وغيرِهما .
٥١٠٧ - مسألة: (إلَّا أن يُقِرَّ لِزَوْجَتِه بمَهْرِ مِثْلِها) فما دُونَه (فيَصِحُّ) في قَوْلِ الجَمِيعِ، لا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا، إلَّا أنَّ الشَّعْبِىَّ قال: لَا يَجُوزُ إقْرارُه لها؛ لأنَّه إقْرار لوارِثٍ. ولنا، أنَّه إقْرار بما تَحَقَّقَ سَبَبُه، وعُلِمَ وُجودُه، ولم تُعلَمِ البَراءةُ منه، فأشبَهَ ما لو كان عليه دَيْنٌ بِبَيِّنةٍ، فأقَرَّ بأنه لم يُوَفِّه.
وكذلك إنِ اشْتَرَى مِن وارِثِه شيئًا، فأقَرَّ له بثَمَنِ مِثْلِه؛ لأَنَّ القَولَ قولُ المُقَرِّ له، في أنَّه لم يَقْبِضْ ثَمَنَه. كان أقَرَّ لِامرَأتِه بدَيْنٍ سِوَى الصَّداقِ، لم يُقْبَلْ.
فصل: فإن أقَرَّ لها، ثم أبانَها، ثم تَزَوَّجَها، وماتَ مِن مَرَضِه، لم يُقْبَلْ إقْرارُه لها.
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: يُقْبَلُ؛ لأنَّها صارَتْ إلى حالٍ لا يُتَّهَمُ فيها، فأَشْبَهَ ما لو أقَر المَرِيضُ ثم بَرَأَ. ولنا، أنَّه أقَرَّ لوارِثٍ في مَرض المَوْتِ، [أشْبَهَ ما لو لم يُبِنْها، وفارَقَ ما إذا صَحَّ مِن مَرَضِه؛ لأنَّه لا يكونُ مَرَضَ المَوْتِ] . ٥١٠٨ -
(وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ أَجَازَهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ. وَظَاهِرُ نَصِّهِ: لَا. وَهُوَ ظَاهِرُ الِانْتِصَارِ. وَالْأَوَّلُ: أَوْلَى ; لِأَنَّهُ إِيصَالُ الْمَالِ إِلَى وَارِثِهِ بِقَوْلِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْهِبَةِ،
بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ أَوْ أَجَازَ الْوَارِثُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ. وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ إِذَا لَمْ يُتَّهَمْ، كَمَنْ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ عَمٍّ، فَأَقَرَّ لِابْنَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ،
وَإِنْ أَقَرَّ لِابْنِ عَمِّهِ قُبِلَ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ التُّهْمَةَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا بِمَظِنَّتِهَا، وَهُوَ الْإِرْثُ.
وَعَنْهُ: يَصِحُّ مُطْلَقًا. وَقَالَهُ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَإِسْحَاقُ ; لِأَنَّ مَنْ صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ فِي الصِّحَّةِ صَحَّ فِي الْمَرَضِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ (إِلَّا أَنْ يُقِرَّ لِامْرَأَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَيَصِحُّ) نَصَّ عَلَيْهِ. بِالزَّوْجِيَّةِ لَا بِإِقْرَارِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ ; لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ بِمَا يُحَقَّقُ سَبَبُهُ، وَعُلِمَ وُجُوبُهُ، وَلَمْ تُعْلَمِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَقَرَّ لِلْبَائِعِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ. نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَفِي التَّبْصِرَةِ وَنِهَايَةِ الْأَزَجِيِّ وَالْمُغْنِي وَالتَّرْغِيبِ: يَصِحُّ بِمَهْرِ مِثْلِهَا. فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ لَهَا بِالْإِقْرَارِ لَا بِالزَّوْجِيَّةِ.
وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ لِمَا تَقَدَّمَ.
فَلَوْ أَقَرَّتْ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهَا أَخَذَتْهُ مِنْهُ، نَقَلَهُ مُهَنَّا.
وإنْ أقَرَّ لمَن لا يَرِثُه، صَحَّ، فى أصَحِّ الرِّوايَتَيْن. وهو المذهبُ. وعليه الأصحابُ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المَشْهورُ
والمُخْتارُ عندَ الأصحابِ. قال فى «الكافِى» وغيرِه: هذا ظاهِرُ المذهبِ. قال فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه: أصَحُّهما قَبُولُه. وجزَم به فى «الوَجِيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وَلَا يُحَاصُّ المُقَرُّ لَهُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ.
وَقَالَ أبو الْحَسَنِ التَّمِيمِىُّ، وَالْقَاضِى: يُحَاصُّهُمْ.
والأخْرَى، لا يَصِحُّ بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ. فلا مُحاصَّةَ، فيُقَدَّمُ دَيْنُ الصِّحَّةِ.
وعنه، لا يصِحُّ مُطْلَقًا.
وإنْ أقَرَّ لوارِثٍ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنَة. هذا المذهبُ بلا رَيْبٍ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به كثير منهم. ونصَّ عليه.
وقال أبو الخَطَّابِ فى «الانْتِصَارِ»: يصِحُّ ما لم يُتَّهَمْ، وِفاقًا لمالِكٍ، رَحِمَه اللَّه تعالَى،
وأنَّ أصْلَه مِن المذهبِ وَصِيَّتُه لغيرِ وارِثٍ، ثم يصِيرُ وارِثًا لانْتِفاءِ التُّهْمَةِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقال الأَزَجِىُّ: قال أبو بَكْرٍ: فى صِحةِ إقْرارِه لوارِثِه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا يصِحُّ.
والثَّانيةُ، يصِحُّ؛ لأنَّه يصِحُّ بوارِثٍ، وفى الصِّحَّةِ أشْبَهَ الأَجْنَبِىَّ. والأَوْلَى أصحُّ . قال فى «الفُروعِ»: كذا قال. قال فى «الفُنونِ»: يَلْزَمُه أَنْ يُقِرَّ وإنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يُقْبَلْ. وقال أيضًا: إنَّ حَنْبَلِيًّا اسْتدلَ بأنّه لا يصِحُّ إقرارُه لوارِثِه فى مرَضِه بالوَصِيَّةِ له. فقال حَنْبَلِىٌّ: لو أقَرَّ له فى الصِّحَّةِ، صحّ،
ولو نحَلَه، لم يصِحَّ. والنِّحْلَةُ تبَرُّعٌ كالوَصِيَّةِ. فقدِ افْتَرَقَ الحالُ للتُّهْمَةِ فى أحدِهما دُونَ الآخَرِ، كذا فى المَرَضِ. ولأنَّه لا يَلْزَمُ التَّبَرُّعُ فيما زادَ على الثُّلُثِ لأَجْنَبِىٍّ،
ويَلْزَمُ الإِقْرارُ، وقدِ افْتَرَقَ التَّبَرُّعُ والإِقْرارُ فيما زادَ على الثُّلُثِ، [كذا يفْتَرِقان فى الثُّلُثِ] للوارِثِ.
تنبيه: ظاهِرُ قولِه: لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنَةٍ. إنَّه لا يُقْبَلُ بإجازَةٍ، وهو ظاهِرُ نصِّه، إلَّا أَنْ يُقِرَّ لِامْرأَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِها، فَيَصِحُّ.
وظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِن الأصحابِ.
وقال جماعةٌ مِن الأصحابِ: يُقْبَلُ بالإِجازَةِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: لا يبْطُلُ الإِقْرارُ، على المَشْهورِ مِن المذهبِ، بل يَقِفُ على إجازَة الوَرَثَةِ،
فإنْ أجازُوه، جازَ، وإنْ ردُّوه، بَطَلَ؛ ولهذا قال الخِرَقِىُّ: لم يَلْزَم باقِىَ الوَرَثَةِ قَبُولُه. إلَّا أَنْ يُقِرَّ لامْرَأَتِه بمَهْرِ مِثْلِها، فيَصِحُّ. يعْنِى إقْرارَه. هذا أحدُ الوَجْهيْن. اخْتارَه المُصَنِّفُ، وصاحبُ «التَّرْغيبِ»، و «التَّبْصِرَة»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأَزَجِىُّ، وغيرُهم. وجزَم به فى «الشَّرْحِ»، و «شَرحِ ابنِ مُنَجَّى»، وابنُ رَزِينٍ،
وقال: إجْماعًا. وقدَّمه فى «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِى».
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ لها مَهْرَ مِثْلِها بالزَّوْجِيَّةِ، لا بإقْرارِه. نصَّ عليه. وجزَم به فى «الوَجِيز»، و «المُحَرَّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيره. ونقَل أبو طالبٍ: يكونُ مِنَ الثُّلُثِ. ونقَل أيضًا، لها مَهْرُ مِثْلِها،
وأنَّ على الزَّوْجِ البَيِّنَةَ بالزَّائدِ. وذكَرَ أبو الفَرَجِ فى صِحَّتِه بمَهْرِ مِثْلِها رِوايتَيْن.
فائدة: لو أقَرَّتِ امْرَأَتُه أنَّها لا مَهْرَ لها عليه، لم يصِحُّ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أنَّها أخذَتْه. نَقَلَه مُهَنَّا.
وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ وَأجْنَبِىٍّ، فَهلْ يَصِحُّ فِى حَقِّ الْأَجْنَبِىِّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
قال: (وإن أقرّ لوارث لم يقبل إلا ببينة، إلا أن يُقرّ لامرأته بمهر مثلها فيصح) .
أما كون إقرار المريض لوارث غير المستثنى لا يقبل إذا لم يكن له بينة تشهد بالذي أقر له به؛ فلأنه إيصال مال إلى الوارث في مرض الموت. فلم يقبل بغير رضى بقية الورثة؛ كالهبة والوصية. ولأن المريض محجور عليه لحق وارثه. فلم يقبل إقراره؛ كالصبي في حق الناس كلهم.
وأما كونه إذا أقر لامرأته بمهر مثلها يصح؛ فلأنه إقرار بما تحقق سببه وعلم وجوبه فلم تحصل البراءة منه. أشبه ما لو اشترى عبداً فأقر للبائع بثمن مثله.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.