Pledge
Dealings
These are the main texts as they are, not a comparison.To compare: the disputed masa’il of this chapter
In the four schools’ base texts
-
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
-
وَإِذَا اشْتَرَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ وَنَقَدَهُ الدَّنَانِيرَ وَأَخَذَ بِالْعَشَرَةِ رَهْنًا يُسَاوِيهَا فَهَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَهُوَ بِمَا فِيهِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْبُيُوعِ حُكْمَ الرَّهْنِ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فَبَدَلُ الصَّرْفِ فِيهِ مِثْلُهُ ثُمَّ بِقَبْضِ الرَّهْنِ تَثْبُتُ لَهُ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ وَيَتِمُّ ذَلِكَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ وَيَصِيرُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ مُسْتَوْفِيًا عَيْنَ حَقِّهِ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ لَا مُسْتَبْدِلًا؛ فَلِهَذَا بَقِيَ عَقْدُ
-
الصَّرْفِ كَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى بِدَنَانِيرَ أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَ السَّيْفَ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ رَهْنًا، فِيهِ وَفَاءٌ فَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا وَلَوْ نَقَدَهُ الثَّمَنَ وَأَخَذَ رَهْنًا بِالسَّيْفِ، وَفِيهِ وَفَاءٌ فَهَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا؛ فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الرَّهْنِ بِالْأَعْيَانِ لَا يَجُوزُ؛
-
لِأَنَّ مُوجِبَ عَقْدِ الرَّهْنِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَاسْتِيفَاءُ الْعَيْنِ مِنْ الْعَيْنِ غَيْرُ مُمْكِنٌ فَيَبْقَى السَّيْفُ عَلَى مِلْكِهِ بَعْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ السَّيْفِ وَمِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الرَّهْنَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَالْمَقْبُوضُ عَلَى جِهَةِ الشَّيْءِ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانَ السَّيْفِ مِنْطَقَةٌ أَوْ سَرْجٌ مُفَضَّضٌ أَوْ إنَاءٌ مَصُوغٌ أَوْ فِضَّةُ تِبْرٍ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التِّبْرَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ فِي أَنَّهُ جَعَلَهُ كَالسَّيْفِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِعَيْنِهِ فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ مَا تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَدْ بَطَلَ عَقْدُ الصَّرْفِ بِالِافْتِرَاقِ؛
-
لِأَنَّ تَمَامَ الِاسْتِيفَاءِ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ فَالِافْتِرَاقُ قَبْلَهُ مُبْطِلٌ لِعَقْدِ الصَّرْفِ وَلَكِنَّ الْمُرْتَهِنَ ضَامِنُ الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَمِمَّا رَهَنَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ رَهْنًا بِالثَّمَنِ أَوْ بِالْمُثَمَّنِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ حُكْمٌ يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ بَاقٍ بَعْدَ مَا بَطَلَ عَقْدُ الصَّرْفِ بِالِافْتِرَاقِ فَعِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ يَتِمُّ الِاسْتِيفَاءُ فِيمَا انْعَقَدَ ضَمَانُهُ بِالْقَبْضِ، وَقَدْ بَطَلَ الْعَقْدُ الْمُوجِبُ لِلِاسْتِيفَاءِ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمُسْتَوْفَى كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيقَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
(قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إمْلَاءً) : (اعْلَمْ) بِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدُ وَثِيقَةٍ بِمَالٍ مَشْرُوعٍ لِلتَّوَثُّقِ فِي جَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ، فَالِاسْتِيفَاءُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْمَالِ، وَلِهَذَا كَانَ مُوجَبُهُ ثُبُوتَ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ حَقًّا لِلْمُرْتَهِنِ عِنْدَنَا؛
-
لِأَنَّ مُوجَبَ حَقِيقَةِ الِاسْتِيفَاءِ مِلْكُ عَيْنِ الْمُسْتَوْفَى، وَمِلْكُ الْيَدِ، فَمُوجَبُ الْعَقْدِ - الَّذِي هُوَ وَثِيقَةُ الِاسْتِيفَاءِ - بَعْضُ ذَلِكَ، وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ.
-
وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) : مُوجَبُهُ مَا هُوَ مُوجَبُ سَائِرِ الْوَثَائِقِ كَالْكَفَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ، وَهُوَ أَنْ تَزْدَادَ الْمُطَالَبَةُ بِهِ فَيَثْبُتَ بِهِ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِإِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَالِيَّتِهِ، وَذَلِكَ بِالْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْكَفَالَةُ، وَالْحَوَالَةُ عَقْدُ وَثِيقَةِ مَا لَزِمَهُ، وَالذِّمَّةُ مَحِلٌّ لِالْتِزَامِ الْمُطَالَبَةِ فِيهَا، فَيَكُونُ الثَّابِتُ بِهِمَا بَعْضَ مَا ثَبَتَ لِحَقِيقَةِ الْتِزَامِ الدَّيْنِ وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ، وَالرَّهْنُ عَقْدُ وَثِيقَةٍ بِمَالٍ وَالْمَالُ مَحَلٌّ لِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الثَّابِتَ بِهِ بَعْضُ مَا ثَبَتَ لِحَقِيقَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَكَيْفَ يَكُونُ الْبَيْعُ فِي الدَّيْنِ مُوجَبَ عَقْدِ الرَّهْنِ وَلَا يَمْلِكُ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الرَّهْنِ إلَّا بِتَسْلِيطِ الرَّاهِنِ إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ نَصًّا؟
-
وَكَمْ مِنْ رَهْنٍ يَنْفَكُّ عَنْ الْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ، وَمُوجَبُ الْعَقْدِ مَا لَا يَخْلُو الْعَقْدُ عَنْهُ بَعْدَ تَمَامِهِ،
-
ثُمَّ جَوَازُ هَذَا الْعَقْدِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَمَّا الْكِتَابُ
-
فَقَوْلُهُ تَعَالَى {: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ، وَهُوَ أَمْرٌ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْله تَعَالَى {: فَاكْتُبُوهُ} .
-
وَعَلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ} ، وَأَدْنَى مَا يَثْبُتُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ الْجَوَازُ، وَالسُّنَّةُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا لِبَيْتِهِ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» . وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُوُفِّيَ، وَدِرْعُهُ مَرْهُونٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِوَسْقٍ مِنْ شَعِيرٍ» .
-
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَهَنَ دِرْعَهُ لِيَهُودِيٍّ فَمَا وَجَدَ مَا يَفْتَكُّهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَجَاءَ الْيَهُودِيُّ فِي أَيَّامِ التَّعْزِيَةِ يُطَالِبُ بِحَقِّهِ لِيَغِيظَ الْمُسْلِمِينَ بِهِ» .
-
وَفِي هَذَا دَلِيلُ جَوَازِ الرَّهْنِ فِي كُلِّ مَا هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، مَا يَكُونُ مُعَدًّا لِلطَّاعَةِ، وَمَا لَا يَكُونُ مُعَدًّا لَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ،
-
فَإِنَّ دِرْعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُعَدًّا لِلْجِهَادِ بِهِ فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ رَهْنِ الْمُصْحَفِ
-
بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ الشِّيعَةُ: أَنَّ مَا يَكُونُ لِلطَّاعَةِ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ حَبْسِهِ عَنْ الطَّاعَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ: أَنَّ الرَّهْنَ جَائِزٌ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ جَمِيعًا، فَإِنَّهُ رَهَنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ فِي حَالِ إقَامَتِهِ بِهَا
-
بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ: أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي السَّفَرِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ، وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ يَقْتَضِي الْفَصْلَ بَيْنَ الْوُجُودِ، وَالْعَدَمِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الشَّرْطَ حَقِيقَةً بَلْ ذِكْرُ مَا يَعْتَادُهُ النَّاسُ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ فِي الْغَالِبِ يَمِيلُونَ إلَى الرَّهْنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إمْكَانِ التَّوَثُّقِ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ، وَالْغَالِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، وَالْمُعَامَلَةِ الظَّاهِرَةِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا، فَالرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ، وَالسَّفَرِ دَلِيلٌ: عَلَى جَوَازِهِ بِكُلِّ حَالٍ
-
ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فِي الرَّهْنِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ: أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ يَكُونُ مَضْمُونًا ثُمَّ بَيَانُ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ إذَا رَهَنَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ سَقَطَ دَيْنُهُ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ خَمْسَةً يَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِخَمْسَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ مَذْهَبُنَا أَيْضًا،
-
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَالرَّاهِنُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِخَمْسَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ النَّاسِ، وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذَا، وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَإِنَّهُمَا قَالَا: إنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ،
-
وَمِنْ الدَّيْنِ فَإِذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ فَالْمُرْتَهِنُ فِي الْفَضْلِ أَمِينٌ، وَهَكَذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ الْمُرْتَهِنَ فِي الْفَضْلِ أَمِينٌ.
-
وَحَاصِلُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (رَحِمَهُمْ اللَّهُ) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ فَعِنْدَنَا هُوَ
-
مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ،
-
وَمِنْ الدَّيْنِ، وَعِنْدَ شُرَيْحٍ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) هُوَ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ قَلَّتْ قِيمَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ، فَإِنَّهُ قَالَ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ،
-
وَإِنْ كَانَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَفِي إحْدَى رِوَايَتَيْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ هَذَا بَيَانُ الِاخْتِلَافِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي الرَّهْنِ، إلَى أَنْ أَحْدَثَ الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) قَوْلًا رَابِعًا أَنَّهُ أَمَانَةٌ،
-
وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِهَلَاكِهِ، وَاسْتَدَلَّ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» ، وَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ " لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ فَقَدْ فُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ الَّذِي رَهَنَهُ أَيْ: مِنْ ضَمَانِ رَاهِنِهِ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ " أَيْ: عَلَيْهِ هَلَاكُهُ، فَالْغُرْمُ: عِبَارَةٌ عَنْ الْهَلَاكِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: إنَّا لَمُغْرَمُونَ} أَيْ: هَلَكَتْ عَلَيْنَا أَمْوَالُنَا، وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ فَبِهَلَاكِهِ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ كَمَا لَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِ الصَّكِّ وَمَوْتِ الشُّهُودِ، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّهُ بِعَقْدِ الْوَثِيقَةِ يَزْدَادُ مَعْنَى الصِّيَانَةِ فَلَوْ قُلْنَا: بِأَنَّهُ يَسْقُطُ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ بِهَلَاكِهِ كَانَ ضِدَّ مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ بِهِ يَصِيرُ بِعُرْضَةِ الْهَلَاكِ، وَذَلِكَ ضِدُّ مَعْنَى الصِّيَانَةِ.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ عَيْنَ الرَّهْنِ - مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ - أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَالْقَبْضُ فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ، وَمَا هُوَ مُوجَبُ الرَّهْنُ، وَهُوَ الْحَبْسُ ثَابِتٌ فِي الْكُلِّ،
-
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُ الضَّمَانِ بِهَذَا الْقَبْضِ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ عَيْنَ الرَّهْنِ تَهْلِكُ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِنِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَبْدًا فَكَفَنُهُ عَلَى الرَّاهِنِ،
-
وَلَوْ اسْتَحَقَّ وَضَمِنَهُ الْمُرْتَهِنُ يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ، وَالدَّيْنِ جَمِيعًا عَلَى الرَّاهِنِ،
-
وَلَوْ كَانَ قَبَضَهُ قَبْضَ ضَمَانٍ لَمْ يَرْجِعْ بِالضَّمَانِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ كَالْغَاصِبِ، وَعِنْدَكُمْ إذَا اشْتَرَى الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَ مِنْ الرَّاهِنِ لَا يَصِيرُ قَابِضًا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَلَوْ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ لَكَانَ قَبْضُهُ عَنْ الشِّرَاءِ كَقَبْضِ الْغَاصِبِ، وَالْمَقْبُوضُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عِنْدَكُمْ كَرَهْنِ الْمُشَاعِ وَغَيْرِهِ، وَالْفَاسِدُ مُعْتَبَرٌ بِالْجَائِزِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ حَقِّ الْحَبْسِ الضَّمَانُ، كَالْمُسْتَأْجَرِ بَعْدَ الْفَسْخِ مَحْبُوسٌ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ بِالْأُجْرَةِ الْمُعَجَّلَةِ، بِمَنْزِلَةِ الْمَرْهُونِ حَتَّى إذَا مَاتَ الْآجِرُ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ غُرَمَائِهِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا إذَا هَلَكَ،
-
وَكَذَلِكَ زَوَائِدُ الرَّهْنِ عِنْدَكُمْ.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَمَانَةٌ: أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ، كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ إجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِينَ (- رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -) فَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ يَكُونُ
-
إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ، لَمْ يُسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَطَاءٍ: «أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا عِنْدَ رَجُلٍ بِحَقٍّ لَهُ فَنَفَقَ الْفَرَسُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَاخْتَصَمَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِلْمُرْتَهِنِ: ذَهَبَ حَقُّكَ» ،
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَهَبَ حَقُّكَ فِي الْحَبْسِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُشْكِلُ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَقَّ مُنَكَّرًا فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ ثُمَّ أَعَادَهُ مُعَرَّفًا، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمُعَرَّفِ مَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْمُنَكَّرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا} {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} .
-
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ ذَهَبَتْ الرِّهَانُ بِمَا فِيهَا» أَيْ: بِمَا فِيهَا مِنْ الدُّيُونِ،
-
وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا يَفْهَمُ مِنْهُ هَذَا اللَّفْظُ، بَقِيَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ.
-
وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ السَّلَفِ (- رَحِمَهُمُ اللَّهُ -) كَطَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمَ، وَغَيْرِهِمَا اتَّفَقُوا: أَنَّ الْمُرَادَ لَا يُحْبَسُ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ احْتِبَاسًا لَا يُمْكِنُ فِكَاكُهُ بِأَنْ يَصِيرَ مَمْلُوكًا لِلْمُرْتَهِنِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْقَائِلِ:
-
وَفَارَقْتُكَ بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا
-
يَعْنِي: احْتَبَسَ قَلْبُ الْمُحِبِّ عِنْدَ الْحَبِيبِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فِكَاكُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ ضَمَانٌ، وَلَا هَلَاكٌ.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَرْتَهِنُونَ، وَيَشْتَرِطُونَ عَلَى الرَّاهِنِ إنْ لَمْ يَقْضِ الدَّيْنَ إلَى وَقْتِ كَذَا فَالرَّهْنُ مَمْلُوكٌ لِلْمُرْتَهِنِ فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» وَسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ فَقِيلَ: أَهُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالدَّيْنِ إلَى وَقْتِ كَذَا فَالرَّهْنُ بَيْعٌ لِي فِي الدَّيْنِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
-
وَقَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ الَّذِي رَهَنَهُ» يُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنَى أَيْ: هُوَ عَلَى مِلْكِ رَاهِنِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِهَذَا الشَّرْطِ،
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» يَعْنِي فِي حَالِ إبْقَائِهِ هُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ لَا يَتَمَلَّكُ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَنْ يَبِيعَ بِالدَّيْنِ فَزَادَ الثَّمَنُ عَلَى الدَّيْنِ فَالزِّيَادَةُ لَهُ،
-
وَإِنْ اُنْتُقِصَ فَالنُّقْصَانُ عَلَيْهِ، وَبِهِ نَقُولُ: وَالْمَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الرَّهْنَ مَقْبُوضٌ لِلِاسْتِيفَاءِ وَالْمَقْبُوضُ عَلَى وَجْهِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى سَوْمِ الْبَيْعِ يُجْعَلُ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يَخْتَصُّ بِمَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ، وَهُوَ الْمَالُ الْمُتَقَوِّمُ الَّذِي يَقْبَلُ الْبَيْعَ فِي الدَّيْنِ، وَيَخْتَصُّ بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ، وَهُوَ الدَّيْنُ حَتَّى لَا يَجُوزَ الرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ،
-
وَلَا بِالْعُقُوبَاتِ مِنْ الْقِصَاصِ، وَالْحُدُودِ، وَتَحْقِيقُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ مُوجَبَ الْعَقْدِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَهَذِهِ الْيَدُ
-
فِي حَقِيقَةِ الِاسْتِيفَاءِ تُثْبِتُ الْمِلْكَ، وَالضَّمَانَ فَكَذَا فِيهَا أَيْضًا يَثْبُتُ الضَّمَانُ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ يُقَرِّرُهُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
(- رَحِمَهُ اللَّهُ -) اسْتِيفَاءُ الْمُسْتَوْفَى يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُسْتَوْفِي، وَلَهُ عَلَى الْمُوفِي مِثْلُ ذَلِكَ فَيَصِيرُ قِصَاصًا بِهِ فَكَذَلِكَ إذَا قَبَضَهُ رَهْنًا، وَصَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْيَدِ فَإِذَا هَلَكَ وَجَبَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ مِنْ أَوَّلِهَا فَيَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ الضَّمَانُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، وَصِفَتِهِ؛
-
لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ بِهِ يَتَحَقَّقُ، وَكَانَ الرَّاهِنُ جَعَلَ مِقْدَارَ الدَّيْنِ فِي وِعَاءٍ وَسَلَّمَهُ إلَى رَبِّ الدَّيْنِ لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ فَعِنْدَ هَلَاكِهِ فِي يَدِهِ يَتِمُّ اسْتِيفَاؤُهُ فِي مِقْدَارِ حَقِّهِ، وَلِهَذَا كَانَ الْفَضْلُ أَمَانَةً عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ جَعَلَ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فِي كِيسٍ، وَدَفَعَهُ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ مِنْهُ عَشَرَةَ فَيَكُونَ أَمِينًا فِي الزِّيَادَةِ، وَلِهَذَا جُعِلَتْ الْعَيْنُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ؛
-
لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ تَحْصُلُ مِنْهُ الْمَالِيَّةُ دُونَ الْعَيْنِ، وَالِاسْتِيفَاءُ بِالْعَيْنِ يَكُونُ اسْتِبْدَالًا، وَالْمُرْتَهِنُ عِنْدَنَا مُسْتَوْفٍ لَا مُسْتَبْدِلٌ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الِاسْتِيفَاءُ بِحَبْسِ الْحَقِّ، وَالْمُجَانَسَةُ بَيْنَ الْأَمْوَالِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ فَكَانَ هُوَ أَمِينًا فِي الْعَيْنِ، وَالْعَيْنُ كَالْكِيسِ فِي حَقِيقَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ اتَّضَحَ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَ؛
-
لِأَنَّ مَعْنَى الصِّيَانَةِ يَتَحَقَّقُ إذَا صَارَ الْمُرْتَهِنُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ، وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ قُلْنَا يَتْوَى بَيْنَهُ، وَالِاسْتِيفَاءُ لَيْسَ مَأْتُوًّا لِلْحَقِّ،
-
ثُمَّ مُوجَبُ الْعَقْدِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَفِيهِ مَعْنَى الصِّيَانَةِ
-
، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ فَرَاغُ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ، وَتَمَامِ الِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَثِيقَةً لِصِيَانَةِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ كَالْحَوَالَةِ، فَإِنَّهَا تُوجِبُ الدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ لِصِيَانَةِ حَقِّ الطَّالِبِ،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ فَرَاغُ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، وَبِهِ لَا يَنْعَدِمُ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ،
-
وَكَذَلِكَ الْمَقْصُودُ بِالْعَارِيَّةِ مَنْفَعَةُ الْمُسْتَعِيرِ،
-
وَمِنْ ضَرُورَةِ حُصُولِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ مَحْضَ مَنْفَعَةٍ لَهُ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَوْتَ الشُّهُودِ، وَهَلَاكَ الصَّكِّ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الدَّيْنِ عِنْدَنَا بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ إذَا تَمَّ ذَلِكَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الصَّكِّ وَالشُّهُودِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ قَابِضًا بِنَفْسِ الشِّرَاءُ؛
-
لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَاقَى الْعَيْنَ.
-
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعَيْنَ فِي حُكْمِ الْأَمَانَةِ، وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ دُونَ قَبْضِ الشِّرَاءِ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ بِالضَّمَانِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ لِأَجْلِ الْغَرَرِ، فَالرَّاهِنُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِقَبْضِ الرَّهْنِ مِنْهُ حَيْثُ إنَّهُ يَصِيرُ مُوفِيًا ذِمَّتَهُ عِنْدَ الْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَيَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلِهَذَا تَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَنْزِلَةِ الْمُؤَجَّرِ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ يَدُ الْمُسْتَأْجِرِ بَعْدَ فَسْخِ الْإِجَارَةِ لَيْسَتْ بِيَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَلِأَنَّهَا هِيَ الْيَدُ الَّتِي كَانَتْ لَهُ قَبْلَ الْفَسْخِ، وَإِنَّمَا قَبَضَ لِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لَا لِاسْتِيفَاءِ
-
الْأُجْرَةِ مِنْ الْمَالِيَّةِ؛ فَلِهَذَا لَا يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِهَلَاكِ الْعَيْنِ فِي يَدِهِ، وَالْمَقْبُوضُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ عِنْدَنَا مَضْمُونٌ،
-
فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا ارْتَهَنَ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا، أَوْ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ فِي يَدِهِ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ إذَا هَلَكَ، وَهُوَ رَهْنٌ فَاسِدٌ،
-
فَإِنَّ الْمَرْهُونَ بِأُجْرَةِ النَّائِحَةِ، وَالْمُغَنِّيَةِ،
-
وَلَا عَقْدَ هُنَاكَ فَاسِدًا،
-
وَلَا جَائِزًا لِانْعِدَامِ الدَّيْنِ أَصْلًا،
-
وَكَذَلِكَ رَهْنُ الْمُشَاعِ فَقَدْ قَامَتْ الدَّلَالَةُ لَنَا عَلَى أَنَّ يَدَ الِاسْتِيفَاءِ الَّتِي هِيَ مُوجَبُ الرَّهْنِ لَا تَثْبُتُ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فَلِهَذَا لَا يَكُونُ مَضْمُونًا فَأَمَّا شُرَيْحٌ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فَكَانَ يَقِيسُ الْمَرْهُونَ بِالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَالْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ مَالٌ غَيْرُ مَحْبُوسٍ بِدَيْنٍ، هُوَ مَالٌ فَسَقَطَ الدَّيْنُ بِهَلَاكِهِ قَلَّتْ قِيمَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ، فَكَذَلِكَ الْمَرْهُونُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ؛
-
وَلِأَنَّ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ تَعَذَّرَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ رَدُّهُ لَا إلَى غَايَةٍ،
-
وَلَوْ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ إلَى غَايَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَالَبَ بِشَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ مَا لَمْ يُحْضِرْهُ، فَكَذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ لَا إلَى غَايَةٍ، وَلَكِنْ لَمَّا حَقَّقْنَا تَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْنِ، وَالْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ إنَّ سُقُوطَ الثَّمَنِ هُنَاكَ بِسَبَبِ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ، وَبِهَلَاكِ جَمِيعِ الْعُقُودِ عَلَيْهِ يَنْفَسِخُ جَمِيعُ الْعَقْدِ، وَهُنَا سُقُوطُ الدَّيْنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِيفَاءِ،
-
وَلَا يَتَحَقَّقُ الِاسْتِيفَاءُ إلَّا بَعْدَ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ فَاسْتِيفَاءُ الْعَشَرَةِ مِنْ خَمْسَةٍ لَا يَتَحَقَّقُ، فَلِهَذَا كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِفَضْلِ الدَّيْنِ
-
قَالَ، وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ عَيْنًا.
-
وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: " لَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ بِالْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ اعْتِبَارًا بِالْبَيْعِ فَإِنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَخْتَصُّ بِمَالٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى مُبَادَلَةِ مَالٍ بِمَالٍ، وَهُوَ، وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ، وَذَلِكَ يَلْزَمُ بِالْقَبُولِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} فَقَدْ، وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّهْنَ بِالْقَبْضِ فَيُنْتَقَضُ أَنْ يَكُونَ هَذَا، وَصْفًا لَازِمًا لَا يُفَارِقُهُ الرَّهْنُ ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُوجَبَ الْعَقْدِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَكَمَا أَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِيفَاءِ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْقَبْضِ، فَكَذَلِكَ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَالْمَقْصُودُ: إلْجَاءُ الرَّاهِنِ حَيَاتَهُ لِيُسَارِعَ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِثُبُوتِ يَدِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّهْنِ، وَمَنْعِ الرَّاهِنِ مِنْهُ، وَالْمَقْصُودُ أَيْضًا: ثُبُوتُ حَيَاةِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عِنْدَ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهُ لِمُزَاحَمَةِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، فَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَصِيرُ أَحَقَّ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ: الْقَبْضُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ ثَبَتَ بِالتَّخْلِيَةِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ بِحُكْمِ عَقْدٍ مَشْرُوعٍ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الْمَنْقُولِ إلَّا بِالنَّقْلِ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ ابْتِدَاءً بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ، فَكَمَا أَنَّ الْمَغْصُوبَ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِالتَّخْلِيَةِ بِدُونِ النَّقْلِ فَكَذَلِكَ الْمَرْهُونُ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ فَكَذَلِكَ الْقَبْضُ نَاقِلٌ لِلضَّمَانِ مِنْ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ
-
ابْتِدَاءً، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِيفَاءِ تَثْبُتُ بِالتَّخْلِيَةِ فَالْقَبْضُ الْمُوجِبُ لِهَذَا الِاسْتِيفَاءِ أَيْضًا ثَبَتَ بِالتَّخْلِيَةِ
-
، وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ فِيمَا يُقْسَمُ، وَمَا لَا يُقْسَمُ مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ مَا يُرْهَنُ عِنْدَنَا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُشَاعَ عَيْنٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَيَجُوزُ رَهْنُهُ كَالْمَقْسُومِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الرَّهْنِ اسْتِحْقَاقُ الْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مَشْرُوعٌ؛ لِصِيَانَةِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِمُزَاحَمَةِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، فَالْمَشْرُوعُ وَثَائِقُ مِنْهَا: مَا يُؤَمِّنُهُ عَنْ جُحُودِ الْمَدْيُونِ، وَذَلِكَ كَالشُّهُودِ، وَمِنْهَا: مَا يُؤَمِّنُهُ عَنْ سِيَاقِ الشُّهُودِ، وَذَلِكَ الْكِتَابُ، وَمِنْهَا: مَا يُؤَمِّنُهُ عَنْ التَّوَى بِإِفْلَاسِ مَنْ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ الْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ، وَمِنْهَا: مَا يُؤَمِّنُهُ عَنْ إبْرَاءِ بَعْضِ حَقِّهِ بِمُزَاحَمَةِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ إيَّاهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَدْيُونِ، وَذَلِكَ: الرَّهْنُ،
-
فَإِذَا كَانَ مَشْرُوعًا لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْوَثِيقَةِ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ بِهِ الْبَيْعَ فِي الدَّيْنِ، فَيَخْتَصُّ بِمَحِلٍّ يَقْبَلُ الْبَيْعَ فِي الدَّيْنِ،
-
ثُمَّ الْقَبْضُ شَرْطُ تَمَامِ هَذَا، وَالشُّيُوعُ لَا يَمْنَعُ أَصْلَ الْقَبْضِ.
-
(أَلَا تَرَى) : أَنَّ الشَّائِعَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ، وَبَدَلًا عَنْ الصَّرْفِ، وَبِالْإِجْمَاعِ: هِبَةُ الْمُشَاعِ - فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ - تَتِمُّ بِالْقَبْضِ،
-
وَكَذَلِكَ عِنْدِي: فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ جَائِزٌ، وَدَوَامُ يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِبَقَاءِ حُكْمِ الرَّهْنِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ الْقَبْضِ لَوْ أَعَارَهُ مِنْ الرَّاهِنِ، أَوْ غَصَبَهُ الرَّاهِنُ مِنْهُ يَبْطُلُ بِهِ الرَّهْنُ، وَكَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ،
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُدَّعَى: أَنَّ مُوجَبَ الْعَقْدِ الْيَدُ؛ لِأَنَّ بِالْعُقُودِ الْمَشْرُوعَةِ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَالْيَدُ لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ بِنَفْسِهَا بَلْ لِلتَّصَرُّفِ أَوْ لِلِانْتِفَاعِ، وَالْمُرْتَهِنُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: جَوَازُ رَهْنِ الْعَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ بِدَيْنٍ لَهُمَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ رَهْنًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْعَيْنِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِكُمْ أَظْهَرُ حَتَّى إذَا هَلَكَ كَانَ نِصْفُهُ مَضْمُونًا بِدَيْنِ كُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا،
-
وَإِذَا كَانَ إيجَابُ الْبَيْعِ فِي الْعَيْنِ لِاثْنَيْنِ إيجَابًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ، فَكَذَلِكَ الرَّهْنُ ثُمَّ كُلُّ عَقْدٍ جَازَ فِي جَمِيعِ الْعَيْنِ مَعَ اثْنَيْنِ يَجُوزُ فِي نِصْفِهِ مَعَ الْوَاحِدِ كَالْبَيْعِ، وَلَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْحَالَّةِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَهْنَ النِّصْفِ الشَّائِعِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: رَهَنْتُكَ هَذَا الْعِيرَ يَوْمًا، وَيَوْمًا لَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ، وَبَيَانُهُ أَنَّ مُوجَبَ عَقْدِ الرَّهْنِ دَوَامُ يَدِ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ انْفِكَاكِهِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ الشُّيُوعِ؛
-
لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْمُهَايَأَةِ مَعَ الْمَالِكِ فِي الْإِمْسَاكِ، فَيَنْتَفِعُ الْمَالِكُ بِهِ يَوْمًا بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَيَحْفَظُهُ الْمُرْتَهِنُ يَوْمًا بِحُكْمِ الرَّهْنِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: رَهَنْتُكَ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا؛ لِأَنَّهُ يَنْعَدِمُ اسْتِحْقَاقُ الْيَدِ لِلْمُرْتَهِنِ فِي يَوْمِ الرَّاهِنِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا يَقْتَرِنُ بِالْعَقْدِ، وَهُوَ الشُّيُوعُ،
-
وَمَتَى اقْتَرَنَ بِالْعَقْدِ مَا يَمْنَعُ مُوجَبَهُ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ دَوَامَ الْيَدِ مُوجَبُ الْعَقْدِ قَوْله تَعَالَى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} هَذَا يَقْتَضِي
-
أَنْ لَا يَكُونَ مَرْهُونًا إلَّا فِي حَالٍ يَكُونُ مَقْبُوضًا فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّهْنِ ضَمَانُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَنْ التَّوَى لِجُحُودٍ مِنْهُ عَلَيْهِ فَنُقِلَ الْحُكْمُ مِنْ الْكِتَابِ، وَالشُّهُودِ إلَى الرَّهْنِ، فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ بِالْمَنْقُولِ إلَيْهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْمَنْقُولِ عَنْهُ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِدَوَامِ الْيَدِ عَلَيْهِ؛
-
لِأَنَّهُ إذَا عَادَ إلَى يَدِ الرَّاهِنِ رُبَّمَا يَجْحَدُ الرَّهْنَ، وَالدَّيْنَ جَمِيعًا،
-
وَكَذَلِكَ الْمَقْصُودُ إلْجَاءُ الرَّاهِنِ لِيُسَارِعَ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِدَوَامِ يَدِ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ الْمَرْهُونَ إذَا كَانَ شَيْئًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَهُ عِنْدَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ،
-
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَوَامُ الْيَدِ مُوجَبَ الْعَقْدِ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ يَقُولُ: " أَنَا أَشْفَقُ عَلَى مُلْكِي مِنْكَ، وَحَقُّكَ الْبَيْعُ فِي الدَّيْنِ، وَلَا يَفُوتُ ذَلِكَ عَلَيْكَ بِيَدِي " ، وَحَيْثُ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِإِمْسَاكِهِ عَرَفْنَا أَنَّ دَوَامَ الْيَدِ مُوجَبُ هَذَا الْعَقْدِ، وَلَسْنَا نَعْنِي: وُجُودَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ حِينًا، وَإِنَّمَا نَعْنِي: اسْتِحْقَاقَ دَوَامِ الْيَدِ، وَبِالْإِعَادَةِ مِنْ الرَّاهِنِ أَوْ الْغَصْبِ لَا يَنْعَدِمُ الِاسْتِحْقَاقُ، فَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ مِنْهُ الرَّهْنُ، وَفِي الرَّهْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ اسْتِحْقَاقُ دَوَامِ الْيَدِ ثَابِتٌ لِكُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَمِيعِ الْعَيْنِ حَتَّى إذَا قَضَى جَمِيعَ دَيْنِ أَحَدِهِمَا يَكُونُ لِلْآخَرِ حَبْسُ جَمِيعِ الرَّهْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ، وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاحِدُ مَحْبُوسًا بِدَيْنِ اثْنَيْنِ لَا يَكُونُ جَمِيعُهُ مَحْبُوسًا بِدَيْنٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَكَذَلِكَ حَبْسُ الْعَيْنِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ ثُمَّ الْيَدُ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَى الرَّاهِنِ هُنَاكَ،
-
وَلَا يَكُونُ لَهُ حَقُّ إعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ الْعَيْنِ إلَى يَدِهِ مَا لَمْ يَقْبِضْ الدَّيْنَ، وَالْعَقْدُ بِهَذَا يَتِمُّ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّ التَّعَذُّرِ بِإِمْسَاكِ الْعَيْنِ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ يَجُوزُ الْعَقْدُ لِاسْتِحْقَاقِ الْيَدِ عَلَى الرَّاهِنِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ، وَلِلْمَالِكِ فِيمَا لَهُ مِلْكُ الْعَيْنِ، وَالْمَنْفَعَةِ، وَالْيَدِ فَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ لَهُ مِلْكَ الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ لَهُ مِلْكَ الْيَدِ مَقْصُودَةً، وَذَلِكَ بِعَقْدِ الرَّهْنِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْيَدَ مَقْصُودَةٌ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُهُ بِتَفْوِيتِ الْيَدِ كَمَا يَضْمَنُ الْمُتْلِفُ بِإِتْلَافِ الْعَيْنِ،
-
وَإِذَا كَانَ بِالْيَدِ يَتَوَصَّلُ إلَى التَّصَرُّفِ، وَالِانْتِفَاعِ كَانَتْ الْيَدُ مَقْصُودَةً بِالطَّرِيقِ الْآخَرِ، إذْ مُوجَبُ عَقْدِ الرَّهْنِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَمِنْهُ جَانِبُ الِاسْتِيفَاءِ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ لَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ حَقِيقَةٌ لَا تَثْبُتُ إلَّا عَلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ،
-
وَإِذَا كَانَ الْمَرْهُونُ جُزْءًا شَائِعًا لَوْ ثَبَتَ حُكْمُ الرَّهْنِ، إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّخَلِّي لِجَمِيعِ الْعَيْنِ أَوْ عِنْدَ نَقْلِ جَمِيعِ الْعَيْنِ حَقِيقَةً، وَنِصْفُ الْعَيْنِ لَيْسَ بِمَعْقُودٍ عَلَيْهِ،
-
وَإِذَا كَانَ مُوجَبُ الْعَقْدِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَا لَيْسَ بِمَعْقُودٍ عَلَيْهِ لَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ أَصْلًا كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَحَدَ زَوْجَيْ الْمِقْرَاضِ؛ لِمَنْعِهِ قَرْضَ الثِّيَابِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَيْنَ - فِيمَا هُوَ
-
مُوجَبُ الرَّهْنِ - غَيْرُ مُحْتَمَلٍ لِلتَّجَزِّي، وَعِنْدَ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نِصْفِهِ لَمْ يَثْبُتْ فِي كُلِّهِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ أَصْلًا لِتَعَذُّرِ أَسْبَابِ مُوجَبِهِ فِي النِّصْفِ كَالْمَرْأَةِ فِي حُكْمِ الْحُلِيِّ لَمَّا كَانَتْ لَا تُجَزَّأُ،
-
فَإِذَا أُضِيفَ النِّكَاحُ إلَى نِصْفِهَا بَطَلَ عِنْدَ الْخَصْمِ، وَعِنْدَنَا: يَثْبُتُ فِي الْكُلِّ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الرَّهْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الْعَقْدِ هُنَاكَ، وَهُوَ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الْمَحِلِّ غَيْرَ مُتَجَزِّئٍ ثُمَّ حُكْمُ التَّجَزُّؤِ يَثْبُتُ بَيْنَ الْمُرْتَهِنِينَ عِنْدَ تَمَامِ الِاسْتِيفَاءِ بِالْهَلَاكِ لِلْمُزَاحَمَةِ، وَبِهِ لَا يَظْهَرُ التَّجَزُّؤُ فِي الْمَحِلِّ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ نِصْفَ الْعَيْنِ لَا يَسْتَحِقُّ قِصَاصًا ثُمَّ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِاثْنَيْنِ فِي نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَوْفِيًا لِلنِّصْفِ عِنْدَ الْعَقْلِ بِاعْتِبَارِ أَنْ لَا يَظْهَرَ حُكْمُ التَّجَزُّؤِ فِي الْقِصَاصِ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا، وَالشَّرْعُ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ حَقِيقَةً؟
-
فَإِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ عَشَرَةٌ فَدَفَعَ إلَيْهِ الْمَدْيُونُ كِيسًا فِيهِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ مِنْ النِّصْفِ شَائِعًا،
-
وَإِذَا كَانَ الشُّيُوعُ لَا يَمْنَعُ حَقِيقَةَ الِاسْتِيفَاءِ، فَكَيْفَ يَمْنَعُ ثُبُوتَ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ قُلْنَا: مُوجَبُ حَقِيقَةِ الِاسْتِيفَاءِ مِلْكُ عَيْنِ الْمُسْتَوْفَى، وَالْيَدُ هِيَ عَلَى الْمِلْكِ، وَالشُّيُوعِ،
-
وَلَا يَمْنَعُ الْمِلْكُ فِيمَا هُوَ الْمُوجَبُ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ هُنَاكَ، وَمُوجَبُ الرَّهْنِ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ فَقَطْ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ كَانَ مُسْتَوْفِيًا فِي حُكْمِ الرَّهْنِ عَمَّا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَعَمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ
-
بِخِلَافِ الْهِبَةِ، فَإِنَّ مُوجَبَ الْعَقْدِ هُنَاكَ الْمِلْكُ، وَالْقَبْضُ شَرْطُ تَمَامِ ذَلِكَ الْعَقْدِ فَيُرَاعَى وُجُودُهُ فِي كُلِّ مَحِلٍّ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ مِنْ الشَّرِيكِ هُنَا؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الْعَقْدِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْعَقْدُ سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ مَعَ الشَّرِيكِ أَوْ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ
-
بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فَالشُّيُوعُ هُنَاكَ إنَّمَا يُؤْثَرُ لَا؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الْعَقْدِ يَنْعَدِمُ بِهِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَرَّرُ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ يَكُونُ مِنْ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ الشَّرِيكِ، فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي مَنْفَعَةَ الْكُلِّ، فَيَكُونُ مُسْتَوْفِيًا مَنْفَعَةَ مَا اسْتَأْجَرَ، لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إلَّا بِمَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْعَقْدِ كَبَيْعِ الرَّهْنِ، فَإِنَّهُ اسْتِيفَاءٌ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْوِعَاءِ،
-
وَلَا تُمْنَعُ بِهِ صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَعَلَى هَذَا قُلْنَا إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمَرْهُونِ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ الرَّهْنُ فِي الْكُلِّ.
-
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) : عَلَى الرَّهْنِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ صَحَّ فِي الْآلَةِ فِي جَمِيعِ الْعَيْنِ فَإِنَّ كَوْنَ الْمِلْكِ بِغَيْرِ الرَّاهِنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ، وَثُبُوتَ مُوجِبِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ مِنْهُ غَيْرُهُ بَيْتًا لِيَرْهَنَهُ بِدَيْنٍ ثُمَّ بَطَلَ حُكْمُ الْعَقْدِ فِي الْبَعْضِ؛
-
لِانْعِدَامِ الرِّضَا مِنْ الْمَالِكِ بِهِ فَيَبْقَى صَحِيحًا فِيمَا
-
بَقِيَ كَمَا لَوْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمَبِيعِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْعَقْدُ فِي الْمُسْتَحَقِّ يَبْطُلُ مِنْهُ الْأَصْلُ؛ لِانْعِدَامِ الرِّضَا مِنْ الْمَالِكِ بِهِ فَلَوْ صَحَّ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ لَكَانَ هَذَا إثْبَاتَ حُكْمِ الرَّهْنِ فِي النِّصْفِ شَائِعًا، وَالنِّصْفُ الشَّائِعُ لَيْسَ بِمَحِلِّ مُوجَبِ الرَّهْنِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً بِإِذْنِ مَوْلَاهَا فَاسْتَحَقَّ نِصْفَهَا، وَلَمْ يُجِزْ الْمُسْتَحِقُّ النِّكَاحَ بَطَلَ النِّكَاحُ فِي الْكُلِّ؛
-
لِهَذَا الْمَعْنَى فَأَمَّا الشُّيُوعُ الطَّارِئُ: بِأَنْ رَهَنَ جَمِيعَ الْعَيْنِ ثُمَّ تَفَاسَخَا فَالْعَقْدُ لَيْسَ بِمَحِلِّ مُوجَبِ الرَّهْنِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً فِي النِّصْفِ وَرَدَّهُ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يُذْكَرْ جَوَابُهُ فِي الْكِتَابِ نَصًّا،
-
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الشُّيُوعَ الطَّارِئَ كَالْمُقَارَنِ فِي أَنَّهُ مُبْطِلٌ لِلرَّهْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْقَلْبِ الْمَكْسُورِ: إذَا مَلَكَ الْمُرْتَهِنُ الْبَعْضَ بِالضَّمَانِ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْقَدْرُ مِمَّا بَقِيَ مِنْهُ مَرْهُونًا؛ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الشُّيُوعِ، وَقَالُوا فِي الْعَدْلِ إذَا سُلِّطَ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ كَيْفَ شَاءَ فَبَاعَ نِصْفَهُ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْجُزْءَ الشَّائِعَ لَا يَكُونُ مَحِلًّا
-
بِخِلَافِ الشُّيُوعِ الطَّارِئِ فِي الْهِبَةِ، وَالْقَبْضُ هُنَاكَ شَرْطُ تَمَامِ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ شَرْطَ بَقَاءِ الْعَقْدِ، وَتَأْثِيرُ الشُّيُوعِ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ تَمَامُ التَّبْعِيضِ، وَذُكِرَ سَمَاعًا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) رَجَعَ عَنْ هَذِهِ، وَقَالَ: الشُّيُوعُ الطَّارِئُ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ حُكْمِ الرَّهْنِ
-
بِخِلَافِ الْمُقَارَنِ، وَقَاسَ ذَلِكَ بِصَيْرُورَةِ الْمَرْهُونِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الرَّهْنِ،
-
وَلَا يَمْنَعُ بَقَاءَهُ حَتَّى إذَا أَتْلَفَ الْمَرْهُونُ إنْسَانًا، وَوُضِعَ الْمَرْهُونُ ثَمَنَهُ تَكُونُ الْقِيمَةُ، وَالثَّمَنُ رَهْنًا فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ، وَابْتِدَاءُ عَقْدِ الرَّهْنِ مُضَافًا إلَى دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ لَا يَجُوزُ، فَكَذَلِكَ الْجُزْءُ الشَّائِعُ
-
قَالَ: وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ ثَمَرَةً فِي نَخْلٍ دُونَ النَّخْلِ أَوْ زَرْعًا أَوْ رُطَبًا فِي أَرْضٍ دُونَ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَرْهُونَ مُتَّصِلٌ بِمَا لَيْسَ بِمَرْهُونٍ خَلْفَهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَ النَّخْلَ، وَالشَّجَرَ دُونَ الْأَرْضِ أَوْ الْبِنَاءَ دُونَ الْأَرْضِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِاتِّصَالِ الْمَرْهُونِ بِمَا لَيْسَ مَرْهُونًا إلَّا أَنْ يَقُولَ بِأُصُولِهَا فَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ مَوَاضِعُهَا مِنْ الْأَرْضِ فِي الرَّهْنِ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مُعَيَّنٌ، فَيَجُوزُ رَهْنُهُ كَمَا لَوْ رَهَنَ بَيْتًا مُعَيَّنًا مِنْ الدَّارِ،
-
وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّخِيلِ ثَمَرٌ تَدْخُلُ الثَّمَرَةُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا تَصْحِيحَ الْعَقْدِ،
-
وَلَا، وَجْهَ لِتَصْحِيحِهِ إلَّا بِإِدْخَالِ الثِّمَارِ، وَلَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ ضَرَرٍ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَا يَزُولُ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَهُنَاكَ لَا تَدْخُلُ فِي الْعَقْدِ إلَّا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ الْعَقْدِ فِي النَّخِيلِ بِدُونِ الثِّمَارِ مُمْكِنٌ
-
بِخِلَافِ الْهِبَةِ فَفِي إدْخَالِهِ هُنَاكَ إضْرَارٌ بِالْمَالِكِ فِي إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهَا، فَإِنَّهُ قِيلَ أَلَيْسَ أَنْ لَوْ رَهَنَ دَارًا هِيَ مَشْغُولَةٌ بِأَمْتِعَةِ الرَّاهِنِ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ،
-
وَلَا يُقَالُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُ هَذَا الْعَقْدِ إلَّا بِإِدْخَالِ الْأَمْتِعَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَدْخُلَ الْأَمْتِعَةُ فِي الرَّهْنِ؟ قُلْنَا لَا اتِّصَالَ لِلْأَمْتِعَةِ
-
بِالدَّارِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الدَّارَ كُلَّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا لَمْ تَدْخُلْ الْأَمْتِعَةُ
-
بِخِلَافِ الثِّمَارِ فَهِيَ بِالتَّمْلِيكِ، وَالِاتِّصَالِ هُنَا مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّخِيلِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ بَاعَ النَّخِيلَ كُلَّهُ قَلِيلًا، وَكَثِيرًا، وَهُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا تَدْخُلُ الثِّمَارُ،
-
وَلَوْ رَهَنَ الْأَرْضَ دُونَ النَّخِيلِ لَمْ يُجِزْهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ الْمَرْهُونَ مَشْغُولٌ بِمَا لَيْسَ مَرْهُونًا مَعَ مِلْكِ الرَّاهِنِ فَهُوَ كَالدَّارِ الْمَشْغُولَةِ بِمَتَاعِهِ، وَكَمَا لَوْ رَهَنَ الْأَرْضَ بِدُونِ الْبِنَاءِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) إنْ رَهَنَ الْأَرْضَ بِدُونِ الْأَشْجَارِ يَصِحُّ؛
-
لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى شَجَرٌ وَاسْمُ الشَّجَرِ يَقَعُ عَلَى الثَّابِتِ عَلَى الْأَرْضِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ بَعْدَ الْقَلْعِ يَكُونُ جِذْعًا، فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْأَشْجَارَ بِمَوَاضِعِهَا مِنْ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ عَقْدُ الرَّهْنِ سِوَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الْأَرْضِ، وَهُوَ مُعَيَّنٌ مَعْلُومٌ
-
بِخِلَافِ الْبِنَاءِ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ مَبْنِيًّا دُونَ الْأَرْضِ فَيَصِيرُ رَاهِنًا لِجَمِيعِ الْأَرْضِ، وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِمِلْكِ الرَّاهِنِ
-
وَإِذَا كَفَلَ الرَّجُلُ بِنَفْسِ رَجُلٍ فَأَعْطَاهُ رَهْنًا بِذَلِكَ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَالرَّهْنُ يَخْتَصُّ بِحَقِّ يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ، وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ،
-
وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ بِجِرَاحَةٍ فِيهَا قِصَاصٌ أَوْ دَمُ عَمْدٍ،
-
وَلَا يُضَمِّنُهُ الْمُرْتَهِنُ إنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَلَمْ يَنْعَقِدْ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا أَصْلًا؛ لِانْعِدَامِ الدَّيْنِ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الضَّمَانِ،
-
وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ، وَالْعَارِيَّةُ، الْوَدِيعَةُ، وَالْإِجَارَةُ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَصْلُهُ أَمَانَةٌ، قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَاعْلَمْ بِأَنَّ الرَّهْنَ بِالْأَعْيَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:.
-
(أَحَدُهَا) : الرَّهْنُ بِعَيْنٍ هُوَ أَمَانَةٌ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الرَّهْنِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَحَقُّ صَاحِبِ الْأَمَانَةِ فِي الْعَيْنِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ، وَاسْتِيفَاءُ الْعَيْنِ مِنْ عَيْنِ آخَرَ مُمْكِنٌ (وَالثَّانِي) : الرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا.
-
(وَالثَّالِثُ) الرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا كَالْمَغْصُوبِ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الْغَصْبِ رَدُّ الْعَيْنِ إنْ أَمْكَنَ، وَرَدُّ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ، وَذَلِكَ دَيْنٌ يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ،
-
وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ بِالدَّرَكِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الدَّرَكَ لَيْسَ بِمَالٍ مُسْتَحَقٍّ يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ عَلَيْهِ الرَّهْنُ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ بِالدَّرَكِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ تَقْبَلُ الْإِضَافَةَ، وَلِهَذَا لَوْ كَفَلَ بِمَا ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ، فَكَذَا إذَا كَفَلَ بِالدَّرَكِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ الْعَقْدُ مُضَافًا، وَلَيْسَ فِي الْمَالِ ضَمَانٌ يُسْتَحَقُّ فَبَطَلَ الرَّهْنُ،
-
وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ ضَمَانُ اسْتِيفَاءٍ، وَالِاسْتِيفَاءُ لَا يَسْبِقُ الْوُجُوبَ
-
قَالَ: وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ ثَوْبًا، وَقَبَضَهُ فَقِيمَتُهُ، وَالدَّيْنُ سَوَاءٌ فَلَوْ اسْتَحَقَّهُ
-
رَجُلٌ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ، وَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يَبْطُلُ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَرْهُونِ إذَا أَخَذَهُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ الْأَصْلِ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ قِيمَتَهُ أَيَّهُمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الرَّاهِنَ كَانَ غَاصِبًا، وَالْمُرْتَهِنَ بِمَنْزِلَةِ غَاصِبِ الْغَاصِبِ، وَحَقٌّ فِي الْمُسْتَحِقِّ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ أَيَّهُمَا شَاءَ،
-
فَإِنْ ضَمِنَ الرَّاهِنُ كَانَ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ وَقْتِ وُجُوبِ الضَّمَانِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ،
-
وَأَنَّ الْمُرْتَهِنَ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ،
-
وَإِنْ ضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ فَإِنْ رَهَنَهُ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَفِي قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ مَنْفَعَةٌ لِلرَّاهِنِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَفِيدَ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ، وَالْمَغْرُورُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْهُ الضَّمَانُ، كَمَا يَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْآجِرِ، وَالْمُودِعُ عَلَى الْمُودَعِ، قَالَ: وَيَرْجِعُ بِالدَّيْنِ أَيْضًا عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ حَازِمٍ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) هَذَا غَلَطٌ؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ عَلَى الرَّاهِنِ فَقَدْ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَالْمِلْكُ فِي الْمَضْمُونِ تَبَعٌ لِمَنْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ،
-
فَإِذَا اسْتَقَرَّ الْمِلْكُ لِلرَّاهِنِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ، كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ،
-
وَمَنْ صَحَّحَ جَوَابَ الْكِتَابِ فَرَّقَ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى الرَّاهِنِ بِسَبَبِ الْغُرُورِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ إنَّمَا يَمْلِكُ الْعَيْنَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَعَقْدُ الرَّهْنِ سَابِقٌ عَلَيْهِ،
-
فَلَا يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمِلْكِ،
-
فَأَمَّا الْمُسْتَحِقُّ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ الرَّاهِنَ بِاعْتِبَارِ قَبْضِهِ، فَمِلْكُهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَعَقْدُ الرَّهْنِ بَعْدَهُ
-
قَالَ: وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا فَأَبَقَ فَضَمَّنَ الْمُسْتَحِقُّ الْمُرْتَهِنَ قِيمَتُهُ، وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ، وَبِالدَّيْنِ ثُمَّ ظَهَرَ الْعَبْدُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَالَ،
-
وَلَا يَكُونُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ، وَبَطَلَ الرَّهْنُ، وَهَذَا إشَارَةٌ لِمَا قُلْنَا أَنَّ الْمِلْكَ لِلرَّاهِنِ إنَّمَا يُتْبَعُ بِقِيمَتِهِ مِنْ وَقْتِ التَّسْلِيمِ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، وَعَقْدُ الرَّهْنِ كَانَ سَابِقًا عَلَى ذَلِكَ فَلِهَذَا بَطَلَ الرَّهْنُ بِالِاسْتِحْقَاقِ
-
قَالَ: وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ ثُمَّ مَاتَتْ هِيَ، وَأَوْلَادُهَا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ قِيمَتَهَا - إنْ شَاءَ - الْمُرْتَهِنَ، - وَإِنْ شَاءَ - الرَّاهِنَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ قِيمَةَ الْوَلَدِ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَمْ يُحْدِثْ فِي الْوَلَدِ شَيْئًا، وَمَعْنَى هَذِهِ: أَنَّهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَ أَنَّ كُلَّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ غَاصِبًا لَهُ، وَالزَّوَائِدُ لَا تُضَمَّنُ بِالْغَصْبِ إذَا تَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ الْغَاصِبِ لِانْعِدَامِ الصُّنْعِ فِي الزِّيَادَةِ
-
قَالَ: وَإِذَا ارْتَهَنَ أَمَةً فَوَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ لِيَبِيعَهَا عِنْدَ حِلِّ الْمَالِ فَوَلَدَتْ الْأَمَةُ فَلِلْعَدْلِ أَنْ يَبِيعَ الْوَلَدَ مَعَهَا؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ إنَّمَا يَبِيعُهَا بِحُكْمِ الرَّهْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ حُكْمُ الرَّهْنِ فِي الْوَلَدِ، وَبِهِ جَازَ لِلْوَكِيلِ بَيْعُ الْجَارِيَةِ،
-
وَلَوْ وَلَدَتْ فِي يَدِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ
-
يَبِيعَ، وَلَدَهَا؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ، وَإِنَّمَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَخْصٍ فَلَا يَمْلِكُ بَيْعَ شَخْصَيْنِ، وَهُنَا إنَّمَا يَبِيعُ الْعَدْلُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، وَحُكْمُ الرَّهْنِ ثَبَتَ فِي الْوَلَدِ حَتَّى كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَ الْوَلَدَ مَعَ الْأَصْلِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ فَلِهَذَا مَلَكَ بَيْعَ الْوَلَدِ مَعَهَا إلَّا أَنَّ الْمَرْهُونَ لَوْ قَتَلَهَا عَبْدُهُ فَدَفَعَ بِهَا كَانَ لِلْعَدْلِ أَنْ يَبِيعَ الْمَدْفُوعَ،
-
وَلَوْ أَنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي وُكِّلَ الْوَكِيلُ بِبَيْعِهَا قَتَلَهَا عَبْدُهُ، فَدَفَعَ بِهَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَ الْعَبْدَ الْمَدْفُوعَ، فَكَذَلِكَ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَلَدِ حُكْمُ الْبَدَلِ فِي سَرَيَانِ حُكْمِ الْعَقْدِ إلَيْهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الزَّوَائِدَ الْمُتَوَلَّدَةَ مِنْهُ حِينَ الرَّهْنِ تَكُونُ مَرْهُونَةً عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا بِالدَّيْنِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا حَتَّى لَا يَسْقُطَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِهَلَاكِهَا كَالزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ مِنْ الرَّهْنِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الرَّهْنِ فِي الزِّيَادَةِ، وَالرَّاهِنُ أَحَقُّ بِهَا لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» فَإِطْلَاقُ إضَافَةِ الْغُنْمِ إلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَحْضُ حَقٍّ لَهُ.
-
وَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ، وَمَحْلُوبٌ» ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مَحْلُوبٌ لِلرَّاهِنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُهُ وَيَحْلِبُهُ نَفَقَتُهُ» ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ تُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُ الرَّهْنِ كَالْكَسْبِ، وَالْغَلَّةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالرَّهْنِ حَقُّ الْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ مُتَأَكَّدٍ فِي الْقِيمَةِ فَلَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ كَحَقِّ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ، وَحَقِّ الدَّفْعِ فِي الْجَارِيَةِ الْحَامِلِ، وَحَقِّ الزَّكَاةِ فِي النِّصَابِ بَعْدَ كَمَالِ الْحَوْلِ
-
بِخِلَافِ مِلْكِ الرَّاهِنِ فَهُوَ مُتَأَكَّدٌ فِي الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ هِيَ الْمَمْلُوكُ.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا: أَنَّ حُكْمَ الضَّمَانِ عِنْدَكُمْ لَا يَثْبُتُ فِي الْوَلَدِ لِهَذَا الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ حُكْمُ الرَّهْنِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ فَلَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ كَالْكَفَالَةِ، وَهَذَا عَقْدٌ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ فِي الْحَالِ،
-
وَلَا فِي الْمَآلِ فَلَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ كَالْإِجَارَةِ، وَالْوَصِيَّةِ بِالْخِدْمَةِ، وَبِتَفْصِيلِ الْوَصِيَّةِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَدَلِ، وَالْوَلَدِ فَإِنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ يَسْرِي إلَى الْبَدَلِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَصْلِ،
-
وَلَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ، وَحَقُّ الْجَارِيَةِ كَذَلِكَ، فَكَذَلِكَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُ مُعَاذٍ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) فِيمَنْ ارْتَهَنَ نَخِيلًا فَأَثْمَرَتْ أَنَّ الثِّمَارَ رَهْنٌ مَعَهَا.
-
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) فِي الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ إذَا وَلَدَتْ فَوَلَدُهَا رَهْنٌ مَعَهَا، وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مُتَأَكَّدٌ فِي الْعَيْنِ فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ كَذَلِكَ الرَّاهِنُ، وَبَيَانُ ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ أَنْ تُوصَفَ الْعَيْنُ بِهِ يُقَالُ: مَرْهُونٌ مَحْبُوسٌ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، كَمَا يُقَالُ: مَمْلُوكٌ لِلرَّاهِنِ، وَلِهَذَا يَسْرِي إلَى بَدَلِ الْعَيْنِ، وَدَلِيلُ التَّأْكِيدِ أَنَّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، لَا يَمْلِكُ إبْطَالُهُ.
-
(وَفِقْهُ هَذَا الْكَلَامِ) مَا قَرَّرْنَا أَنَّ مُوجَبَ عَقْدِ الرَّهْنِ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ، وَيَدُ الِاسْتِيفَاءِ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي الْعَيْنِ، وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ بِحَقِيقَةِ
-
الِاسْتِيفَاءِ، وَإِذَا كَانَتْ حَقِيقَةُ الِاسْتِيفَاءِ تَظْهَرُ فِي مُوجَبِهِ مِنْ الزَّوَائِدِ الَّتِي تَحْدُثُ بَعْدَهُ، فَكَذَلِكَ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُتَوَلَّدَ مِنْهُ الْأَصْلُ ثَبَتَ فِيهِ مَا كَانَ فِي الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ كَانَ مَمْلُوكًا لِلرَّاهِنِ مَشْغُولًا بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ الْمِلْكُ فِي الزِّيَادَةِ لَا مِلْكَ آخَرَ؛
-
لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ لِمُلْكٍ آخَرَ، وَإِلَى سَبَبٍ آخَرَ
-
بِخِلَافِ الْكَسْبِ، وَالْغَلَّةِ فَهُوَ غَيْرُ مُتَوَلَّدٍ مِنْهُ الْأَصْلُ،
-
وَلَا يَثْبُتُ فِي الْكَسْبِ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَبِخِلَافِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ فَهُوَ فِي الْمَنْفَعَةِ لَا فِي الْعَيْنِ، وَلِهَذَا لَا يَسْرِي إلَى بَدَلِ الْعَيْن فَكَذَلِكَ لَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ.
-
(تَوْضِيحُهُ) : أَنَّ الْحَقَّ إنَّمَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ إذَا كَانَ مَحِلًّا صَالِحًا، وَالْوَلَدُ مُحْدَثٌ غَيْرُ مُنْتَفِعٍ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ مَحِلًّا صَالِحًا لِحَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ،
-
فَأَمَّا الْوَلَدُ الْمُنْفَصِلُ فَيَكُونُ مَالًا مُتَقَوِّمًا فَيَكُونُ مَحِلًّا صَالِحًا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَرَدَ أَنَّ هَذَا مِنْ الْإِجَارَةِ إنْ، وَلَدَتْ الْمَرْهُونَةُ وَلَدًا حُرًّا بِاعْتِبَارِ الْغُرُورِ فَالرَّهْنُ لَا يَسْرِي عَلَى هَذَا الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الْعُذْرُ عَنْ وَلَدِ الْمَنْكُوحَةِ فَإِنَّ حَقَّ النِّكَاحِ لَا يَسْرِي إلَيْهِ؛
-
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِلْحِلِّ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، وَهَذَا هُوَ الْعُذْرُ عَنْ وَلَدِ الْجَارِيَةِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَحِلًّا صَالِحًا لِلْخِدْمَةِ حَتَّى يَنْفَصِلَ،
-
ثُمَّ حَقُّ الْمُوصَى فِي الْمَنْفَعَةِ، وَالْوَلَدُ غَيْرُ مُتَوَلَّدٍ مِنْهُ الْمَنْفَعَةُ، وَالسِّرَايَةُ إلَى الْوَلَدِ بِاعْتِبَارِ خُرُوجِ الْعَيْنِ مِنْ الثُّلُثِ لَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْعَيْنِ، وَحَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ لَيْسَ بِمُتَأَكَّدٍ فِي الْعَيْنِ فَإِنَّ مَا عَلَيْهِ تَقَرَّرَ بِإِبْطَالِ حَقِّ الْعَيْنِ عَنْ الْعَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْيَدِ، وَحَقُّ الزَّكَاةِ فِي الذِّمَّةِ لَا فِي الْعَيْنِ فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ فَعَلَ أَشْيَاءَ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ مَنْ عَلَيْهِ مِلْكُ الْأَدَاءِ مِنْ مَحِلٍّ آخَرَ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَأَكَّدٍ فِي الْعَيْنِ، وَحَقُّ الْكَفَالَةِ عِنْدَنَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ إذَا كُفِلَتْ أُمُّهُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ بِمَالٍ ثُمَّ وَلَدَتْ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ حُرَّةً فَالْحَقُّ بِالْكَفَالَةِ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهَا، وَالْوَلَدُ لَا يُتَوَلَّدُ مِنْ الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الضَّمَانِ فِي الْوَلَدِ عِنْدَنَا؛
-
لِانْعِدَامِ السَّبَبِ الَّذِي يَجْعَلُ الْعَيْنِ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، وَهَذَا الْقَبْضُ مَقْصُودٌ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ، وَلَدَ الْمُعْتَقِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَسْرِي إلَيْهِ حُكْمُ الْبَيْعِ،
-
وَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا إنْ هَلَكَ لِهَذَا الْمَعْنَى.
-
وَقَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ، وَذَلِكَ لَا يَبْقَى حَقًّا لِلْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّهُ كَمَا أَضَافَ الزِّيَادَةَ إلَيْهِ أَضَافَ الْأَصْلَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ مَحْلُوبٌ لِلرَّاهِنِ عَلَى مَعْنَى: أَنَّ اللَّبَنَ يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ أَيْضًا، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ فَإِنْ بَاعَهَا الْعَدْلُ، وَسَلَّمَهَا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ،
-
وَلَا يَعْلَمُ مَكَانَهَا، لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ الْعَدْلَ قِيمَةَ الْأَمَةِ، وَالْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ غَاصِبٌ، وَالزِّيَادَةُ - فِي عَيْنِ الْمَغْصُوبِ - تُضَمَّنُ بِالْبَيْعِ، وَالتَّسْلِيمِ، كَالْأَصْلِ لَمْ يَرْجِعْ الْعَدْلُ
-
بِذَلِكَ فِي الثَّمَنِ الَّذِي عِنْدَهُ إنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بَدَلُ الْعَيْنِ، وَكَمَا أَنَّ الضَّامِنَ لِلْعَيْنِ يَكُونُ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْعَيْنِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ أَحَقَّ بِبَدَلِ الْعَيْنِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ رَجَعَ بِتَمَامِ مَا ضَمِنَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ كَانَ عَامِلًا لِلرَّاهِنِ بِأَمْرِهِ، وَلِأَنَّهُ بَاعَهُمَا لِيَقْتَضِيَ الدَّيْنَ بِالثَّمَنِ، وَيُفْرِغَ ذِمَّةَ الرَّاهِنِ، وَمِنْهُ لَحِقَتْهُ الْعُهْدَةُ فِي عَمَلٍ بَاشَرَهُ لِغَيْرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِي الثَّمَنِ؛
-
لِأَنَّ جِنْسَ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ، وَهُوَ بَدَلُ الْعَيْنِ الَّذِي كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ.
-
وَلَمَّا كَانَ مُرَادُ الضَّمَانِ عَلَى الرَّاهِنِ كَانَ الْمِلْكُ فِي الْمَضْمُونِ لَهُ، وَالْعَدْلُ وَكِيلُهُ بِالْبَيْعِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَضَاهُ الْمُرْتَهِنُ فَالْعَدْلُ بِالْخِيَارِ،
-
وَإِنْ شَاءَ بَاعَ الرَّهْنَ بِذَلِكَ، وَسَلَّمَ لِلْمُرْتَهِنِ مَا اقْتَضَاهُ؛ لِأَنَّهُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ كَانَ عَامِلًا لِلرَّاهِنِ بِأَمْرِهِ فَكَانَ الرَّاهِنُ فَعَلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِجَمِيعِ مَا ضَمِنَ مِنْ الْقِيمَةِ،
-
وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَلَّمَ الْمَقْبُوضَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِ الرَّاهِنِ قَضَى بِهِ دَيْنَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَهُ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِي ذَلِكَ الثَّمَنِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَلَّمَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِحَقِّهِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ أَيْضًا،
-
وَلَا يُضَمِّنُهُ الْمُرْتَهِنَ إلَّا بِقَدْرِ مَا قَبَضَهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي الْقِيمَةِ فَضْلٌ رَجَعَ بِالْفَضْلِ عَلَى الرَّاهِنِ كَمَا لَوْ كَانَ الرَّاهِنُ هُوَ الَّذِي قَضَى بِالثَّمَنِ.
-
تَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْعَدْلَ عَامِلٌ لِلرَّاهِنِ بِأَمْرِهِ، وَلَكِنَّ فِي عَمَلِهِ مَنْفَعَةً لِلْمُرْتَهِنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِ بِحَقٍّ إلَّا أَنَّ مَنْفَعَتَهُ بِقَدْرِ دَيْنِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ بِالْخِيَارِ،
-
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ جَمِيعَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لَهُ،
-
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ بِقَدْرِ مَا قَبَضَ؛ لِحُصُولِ الْمَنْفَعَةِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ لَهُ،
-
وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَهُ تَضْمِينُ الرَّاهِنِ بِتَسْلِيمِ الْمَقْبُوضِ لِلْمُرْتَهِنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَأَفْلَسَ أَوْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْآخَرَ بِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبٍ،
-
وَلَوْ لَمْ يَبِعْهَا الْعَدْلُ، وَمَاتَا عِنْدَهُ كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ الْعَدْلَ حَقَّ الْأُمِّ دُونَ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ هَلَكَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ، وَيَرْجِعُ بِهَا الْعَدْلُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي إمْسَاكِ الرَّهْنِ.
-
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الرَّهْنَ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ثُمَّ ضَمِنَ حِصَّتَهُ لِلْمُسْتَحِقِّ لَرَجَعَ بِهَا عَلَى الرَّاهِنِ فَإِذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْعَدْلِ أَوْلَى.
-
قَالَ: ، وَقَبْضُ الْعَدْلِ لِلرَّهْنِ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ فِي حُكْمِ صِحَّةِ الرَّهْنِ، وَذَهَابِهِ بِالدَّيْنِ إذَا هَلَكَ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ (- رَحِمَهُمُ اللَّهُ -) وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) لَا يَتِمُّ الرَّهْنُ بِقَبْضِ
-
الْعَدْلِ حَتَّى إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْعَدْلِ لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ،
-
وَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ فَالْمُرْتَهِنُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ قَالَ: لِأَنَّ الْعَدْلَ نَائِبٌ عَنْ الرَّاهِنِ، هَكَذَا إذَا لَحِقَهُ عُهْدَةً يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ،، وَكَمَا أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَتِمُّ بِقَبْضِ الرَّاهِنِ،
-
وَإِنْ أَشْفَى عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ لَا يَتِمُّ بِقَبْضِ الْعَدْلِ. وَالدَّلِيلُ: أَنَّ مُوجَبَ عَقْدِ الرَّاهِنِ بِثُبُوتِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَبِهَذَا الْعَقْدِ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إثْبَاتِ يَدِهِ عَلَى الْعَيْنِ، وَمُوجَبُ الْعَقْدِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِغَيْرِ الْعَاقِدِ كَالْمُلْكِ فِي الْبَيْعِ، وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ يَدَ الْعَدْلِ كَيَدِ الْمُرْتَهِنِ بِدَلِيلِ أَنَّ مِلْكَ الْعَدْلِ رَدُّ الرَّهْنِ بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ،
-
وَلَوْ كَانَتْ يَدُهُ كَيَدِ الرَّاهِنِ لَتَمَكَّنَ الرَّاهِنُ مِنْ اسْتِرْدَادِهِ مَتَى شَاءَ، وَبِأَنْ كَانَ يَرْجِعُ بِضَمَانِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الرَّاهِنِ، فَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَدَ الرَّاهِنِ كَالْمُرْتَهِنِ نَفْسِهِ تَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْمَرْهُونَ مَحْبُوسٌ بِالدَّيْنِ كَالْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ،
-
ثُمَّ الْبَائِعُ إذَا أَبَى تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي فَوَضَعَاهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ كَانَتْ يَدُ الْعَدْلِ فِيهِ كَيَدِ الْبَائِعِ الَّذِي لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ حَتَّى إذَا هَلَكَ انْفَسَخَ الْبَيْعُ، فَكَذَلِكَ فِي الرَّهْنِ يَدُ الْعَدْلِ كَيَدِ مَنْ لَهُ الْحَبْسُ، وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ؛ وَلِأَنَّهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُرْتَهِنَ لَوْ اتَّفَقَا عَلَى وَضْعِهِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ كَانَتْ جَائِزَةً، وَكَانَتْ يَدُ الْعَدْلِ فِيهِ كَيَدِ الْمُرْتَهِنِ حَتَّى يَصِيرَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنُهُ بِهَلَاكِهِ،
-
وَلَوْ كَانَتْ يَدُ الْعَدْلِ كَيَدِ الرَّاهِنِ لَمْ يَصِرْ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ بِهَلَاكِهِ كَمَا لَوْ عَادَ إلَى يَدِ الرَّاهِنِ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ، وَالْغَصْبِ، وَكَانَ هَذَا نَوْعُ اسْتِحْسَانٍ مِنَّا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ، وَلِكَوْنِهِ أَرْفَقَ بِهِمْ فَالرَّاهِنُ لَا يَأْتَمِنُ الْمُرْتَهِنَ عَلَى عَيْنِ مَالِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ طَرِيقُ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ لِكُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْوَضْعُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، وَلِهَذَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ فِي الِانْتِهَاءِ، فَكَذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْعَدْلُ مُسَلَّطًا عَلَى الْبَيْعِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَبِدُونِ تَسْلِيطٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْتَهِنِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ إذَا سُلِّطَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ إذَا لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى ذَلِكَ
-
، وَنَفَقَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِ الْعَدْلِ أَوْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَعَلَى مَنْ يَحْلِبُهُ، وَيَرْكَبُهُ نَفَقَتُهُ» ، وَلِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ، وَنَفَقَةِ الْمَمْلُوكِ عَلَى الْمَالِكِ، وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْيَدِ عَلَيْهِ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْفَعَةٌ لِلرَّاهِنِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ قَاضِيًا دَيْنَهُ بِهَلَاكِهِ، فَهُوَ نَظِيرُ الْعَبْدِ الْمُؤَجَّرِ تَكُونُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْآجِرِ،
-
وَكَذَلِكَ كَفَنُهُ إنْ مَاتَ فَإِنَّ الْكَفَنَ لِبَاسُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَيُعْتَبَرُ بِلِبَاسِهِ فِي حَالٍ، وَلِأَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ ضَمَانُ الِاسْتِيفَاءِ، وَلِذَلِكَ ثَبَتَ فِي الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ حُكْمَ الضَّمَانِ لَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ فَبَقِيَتْ الْعَيْنُ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ فَكَانَ كَفَنُهُ عَلَيْهِ
-
قَالَ، وَإِذَا دَفَعَهُ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ كَانَ ضَامِنًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ فِيمَا صَنَعَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنَعَهُ مِنْهُ دَفَعَهُ إلَى الْآخَرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ
-
فَيَكُونُ الدَّفْعُ خِيَانَةً فِي حَقِّهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ أَمِينٌ فِي حِفْظِ الرَّهْنِ كَالْمُسْتَوْدِعِ، وَالْمُودِعِ إذَا أَوْدَعَ أَجْنَبِيًّا صَارَ ضَامِنًا،
-
وَإِنْ أَوْدَعَهُ بَعْضَ مَنْ فِي عِيَالِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ الْوَدِيعَةَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْفَظُ مَالَ نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ الْعَدْلُ،
-
وَكَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ فَدَفَعَهُ إلَى مَنْ فِي عِيَالِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ،
-
وَإِنْ دَفَعَهُ إلَى أَجْنَبِيٍّ كَانَ ضَامِنًا لِلْعَيْنِ
-
قَالَ وَإِذَا كَانَ الْعَدْلُ رَجُلَيْنِ، وَالرَّهْنُ مِمَّا لَا يُقْسَمُ فَوَضَعَاهُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا كَانَ جَائِزًا،
-
وَلَا ضَمَانَ فِيهِ كَالْمُودِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْدَعَهُمَا مَعَ عَلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُمَا الِاجْتِمَاعُ عَلَى حِفْظِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَأَطْرَافَ النَّهَارِ فَقَدْ صَارَ رَاضِيًا بِتَرْكِ أَحَدِهِمَا إيَّاهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ،
-
وَإِذَا كَانَ مِمَّا يُقْسَمُ اقْتَسَمَاهُ فَكَانَ عِنْدَ كُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ فَإِنْ، وَضَعَاهُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا فَمَنْ الَّذِي وَضَعَ حِصَّتَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ؟ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَعِنْدَهُمَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُؤْتَمَنٌ فِيهِ.
-
وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَسْأَلَةَ فِي الْوَدِيعَةِ
-
وَلَوْ سَافَرَ الْعَدْلُ أَوْ انْتَقَلَ مِنْ الْبَلَدِ فَذَهَبَ بِالرَّهْنِ مَعَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الْعَيْنِ كَالْمُودَعِ، وَلِلْمُودَعِ أَنْ يُسَافِرَ الْوَدِيعَةِ عِنْدَنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِيمَا لَهُ حِمْلٌ، وَمُؤْنَةٌ وَفِيمَا لَا حِمْلَ لَهُ،
-
وَلَا مُؤْنَةَ قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ بَعُدَتْ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ،
-
وَكَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ نَفْسُهُ إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُمْنَعُ عَلَيْهِ الْمُسَافِرَةُ بِسَبَبِ الرَّهْنِ،
-
وَلَوْ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ كَانَ ضَامِنًا مُخَالِفًا لِمَا أَوْجَبَ لَهُ نَصًّا فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ مَعَهُ
-
فَإِنْ سُلِّطَ الْعَدْلُ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ فَأَبَى أَنْ يَبِيعَ فَرَفَعَهُ الْمُرْتَهِنُ إلَى الْقَاضِي أَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَى الْبَيْعِ بَعْدَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ
-
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، فَإِنَّهُ إذَا امْتَنَعَ عَنْ الْبَيْعِ لَا يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بِالْبَيْعِ لَيْسَتْ مِنْ ضِمْنِ عَقْدٍ لَازِمٍ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ اللُّزُومِ فِيهِ، وَتَسْلِيطُ الْعَدْلِ عَلَى الْبَيْعِ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ لَازِمٍ، وَهُوَ الرَّهْنُ فَإِنَّ مُوجَبَ الِاسْتِحْقَاقِ لِلْمُرْتَهِنِ لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ وَالْعَدْلُ نَائِبٌ فِي الْبَيْعِ فَيَثْبُتُ حُكْمُ اللُّزُومِ فِي حَقِّهِ نَصًّا تَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا امْتَنَعَ عَنْ الْبَيْعِ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُوَكِّلُ؛
-
لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْبَيْعِ نَفْسَهُ.
-
وَأَمَّا الْعَدْلُ: إذَا تَضَرَّرَ مِنْ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَتَضَرَّرُ مِنْهُ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْبَيْعِ هَذَا إذَا كَانَ التَّسْلِيطُ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ الرَّهْنِ،
-
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ، فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: لَا يُجْبَرُ الْعَدْلُ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ رِضَا الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّهْنِ قَدْ تَمَّ بِدُونِهِ هَذَا، وَهُوَ تَوْكِيلٌ مُسْتَأْنَفٌ لَيْسَ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ لَازِمٍ.
-
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) قَالَ: التَّسْلِيطُ عَلَى الْبَيْعِ بَعْدَ الرَّهْنِ يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَيَصِيرُ كَالْمَشْرُوطِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ عَزْلَ الْعَدْلِ الْمُسَلَّطِ عَلَى الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ - بَعْدَ تَمَامِ الرَّهْنِ - سَلَّطَهُ، فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي مَضَى،
-
وَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ
-
الرَّهْنِ لَمْ يَصِحَّ عَزْلُهُ بِدُونِ رِضَا الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي ضِمْنِهِ عَقْدٌ لَازِمٌ، وَهُوَ نَظِيرُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ بِالْتِمَاسِ الْخَصْمِ إذَا أَرَادَ الْمُوَكِّلُ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْهُ الْخَصْمَ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ فَهَذَا مِثْلُهُ،
-
وَلَوْ مَاتَ الْعَدْلُ بَطَلَ تَسَلُّطُهُ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَتَأَتَّى بِاعْتِبَارِ رَأْيِهِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالرَّهْنُ عَلَى مَالِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَمَاتَ لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ بِهِ فَلَأَنْ يَبْطُلَ بِمَوْتِ الْعَدْلِ أَوْلَى قَالَ،
-
وَإِذَا أَوْصَى الْعَدْلُ بِبَيْعِهِ لَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ، وَكَّلَ بِبَيْعِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ رَضِيَ بِرَأْيِهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ غَيْرِهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ وَارِثُ الْعَدْلِ بَيْعَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَخْلُفُ الْمُوَرِّثَ فِيمَا هُوَ حَقُّ الْمُوَرِّثِ، وَهَذَا حَقُّ الرَّاهِنِ، وَالْمُرْتَهِنِ وَهُمَا رَضِيَا بِرَأْيِ الْعَدْلِ، وَمَا رَضِيَا بِرَأْيِ وَارِثِهِ
-
فَإِنْ أَجْمَعَ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى وَضْعِهِ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ أَوْ عَلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُمَا رَأَيَا مَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمَا كَمَا فِي الِابْتِدَاءِ،
-
وَإِنْ اخْتَلَفَا فَجَعَلَ الْقَاضِي مِنْهُمَا عَدْلًا فَوَضَعَهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَنْصُوبٌ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ، وَالْمُنَازَعَةِ، وَطَرِيقُ قَطْعِهَا هُنَا أَنْ يُقِيمَ عَدْلًا آخَرَ مَقَامَ الْأَوَّلِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ وَضَعَهُ عَلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَجَعَلَهُ عَدْلًا فِيهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَا يَرَى الْقَاضِي الْمَصْلَحَةَ فِيهِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا بِمَنْزِلَةِ تَرَاضِيهِمَا عِنْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ
-
وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الْعَدْلُ، وَمَاتَ الرَّاهِنُ كَانَ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَبِيعَهُ،
-
بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ إذَا مَاتَ الْمُوَكِّلُ قَبْلَ بَيْعِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ مَوْتَ الْمُوَكِّلِ كَعَزْلِهِ، وَبَعْدَ الْعَزْلِ فِي الْوَكَالَةِ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَ، وَلِلْعَدْلِ أَنْ يَبِيعَ، كَمَا بَيَّنَّا، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ بِمَوْتِ الْوَكِيلِ تَنْتَقِلُ الْعَيْنُ إلَى الْوَارِثِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الرِّضَا بِبَيْعِهِ، وَهُنَا الْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِالْعَيْنِ بَعْدَ مَوْتِ الرَّاهِنِ كَمَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ فَكَانَ لِلْعَدْلِ أَنْ يَبِيعَهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ
-
قَالَ: وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ، وَقَضَى الْمَالَ الْمُرْتَهِنَ،
-
ثُمَّ وَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَالْخَصْمُ فِيهِ هُوَ الْعَدْلُ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ،
-
فَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِ ثَمَنَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْقَابِضُ لِلثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ فِي يَدَيْهِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ لَرَجَعَ فِيهِ، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الدَّفْعِ إلَيْهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ مَنْفَعَةَ عَمَلِهِ حَصَلَتْ لَهُ فَيَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِمَا يُلْحِقُهُ مِنْهُ الْعُهْدَةَ، وَيَكُونُ الرَّهْنُ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ الْأُولَى يَبِيعُهُ الْعَدْلُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ قَدْ بَطَلَ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا،
-
وَلَوْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى الْعَيْبِ، وَلَكِنَّ الْعَدْلَ أَقَرَّ بِهِ،
-
فَإِنْ كَانَ عَيْبًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ، فَكَذَلِكَ هَذَا؛ لِأَنَّا أَثْبَتْنَا أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَقِلْ الْعَدْلُ بِالْإِنْكَارِ لِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ قَدْحٌ فِي عَدَالَتِهِ،
-
وَلَا تَمْنَعُهُ، وَإِنْ كَانَ عَيْبًا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَلَمْ يُقِرَّ بِهِ، وَلَكِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ حَتَّى رَدَّهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ
-
فَهُوَ كَالْأَوَّلِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا رُدَّ عَلَيْهِ نُكُولُهُ فِي الْبَيْعِ فَالْعَدْلُ مِثْلُهُ،
-
وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَى هَذَا الْإِقْرَارِ، فَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ السُّكُوتِ لِيَجْعَلَهُ الْقَاضِي مُنْكَرًا، وَيَعْرِضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ثُمَّ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَإِقْرَارُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ صَدَّقَهُ رَدَّ عَلَيْهِ مَا قَبَضَ مِنْهُ، وَبَيْعُ الرَّهْنِ ثَابِتٌ،
-
وَلَا يَلْزَمُ الرَّاهِنُ مِنْ وَضْعِهِ ذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهِ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ إقْرَارَ الْعَدْلِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ، فَهُوَ فِي حَقِّهِمَا كَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ،
-
وَلَوْ أَقَالَهُ الْبَيْعَ، أَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ أَوْ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَدْلُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، وَالْمُرْتَهِنِ كَشِرَاءٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَقَدْ أَشَارَ فِي الْبُيُوعِ إلَى الْعَيْبِ الَّذِي لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ أَنَّ الْقَضَاءَ، وَغَيْرَ الْقَضَاءِ سَوَاءٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا، وَجْهَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْبُيُوعِ،
-
وَالْأَصَحُّ مَا ذُكِرَ هُنَا.
-
وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ ثُمَّ، وَهَبَ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ جَازَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَهُوَ خَاصَّةٌ لَهُ،
-
وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ إذَا أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الثَّمَنِ،
-
وَلَوْ قَالَ قَدْ قَبَضْتُهُ فَهَلَكَ عِنْدِي كَانَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ الْمَالِ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْقَبْضَ بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَيَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِالْقَبْضِ، وَمَا ظَهَرَ بِإِقْرَارِهِ كَالْمُعَايَنِ،
-
وَلَوْ قَبَضَ الثَّمَنَ، وَهَلَكَ فِي يَدِهِ كَانَ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُرْتَهِنِ تَحَوَّلَ إلَى الثَّمَنِ فَهَلَاكُهُ فِي يَدِهِ كَهَلَاكِ الْعَيْنِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَدْ دَفَعْتُهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ،
-
وَلَا تَقُولُ بِإِقْرَارِ الْعَدْلِ يَثْبُتُ وُصُولُ الثَّمَنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الِابْنِ فِي بَرَاءَةِ نَفْسِهِ لَا فِي وُصُولِ الْمَالِ إلَى الْقَرِيبِ، كَمَا لَوْ أَمَرَ الْمُودَعَ أَنْ يَقْضِيَ الْوَدِيعَةِ دَيْنَهُ وَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، وَلَكِنَّهُ يَسْقُطُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ تَحَوَّلَ إلَى الثَّمَنِ، وَقَدْ تَوَى بَعْدَ إقْرَارِ الْعَدْلِ بِمَا قَالَ فَكَأَنَّهُ هَلَكَ فِي يَدِهِ
-
وَلَوْ قَبَضَ الثَّمَنَ ثُمَّ، وَهَبَهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ مِلْكِ الرَّاهِنِ مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْمُرْتَهِنِ فَتَصَرُّفُ الْعَدْلِ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ بَاطِلٌ،
-
وَلَوْ قَالَ: حَطَطْتُ عَنْكَ مِنْ الثَّمَنِ كَذَا أَوْ قَالَ: قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ الثَّمَنِ كَذَا،
-
وَكَذَا فَذَلِكَ جَائِزٌ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ،
-
وَلَوْ حَطَّ قَبْلَ الْقَبْضِ جَازَ عَلَيْهِ، وَصَارَ ضَامِنًا فَكَذَلِكَ إذَا، حَطَّ بَعْدَ الْقَبْضِ يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ قَبْضَ ذَلِكَ الْقَدْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ مِثْلَهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ مَالِهِ، وَالْمَقْبُوضُ سَالِمٌ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أَضَافَ الْهِبَةَ إلَى الْمَقْبُوضِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ حَقُّ غَيْرِهِ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ فَهَاهُنَا أَضَافَ الْهِبَةَ إلَى الثَّمَنِ، وَالثَّمَنُ بِالْعَقْدِ يَجِبُ لِلْوَكِيلِ،
-
وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ جَازَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ يُقَرِّرُ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِالْقَبْضِ وَبِحُصُولِ الْمَقْصُودِ يَنْتَهِي حُكْمُ الشَّيْءِ، وَيَتَقَرَّرُ مَكَانُ إضَافَةِ الْهِبَةِ إلَى الثَّمَنِ بَعْدَ الْقَبْضِ كَإِضَافَتِهِ إلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَيَصِحُّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ
-
وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ وَأَقَرَّ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ بِالْبَيْعِ فَقَالَ: بِعْتُهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَالدَّيْنُ مِائَةٌ وَأَعْطَيْتُكَهَا وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بِعْتُهُ بِخَمْسِينَ وَأَعْطَيْتُكَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ بِالْبَيْعِ بِاتِّفَاقِهِمْ جَمِيعًا مَعَ الِاخْتِلَافِ مِنْهُمَا فِي مِقْدَارِ مَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ مِنْ حَقِّهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ الرَّاهِنُ: لَمْ يَبِعْهُ وَقَالَ الْعَدْلُ: بِعْتُهُ بِخَمْسِينَ، وَصَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ فِي الْحَالِ هَالِكَةٌ، وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لِجَمِيعِ الدَّيْنِ عَنْ الرَّاهِنِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ فِي قِيمَتِهِ وَفَاءً بِالدَّيْنِ وَقْتَ الْقَبْضِ، وَالْمُرْتَهِنُ مَعَ الْعَدْلِ يَدَّعِيَانِ خُرُوجَ الْعَيْنِ عَنْ الرَّهْنِ، وَالرَّاهِنُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَأَمَّا هُنَا فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى خُرُوجِ الْعَيْنِ عَنْ الرَّهْنِ بِالْبَيْعِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ مَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ مِنْ دَيْنِهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ تَوَى الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَمَّا خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَإِنَّمَا يُحَوَّلُ حُكْمُ الرَّهْنِ إلَى الثَّمَنِ بِقَدْرِ الثَّمَنِ، وَاخْتِلَافُهُمَا فِي مِقْدَارِهِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي مِقْدَارِ قِيمَةِ الرَّهْنِ حِينَ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ لِإِنْكَارِهِ الزِّيَادَةَ،
-
وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةَ الْعَدْلِ، وَالرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ الزِّيَادَةُ فِيمَا اسْتَوْفَاهُ الْمُرْتَهِنُ، وَالْمُثْبَتُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ الشَّيْئَيْنِ أَوْلَى
-
وَإِذَا قَالَ الْعَدْلُ: قَدْ بِعْتُهُ بِخَمْسِينَ، وَصَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ وَقَالَ الرَّاهِنُ: هَلَكَ فِي يَدِكَ قَبْلَ أَنْ تَبِيعَهُ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الزِّيَادَةَ فِيمَا اسْتَوْفَاهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الدَّيْنِ.
-
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) : أَنَّ الْبَيِّنَةَ هُنَا بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ وَالْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبُ خُرُوجِ الْعَيْنِ مِنْ الرَّهْنِ، وَهُوَ الْبَيْعُ، وَالْحَاجَةُ إلَى الْبَيِّنَةِ لَهَا فَكَانَتْ مِنْهُمَا أَوْلَى بِالْقَبُولِ
-
وَلَوْ وَكَّلَ الْعَدْلُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، وَكِيلًا فَبَاعَهُ، وَالْعَدْلُ حَاضِرٌ جَازَ إلَّا عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَأَصْلُهُ فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ فَإِنْ كَانَ الْعَدْلُ غَائِبًا عَنْ ذَلِكَ الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ إنَّمَا أَوْصَى أَنْ يَتِمَّ الْعَقْدَ بِرَأْيِ الْعَدْلِ فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا كَانَ تَمَامُ الْعَقْدِ بِرَأْيِهِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ غَائِبًا،
-
وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ بَيْعُهُ كَانَ هَذَا، وَمَا لَوْ بَاعَهُ قَبْلَ التَّوْكِيلِ سَوَاءٌ فَإِذَا أَجَازَهُ الْعَدْلُ جَازَ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ بَاعَهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْعَقْدِ حَصَلَ بِرَأْيِهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ، وَقَّتَ الْعَدْلُ لِلْوَكِيلِ ثَمَنًا فَقَالَ بِعْهُ بِكَذَا فَبَاعَهُ بِهِ كَانَ جَائِزًا أَمَّا إذَا كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْعَدْلِ فَغَيْرُ مُشْكَلٍ،
-
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْآمِرِ قَدْ حَصَلَ حِينَ، وَقَّتَ الْعَدْلُ لِلْوَكِيلِ
-
الثَّمَنَ فَإِنَّ تَمَامَ الْعَقْدِ كَانَ بِرَأْيِهِ، وَمَقْصُودُ الْآمِرِ الثَّمَنُ لَا الْعِبَادَةُ، وَقَدْ حَصَلَ، وَفِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ قَالَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ مِقْدَارَ الثَّمَنِ يَمْنَعُ النُّقْصَانَ، وَلَكِنْ لَا يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ،
-
وَلَوْ حَضَرَ الْعَدْلُ رُبَّمَا يَبِيعُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِجَدِّهِ، وَكَثْرَةِ هِدَايَتِهِ فِي التَّزْوِيجِ، فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَكِيلِ الْآنَ بِخِبْرَةِ الْعَدْلِ
-
، وَإِذَا بَاعَ الرَّهْنَ مِنْ، وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُخْبِرَهُ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَفِي قَوْلِهِمَا بَيْعُهُ مِنْهُمْ لِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ، وَقَدْ بَيَّنَّا - فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ - الْخِلَافَ فِي بَيْعِ الْوَكِيلِ مِنْ مَوْلَاهُ فَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ هُنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ فِي الْبَيْعِ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ دُونَ الْبَيْعِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ؛
-
بِخِلَافِ بَاقِي الْبُيُوعِ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الرِّوَايَتَيْنِ هُنَاكَ فَلَوْ أَجَازَهُ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ جَمِيعًا جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ حَقُّهُمَا،
-
فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِجَازَةِ نَفَذَ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، كَمَا لَوْ بَاعَ الرَّهْنَ فُضُولِيٌّ فَأَجَازَ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ،
-
فَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ بَاشَرَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ بِدُونِ نَصِّ الْآخَرِ
-
وَإِذَا كَانَ الْعَدْلُ اثْنَيْنِ، وَقَدْ سُلِّطَا عَلَى الْبَيْعِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ وَالْمُرْتَهِنَ نَصَّا بِرَأْيِهِمَا، وَالْبَيْعُ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ، وَرَأْيُ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ كَرَأْيِ الْمُثَنَّى،
-
فَإِنْ أَجَازَ الْآخَرُ جَازَ لِاجْتِمَاعِ رَأْيِهِمَا عَلَيْهِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ أَجَازَهُ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ فُضُولِيٌّ آخَرُ فَأَجَازَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ،
-
وَإِنْ أَجَازَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ لِلرَّاهِنِ مِلْكًا وَلِلْمُرْتَهِنِ حَقَّ نِصَابِهِ فِي الْمِلْكِ فَكَمَا لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْبَيْعِ بِدُونِ رِضَا الْآخَرِ، فَكَذَلِكَ لَا يَنْفَرِدُ بِالْإِجَازَةِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ أَجْنَبِيٌّ، وَأَجَازَ الرَّاهِنُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ، لَمْ يَجُزْ،
-
وَإِنْ أَجَازَاهُ جَمِيعًا، وَأَبَى الْعَدْلَانِ ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَنُفُوذُ الْبَيْعِ مِنْ الْعَدْلَيْنِ بِاعْتِبَارِ رِضَاهُمَا فَإِذَا، وُجِدَ الرِّضَا مِنْهُمَا فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ نَفَذَ بَيْعُهُ أَيْضًا، وَقَدْ خَرَجَ الْعَدْلَانِ مِنْ الْوَكَالَةِ، كَمَا لَوْ بَاشَرَا الْبَيْعَ بِأَنْفُسِهِمَا
-
وَإِذَا أَخْرَجَ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ الْعَدْلَ مِنْ التَّسْلِيطِ عَلَى الْبَيْعِ، وَسَلَّطَا غَيْرَهُ أَوْ لَمْ يُسَلِّطَا، فَقَدْ خَرَجَ الْعَدْلُ مِنْ ذَلِكَ إذَا عَلِمَ،
-
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ بِالْبَيْعِ، وَالْمُوَكِّلُ مَلَكَ عَزْلَ الْوَكِيلِ بِعِلْمِهِ،
-
فَإِذَا كَانَ حُصُولُ التَّوْكِيلِ بِرَأْيِهِمَا، فَكَذَلِكَ الْعَزْلُ يَثْبُتُ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ إذَا عَلِمَ الْعَدْلُ بِهِ
-
قَالَ: وَإِذَا أَرَادَ الْعَدْلُ بَيْعَ الرَّهْنِ قَبْلَ حِلِّ الْأَجَلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سُلِّطَ عَلَى الْبَيْعِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ عِنْدَ امْتِنَاعِ الرَّاهِنِ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ، وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ مُحَمَّدٌ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) : هَذَا عَلَى، وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ التَّسْلِيطُ مُضَافًا بِأَنْ قَالَ: إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، فَلَمْ أَقْضِ مَالَهُ فَبِعْهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ حَلِّ الْأَجَلِ، وَلَوْ قَالَ: بِعْهُ
-
مِنِّي مَتَى شِئْتَ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ حِلِّ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَكِيلًا عَقِبَ هَذَا اللَّفْظِ فَيَنْفُذُ بَيْعُهُ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ، وَلَكِنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَحُلَّ الْأَجَلُ فَيَسْتَوْفِيَهُ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ
-
وَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ كَانَ الْأَجَلُ إلَى شَهْرِ رَمَضَانَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي التَّسْلِيطِ عَلَى الْبَيْعِ، وَالْقَوْلُ فِي حِلِّ الْأَجَلِ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقُّ الرَّاهِنِ قَبْلَ الْمُرْتَهِنِ،
-
فَإِذَا ادَّعَى زِيَادَةً فِيهِ، وَجَحَدَ الْمُرْتَهِنُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَأَمَّا التَّسْلِيطُ عَلَى الْبَيْعِ فَمِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَيَثْبُتُ بِإِيجَابِ الرَّاهِنِ،
-
وَلَوْ أَنْكَرَهُ أَصْلًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ حُلُولَهُ إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ حِلِّ الْمَالِ ثُبُوتُ التَّسْلِيطِ عَلَى الْبَيْعِ لِجَوَازِ أَنْ يُسَلِّطَهُ عَلَى الْبَيْعِ بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ مِنْ حِينِ يَحُلُّ الْمَالُ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْأَجَلِ أَنَّهُ شَهْرٌ وَاخْتَلَفَا فِي مُضِيِّهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛
-
لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقُّ الرَّاهِنِ قَبْلَ الْمُرْتَهِنِ، وَقَدْ تَصَادَقَا عَلَى ثُبُوتِهِ ثُمَّ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ أَوْفَاهُ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ الِاسْتِيفَاءَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ
-
وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ الْعُرُوضِ، وَأَلْحَقَ دَرَاهِمَ فَلَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا بِدَرَاهِمَ إذَا كَانَ مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِهِ حَتَّى يُوفِيَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) ، وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِعَرَضٍ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ وَكِيلٌ بِالْبَيْعِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا أَوْ بَاعَ بِالْعُرُوضِ،
-
وَإِذَا بَاعَ بِالنُّقُودِ يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَكِنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِيفَاءِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَالْإِيفَاءُ إنَّمَا يَكُونُ بِجِنْسِ الْحَقِّ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ الثَّمَنَ إلَى جِنْسِ الْحَقِّ لِيَقْضِيَ الدَّيْنَ بِهِ،
-
وَكَذَلِكَ يَبِيعُ الْعُرُوضَ بِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ فَهُوَ كَالْبَيْعِ بِالْعُرُوضِ عَلَى قِيَاسِ الْوَكِيلِ
-
وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الرَّهْنَ إذَا كَانَ بِطَعَامِ السَّلَمِ فَبَاعَهُ الْعَدْلُ بِجِنْسِ ذَلِكَ الطَّعَامِ يَجُوزُ الْبَيْعُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا إنَّمَا يَتَقَيَّدُ الْبَيْعُ بِالنَّقْدِ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا ثُمَّ هَذَا عُرْفٌ، وَعَارَضَهُ نَصٌّ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى الْبَيْعِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَذَلِكَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ يَتَحَقَّقُ،
-
وَإِنْ بَاعَهُ بِالنَّقْدِ احْتَاجَ إلَى أَنْ يُسَوِّيَ بِهِ طَعَامًا لِيَقْضِيَ بِهِ حَقَّ رَبِّ السَّلَمِ فَلِأَجْلِ هَذَا جَوَّزْنَا بَيْعَهُ بِالطَّعَامِ
-
قَالَ: وَلَوْ بَاعَهُ بِنَسِيئَةٍ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا، وَرَوَى أَصْحَابُ الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (- رَحِمَهُمُ اللَّهُ -) أَنَّهُ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْ هَذَا الْمَتَاعَ فَإِنِّي مُحْتَاجٌ إلَى النَّفَقَةِ أَوْ قَالَ: بِعْهُ فَإِنَّ غُرَمَائِي يُنَازِعُونَنِي، فَبَاعَهُ بِالنَّسِيئَةِ لَا يَجُوزُ؛
-
لِأَنَّهُ اقْتَرَنَ بِكَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الْبَيْعُ بِالنَّقْدِ، وَعَلَى قِيَاسِ تِلْكَ الرِّوَايَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَدْلِ بِالنَّسِيئَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ عِنْدَ حِلِّ الْأَجَلِ لِيُوَفِّيَ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْبَيْعِ بِالنَّقْدِ،
-
وَإِنْ تَوَى الثَّمَنُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ تَحَوَّلَ مِنْ الْعَيْنِ إلَى الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي،
-
كَمَا لَوْ قَبِلَ الْمَرْهُونُ تَحَوَّلَ حُكْمُ الرَّهْنِ مِنْ الْعَيْنِ إلَى الْقِيمَةِ،
-
وَلَوْ هَلَكَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ الْبَيْعِ يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ بِهِ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ، فَكَذَلِكَ إذَا تَوَى الثَّمَنُ وَفِيهِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ
-
وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ أَرْضَ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ، فَأَخَذَ السُّلْطَانُ الْخَرَاجَ أَوْ الْعُشْرَ مِنْ الثَّمَرَةِ كَانَ لِلْعَدْلِ أَنْ يَبِيعَ مَا بَقِيَ مَعَ الْأَرْضِ الرَّهْنِ لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ يَثْبُتُ فِي الزِّيَادَةِ الْمُوَلَّدَةِ مِنْ الْعَيْنِ،
-
وَلَا يَسْقُطُ بِاعْتِبَارِ مَا أَخَذَ السُّلْطَانُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الرَّهْنِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ الْجُزْءَ كَالتَّاوِي بِغَيْرِ صُنْعِ الْمُرْتَهِنِ،
-
وَلَوْ هَلَكَ الْكُلُّ بِغَيْرِ صُنْعِهِ لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَأْخُذُ السُّلْطَانُ الْخَرَاجَ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَالْخَرَاجُ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ؟ قُلْنَا: قَدْ قِيلَ أَنَّ الْمُرَادَ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الْخَارِجِ كَالْعُشْرِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْخَرَاجِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْخَرَاجِ يَبِيعُهُ الْإِمَامُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ،
-
وَإِذَا أَخَذَ السُّلْطَانُ الْخَرَاجَ أَوْ الْعُشْرَ مِنْ الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَرْجِعَ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَهُوَ كُلُّهُ رَهْنٌ يَبِيعُهُ الْعَدْلُ، وَيُوفِيهِ الْمُرْتَهِنَ،
-
وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ،
-
وَكَذَلِكَ الْعُشْرَ عِنْدَ حَاجَةِ مَصَارِفِ الْعُشْرِ، وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ الْعُشْرَ مِنْ مَالِكِ الثَّمَرَةِ بَعْدَ إدْرَاكِ الْغَلَّةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِالْأَدَاءِ، وَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ فَإِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي رَهَنَ الْعَيْنَ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْعُشْرِ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ الثَّمَرَةِ لَزِمَهُ الْأَدَاءُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ،
-
فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ بَقِيَتْ الثِّمَارُ مَمْلُوكَةً لِلرَّاهِنِ مَحْبُوسَةً عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ بِحَقِّهِ، وَلِلْعَدْلِ أَنْ يَبِيعَ الْكُلَّ، كَمَا بَيَّنَّا،
-
وَلَا يَكُونُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَرْجِعَ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ مَا لَمْ يَقْضِ الدَّيْنَ؛ لِأَنَّهُ بِتَصَرُّفِهِ قَصَرَ يَدَ نَفْسِهِ عَنْ الثَّمَرَةِ مَا لَمْ يُؤَدِّ الدَّيْنَ، وَقَدْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ مَشْغُولَةً بِالْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ،
-
فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ بِأَدَائِهِ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ بَقِيَ حُكْمُ الرَّهْنِ فِيهِ عَلَى حَالِهِ.
-
قَالَ: وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ إبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا سَائِمَةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَكَاةٌ؛ لِأَنَّ عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ الدَّيْنِ مَا يَسْتَغْرِقُ رِقَابَهَا، وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَالِ النَّامِي بِاعْتِبَارِ عَنَاءِ الْمَالِكِ قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» ، وَبِالدَّيْنِ الْمُسْتَغْرَقِ يَنْعَدِمُ الْغِنَاءُ، وَالسَّبَبُ إذَا وَجَبَ الْحُكْمُ بِوَاسِطَةٍ لَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ بِدُونِ تِلْكَ الْوَاسِطَةِ كَشِرَاءِ الْقَرِيبِ يُوجِبُ الْعِتْقَ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ فَإِذَا اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ لَا يَكُونُ إعْتَاقًا لِانْعِدَامِ الْوَاسِطَةِ.
-
وَإِنْ كَانَ الْعَدْلُ هُوَ الرَّاهِنُ فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَقْبِضْ مِنْ يَدِ الرَّاهِنِ فَلَيْسَ بِرَهْنٍ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الرَّهْنِ بِالْقَبْضِ، وَيَدُ الْمَالِكِ فِي مَالِهِ لَا تَكُونُ نَائِبَةً عَنْ الْغَيْرِ فَلَا يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ قَابِضًا بِيَدِ الرَّاهِنِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ قَبَضَهُ، وَجَعَلَ الرَّاهِنَ مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِهِ فَهُوَ رَهْنٌ، وَبَيْعُ الرَّاهِنِ فِيهِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مِلْكُهُ، وَهُوَ مَشْغُولٌ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَإِذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِالْبَيْعِ نَفَذَ بَيْعُ الْمَالِكِ فِيهِ.
-
وَإِذَا ارْتَهَنَ
-
الرَّجُلُ دَارًا أَوْ سَلَّطَ الرَّاهِنُ رَجُلًا عَلَى بَيْعِهَا، وَدَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُرْتَهِنُ حَتَّى حَلَّ الْمَالُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا؛ لِانْعِدَامِ الْقَبْضِ الْمُتَمِّمِ لَهُ،
-
وَإِنْ بَاعَ الْعَدْلُ الدَّارَ جَازَ بَيْعُهُ بِالْوَكَالَةِ لَا بِالرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ وَكِيلٌ بِالْبَيْعِ، وَبَقَاءُ يَدِ الْمَالِكِ فِي الْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ،
-
وَكَذَلِكَ التَّبْعِيضُ فِي الْخَادِمِ، وَالدَّارِ؛ لِأَنَّ الشُّيُوعَ،
-
وَإِنْ كَانَ يَمْنَعُ مُوجَبَ الرَّهْنِ فَلَا يُنَافِي مُوجَبَ الْوَكَالَةِ، وَأَحَدُ الْحُكْمَيْنِ يَنْفَصِلُ عَنْ الْآخَرِ فَالرَّهْنُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ الْقِيمَةِ فَالتَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ صَحِيحٌ،
-
وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ ذَلِكَ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ حِينَ لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ فَلِهَذَا يَدْفَعُ الثَّمَنَ إلَى الرَّهْنِ ثُمَّ يَقْضِي لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ بِحَقِّهِ،
-
وَإِنْ دَفَعَ الْعَدْلُ الْمَالَ إلَى الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِ حَصَلَ بِأَمْرِ الْمَالِكِ،
-
وَإِنْ نَهَاهُ عَنْ الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الرَّاهِنُ لَمْ يَكُنْ لِلْعَدْلِ أَنْ يَبِيعَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ نُفُوذَ بَيْعِهِ بِالْوَكَالَةِ دُونَ الرَّهْنِ، وَالْوَكَالَةُ تَبْطُلُ بِالْعَزْلِ، وَمَوْتِ الْمُوَكِّلِ، وَالْمُرْتَهِنُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ؛ لِأَنَّ اخْتِصَاصَهُ بِهِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الرَّهْنِ فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ الرَّهْنُ كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ.
-
وَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ عَبْدٌ فَدَفَعَ بِهِ أَوْ أَخْفَى عَيْنَهُ فَدَفَعَ بِالْعَيْنِ كَانَ الْعَدْلُ مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِ الْعَبْدِ الْمَدْفُوعِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ مَا دَفَعَ بِهِ إلَّا أَنْ يَرَى أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ يَثْبُتُ فِيهِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ التَّسْلِيطِ عَلَى الْبَيْعِ؛
-
لِأَنَّ ذَلِكَ تَوْكِيلٌ تَعَلَّقَ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ لِكَوْنِهِ فِي ضِمْنِ الرَّهْنِ فَيَظْهَرُ بِظُهُورِ حُكْمِ الرَّهْنِ فِيهِ.
-
وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ فَقَالَ: بِعْتُهُ بِتِسْعِينَ، وَالدَّيْنُ مِائَةٌ، فَأَقَرَّ بِذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَإِنَّهُ يَسْأَلُ الرَّاهِنَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهُ، وَادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ تِسْعِينَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، وَالْعَدْلِ فِيهِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى خُرُوجِ الْعَيْنِ مِنْ الرَّهْنِ بِالْبَيْعِ، وَإِنْكَارِ الْمُرْتَهِنِ لِلزِّيَادَةِ فِيمَا تَحَوَّلَ إلَيْهِ حُكْمُ الرَّهْنِ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ لِإِثْبَاتِهِ الزِّيَادَةَ،
-
وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ الرَّاهِنُ بِالْبَيْعِ وَقَالَ هَلَكَ فِي يَدِ الْعَدْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ بِقَبْضِ الرَّهْنَ تَثْبُتُ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ ثُمَّ إذَا ادَّعَى مَا يَنْسَخُهُ، وَهُوَ الْبَيْعُ فِي الدَّيْنِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ وَإِذَا أَقَرَّ بِالْبَيْعِ قَالَ الرَّاهِنُ: بِعْتُهُ بِمِائَةٍ وَقَالَ الْعَدْلُ: بِعْتُهُ بِتِسْعِينَ وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بِعْتُهُ بِثَمَانِينَ، وَقَدْ تَقَابَضَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا لِتَصَادُقِهِمْ عَلَى مَا يَنْسَخُ حُكْمَ الرَّهْنِ فِي الْعَيْنِ، وَهُوَ الْبَيْعُ، وَإِنْكَارِ الْمُرْتَهِنِ لِلزِّيَادَةِ فِيمَا اسْتَوْفَى مِنْ حَقِّهِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛
-
لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي لِزِيَادَةِ إيفَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَإِنْ أَقَامَ الْعَدْلُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ بَاعَهُ بِتِسْعِينَ، وَأَعْطَاهَا لِلْمُرْتَهِنِ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: لَمْ يَبِعْهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْ، وَأَنَّهُ مَاتَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ عَلَى
-
هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى فَصْلِ مَالِهِ، وَإِنَّمَا شَهِدُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبِعْ، وَهَذَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لِلْإِثْبَاتِ فَلَا تُقْبَلُ عَلَى النَّفْيِ،
-
وَلَا بِلَفْظِ النَّفْيِ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ بِلَفْظِ الْإِثْبَاتِ فَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) فِي تَرْجِيحِ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى فِيمَا سَبَقَ.
-
وَإِذَا ارْتَدَّ الْعَدْلُ ثُمَّ بَاعَ الرَّهْنَ ثُمَّ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ نُفُوذَ بَيْعِهِ بِاعْتِبَارِ الْوَكَالَةِ، وَرِدَّتُهُ لَا تُنَافِي ابْتِدَاءَ الْوَكَالَةِ فَلَا يُنَافَى الْبَقَاءُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَإِنَّمَا لَا يُجَوِّزُ أَبُو حَنِيفَةَ تَصَرُّفَهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ إذَا قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ؛
-
لِأَنَّ مَحِلَّ تَصَرُّفِهِ حَقُّ وَرَثَتِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِلرَّهْنِ وَخَلَفَ وَارِثَهُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ وَكِيلٌ بِبَيْعِهِ،
-
وَإِنْ أَسْلَمَ، فَذَلِكَ أَجْوَزُ لِبَيْعِهِ،
-
وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَلَحَاقُهُ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ، وَلِهَذَا يَقْسِمُ الْقَاضِي مِيرَاثَهُ فَإِنْ رَجَعَ مُسْلِمًا فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ، وَقَدْ نُصَّ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) فِي الْوَكِيلِ إذَا ارْتَدَّ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَقِيلَ: حُكْمُ الْعَدْلِ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ،
-
وَقِيلَ بَلْ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا وَأَبُو يُوسُفَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَيَقُولُ رِدَّتُهُ وَلَحَاقُهُ مُوجَبُ عَزْلِهِ، بِمَنْزِلَةِ رِدَّةِ الْوَكِيلِ وَعَزْلِهِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ يَصِحُّ مِنْ الْوَكِيلِ،
-
وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْعَدْلِ بَعْدَ الْقَبُولِ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَكَذَلِكَ يَبْقَى حُكْمُ التَّسْلِيطِ عَلَى الْبَيْعِ بَعْدَ لَحَاقِهِ فَإِذَا رَجَعَ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْوَكَالَةَ تَعَلَّقَ بِهَا الِاسْتِحْقَاقُ لِكَوْنِهَا فِي ضِمْنِ الرَّهْنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا
-
وَإِذَا ارْتَدَّ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ فَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ قُتِلَا عَلَى الرِّدَّةِ ثُمَّ بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ لَحَاقَهُمَا كَمَوْتِهِمَا، وَالْقَتْلُ مَوْتٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَوْتَهُمَا لَا يُبْطِلُ الرَّهْنَ،
-
وَلَا حُكْمَ التَّسْلِيطِ عَلَى الْبَيْعِ، فَكَذَلِكَ هُنَا.
-
قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْعَدْلُ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَإِنْ وَضَعَا الرَّهْنَ عَلَى يَدَيْهِ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ يَدٍ مُوجَبَةٍ لِتَتْمِيمِ الْعَقْدِ لَوْ كَانَ الْعَقْدُ مَعَهُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْعَقْدُ مَعَ غَيْرِهِ، قُلْنَا: يَتِمُّ الْعَقْدُ بِيَدِهِ عَلَى أَنْ تَكُونَ يَدُهُ نَائِبَةً عَنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، كَمَا فِي الْحُرِّ فَإِنْ وَضَعًا عَلَى يَدِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ أَيْضًا جَائِزٌ؛
-
لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ لِلْعَبْدِ، يَكُونُ آدَمِيًّا مُمَيِّزًا أَوْ مُخَاطِبًا بِوُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ الْمَوْلَى، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى الْإِذْنِ فِيمَا يَتَضَرَّرُ الْمَوْلَى بِهِ،
-
وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمَوْلَى فِي جَعْلِ يَدِ الْعَبْدِ نَائِبَةً عَنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَكِنَّ عُهْدَةَ الْبَيْعِ لَا تَكُونُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَتَضَرَّرُ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتْوِي مَالِيَّتَهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْعُهْدَةُ عَلَى الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ إيجَابُ الْعُهْدَةِ عَلَى الْعَاقِدِ تَعَلَّقَتْ بِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَنْ سَلَّطَهُ عَلَى بَيْعِهِ،
-
وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ الْحُرُّ الَّذِي يَعْقِلُ إذَا جُعِلَ عَدْلًا فَهُوَ وَالْعَدْلُ الْعَبْدُ سَوَاءٌ إنْ كَانَ أَبُوهُ أَذِنَ لَهُ فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الَّذِي أَمَرَهُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُوهُ أَذِنَ لَهُ فَاسْتَحَقَّ الْبَيْعَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي
-
فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ الَّذِي قَبَضَ الْمَالَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهَذَا الْعَقْدِ حِينَ سَلَّمَ الثَّمَنَ لَهُ،
-
وَإِذَا رَجَعَ عَلَيْهِ رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَالِهِ،
-
وَإِنْ شَاءَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ مَأْمُورًا مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بَيْعُهُ، وَقَبَضَ الثَّمَنَ لَهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْعُهْدَةِ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ ذَهَبَ عَقْلُ الْعَدْلِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، أَمَّا إذَا صَارَ بِحَيْثُ لَا يَعْقِلُ الْبَيْعَ،
-
فَلَا إشْكَالَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَعْقِلُ الْبَيْعَ جَازَتْ الْوَكَالَةُ، وَنَفَذَ الْبَيْعُ فَقِيَاسُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ هُنَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَيُقَالُ: لَمَّا وَكَّلَهُ وَهُوَ صَحِيحُ الْعَقْلِ، فَهُوَ مَا رَضِيَ بِبَيْعِهِ إلَّا بِاعْتِبَارِ رَأْيٍ كَامِلٍ، وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ بِجُنُونِهِ.
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ وَكَّلَهُ، وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ رَضِيَ بِبَيْعِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الرَّأْيِ فَيَكُونُ هُوَ فِي الْبَيْعِ مُمْتَثِلًا أَمَرَهُ،
-
فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ عَقْلُهُ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ، وَالتَّسْلِيطِ بَاقٍ بَعْدَ ذَهَابِ عَقْلِهِ، وَلَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الرَّاهِنِ بِعَارِضٍ، وَذَلِكَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ،
-
فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.
-
وَإِذَا كَانَ الْعَدْلُ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ أَوْ كَبِيرًا لَا يَعْقِلُ فَجُعِلَ الرَّهْنَ عَلَى يَدِهِ لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَكُنْ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْيَدِ إذْ هُوَ مُمَيَّزٌ، وَقَبْضُ مِثْلِهِ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا شَرْعًا، وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْقَبْضِ لَا يَحْصُلُ بِقَبْضِهِ فَلَا يُمْكِنُ تَتْمِيمُ الرَّهْنِ بِاعْتِبَارِ إقَامَةِ قَبْضِهِ مَقَامَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ،
-
وَلَوْ كَبِرَ، وَعَقَلَ، وَبَاعَ الرَّهْنَ جَازَ الْبَيْعُ لِتَسْلِيطِ الرَّاهِنِ إيَّاهُ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ يَنْفَرِدُ بِالتَّوْكِيلِ، وَنُفُوذُ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ يَعْتَمِدُ عِلْمُهُ بِهِ،
-
فَإِذَا بَاعَهُ بَعْدَ مَا عَقَلَ فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ نُفُوذُ تَصَرُّفِ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ صِحَّةِ التَّسْلِيطِ فَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ وَكَّلَ غَائِبًا بِبَيْعِ شَيْءٍ فَبَلَغَهُ وَبَاعَهُ.
-
وَذَكَرَ الْخَصَّافُ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيطَ كَانَ لَغْوًا لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّةِ عِنْدَهُ فَلَا يَنْعَدِمُ بِحُدُوثِ الْأَهْلِيَّةِ
-
بِخِلَافِ الْغَائِبِ فَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ، فَيَصِحُّ تَسْلِيطُهُ، وَعِلْمُهُ بِهِ شَرْطٌ،
-
فَإِذَا وُجِدَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ.
-
وَإِذَا كَانَ الْعَدْلُ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا، وَالرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ مُسْلِمَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِي الْمُعَامَلَاتِ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ أَوْ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ يَدٍ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَنْفُذَ بَيْعُهُ بِتَسْلِيطِ الْمَالِكِ، كَمَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ،
-
فَإِنْ لَحِقَ الْحَرْبِيُّ بِالدَّارِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ، وَهُوَ فِي الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْمَرْهُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِ مَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِحَاجَتِهِ فِي الرُّجُوعِ إلَى أَمَانٍ جَدِيدٍ فَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ فَإِنْ رَجَعَ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ بِالْبَيْعِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْمُرْتَهِنِ اللَّاحِقِ بِدَارِ الْحَرْبِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ الرَّاجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، هُوَ: الرَّاهِنَ وَالْمُرْتَهِنَ، أَوْ الْعَدْلُ ذِمِّيٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ مُقِيمٌ فِي دَارِ
-
الْإِسْلَامِ بِإِذْنٍ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ؛ لِأَنَّ لَحَاقَ الرَّاهِنِ، وَالْمُرْتَهِنِ بِالدَّارِ كَمَوْتِهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ بَيْعِ الْعَدْلِ، إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّسْلِيمِ لِبَقَاءِ الرَّهْنِ، وَالتَّسْلِيطِ.
-
وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ، وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَهَلَكَ عِنْدَهُ ثُمَّ رُدَّ الْمَبِيعُ بِعَيْبٍ، فَمَاتَ عِنْدَهُ أَوْ اُسْتُحِقَّ، أَوْ هُوَ بَاقٍ فِي يَدِهِ، وَقَدْ أَخَّرَهُ بِالثَّمَنِ حَتَّى أَدَّاهُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الرَّاهِنِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَيْعِ كَانَ عَامِلًا لِلرَّاهِنِ بِأَمْرِهِ،
-
وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ قَبْضِهِ الثَّمَنَ مِنْهُ، وَلَمْ يُوجَدْ،
-
وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُفْلِسًا، وَالْعَبْدُ فِي يَدِ الْعَدْلِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَيَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ الَّذِي غَرِمَهُ؛ لِأَنَّ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَيْهِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ فَيَبْقَى التَّسْلِيطُ عَلَى الْبَيْعِ كَمَا كَانَ،
-
وَإِذَا بَاعَهُ فَالثَّمَنُ مِلْكُ الرَّاهِنِ، وَقَدْ اسْتَوْجَبَ الرُّجُوعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا غَرِمَ فَإِذَا ظَهَرَ حَبَسَ حَقَّهُ مِنْ مَالِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَهُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ وَجَبَ بِسَبَبِ هَذَا الْعَبْدِ، وَدَيْنُ الْمُرْتَهِنِ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ لَا بِسَبَبِ هَذَا الْعَبْدِ، وَكَانَ صَرْفُ بَدَلِ الْعَبْدِ إلَى دَيْنٍ، وَجَبَ بِسَبَبِ الْعَبْدِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ فُلَانٌ يَكُونُ هُوَ أَحَقُّ بِهِ،
-
وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ أَوْلَى.
-
وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ بَيْعًا فَاسِدًا أَوْ رِبًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ الْمَالِكُ،
-
وَلَا يَضْمَنُ الْعَدْلُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْوَكِيلُ بِالْإِخْلَافِ لَا بِالْفَسَادِ فَكُلُّ أَحَدٍ لَا يَهْتَدِي إلَى التَّحَرُّزِ عَنْ الْأَسْبَابِ الْمُفْسِدَةِ لِلْعَقْدِ، كَمَا إذَا كَانَ الرَّهْنُ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا، وَالرَّاهِنُ، وَالْعَدْلُ ذِمِّيَّيْنِ، وَالْمُرْتَهِنُ مُسْلِمًا، وَبَاعَهُ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ بِالْوَكَالَةِ، وَالرَّهْنُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُسْلِمٌ، وَالْمُسْلِمُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ عَلَى الْخَمْرِ، وَلَكِنَّ بُطْلَانَ الرَّهْنِ لَا يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ بِالْبَيْعِ،
-
وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَالْعَدْلُ، وَالْمُرْتَهِنُ ذِمِّيَّيْنِ فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ لِمَا قُلْنَا، وَبَيْعُ الْعَدْلِ يَنْفُذُ بِالتَّوْكِيلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ يُوَكِّلُ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ،
-
فَإِنْ قَضَاهُ الْعَدْلُ الْمُرْتَهِنَ فَفِعْلُهُ كَفِعْلِ الرَّاهِنِ بِنَفْسِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِمَالٍ يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الْفُقَرَاءِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْعَدْلُ مُسْلِمًا فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ عَلَى الْخَمْرِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
(قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) :
-
وَإِذَا ارْتَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَهُ، وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ وَهَبَ الْمُرْتَهِنُ الْمَالَ لِلرَّاهِنِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الرَّهْنَ حَتَّى هَلَكَ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْنَعَهُ إيَّاهُ
-
فَهُوَ ضَامِنٌ فِي الْقِيَاسِ قِيمَتَهُ لِلرَّاهِنِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ (- رَحِمَهُمُ اللَّهُ -) وَجْهُ الْقِيَاسِ: أَنَّ بِقَبْضِ الرَّهْنِ ثَبَتَتْ يَدُ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَيَتِمُّ ذَلِكَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ، وَصَيْرُورَتُهُ مُسْتَوْفِيًا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِيفَائِهِ حَقِيقَةً بَعْدَ الْإِبْرَاءِ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمُسْتَوْفَى،
-
وَلَا يُقَالُ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ حَتَّى تُعْتَبَرَ قِيمَتُهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَكُونَ بَرِيئًا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ صَحِيحٌ مُوجِبٌ لِرَدِّ الْمُسْتَوْفَى كَالْبَائِعِ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ ثُمَّ أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ عَنْ الثَّمَنِ.
-
وَقَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا فِي الرَّهْنِ بِالصَّدَاقِ: إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ لَا يَلْزَمُهَا رَدُّ شَيْءٍ عَلَى الزَّوْجِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْسَانِ،
-
وَلَوْ كَانَ الطَّرِيقُ فِيهِ هَذَا لَلَزِمَهَا رَدُّ النِّصْفِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الصَّدَاقِ يَلْزَمُهَا رَدُّ نِصْفِ الْمُسْتَوْفَى،
-
وَلَا وَجْهَ لِإِسْقَاطِ الضَّمَانِ الْفَائِتِ فِي مَالِيَّةِ الرَّهْنِ بِسَبَبِ الْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعَقْدِ بِالْقَبْضِ فَيَبْقَى بَعْدَ الْقَبْضِ،
-
وَإِنْ سَقَطَ الدَّيْنُ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ حَقِيقَةً أَوْ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ عَيْنًا أَوْ صَالَحَ مِنْهُ عَلَى عَيْنٍ أَوْ أَحَالَهُ عَلَى إنْسَانٍ آخَرَ بَقِيَ ضَمَانُ الرَّهْنِ،
-
وَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الرَّاهِنِ عَنْ الدَّيْنِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ، بَقِيَ ضَمَانُ الرَّهْنِ لِبَقَاءِ الْقَبْضِ،
-
وَإِنْ انْعَدَمَ الدَّيْنُ، وَلَوْ تَبَادَلَا رَهْنًا بِرَهْنٍ بَقِيَ ضَمَانُ الْأَوَّلِ مَا لَا يَرُدُّهُ عَلَى الرَّاهِنِ لِبَقَاءِ الْقَبْضِ، وَالْمُشْتَرِي إذَا قَبَضَ الْمَبِيعَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثُمَّ فَسْخُ الْبَيْعِ بَقِيَ مَضْمُونًا بِالثَّمَنِ لِبَقَاءِ الْقَبْضِ،
-
وَإِنْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَفَسْخُ الْبَيْعِ يَبْقَى مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ عَلَى الْمُشْتَرَى؛ لِبَقَاءِ الْقَبْضِ، كَمَا فِي الِابْتِدَاءِ.
-
وَلَا يُقَالُ لَوْ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إنَّمَا يَجِبُ بِسَبَبِ الْإِبْرَاءِ، وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِيهِ فَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِالْإِبْرَاءِ، بَلْ الِاسْتِيفَاءِ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ إلَّا أَنَّهُ قَبْلَ الْإِبْرَاءِ كَانَتْ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ، وَبَعْدَ الْإِبْرَاءِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْمُقَاصَّةِ فَيَبْقَى الْمُسْتَوْفِي مَضْمُونًا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيقَةً بَعْدَ الْإِبْرَاءِ، وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْمُسْتَوْفِي،
-
وَإِنْ كَانَ لَوْ لَمْ يَسْبِقْ الْإِبْرَاءُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلِلِاسْتِحْسَانِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ، وَالدَّيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِاعْتِبَارِ الدَّيْنِ، وَبِالْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ انْعَدَمَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ، وَهُوَ الدَّيْنُ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ بَعْلَةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ أَحَدِهِمَا.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ رَدَّ الرَّهْنَ سَقَطَ الضَّمَانُ لِانْعِدَامِ الْقَبْضِ مَعَ بَقَاءِ الدَّيْنِ، فَكَذَلِكَ إذَا أُبْرِئَ مِنْ الدَّيْنِ يَسْقُطُ الضَّمَانُ لِانْعِدَامِ الدَّيْنِ مَعَ بَقَاءِ الْقَبْضِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَوْفَى حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الدَّيْنَ بِالِاسْتِيفَاءِ لَا يَسْقُطُ بَلْ يَتَقَرَّرُ،
-
فَإِنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِالِاسْتِيفَاءِ، وَحُصُولُ
-
الْمَقْصُودِ بِالشَّيْءِ يُنْهِيه وَيُقَرِّرُهُ، وَلِهَذَا جَازَ الْإِبْرَاءُ عَنْ الثَّمَنِ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ،
-
فَإِذَا بَقِيَ الدَّيْنُ حُكْمًا بَقِيَ ضَمَانُ الرَّهْنِ، وَبِهَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى مَرَّتَيْنِ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا فَأَمَّا بِالْإِبْرَاءِ فَيَسْقُطُ الدَّيْنُ فَلَا يَبْقَى الضَّمَانُ بَعْدَ انْعِدَامِ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ أَوْ صَالَحَ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى عَيْنٍ فَذَلِكَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا أَحَالَ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ بِالْحَوَالَةِ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ، وَلَكِنَّ ذِمَّةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ تَقُومُ مَقَامَ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، وَهُوَ بِصَدَدِ أَنْ يَعُودَ إلَى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إذَا كَانَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا فَلِهَذَا بَقِيَ ضَمَانُ الرَّهْنِ
-
وَكَذَلِكَ بَعْدَ مَا تَبَادَلَا رَهْنًا بِرَهْنٍ، الدَّيْنُ وَالْقَبْضُ بَاقِيَانِ فِي حَقِّ الْعَيْنِ الْأَوَّلِ فَيَبْقَى الضَّمَانُ فِيهِ،
-
وَإِذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ فَإِنَّمَا يُسَلِّمُ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ تَصَادُقُهُمَا بَعْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ، وَالدَّيْنُ كَانَ وَاجِبًا ظَاهِرًا حِينَ هَلَكَ الرَّهْنُ، وَوُجُوبُ الدَّيْنِ ظَاهِرًا يَكْفِي لِضَمَانِ الرَّهْنِ فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا فَأَمَّا إذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ، وَالرَّهْنُ قَائِمٌ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فَإِنَّ هُنَاكَ تَهْلَكُ أَمَانَتُهُ؛
-
لِأَنَّ بِتَصَادُقِهِمَا مِنْ الْأَصْلِ، وَضَمَانُ الرَّهْنِ لَا يَبْقَى بِدُونِ الدَّيْنِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ: أَنَّ مَقْصُودَ الرَّاهِنِ بِتَسْلِيمِ الرَّهْنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يُبْرِئَ ذِمَّتَهُ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِالْإِبْرَاءِ قَبْلَ هَلَاكِ الدَّيْنِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ سَبَبًا آخَرَ، كَمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ إذَا عَجَّلَ الدَّيْنَ ثُمَّ حَلَّ الْأَجَلُ، وَصَاحِبُ الْمَالِ إذَا عَجَّلَ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَمَّ الْحَوْلُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ؛
-
لِهَذَا الْمَعْنَى بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَوْفَى الدَّيْنَ فَهُنَاكَ مَقْصُودُهُ لَمْ يَحْصُلْ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ إنَّمَا بَرِئَتْ بِمَا أَعْطَى مِنْ الْمَالِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ أَوْ صَالَحَ أَوْ أَحَالَ أَوْ تَبَادَلَا رَهْنًا بِرَهْنٍ، فَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَهُ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ لَمْ يَحْصُلْ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ،
-
وَإِذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْن لَهُ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ حَصَلَ بِالتَّصَادُقِ حِينَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ،
-
وَلَا يُقَالُ: مَقْصُودُ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ بِطَرِيقِ الْإِيفَاءِ، وَإِنَّمَا بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ بِالْإِبْرَاءِ أَوْ الْإِسْقَاطِ عَنْ الْإِيفَاءِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ لِأَعْيَانِهَا بَلْ لِأَحْكَامِهَا، فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ،
-
وَلَا يُنْظَرُ إلَى اخْتِلَافِ الطَّرِيقِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ: عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَرْضًا.
-
وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: بَلْ هُوَ غَصْبٌ يَلْزَمُهُ الْمَالُ لِإِيفَاءِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ،
-
ِ فِي الرَّهْنِ يَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ قَالَ سَحْنُونٌ: قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّهْنِ، أَيَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ أَمْ لَا يَجُوزُ إلَّا مَقْسُومًا مَقْبُوضًا؟
-
قَالَ: نَعَمْ، يَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ إذَا قَبَضَهُ صَاحِبُهُ وَحَازَهُ مَعَ مَنْ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ، وَكَانَ يُكْرِيهِ وَيَلِيهِ مَعَ مَنْ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْسُومٍ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
ارْتَهَنَ رَهْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى قَامَ عَلَى الرَّاهِنِ الْغُرَمَاءُ
-
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَهَنْت رَجُلًا رَهْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى قَامَتْ الْغُرَمَاءُ عَلَيَّ، أَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ أَمْ يَكُونُ أَوْلَى بِالرَّهْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت مِنْ رَجُلٍ سُدُسَ دَارٍ، أَوْ سُدُسَ حَمَّامٍ، أَوْ نِصْفَ سَيْفٍ، أَوْ نِصْفَ ثَوْبٍ، أَيَجُوزُ، وَكَيْفَ يَكُونُ قَبْضِي لِذَلِكَ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ. وَقَبْضُهُ أَنْ يَحُوزَهُ دُونَ صَاحِبِهِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي رَجُلٍ ارْتَهَنَ نِصْفَ دَارٍ مَنْ رَجُلٍ. وَتَكَارَى الرَّاهِنُ النِّصْفَ الْآخَرَ مِنْ شَرِيكِهِ، قَالَ: أَرَى رَهْنَهُ فَاسِدًا حِين سَكَنَ فِيهِ الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُمْ الْمُرْتَهِنُ بِقَبْضِ نِصْفِ الدَّارِ وَيُقَاسِمَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ سَاكِنًا فِي نِصْفِ الدَّارِ، وَالدَّارُ غَيْرُ مَقْسُومَةٍ، فَصَارَ الْمُرْتَهِنُ غَيْرَ حَائِزٍ لِمَا ارْتَهَنَ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ قَالَ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَرْهَنْ: أَنَا أُكْرِيَ نَصِيبِي مِنْ الرَّاهِنِ، وَأَبَى إلَّا ذَلِكَ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَقُسِّمَتْ الدَّارُ فِيمَا بَيْنَهُمَا، فَحَازَ الْمُرْتَهِنُ نَصِيبَ الرَّاهِنِ وَأَكْرَى الشَّرِيكَ نَصِيبَهُ مِمَّنْ شَاءَ وَلَمْ يَفْسَخْ.
-
فِيمَنْ ارْتَهَنَ نِصْفَ دَابَّةٍ أَوْ نِصْفَ ثَوْبٍ فَقَبَضَ جَمِيعَهُ فَضَاعَ الثَّوْبُ
-
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت نِصْفَ دَابَّةٍ، كَيْفَ يَكُونُ قَبْضِي لَهَا؟
-
قَالَ: بِقَبْضِ جَمِيعِهَا قُلْتُ:
-
فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ بَيْنَ الرَّاهِنِ وَرَجُلٍ آخَرَ؟
-
قَالَ: يَقْبِضُ حِصَّةَ الرَّاهِنِ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ شَاءَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى يَدَيْ شَرِيكِ الرَّهْنِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت نِصْفَ ثَوْبٍ فَقَبَضْتُهُ كُلَّهُ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ الثَّوْبُ عِنْدِي، أَأَضْمَنُ نِصْفَهُ أَمْ كُلَّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إلَّا نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَ يَسْأَلُ رَجُلًا نِصْفَ دِينَارٍ، فَأَعْطَاهُ دِينَارًا يَسْتَوْفِي مِنْهُ النِّصْفَ وَيَرُدُّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ، فَزَعَمَ أَنَّهُ ضَاعَ.
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: النِّصْفُ مِنْ الْمُقْتَضِي وَالنِّصْفُ هُوَ فِيهِ مُؤْتَمَنٌ.
-
قُلْتُ: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إنْ اتَّهَمَهُ.
-
قَالَ: نَعَمْ، إنْ كَانَ مُتَّهَمًا أُحْلِفَ وَإِلَّا لَمْ يُحَلَّفْ.
-
فِيمَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهُ وَالرَّهْنُ مُشَاعٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ
-
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت دَابَّةً أَوْ دَارًا أَوْ ثِيَابًا، فَاسْتُحِقَّ نِصْفُ مَا فِي يَدَيَّ مَنْ الرَّهْنِ، وَالرَّهْنُ مُشَاعٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ؟
-
قَالَ: يَكُونُ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْكَ رَهْنًا بِجَمِيعِ حَقِّكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهُ، فَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَبِيعَ حِصَّتِي؟ قَالَ: يُقَالُ لِلْمُرْتَهِنِ وَلِلرَّاهِنِ: بِيعَا مَعَهُ.
-
ثُمَّ يَكُونُ نِصْفُ الثَّمَنِ رَهْنًا فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الَّذِي اسْتَحَقَّ: لَا أَبِيعُ وَأَنَا أَدَعُهُ بِحَالِهِ بَيْنَنَا فَضَاعَ الثَّوْبُ. كَمْ يَذْهَبُ مِنْ الدَّيْنِ؟
-
قَالَ: إنْ كَانَ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ حَتَّى ضَاعَ، ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ لِلرَّاهِنِ.
-
قَالَ: وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ قَدْ وَضَعَاهُ عَلَى يَدَيْ الْمُسْتَحِقِّ، أَوْ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَالدَّيْنُ كَمَا هُوَ، بِحَالِهِ عَلَى الرَّاهِنِ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
ارْتَهَنَ رَهْنًا فَجَعَلَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ
-
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت ثَوْبًا مِنْ رَجُلٍ، فَجَعَلْنَاهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ أَنَا وَالرَّاهِنُ، فَضَاعَ الثَّوْبُ، مِمَّنْ ضَيَاعُهُ؟
-
قَالَ: مِنْ الرَّاهِنِ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ نِصْفَ الثَّوْبِ وَهُوَ رَهْنٌ، فَأَرَادَ الْبَيْعَ لِمَنْ يُقَالُ بِعْ مَعَهُ، أَلِلرَّاهِنِ أَمْ لِلْمُرْتَهِنِ؟
-
قَالَ: إنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ لِلرَّاهِنِ، وَيُقَالُ لِلْمُرْتَهِنِ لَا تُسَلِّمْ رَهْنَكَ وَهُوَ فِي يَدِكَ حَتَّى يُبَاعَ، فَتَقْتَضِيَ نِصْفَ
-
الثَّمَنِ، فَيَكُونَ رَهْنًا بِجَمِيعِ حَقِّكَ، وَيُوضَعُ عَلَى يَدَيْ مَنْ كَانَ الثَّوْبُ عَلَى يَدَيْهِ، وَهَذَا رَأْيِي.
-
فِي ضَيَاعِ الرَّهْنِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ إذَا ضَاعَ ضَيَاعًا ظَاهِرًا أَوْ غَيْرَ ظَاهِرٍ
-
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَيَوَانَ كُلَّهُ إذَا ارْتَهَنَهُ الرَّجُلُ، فَضَلَّ أَوْ أَبَقَ أَوْ مَاتَ أَوْ عَمِيَ أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ مِمَّنْ ضَمَانُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ الرَّاهِنِ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا يَغِيبُ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ، إذَا ضَاعَ ضَيَاعًا ظَاهِرًا، أَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الرَّاهِنِ؟
-
قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُهُ أَمْرُ اللَّهِ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ لَمْ تَأْتِ مِنْ سَبَبِ الَّذِي هُوَ عَلَى يَدَيْهِ فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ شَهِدَتْ شُهُودٌ لِلْمُرْتَهِنِ، أَنَّ رَجُلًا وَثَبَ عَلَى الثِّيَابِ فَأَحْرَقَهَا فَغَابَ وَلَمْ يُوجَدْ، مِمَّنْ مُصِيبَةُ؟ ذَلِكَ قَالَ: مِنْ الرَّاهِنِ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ الرَّهْنَ تَقُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، أَنَّ هَلَاكَهُ كَانَ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الْمُرْتَهِنِ،
-
فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ أَحْرَقَهُ رَجُلٌ فَغَرِمَ قِيمَتَهُ، أَتَكُونُ الْقِيمَةُ رَهْنًا مَكَانَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: أَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ إنْ أَتَى الرَّاهِنُ بِرَهْنٍ ثِقَةٍ مَكَانَهُ؛ أَخَذَ الْقِيمَةَ وَإِلَّا جُعِلَتْ هَذِهِ الْقِيمَةُ رَهْنًا
-
فِي بَيْعِ الرَّاهِنِ الرَّهْنَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ بِأَمْرِهِ
-
ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا رَهَنَ الرَّجُلُ رَهْنًا فَبَاعَهُ الرَّاهِنُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ.
-
قَالَ: فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ،
-
فَإِنْ أَجَازَهُ الْمُرْتَهِنُ جَازَ الْبَيْعُ وَعَجَّلَ لِلْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ إذَا بَاعَ الرَّاهِنُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَأَجَازَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّمَا يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ أَوْ يَرُدَّ إذَا بَاعَهُ الرَّاهِنُ بِأَقَلَّ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهَنِ.
-
فَأَمَّا إذَا بَاعَهُ بِمِثْلِ حَقِّ الْمُرْتَهَنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَخَذَ حَقَّهُ، فَلَا حُجَّةَ لَهُ.
-
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ بَاعَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: لَمْ آذَنْ لِلرَّاهِنِ فِي الْبَيْعِ لِيَأْخُذَ الرَّاهِنُ الثَّمَنَ.
-
قَالَ: يُحَلَّفُ فَإِنْ حَلَفَ،
-
فَإِنْ أَتَى الرَّاهِنُ بِرَهْنٍ ثِقَةٍ يُشْبِهُ الرَّهْنَ الَّذِي بَاعَ أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ وَوَقَفَا لَهُ رَهْنًا وَأَخَذَ الرَّاهِنُ الثَّمَنَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَهْنٍ مِثْلِ رَهْنِهِ الْأَوَّلِ، تَكُونُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ، وَقَفَ هَذَا الثَّمَنُ إلَى مَحَلِّ أَجَلِ دَيْنِهِ وَلَمْ يُعَجِّلُ لِلْمُرْتَهِنِ الدَّيْنَ.
-
قُلْتُ: وَمَا ذَكَرْتُ مِنْ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي الْبَيْعِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلرَّهْنِ، إنَّمَا ذَلِكَ إذَا بَاعَ الرَّاهِنُ، وَالرَّهْنُ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ.
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ أَمْكَنَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ مَنْ الرَّهْنِ لِيَبِيعَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ يَدَيْهِ إلَيْهِ، أَيَكُونُ الرَّهْنُ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ أَرَاهُ قَدْ نَقَضَ رَهْنَهُ حَيْثُ أَسْلَمَهُ إلَى الرَّاهِنِ وَأَذِنَ لَهُ فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ مِنْ الْبَيْعِ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
فِيمَنْ ارْتَهَنَ طَعَامًا مُشَاعًا
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت نِصْفَ هَذَا الطَّعَامِ مِنْ الرَّاهِنِ وَالطَّعَامُ، بَيْنَ الرَّاهِنِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؟
-
قَالَ: إذَا ارْتَهَنْتَهُ فَحُزْتَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَادَ شَرِيكُ الرَّاهِنِ فِي الطَّعَامِ الْبَيْعَ؟
-
قَالَ: يَقْتَسِمُونَهُ، فَيَكُونُ نِصْفُهُ رَهْنًا فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ، قُلْتُ: وَمَنْ يُقَاسِمُهُ؟
-
قَالَ: إنْ كَانَ الرَّاهِنُ حَاضِرًا، أُمِرَ أَنْ يَحْضُرَ فَيُقَاسِمَ شَرِيكَهُ، وَالرَّهْنُ كَمَا هُوَ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَكُونُ حِصَّتُهُ إذَا قَاسَمَ شَرِيكَهُ رَهْنًا وَيَدْفَعُ النِّصْفَ إلَى شَرِيكِهِ،
-
فَإِنْ شَاءَ بَاعَ وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ: قُلْتُ:
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّ الرَّهْنِ حَاضِرًا؟
-
قَالَ: يَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ فَيُقَاسِمُهُ السُّلْطَانُ أَوْ يَأْمُرُ بِذَلِكَ.
-
ارْتَهَنَ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا أَوْ بَعْدَ مَا بَدَا صَلَاحُهَا
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت ثَمَرَةَ نَخْلٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، أَوْ بَعْدَ مَا بَدَا صَلَاحُهَا، هَلْ يَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا حُزْتَهُ وَقَبَضْتَهُ وَكُنْتَ أَنْتَ تَسْقِيهِ، أَوْ جَعَلْتَهُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ يَسْقِيهِ وَيَلِيهِ وَيَحُوزُهُ لَكَ.
-
قُلْتُ: فَأَجْرُ السَّقْيِ عَلَى مَنْ يَكُونُ؟
-
قَالَ: عَلَى الرَّاهِنِ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَجْرِ السَّقْيِ عَلَى الرَّاهِنِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الدَّابَّةِ وَالْعَبْدِ وَالْوَلِيدَةِ إذَا كَانُوا رَهْنًا إنَّ نَفَقَتَهُمْ وَعُلُوفَتَهُمْ وَكُسْوَتَهُمْ عَلَى أَرْبَابِهِمْ فَكَذَلِكَ النَّخْلُ قُلْتُ:
-
وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ إذَا ارْتَهَنَهُ الرَّجُلُ.
-
قَالَ: الزَّرْعُ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، وَالثَّمَرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا مَحْمَلٌ وَاحِدٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي ارْتَهَنَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، أَيَأْخُذُ النَّخْلَ مَعَهَا؟
-
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِ الثَّمَرَةِ إلَّا بِقَبْضِ النَّخْلِ، وَالنَّخْلُ لَيْسَتْ رِقَابُهَا بِرَهْنٍ، وَلَكِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَوْزِ الثَّمَرَةِ وَسَقْيِهَا إلَّا وَالنَّخْلُ مَعَهَا؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ فِي النَّخْلِ.
-
فَإِنْ أَفْلَسَ الرَّاهِنُ وَقَدْ حَازَهَا الْمُرْتَهِنُ بِمَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ سَقْيِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا، فَالثَّمَرَةُ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ وَالنَّخْلُ لِلْغُرَمَاءِ قُلْتُ: فَالزَّرْعُ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لِي فِي النَّخْلِ. لَا يَكُونُ قَبْضُ الزَّرْعِ إلَّا مَعَ الْأَرْضِ الَّتِي الزَّرْعُ فِيهَا؟
-
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَلَيْسَ الْأَرْضُ بِرَهْنٍ مَعَ الزَّرْعِ، فَيَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ فِي النَّخْلِ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُهُ.
-
فِيمَنْ ارْتَهَنَ شَجَرًا هَلْ تَكُونُ ثَمَرَتُهَا رَهْنًا مَعَهَا؟ أَوْ دَارًا هَلْ تَكُونُ غَلَّتُهَا رَهْنًا مَعَهَا؟
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت نَخْلًا وَفِيهَا ثَمَرٌ يَوْمَ ارْتَهَنْتهَا، قَدْ أَزْهَى أَوْ لَمْ يَزْهُ، أُبِّرَ أَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ، أَتَكُونُ الثَّمَرَةُ رَهْنًا مَعَ النَّخْلِ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَكُونُ الثَّمَرَةُ رَهْنًا مَعَ النَّخْلِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ كُلُّ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ فِي الرَّهْنِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِرَهْنٍ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُرْتَهِنُ،
-
فَإِنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ تَكُونُ رَهْنًا مَعَ النَّخْلِ، كَانَتْ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ أَوْ لَمْ تَكُنْ، أَوْ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي الثَّمَرَةِ: لَا تَكُونُ رَهْنًا مَعَ النَّخْلِ، وَهُوَ يَقُولُ فِي الْوِلَادَةِ: إنَّهَا رَهْنٌ مَعَ الْأُمِّ؟ فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا قَالَ: لِأَنَّهُ مَنْ بَاعَ جَارِيَةً حَامِلًا، فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ، فَهُوَ لِمَنْ اشْتَرَى الْجَارِيَةَ،
-
وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا فِيهِ ثَمَرٌ قَدْ أُبِّرَ، فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ؟ الْمُبْتَاعُ فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا قُلْتُ: وَالثَّمَرَةُ وَكِرَاءُ الدُّورِ فِي الرَّهْنِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إجَارَةُ الْعَبْدِ، كُلُّ ذَلِكَ لِلرَّاهِنِ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ فِي الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
فِيمَنْ تَكَفَّلَ لِرَجُلٍ بِرَجُلٍ وَرَهَنَهُ رَهْنًا وَذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ
-
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت لِرَجُلٍ بِكَفَالَةٍ وَأَعْطَيْته بِذَلِكَ رَهْنًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ رَهْنُ الْكَفِيلِ قَدْ ضَاعَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ؟
-
قَالَ: إذَا كَانَ قِيمَةُ الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ سَوَاءً، وَكَانَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ فَقَدْ اسْتَوْفَى الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ الضَّيَاعَ مِنْهُ إذَا كَانَتْ الصِّفَةُ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، وَيَكُونُ لِلْكَفِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِقِيمَةِ رَهْنِهِ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ سَوَاءٌ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ كُنْتُ إنَّمَا تَكَفَّلْت بِهَذَا الْحَقِّ، بِغَيْرِ أَمْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَأَعْطَيْته الرَّهْنَ، بِغَيْرِ أَمَرَهُ فَضَاعَ الرَّهْنُ وَهُوَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ، وَكَانَ قِيمَةُ الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ سَوَاءٌ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: هَذَا رَأْيِي، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْمَسْأَلَةِ الَّتِي فَوْقَهَا فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ هَهُنَا عَلَى الرَّاهِنِ، وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ رَهْنَهُ قَدْ تَلِفَ عِنْدَهُ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ كُنْتَ قَدْ رَهَنْتُهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوْ بِأَمْرِهِ، وَالرَّهْنُ أَكْثَرُ قِيمَةً مَنْ الدَّيْنِ، فَضَاعَ الرَّهْنُ وَهُوَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ؟
-
قَالَ: إذَا ضَاعَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، وَكُنْتَ قَدْ رَهَنْتَهُ بِأَمْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَلَكَ أَنْ تَرْجِعَ بِقِيمَةِ رَهْنِكَ كُلِّهِ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ،
-
وَإِنْ شِئْتَ اتَّبَعْتَ الْمُرْتَهِنَ
-
بِفَضْلِ قِيمَةِ رَهْنِكَ عَلَى الدَّيْنِ، وَرَجَعْتَ عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَيَكُونُ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ إلَيْكَ، تَتْبَعُ بِفَضْلِ قِيمَةِ رَهْنِكَ عَلَى الدَّيْنِ أَيَّهُمَا شِئْتَ مِنْهُمَا.
-
وَأَمَّا مَبْلَغُ الدَّيْنِ مِنْ رَهْنِكَ فَإِنَّمَا تَرْجِعُ بِهِ عَلَى الَّذِي أَمَرَكَ بِذَلِكَ، وَتُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ.
-
فَإِنْ أَنْتَ رَجَعْتَ بِفَضْلِ قِيمَةِ رَهْنِكَ عَلَى الَّذِي أَمَرَك، رَجَعَ آمِرُكَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَأَخَذَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ كَانَ ضَامِنًا لِجَمِيعِ الرَّهْنِ حِينَ قَبَضَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي دَيْنِهِ وَفَاءٌ بِجَمِيعِ قِيمَةِ الرَّهْنِ. فَلَمَّا هَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ، قُصَّ لَهُ مِنْ الرَّهْنِ مِقْدَارُ دَيْنِهِ وَغَرِمَ الْبَقِيَّةَ،
-
وَإِنْ كَانَ رَهَنَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ الدَّيْنِ فَضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّ الَّذِي رَهَنَ بِغَيْرِ أَمْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، يَرْجِعُ بِالدَّيْنِ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَيَرْجِعُ بِفَضْلِ قِيمَةِ رَهْنِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْفَضْلِ مِنْ قِيمَةِ رَهْنِهِ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛
-
لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّمَ الْخَطَأَ، أَتَجُوزُ فِيهِ الْكَفَالَةُ؟
-
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْهُ وَقَدْ كَانَ تَكَفَّلَ لِرَجُلٍ بِدَمٍ خَطَأٍ، فَأَعْطَاهُ بَعْضَ الدِّيَةِ،
-
ثُمَّ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَالِكًا فَقَالَ: لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ وَيَتْبَعُونَ بِهِ الْعَاقِلَةَ.
-
الرَّهْنُ فِي الدَّمِ الْخَطَأِ
-
ِ قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ الرَّهْنُ فِي الدَّمِ الْخَطَأِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ إنْ كَانَ رَهَنَهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الدِّيَةَ لَازِمَةٌ لَهُ وَحْدَهُ.
-
وَإِنْ كَانَ إنَّمَا رَهَنَهُ عَنْ قَتِيلِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْقَتِيلِ، فَالرَّهْنُ جَائِزٌ.
-
فِيمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً وَرَهَنَ بِهَا رَهْنًا
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت دَابَّةً فَرَهَنْتُهُ بِهَا رَهْنًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً فَمُصِيبَتُهَا مِنْ رَبِّهَا، فَأَرَى الرَّهْنَ فِيهَا لَا يَجُوزُ.
-
قُلْتُ: أَفَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: أَرَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَرْتَهِنُ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ، فَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِيهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَيَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: قَدْ ضَاعَ مِنِّي. قَالَ مَالِكٌ: شَرْطُهُ بَاطِلٌ وَهُوَ ضَامِنٌ.
-
فِيمَنْ اسْتَعَارَ مَتَاعًا فَرَهَنَهُ
-
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَتَاعَ أَسْتَعِيرُهُ وَأُعْطِيهِ بِهِ رَهْنًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، يَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت عَبْدَ رَجُلٍ وَأَعْطَيْته بِالْإِجَارَةِ رَهْنًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
فِيمَنْ أَعَارَ دَابَّةً وَارْتَهَنَ بِهَا رَهْنًا فَضَاعَ الرَّهْنُ
-
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعَرْته دَابَّتِي وَأَخَذْت مِنْهُ بِهَا رَهْنًا مِمَّا أَغِيبُ عَلَيْهِ، وَضَاعَ الرَّهْنُ مِنِّي عِنْدِي قَالَ: أَرَاك ضَامِنًا لِلرَّهْنِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ مَا أَخَذْتَهُ عَلَيْهِ عَلَى الضَّمَانِ وَلَمْ تَأْخُذْهُ مِنِّي عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ.
-
ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَخَذَ مِنْهُ رَهْنًا فَضَاعَ الرَّهْنُ
-
ُ قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَرَهَنَنِي بِهَا رَهْنًا مِمَّا أَغِيبُ عَلَيْهِ، فَضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدِي، فَتَصَادَقْنَا أَنَّ الَّذِي ادَّعَيْت قِبَلَهُ كَانَ بَاطِلًا وَكُنْتُ قَدْ اقْتَضَيْته وَلَمْ أَعْلَمْ بِذَلِكَ؟
-
قَالَ: أَنْتَ ضَامِنٌ لِقِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّكَ لَمْ تَأْخُذْهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ.
-
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ يَسْأَلُ رَجُلًا دَنَانِيرَ فَتَعَلَّقَ بِهِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ حَتَّى يُصَارِفَهُ بِهَا فَأَتَاهُ فَقَالَ قَدْ ضَاعَتْ الدَّرَاهِمُ مِنِّي؟
-
قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِهَا إيَّاهُ عَلَى وَجْهِ الِائْتِمَانِ لَهُ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الصَّائِغِ الْخَاتَمَ يُعَالِجُ بِهِ فَصَّهُ، أَوْ شَيْئًا يُصْلِحُهُ لَهُ فِيهِ، أَوْ الْقِلَادَةَ يُصْلِحُ لَهُ فِيهَا الشَّيْءَ بِغَيْرِ حَقٍّ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ.
-
قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهَا أَجْرًا.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصُّنَّاعِ كُلِّهِمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، الْخَيَّاطِينَ وَالصَّبَّاغِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الصِّنَاعَاتِ، مَا دُفِعَ إلَيْهِمْ بِغَيْرِ أَجْرٍ فَقَالُوا قَدْ ضَاعَ فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ؟
-
قَالَ: نَعَمْ يَضْمَنُونَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ قَمِيصًا لَهُ لِيُرَقِّعَهُ لَهُ، فَضَاعَ الْقَمِيصُ عِنْدَ الْخِيَاطِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ هُوَ ضَامِنٌ لَهُ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ رَهْنًا فَقُلْتُ: هَذَا لَكَ رَهْنٌ بِكُلِّ مَا أَقْرَضْت فُلَانًا مِنْ شَيْءٍ، أَيَجُوزُ هَذَا؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
فِيمَنْ ارْتَهَنَ أَمَةً وَهِيَ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ فِي الرَّهْنِ هَلْ يَكُونُ وَلَدُهَا رَهْنًا مَعَهَا
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَمَةَ إذَا ارْتَهَنَهَا رَجُلٌ وَهِيَ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ ثُمَّ وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا أَتَكُونُ أَوْلَادُهَا مَعَهَا رَهْنًا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ مَا وَلَدَتْ مِنْ وَلَدٍ بَعْدَ الرَّهْنِ فَوَلَدُهَا رَهْنٌ مَعَهَا.
-
ارْتَهَنَ غَنَمًا فَوَلَدَتْ فِي الرَّهْنِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَصْوَافَ الْغَنَمِ وَأَلْبَانَهَا وَسُمُونَهَا وَأَوْلَادَهَا، أَيَكُونُ ذَلِكَ رَهْنًا مَعَهَا قَالَ: أَمَّا أَوْلَادُهَا فَهِيَ رَهْنٌ مَعَ الْأُمَّهَاتِ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
وَأَمَّا الْأَصْوَافُ وَالْأَلْبَانُ وَالسُّمُونُ فَلَا تَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ صُوفًا كَانَ عَلَيْهَا يَوْمَ ارْتَهَنَهَا، فَأَرَاهُ رَهْنًا مَعَهَا إذَا كَانَ يَوْمئِذٍ قَدْ تَمَّ؛ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا ارْتَهَنَ دَارًا أَنَّ غَلَّتَهَا لَا تَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا،
-
وَإِذَا ارْتَهَنَ غُلَامًا أَنَّ خَرَاجَهُ لَا يَكُونُ رَهْنًا مَعَهُ،
-
وَلَوْ اشْتَرَاهُمَا كَانَتْ غَلَّتُهُمَا لَهُ، فَالرَّهْنُ لَا يُشْبِهُ الْبُيُوعَ.
-
الرَّهْن يَجْعَل عَلَى يَدِي عَدْل فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ بَاعَهُ الْعَدْلُ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ
-
فِي الرَّهْنِ يُجْعَلُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ أَوْ يَكُونُ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ،
-
فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ بَاعَهُ الْعَدْلُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت رَهْنًا وَجَعَلْنَاهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، أَوْ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ إلَى أَجَلِ كَذَا
-
وَكَذَا، فَإِنْ جَاءَ الرَّاهِنُ بِحَقِّهِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ مُسَلَّطٌ عَلَى بَيْعِهِ، وَيَأْخُذُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ ذَلِكَ حَقَّهُ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُبَاعُ الرَّهْنُ وَإِنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ، كَانَ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ إلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبَلَغَنِي مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ:
-
وَإِنْ بِيعَ نَفَذَ الْبَيْعُ وَلَمْ يُرَدَّ، وَذَلِكَ رَأْيِي.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنَّهُ يَبِيعُهُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، فَإِنَّهُ إذَا حَلَّ الْحَقُّ رَفَعَهُ الْمُرْتَهِنُ إلَى السُّلْطَانِ،
-
فَإِنْ أَوْفَاهُ حَقَّهُ وَإِلَّا بَاعَ لَهُ الرَّهْنَ فَأَوْفَاهُ حَقَّهُ.
-
ارْتَهَنَ رَهْنًا فَأَرْسَلَ وَكِيلَهُ يَقْبِضُ لَهُ الرَّهْنَ فَقَبَضَهُ فَضَاعَ الرَّهْنُ
-
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت رَهْنًا فَبَعَثْتُ وَكِيلًا يَقْبِضُ الرَّهْنَ فَضَاعَ الرَّهْنُ - وَهُوَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ - أَيَكُونُ الضَّيَاعُ مَنْ الرَّاهِنِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَبَضَهُ، أَوْ تَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ إذَا كَانَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، أَوْ تَجْعَلُ ضَيَاعَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ لِأَنَّ وَكِيلَهُ قَبَضَهُ؟
-
قَالَ: قَبْضُ الْوَكِيلِ إذَا وَكَّلَهُ الْمُرْتَهِنُ فَإِنَّمَا هُوَ كَقَبْضِ الْمُرْتَهِنِ، فَضَيَاعُهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ. وَإِنَّمَا يَكُون الْعَدْلُ الَّذِي يَتَرَاضَيَانِ بِهِ جَمِيعًا - الْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ - أَنْ يَجْعَلَا الرَّهْنَ عَلَى يَدَيْهِ، فَهَذَا الَّذِي يَكُونُ عَدْلًا وَيَكُونُ ضَيَاعُ الرَّهْنِ فِيهِ مِنْ الرَّاهِنِ،
-
فَأَمَّا رَسُولُ الْمُرْتَهِنِ فَلَيْسَ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدْلِ فِي هَذَا.
-
فِيمَنْ رَهَنَ عَبْدًا عَلَى مَنْ نَفَقَتُهُ أَوْ كَفَنُهُ وَدَفْنُهُ إذَا مَاتَ
-
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَهَنْت عَبْدًا عِنْدَ رَجُلٍ، فَمَاتَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، عَلَى مَنْ كَفَنُهُ وَدَفْنُهُ قَالَ: عَلَى الرَّاهِنِ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَنَفَقَتُهُ وَكَفَنُهُ وَدَفْنُهُ عَلَى الرَّاهِنِ.
-
فِي الرَّهْنِ إذَا كَانَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَدَفَعَهُ الْعَدْلُ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّهْنَ إذَا كَانَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، فَدَفَعَهُ الْعَدْلُ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ فَضَاعَ، وَهُوَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، يَضْمَنُ إنْ دَفَعَهُ إلَى الرَّاهِنِ ضَمِنَ لِلْمُرْتَهِنِ وَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ ضَمِنَ ذَلِكَ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَرْضَ أَنْ يَكُونَ رَهْنُهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ،
-
فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ كَفَافًا بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ سَقَطَ بِذَلِكَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ إذَا تَلَفَ الرَّهْنُ فِي يَدَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي قِيمَتِهِ فَضْلٌ، غَرِمَ ذَلِكَ الْعَدْلَ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَرْضَ أَنْ يَكُونَ رَهْنُهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ.
-
الرَّهْنِ يُجْعَلُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَيَمُوتُ الْعَدْلُ فَيُوصِي إلَى رَجُلٍ
-
فِي الرَّهْنِ يُجْعَلُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَيَمُوتُ الْعَدْلُ فَيُوصِي إلَى رَجُلٍ، هَلْ يَكُونُ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ وَفِي الْمُرْتَهِنِ يَدْفَعُ الرَّهْنَ إلَى السُّلْطَانِ فَيَأْمُرُ السُّلْطَانُ رَجُلًا يَبِيعُهُ فَيَضَعُ الثَّمَنَ مِنْ الْمَالِ الْمَأْمُورِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا مَاتَ الْعَدْلُ - وَالرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ - فَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ - أَيَكُونُ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ الْوَصِيِّ؟
-
قَالَ: لَا، وَلَكِنْ يَتَرَاضَيَانِ - الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ - بَيْنَهُمَا كَيْفَمَا أَحَبَّا.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: هَذَا رَأْيِي؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ لِأَنَّ أَرْبَابَهُ أَحْيَاءٌ قِيَامٌ فَهُمْ أَمْلَكُ لِشَيْئِهِمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ رَفَعَ رَهْنَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَقَدْ حَلَّ الْأَجَلُ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ رَجُلًا يَبِيعُ الرَّهْنَ حَتَّى يَدْفَعَ إلَى الْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ، فَبَاعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ، فَضَاعَ الثَّمَنُ مَنْ يَدِ الْمَأْمُورِ الَّذِي أَمَرَهُ السُّلْطَانُ، مِمَّنْ يَكُونُ ضَيَاعُهُ وَهَلْ يَكُونُ عَلَى الْمَأْمُورِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْمَأْمُورِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالْقَوْلُ فِي الضَّيَاعِ قَوْلُهُ،
-
فَإِنْ اُتُّهِمَ كَانَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ.
-
الْمُفْلِسِ يَأْمُرُ السُّلْطَانُ بِبَيْعِ مَالِهِ لِلْغُرَمَاءِ فَيَضِيعُ الثَّمَنُ مِمَّنْ ضَيَاعُهُ
-
فِي الْمُفْلِسِ يَأْمُرُ السُّلْطَانُ بِبَيْعِ مَالِهِ لِلْغُرَمَاءِ فَيَضِيعُ الثَّمَنُ مِمَّنْ ضَيَاعُهُ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْلِسِ: إنَّهُ إذَا بَاعَ السُّلْطَانُ لِلْغُرَمَاءِ مَالَهُ فَضَاعَ الثَّمَنُ بَعْدَمَا
-
بَاعَ السُّلْطَانُ مَالَهُ أَنَّ الضَّيَاعَ مِنْ الْغُرَمَاءِ
-
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ فِي الرَّهْنِ أَنَّ ضَيَاعَ الثَّمَنِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَاعَهُ السُّلْطَانُ لِلْمُرْتَهِنِ، فَلَمَّا وَقَعَ الْبَيْعُ كَانَ الثَّمَنُ لِلْمُرْتَهِنِ، فَضَمَانُهُ مِنْهُ إنْ ضَاعَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، قَالَ: أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: مُصِيبَةُ الثَّمَنِ مِنْ الرَّاهِنِ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَكَذَلِكَ التَّفْلِيسُ.
-
أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِي أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِالْبَيْعِ وَأَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ، بَاعَ الرَّهْنَ فَقَالَ: قَدْ دَفَعْت إلَى الْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ وَكَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ وَقَالَ: لَمْ آخُذْهُ؟
-
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَقُولُ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا لِيَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ فَقَالَ قَدْ دَفَعْته إلَيْهِ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَكَذَلِكَ هَذَا
-
ارْتَهَنَ رَهْنًا فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ دَفْعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَبَاعَهُ وَقَضَاهُ حَقَّهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الرَّهْنَ رَجُلٌ
-
فِيمَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ دَفْعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَبَاعَهُ وَقَضَاهُ حَقَّهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الرَّهْنَ رَجُلٌ وَقَدْ فَاتَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إذَا ارْتَهَنَ رَهْنًا، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَبَاعَهُ لَهُ فَأَوْفَاهُ حَقَّهُ،
-
ثُمَّ أَتَاهُ رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ الرَّهْنَ وَقَدْ فَاتَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَغَابَ الْمُشْتَرِي وَلَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ؟
-
قَالَ: أَرَى أَنَّ هَذَا الَّذِي اسْتَحَقَّ الرَّهْنَ، إنْ أَجَازَ الْبَيْعَ أَخَذَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِحَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ سِلْعَتِهِ.
-
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: فِي الْبُيُوعِ إذَا بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً فَاسْتَحَقَّهَا، صَاحِبُهَا وَقَدْ دَارَتْ فِي أَيْدِي رِجَالٍ، أَنَّهُ يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ أَيِّهِمْ شَاءَ.
-
الرَّهْن إذَا كَانَ عَلَى يَدِي عَدْل وَاخْتَلَفَ فِيهِ الرَّاهِن وَالْمُرْتَهِن
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَدْلَ إذَا بَاعَ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ الرَّهْنَ فَقَالَ: بِعْتُهُ بِمِائَةٍ وَقَضَيْتُك إيَّاهَا أَيُّهَا الْمُرْتَهِنُ. وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ بِعْتُ بِخَمْسِينَ وَقَضَيْتنِي الْخَمْسِينَ؟
-
قَالَ: أَرَى أَنَّ الْعَدْلَ ضَامِنُ الْخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ بِمِائَةٍ، وَهَذِهِ الْخَمْسُونَ مِنْهَا قَدْ تَبَيَّنَ
-
مَوْضِعُهَا. وَخَمْسُونَ مِنْهَا هُوَ ضَامِنٌ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لَهَا مَوْضِعٌ؛ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِينَارٍ لِيَدْفَعَهَا إلَى رَجُلٍ مِنْ حَقٍّ لَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ دَفَعْتُهَا إلَيْهِ، وَقَالَ الَّذِي أَمَرَ بِأَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ لَمْ تَدْفَعْ إلَيَّ إلَّا خَمْسِينَ دِينَارًا، أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْخَمْسِينَ؟
-
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
-
الدَّعْوَى بَيْنَ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ فِي حُلُولِ أَجَلِ الدَّيْنِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَدْ حَلَّ أَجَلُ الْمَالِ، وَقَالَ الرَّاهِنُ لَمْ يَحِلَّ أَجَلُ الْمَالِ؟
-
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ أَقَرَّ أَنَّ الْحَقَّ إلَى أَجَلٍ، وَهَذَا إذَا أَتَى الرَّاهِنُ بِأَمْرٍ لَا يُسْتَنْكَرُ بِأَنْ ادَّعَى أَجَلًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، لَا يَدَّعِي أَجَلًا بَعِيدًا يُسْتَنْكَرُ،
-
فَإِنْ ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُشْبِهُ لَمْ يُصَدَّقْ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ مَنْ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ، فَتَفُوتُ عِنْدَهُ السِّلْعَةُ فَيَقْتَضِيهِ ثَمَنُهَا، فَيَقُولُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: ثَمَنُهَا إنَّمَا هُوَ إلَى أَجَلِ كَذَا
-
وَكَذَا، وَيَقُولُ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ: دَيْنِي حَالٌّ. قَالَ مَالِكٌ: إنْ ادَّعَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَجَلًا قَرِيبًا لَا يُسْتَنْكَرُ، رَأَيْتُهُ مُصَدَّقًا.
-
وَإِنْ ادَّعَى أَجَلًا بَعِيدًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنْ لَا يُصَدَّقَ الْمُبْتَاعُ فِي الْأَجَلِ، وَيُؤْخَذُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْمَالِ حَالًّا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ بِأَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى الْبَائِعُ،
-
فَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ إلَّا مَا ادَّعَى. فَهَذَا لَمْ يَزْعُمْ أَنَّهُ بَاعَ إلَى أَجَلٍ فَقَدْ جَعَلَ مَالِكٌ الْقَوْلَ قَوْلَ مُدَّعِي الْأَجَلِ إذَا أَتَى بِأَمْرٍ لَا يُسْتَنْكَرُ. فَفِي مَسْأَلَتِكَ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ ادَّعَى الْأَجَلَ قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ: " إنْ ادَّعَى أَجَلًا قَرِيبًا " يُرِيدُ بِذَلِكَ مَا يُرَى أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ قَدْ تُبَاعُ بِذَلِكَ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَجَلِ الَّذِي ادَّعَى، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " إنْ ادَّعَى أَجَلًا بَعِيدًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ " إنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَ إلَى أَجَلٍ، يُرَى أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ لَا تُبَاعُ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَجَلِ فَهَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛
-
لِأَنَّهُ قَدْ ادَّعَى مَا لَا يُمْكِنُ، بِمَنْزِلَةِ مَا يَدَّعِي الرَّجُلُ فِي السِّلْعَةِ فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتُهَا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ،
-
وَمِثْلُهَا لَا يُبْتَاعُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَهِيَ ثَمَنُ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَهَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، فَهَكَذَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ.
-
فِي الْإِمَامِ يَأْمُرُ الرَّجُلَ بِبَيْعِ رَهْنِ هَذَا الرَّاهِنِ فَيَبِيعَهُ بِعُرُوضٍ
-
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرَ الْإِمَامُ رَجُلًا بِبَيْعِ رَهْنِ هَذَا الرَّاهِنِ وَيُوَفِّيَهُ حَقَّهُ، فَبَاعَ الْمَأْمُورُ الرَّهْنَ بِحِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ بِعَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا يَجُوزُ
-
ذَلِكَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يُوَكِّلُ الرَّجُلَ يَبِيعُ السِّلْعَةَ فَيَبِيعُهَا بِعَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ، أَوْ حَيَوَانٍ فَيَتْلَفُ مَا بَاعَ بِهِ، فَيُنْكِرُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ فَإِنَّ الْبَائِعَ ضَامِنٌ؟
-
وَلَوْ بَاعَهَا بِدَنَانِيرَ فَتَلِفَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ فَهَذَا يُشْبِهُ مَسْأَلَتَكَ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرْتُ رَجُلًا يَبِيعُ لِي سِلْعَةً بِنَقْدٍ فَبَاعَهَا بِنَسِيئَةٍ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَفَيَرُدُّ الْبَيْعَ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: يَرُدُّ الْبَيْعَ إنْ أَدْرَكَ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكَ بِيعَ الدَّيْنُ إنْ كَانَ مِمَّا يُبَاعُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى،
-
فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا سُمِّيَ، إنْ كَانَ سَمَّى لَهُ ثَمَنًا، أَوْ قِيمَتَهُ إنْ كَانَ فَوَّضَ إلَيْهِ أَوْ أَكْثَرَ، أَسْلَمَ ذَلِكَ إلَى صَاحِبِهَا،
-
وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنَ مَا أُمِرَ بِهِ كَمَا سَمَّى، أَوْ غَرِمَ قِيمَتَهَا إنْ كَانَ فَوَّضَ إلَيْهِ.
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُبَاعُ حَتَّى يُسْتَوْفَى، تَرَكَ وَأَخَذَ مِنْ الْمَأْمُورِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ قِيمَتَهَا إنْ كَانَ فَوَّضَ إلَيْهِ فَدَفَعَ إلَى صَاحِبِهَا ثُمَّ اسْتَوْفَى بِالطَّعَامِ،
-
فَإِذَا حَلَّ اسْتَوْفَاهُ ثُمَّ بِيعَ،
-
فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا سَمَّى لَهُ، أَوْ عَنْ قِيمَتِهَا إنْ كَانَ فَوَّضَ إلَيْهِ؛ دَفَعَ إلَى صَاحِبِهَا.
-
وَإِنْ كَانَ نُقْصَانًا، كَانَ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا تَعَدَّى وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
فِي الرَّهْنِ يَرْجِعُ إلَى الرَّاهِنِ بِوَدِيعَةٍ أَوْ بِإِجَارَةٍ
-
ٍ قُلْتُ: أَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْتَهِنَ رَهْنًا فَيَقْبِضَهُ،
-
ثُمَّ يَجْعَلُهُ عَلَى يَدَيْ الرَّاهِنِ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّهُ إذَا رَدَّهُ إلَيْهِ بِوَدِيعَةٍ أَوْ أُجْرَةٍ مِنْ الرَّاهِنِ، أَوْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّاهِنُ هُوَ الْحَائِزُ لَهُ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ.
-
فِي الرَّجُلِ يَرْتَهِنُ رَهْنًا فَلَا يَقْبِضُهُ حَتَّى يَمُوتَ الرَّاهِنُ
-
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنَ الرَّجُلُ رَهْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى مَاتَ الرَّاهِنُ، أَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِي الرَّهْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْحَقُّ إلَى أَجَلٍ فَأَخَذَ بِهِ رَهْنًا فَمَاتَ الرَّاهِنُ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِ الْمَالِ؟
-
قَالَ: يُبَاعُ الرَّهْنُ وَيَقْضِي الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَقَدْ حَلَّ الْمَالُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ ارْتَهَنْت ثَوْبًا بِأَلْفٍ، - وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ - فَلَقِيَنِي الْمُرْتَهِنُ فَوَهَبَ لِي دَيْنَهُ ذَلِكَ،
-
ثُمَّ رَجَعَ لِيَدْفَعَ إلَيَّ الثَّوْبَ، فَضَاعَ الثَّوْبُ؟
-
قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَةِ الثَّوْبِ.
-
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ امْرَأَتَهُ رَهْنًا قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا عُقِدَ النِّكَاحُ فَقَدْ وَجَبَ لَهَا الصَّدَاقُ كُلُّهُ إلَّا أَنْ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا، فَهَذِهِ إنَّمَا أَخَذَتْ الرَّهْنَ بِمَالٍ جَمِيعُهُ لَهَا وَهُوَ جَائِزٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا فَيَأْخُذَ مِنْهَا نِصْفَ الرَّهْنِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا يَأْخُذُ مِنْهَا مِنْ الرَّهْنِ شَيْئًا حَتَّى يُوَفِّيَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَقَدْ
-
صَارَ جَمِيعُ الرَّهْنِ رَهْنًا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ فِي رَأْيِي؛ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ رَجُلًا رَهْنًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَضَاهُ خَمْسَمِائَةٍ مِنْهَا، أَوْ وَهَبَهَا لَهُ،
-
ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فَيَأْخُذَ نِصْفَ الرَّهْنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُوَفِّيَهُ جَمِيعَ حَقِّهِ؟ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَاعَ الرَّهْنُ، كَمْ يَضْمَنُ؟
-
قَالَ: قِيمَتَهُ كُلَّهُ إنْ كَانَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
فِي الرَّجُلِ يَرْهَنُ رَهْنًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ رَهَنَ رَهْنًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ إلَّا أَنَّ الْغُرَمَاءَ لَمْ يَقُومُوا عَلَيْهِ، أَيَجُوزُ مَا رَهَنَ؟
-
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُتَاجِرُ النَّاسَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الدُّيُونُ، فَيَقُومُ رَجُلٌ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ بِحَقِّهِ، فَيُلْزِمُهُ بِحَقِّهِ فَيَرْهَنُهُ فِي ذَلِكَ رَهْنًا، أَتَرَاهُ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ مَا لَمْ يُفَلِّسُوهُ.
-
قَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ كَانَ رُوِيَ مَرَّةً عَنْ مَالِكٍ خِلَافُ هَذَا، أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مَعَهُ وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْقَوْلُ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ وَقَالَ لِي، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَإِنَّمَا الرَّهْنُ بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ، أَنْ لَوْ قَضَى أَحَدُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ وَيُفْلِسَ فَقَضَاؤُهُ جَائِزٌ،
-
وَلَا أُبَالِي كَانَ بِحِدْثَانِ ذَلِكَ قَامُوا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ، إذَا كَانَ قَائِمَ الْوَجْهِ يُبَايِعُ وَيُتَاجِرُ النَّاسَ فَقَضَاؤُهُ وَبَيْعُهُ جَائِزٌ.
-
لَهُ مِائَتَا دِينَار فَارْتَهَنَ مِنْهُ بِمَائِهِ وَقَضَاهُ مَائِهِ ثُمَّ اُدْعِي أَنْ الرَّهْن كَانَ بِالْمِائَةِ الَّتِي قضي
-
فِيمَنْ كَانَ لَهُ قِبَلَ رَجُلٍ مِائَتَا دِينَارٍ فَارْتَهَنَ مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْهَا رَهْنًا ثُمَّ قَضَاهُ مِائَةَ دِينَارٍ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا كَانَ بِالْمِائَةِ الَّتِي قَضَى وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْمِائَةِ الَّتِي بَقِيَتْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ مِائَتَيْ دِينَارٍ، فَرَهَنَنِي بِمِائَةِ دِينَارٍ مِنْهَا رَهْنًا، وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ مِائَةٌ أُخْرَى لَا رَهْنَ فِيهَا، فَقَضَانِي مِائَةَ دِينَارٍ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقُومُوا، فَقَالَ: أَعْطِنِي الرَّهْنَ،
-
فَإِنَّ الْمِائَةَ الَّتِي قَضَيْتُكَ إنَّمَا هِيَ الْمِائَةُ الَّتِي فِيهَا الرَّهْنُ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ بَلْ الْمِائَةُ الَّتِي قَضَيْتنِي إنَّمَا هِيَ الْمِائَةُ الَّتِي كَانَتْ لِي عَلَيْكَ بِغَيْرِ رَهْنٍ. الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُقَسَّمُ الْمِائَةُ الَّتِي قَضَاهُ بَيْنَ الْمِائَةِ الَّتِي فِيهَا الرَّهْنُ وَبَيْنَ الْمِائَةِ الَّتِي لَا رَهْنَ فِيهَا، فَيَكُونُ نِصْفُهَا قَضَاءً عَنْ هَذِهِ وَنِصْفُهَا قَضَاءً عَنْ هَذِهِ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ قَدْ ائْتَمَنَهُ عَلَى قَبْضِهَا حِينَ دَفَعَهَا وَلَمْ يَشْهَدْ، وَالرَّاهِنُ مُدَّعٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ.
-
فِيمَنْ أَسْلَمَ سَلَمًا وَأَخَذَ بِذَلِكَ رَهْنًا
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمْت إلَى رَجُلٍ فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ، وَأَخَذْت مِنْهُ بِذَلِكَ رَهْنًا، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ تَقَايَلْنَا، أَوْ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ تَقَايَلْنَا، أَوْ بَعْدَ حُلُولِهِ وَالرَّهْنُ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ، أَتَجُوزُ الْإِقَالَةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ الْمَالِ لِمَكَانِ الرَّهْنِ الَّذِي فِي يَدَيْ الَّذِي أَسْلَمَ فِي الطَّعَامِ؟
-
قَالَ: لَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ رَأْسَ الْمَالِ مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَإِلَّا فَهَذَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمْت إلَى رَجُلٍ فِي طَعَامٍ، أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهُ؟
-
قَالَ: لَا يَصْلُحُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ تَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ تُوَلِّيَهُ أَوْ تُقِيلَ صَاحِبَ الطَّعَامِ أَوْ تُشْرِكَ فِيهِ وَتَقْبِضَ رَأْسَ الْمَالِ، قَبْلَ أَنْ تُفَارِقَ الَّذِي وَلَّيْتَهُ أَوْ أَقَلْتَهُ أَوْ أَشْرَكْتَهُ فِي ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: إذَا جَوَّزْتَ لِي التَّوْلِيَةَ وَالشَّرِكَةَ وَالْإِقَالَةَ فِي ذَلِكَ،
-
فَلَا بَأْسَ أَنْ أُؤَخِّرَهُ بِرَأْسِ الْمَالِ؟
-
قَالَ: لَا؛ لِأَنَّكَ إذَا أَخَّرْتَهُ بِرَأْسِ الْمَالِ دَخَلَهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي التَّأْخِيرِ مَعْرُوفًا.
-
فَإِذَا دَخَلَهُ الْمَعْرُوفُ فَلَيْسَ هَذَا بِتَوْلِيَةٍ وَلَا إقَالَةٍ وَلَا شَرِكَةٍ، وَإِنَّمَا التَّوْلِيَةُ وَالْإِقَالَةُ وَالشَّرِكَةُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مِثْلَ رَأْسِ مَالِهِ بِغَيْرِ مَعْرُوفٍ يَصْطَنِعُهُ، وَيَدْخُلهُ أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي الطَّعَامَ فَهَذَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى.
-
فِي الرَّهْنِ فِي الصَّرْفِ وَاخْتِلَافِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ صَرَفْتُ عِنْدَ رَجُلٍ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ، فَقَبَضْتُ الدَّرَاهِمَ وَأَعْطَيْته بِالدَّنَانِيرِ رَهْنًا فَضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ بَعْدَمَا افْتَرَقْنَا وَهُوَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ وَجَهِلْنَا السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الرَّهْنِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى بَيْعًا فَاسِدًا ضَمِنَ ذَلِكَ إنْ ضَاعَ عِنْدَهُ عِنْدَ مَالِكٍ؟ فَكَذَلِكَ الرَّهْنُ وَالرَّهْنُ أَيْضًا لَمْ يَقْبِضْهُ إلَّا عَلَى الضَّمَانِ فَعَلَيْهِ غُرْمُهُ.
-
قُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ غُرْمُ هَذَا الرَّهْنِ، الدَّنَانِيرُ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الدَّرَاهِمِ الَّتِي أَخَذَ، أَوْ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَتُرَدُّ الدَّرَاهِمُ؟
-
قَالَ: إنْ كَانَ قِيمَةُ الرَّهْنِ وَالدَّرَاهِمِ سَوَاءً فَلَا شَيْءَ، عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي الدَّرَاهِمِ فَضْلٌ أَوْ قِيمَةُ الرَّهْنِ تَرَادَّ الْفَضْلُ بَيْنَهُمَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا، فَأَخَذْتُ بِهِ مِنْهُ رَهْنًا فَأَوْفَانِي حَقِّي، فَضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدِي بَعْدَ مَا أَوْفَانِي حَقِّي، مِمَّنْ الضَّيَاعُ؟
-
قَالَ: أَنْتَ ضَامِنٌ لِلرَّهْنِ عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى تَرُدَّهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّهْنَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، أَهُوَ بِمَا فِيهِ؟
-
قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْمُرْتَهِنَ ضَامِنٌ لِجَمِيعِ قِيمَةِ الرَّهْنِ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابٍ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا كَتَبْتُ هَذَا حُجَّةً عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ الرَّهْنَ بِمَا فِيهِ.
-
رَهْن رَهْنًا قِيمَته مِائَة فَقَالَ المرتهن ارْتَهَنَتْهُ مِنْك بِمِائَةِ وَقَالَ الرَّاهِن رهنتكه بِخَمْسِينَ
-
فِيمَنْ رَهَنَ رَهْنًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ ارْتَهَنْتُهُ مِنْكَ بِمِائَةٍ وَقَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُكَهُ بِخَمْسِينَ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت رَهْنًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: ارْتَهَنْته بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ رَهَنْتُكَهُ بِخَمْسِينَ؟
-
قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَةِ الرَّهْنِ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ؟
-
قَالَ: لَا يُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ، وَعَلَى الرَّاهِنِ الْيَمِينُ،
-
فَإِذَا حَلَفَ بَرِئَ مِمَّا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ وَأَدَّى قِيمَةَ رَهْنِهِ وَأَخَذَ رَهْنَهُ إنْ أَحَبَّ، وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى رَهْنِهِ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَاخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ؟ .
-
قَالَ: يَتَوَاصَفَانِهِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي الصِّفَةِ فِيمَا رُهِنَ بِهِ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ،
-
ثُمَّ يُدْعَى لِتِلْكَ الصِّفَةِ الْمُقَوِّمُونَ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيمَا رُهِنَ بِهِ الرَّهْنُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ إلَى مَبْلَغِ قِيمَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
ادَّعَى سِلْعَةً فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ وَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ رَهَنْتَنِيهَا
-
فِيمَنْ ادَّعَى سِلْعَةً فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ وَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ رَهَنْتَنِيهَا وَفِيمَنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا فَجَنَى جِنَايَةً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت أَنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ الَّتِي فِي يَدَيَّ رَهْنٌ، وَقَالَ رَبُّهَا: بَلْ أَعَرْتُكهَا؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ السِّلْعَةِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت عَبْدًا بِحَقٍّ لِي عَلَى رَجُلٍ، فَجَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً عَلَى رَجُلٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقَالُ لِرَبِّ الْعَبْدِ: افْدِ عَبْدَكَ فَإِنْ فَدَاهُ كَانَ عَلَى رَهْنِهِ كَمَا هُوَ،
-
وَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْدِيَهُ قِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ، افْدِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّكَ فِيهِ.
-
فَإِنْ فَدَاهُ فَأَرَادَ سَيِّدُهُ أَخْذَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ حَتَّى يَدْفَعَ مَا افْتَدَاهُ بِهِ مِنْ الْجِنَايَةِ مَعَ دَيْنِهِ،
-
فَإِنْ أَبَى سَيِّدُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، بِيعَ فَبُدِئَ بِمَا فَدَاهُ بِهِ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْجِنَايَةِ،
-
فَإِنْ قَصُرَ ثَمَنُهُ عَنْ الَّذِي أَدَّى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْجِنَايَةِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى السَّيِّدِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا الدَّيْنَ الَّذِي ارْتَهَنَهُ بِهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ افْتَدَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ،
-
وَإِنْ زَادَ ثَمَنُهُ عَلَى مَا افْتَدَاهُ بِهِ مِنْ الْجِنَايَةِ قَضَى بِالزِّيَادَةِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الرَّاهِنِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُبَاعُ حَتَّى يَحِلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْأَجَلِ شَيْئًا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَا جَمِيعًا - الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ - نَحْنُ نُسَلِّمُهُ فَأَسْلَمَاهُ أَيَكُونُ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ بِحَالِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ كَمَا هُوَ؟
-
قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَفْدِيَهُ وَقَالَ لِلْمُرْتَهِنِ افْتَدِهِ لِي. قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ، اتَّبَعَهُ الْمُرْتَهِنُ بِالدَّيْنِ وَالْجِنَايَةِ جَمِيعًا.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَسْلَمَاهُ جَمِيعًا وَلَهُ مَالٌ، كَانَ مَالُهُ مَعَ رَقَبَتِهِ فِي جِنَايَتِهِ.
-
وَإِنْ افْتَكَّهُ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَكُنْ مَالُهُ مَعَ رَقَبَتِهِ فِيمَا افْتَكَّهُ بِهِ،
-
وَلَا يُزَادُ عَلَى مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ مِنْ رَهْنِ رَقَبَةِ الْعَبْدِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالُ الْعَبْدِ رَهْنًا مَعَهُ أَوْ لَا.
-
فِي ارْتِهَانِ فَضْلَةِ الرَّهْنِ وَازْدِيَادِ الرَّاهِنِ عَلَى الرَّهْنِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا بِدَيْنٍ لِي عَلَيْهِ، فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَقْرِضْنِي مِائَةَ دِرْهَمٍ أُخْرَى عَلَى الرَّهْنِ الَّذِي لِي عِنْدَكَ فَفَعَلْتُ، أَتَكُونُ هَذِهِ الْمِائَةُ الَّتِي أَقْرَضْته فِي الرَّهْنِ أَيْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ ارْتَهَنَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، فَأَتَى رَبُّ الْعَبْدِ إلَى رَجُلٍ مِنْ النَّاسِ فَقَالَ: أَقْرِضْنِي خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا أُقْرِضُك إلَّا عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي فَضْلَ الْعَبْدِ الرَّهْنِ الَّذِي فِي يَدَيْ فُلَانٍ.
-
قَالَ مَالِكٌ: إنْ رَضِيَ فُلَانٌ - الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْعَبْدُ - بِذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَرْضَ لَمْ يَجُزْ، وَيَكُونُ الْفَضْلُ الَّذِي فِي الْعَبْدِ عَنْ رَهْنِ الْأَوَّلِ رَهْنًا لِلْمُقْرِضِ الثَّانِي، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك إذَا جَازَ هَذَا هَهُنَا، فَهُوَ فِي مَسْأَلَتِكَ أَجْوَزُ.
-
قُلْتُ: وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ الْأَوَّلُ حَائِزًا لِلْمُرْتَهِنِ الثَّانِي قَالَ: نَعَمْ إذَا رَضِيَ بِذَلِكَ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ بَعْدَ مَا ارْتَهَنَ الْمُرْتَهِنُ الثَّانِي فَضْلَةَ الرَّهْنِ، وَالرَّهْنُ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ وَلَيْسَ هُوَ عَبْدًا، كَيْفَ يَكُونُ ضَيَاعُ الرَّهْنِ، وَمِمَّنْ يَكُونُ؟
-
قَالَ: يَضْمَنُ الْأَوَّلُ مِنْ الرَّهْنِ قِيمَةَ مَبْلَغِ حَقِّهِ، وَيَكُونُ فِيمَا بَقِيَ مُؤْتَمَنًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِغَيْرِهِ رَهْنًا يَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ الْآخَرُ بِدَيْنِهِ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ فَضْلَ الرَّهْنِ هُوَ عَلَى يَدَيْ، عَدْلٍ وَالْعَدْلُ هُنَا هُوَ الْمُرْتَهِنُ الْأَوَّلُ.
-
فِي نَفَقَةِ الرَّاهِنِ عَلَى الرَّهْنِ، هَلْ تَكُونُ رَهْنًا مَعَ الرَّهْنِ وَفِيمَنْ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّهْنِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَتَكُونُ تِلْكَ النَّفَقَةُ فِي الرَّهْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: النَّفَقَةُ عَلَى الرَّاهِنِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ، فَإِنَّمَا هُوَ سَلَفٌ،
-
وَلَا أُرَاهُ فِي الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ لَهُ أَنْفِقْ عَلَى أَنَّ نَفَقَتَكَ فِي الرَّهْنِ،
-
فَإِنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ رَأَيْتُهَا لَهُ فِي الرَّهْنِ، وَلَهُ أَنْ يَحْتَسِبَهُ بِنَفَقَتِهِ وَبِمَا رَهَنَهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ غُرَمَاءُ،
-
فَلَا أُرَاهُ أَحَقَّ بِفَضْلِهَا عَنْ دَيْنِهِ لِأَجْلِ نَفَقَتِهِ، أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ أَنَّ النَّفَقَةَ الَّتِي يُنْفِقُهَا الرَّهْنُ بِهَا أَيْضًا.
-
فِيمَنْ أَنْفَقَ عَلَى ضَالَّةٍ وَفِي الْوَصِيِّ يَرْهَنُ لِلْيَتِيمِ رَهْنًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الضَّالَّةَ، أَلَيْسَ لَهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا حَتَّى
-
يُعْطِيَهُ نَفَقَتَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَيَكُونُ أَوْلَى بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَقْبِضَ نَفَقَتَهُ وَقَدْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ أَمْرِ رَبِّهَا؟ فَلِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي الضَّالَّةِ: هُوَ أَوْلَى بِهَا، وَفِي نَفَقَةِ الرَّاهِنِ، لِمَ لَا يَكُونُ أَوْلَى بِهَا أَيْضًا؟
-
قَالَ: لِأَنَّ الضَّالَّةَ لَا يَقْدِرُ عَلَى صَاحِبِهَا،
-
وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الضَّالَّةِ. وَنَفَقَةُ الرَّهْنِ لَيْسَ هِيَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَلَوْ شَاءَ طَلَبَ صَاحِبَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ حَاضِرًا رَفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ رَهْنًا مِنْ مَتَاعِ الْيَتِيمِ لِلْيَتِيمِ فِي كُسْوَةٍ اشْتَرَاهَا لِلْيَتِيمِ، أَوْ فِي طَعَامٍ اشْتَرَاهُ لِلْيَتِيمِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَسَلَّفُ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ حَتَّى يَبِيعَ لَهُ بَعْضَ مَتَاعِهِ، فَيَقْضِيَهُ وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْيَتِيمِ، فَكَذَلِكَ الرَّهْنُ عِنْدِي.
-
فِي الْوَصِيِّ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَالِ يَتِيمِهِ مُضَارَبَةً وَفِي الرَّهْنِ فِي الْمُضَارَبَةِ
-
ِ قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِمَالِ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً هُوَ نَفْسُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا أَحْفَظُ قَوْلَ مَالِكٍ فِيهِ،
-
وَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَتَّجِرَ لِلْيَتِيمِ فِيهِ، أَوْ يُقَارِضَ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَيَتَّجِرَ لَهُ.
-
قُلْتُ: أَفَيُعْطِي مَالَ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ مَالًا مُضَارَبَةً وَيَأْخُذَ بِهِ رَهْنًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَاعَ هَذَا الرَّهْنُ؟
-
قَالَ: أَرَاهُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ.
-
فِيمَا رَهَنَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ مَالَ الْيَتِيمِ بِدَيْنٍ يُقْرِضُهُ الْيَتِيمُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَصِيِّ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَلِّفَ الْيَتِيمَ مَالًا يُنْفِقُهُ عَلَيْهِ، أَوْ يَجْعَلُهُ فِي مَصْلَحَتِهِ إذَا كَانَ لِلْيَتِيمِ عُرُوضٌ ثُمَّ يَبِيعُ وَيَسْتَوْفِي.
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْيَتِيمِ مَالٌ فَقَالَ أَنَا: أُسَلِّفُهُ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِ،
-
فَإِنْ أَفَادَ الْيَتِيمَ مَالًا اقْتَضَيْت مِنْهُ، فَمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْيَتِيمِ عُرُوضٌ وَأَمْوَالٌ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ وَلَا يَتْبَعُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ،
-
فَإِنْ أَفَادَ الْيَتِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَسْلَفَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ حِينَ أَسْلَفَهُ،
-
وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ الرَّهْنِ أَنَّ الْوَصِيَّ يَرْتَهِنُ لِنَفْسِهِ عُرُوضَ الْيَتِيمِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ تَسَلَّفَ مَالًا لِلْيَتِيمِ مِنْ غَيْرِهِ وَأَنْفَقَهُ عَلَيْهِ،
-
فَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِالرَّهْنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ دُونَ الْغُرَمَاءِ، وَهُوَ وَالْغُرَمَاءُ فِيهِ هَهُنَا سَوَاءٌ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ.
-
نَذْرُ صِيَامٍ
-
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا، فَصَامَ يَوْمًا، أَيُجْزِئُهُ الْبَيَاتُ بَعْدَ ذَلِكَ،
-
وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُبَيِّتَ كُلَّ لَيْلَةٍ الصَّوْمَ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، يُجْزِئُهُ. وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ شَأْنُهُ صِيَامُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَمَرَّ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ حَتَّى يَطْلُعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، أَيُجْزِئُهُ صِيَامُهُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى بَيَاتٍ مِنْ صَوْمِهِ هَذَا قَبْلَ اللَّيْلَةِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّيْنِ، أَيَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرْهَنَ مَتَاعًا لِلْيَتِيمِ دُونَ صَاحِبِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، أَوْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ مَتَاعًا لِلْيَتِيمِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ إنْكَاحُ أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ إلَّا بِاجْتِمَاعٍ مِنْهُمَا،
-
فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ، فَأَرَى الْبَيْعَ وَالرَّهْنَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
-
الْوَرَثَةِ يَعْزِلُونَ مَا عَلَى أَبِيهِمْ مِنْ الدَّيْنِ وَيَقْتَسِمُونَ مَا بَقِيَ فَيَضِيعُ مَا عَزَلُوا
-
فِي الْوَرَثَةِ يَعْزِلُونَ مَا عَلَى أَبِيهِمْ مِنْ الدَّيْنِ وَيَقْتَسِمُونَ مَا بَقِيَ فَيَضِيعُ مَا عَزَلُوا وَفِي الرَّاهِنِ يَسْتَعِيرُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ وَالِدَنَا هَلَكَ وَعَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ، فَعَزَلْنَا مِائَةَ دِينَارٍ مِنْ مِيرَاثِهِ وَاقْتَسَمْنَا مَا بَقِيَ فَضَاعَتْ الْمِائَةُ، مِمَّنْ ضَيَاعُهَا؟
-
قَالَ: ضَيَاعُهَا عَلَيْكُمْ وَالدَّيْنُ بِحَالِهِ.
-
قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ وَهُوَ رَأْيِي قَالَ:
-
وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ قَبَضَهَا لِلْغَائِبِ وَقَسَّمَ مَا بَقِيَ مِنْ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ فَضَاعَتْ، فَهِيَ مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ وَهُوَ قَوْلُ. مَالِكٍ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ زَوَّجْتُ أَمَتِي مِنْ رَجُلٍ، فَأَخَذْتُ جَمِيعَ مَهْرِهَا قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا زَوْجُهَا، فَأَعْتَقْتُهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ، بِهَا وَقَدْ كَانَ السَّيِّدُ اسْتَهْلَكَ الْمَهْرَ،
-
وَلَا مَالَ لِلسَّيِّدِ غَيْرَ الْأَمَةِ؟
-
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَرُدَّ عِتْقَهَا؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ - يَوْمَ أَعْتَقَهَا - لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِنَّمَا وَجَبَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ حِينَ طَلَّقَ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مَهْرَ أَمَتِهِ وَيَدَعَهَا بِلَا جَهَازٍ، وَلَكِنْ يُجَهِّزُهَا بِهِ مِثْلَ الْحُرَّةِ؛
-
أَلَا تَرَى أَنَّ مَهْرَهَا فِي جَهَازِهَا
-
فِي رِعَايَةِ الرَّهْنِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَهَنْت رَهْنًا فَاسْتَعَرْتُهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، أَتَرَاهُ خَارِجًا مَنْ الرَّهْنِ؟
-
قَالَ: هُوَ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَفَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَقُومَ عَلَى الرَّهْنِ فَيَأْخُذَهُ مِنْهُ وَيَرُدَّهُ فِي الرَّهْنِ؟
-
قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعَارَهُ عَلَى ذَلِكَ،
-
فَإِنْ أَعَارَهُ عَلَى ذَلِكَ فَاسْتَحْدَثَ دَيْنًا أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ، كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ.
-
فِيمَنْ رَهَنَ سِلْعَةً لِأَوْلَادِهِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَدَنْت دَيْنًا فَرَهَنْتُ بِهِ مَتَاعًا لِوَلَدَيَّ صِغَارًا، وَلَمْ أَسْتَدِنْ الدَّيْنَ عَلَى وَلَدِي، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَا أَرَاهُ جَائِزًا.
-
قُلْتُ: لِمَ؟ أَلَيْسَ بَيْعُهُ جَائِزًا عَلَيْهِمْ؟
-
قَالَ: إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُمْ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ عَنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ رَأْيِي لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَا أَخَذَ الْوَالِدُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ عَلَى غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ لِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ، أَيَجُوزُ هَذَا الشِّرَاءُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ عَنْ مَالِكٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ، أَهُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
مَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ مِنْ مَنْفَعَةِ الرَّهْنِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُرْتَهِنَ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ شَيْئًا مِنْ مَنْفَعَةِ الرَّهْنِ؟
-
قَالَ: إنْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ قَرْضٍ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ سَلَفًا جَرَّ مَنْفَعَةً.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: إذَا بَاعَهُ وَارْتَهَنَ رَهْنًا وَاشْتَرَطَ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إلَى أَجَلٍ، قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَأَكْرَهُهُ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا فِي الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ إذَا ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا.
-
قُلْتُ: لِمَ كَرِهَهُ مَالِكٌ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ؟
-
قَالَ: لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَا أَدْرِي كَيْفَ تَرْجِعُ إلَيْهِ الدَّابَّةُ وَالثَّوْبُ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْحَيَوَانِ وَفِي الثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إذَا ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ إلَى أَجَلٍ.
-
وَلَا أَدْرِي كَيْفَ يَرْجِعُ، وَإِنَّمَا بَاعَ سِلْعَتَهُ بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّاهُ، وَبِعَمَلِ هَذِهِ الدَّابَّةِ أَوْ لَيْسَ هَذَا الثَّوْبُ إلَى أَجَلٍ، فَاجْتَمَعَ بَيْعٌ وَكِرَاءٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ.
-
ارْتَهَنَ رَهْنًا فَبَاعَهُ أَوْ رَهَنَهُ
-
فِي الْمُرْتَهِنِ يَبِيعُ الرَّهْنَ وَفِي الْمُرْتَهِنِ يُؤَاجِرُ الرَّهْنَ أَوْ يُعِيرُهُ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا فَبَاعَهُ أَوْ رَهَنَهُ: إنَّهُ يَرُدُّهُ حَيْثُ وَجَدَهُ فَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ وَيَدْفَعُ مَا عَلَيْهِ فِيهِ وَيَتْبَعُ الَّذِي اشْتَرَاهُ الَّذِي غَرَّهُ فَيَلْزَمُهُ بِحَقِّهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَجَرَ الرَّهْنَ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ، إلَّا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ هُوَ الَّذِي وَلِيَ الْإِجَارَةَ، أَيَكُونُ الرَّهْنُ خَارِجًا مَنْ الرَّهْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَعَارَهُ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ إلَّا أَنَّ الَّذِي وَلِيَ الْعَارِيَّةَ إنَّمَا هُوَ الْمُرْتَهِنُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، هُوَ فِي الرَّهْنِ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَلِيَ ذَلِكَ هُوَ الْمُرْتَهِنُ.
-
لا يصح إلا بإيجاب وقبول
-
فإن شرط فيه مقتضاه كتقدم المرتهن به أو مصلحة للعقد كالإشهاد أو مالا غرض فيه صح العقد
-
وإن شرط ما يضر المرتهن بطل الرهن
-
وإن نفع المرتهن وضر الراهن كشرط منفعة للمرتهن بطل الشرط
-
وكذا الرهن في الأظهر
-
ولو شرط أن تحدث زوائده مرهونة فالأظهر فساد الشرط
-
وأنه متى فسد فسد العقد
-
وشرط العاقد كونه مطلق التصرف
-
فلا يرهن الولي مال الصبي والمجنون ولا يرتهن لهما إلا لضرورة أو غبطة ظاهرة
-
وشرط الرهن كونه عينا في الأصح
-
ويصح رهن المشاع
-
والأم دون ولدها وعكسه
-
وعند الحاجة يباعان ويوزع الثمن
-
والأصح أن تقوم الأم وحدها ثم مع الولد فالزائد قيمته
-
ورهن الجاني والمرتد كبيعهما
-
ورهن المدبر والمعلق عتقه بصفة يمكن سبقها حلول الدين باطل على المذهب
-
ولو رهن ما يسرع فساده فإن أمكن تجفيفه كرطب فعل
-
وإلا فإن رهنه بدين حال أو مؤجل يحل قبل فساده أو شرط بيعه وجعل الثمن رهنا صح ويباع عند خوف فساده ويكون ثمنه رهنا
-
وإن شرط منع بيعه لم يصح
-
وإن أطلق فسد في الأظهر
-
وإن لم يعلم هل يفسد قبل الأجل صح في الأظهر
-
وإن رهن ما لا يسرع فساده فطر أما عرضه للفساد كحنطة ابتلت لم ينفسخ الرهن بحال
-
ويجوز أن يستعير شيئا ليرهنه
-
وهو في قول عارية
-
والأظهر أنه ضمان دين في رقبة ذلك الشيء
-
فيشترط ذكر جنس الدين وقدره وصفته
-
وكذا المرهون عنده في الأصح
-
فلو تلف في يد المرتهن فلا ضمان
-
ولا رجوع للمالك بعد قبض المرتهن
-
فإذا حل الدين أو كان حالا روجع المالك للبيع ويباع إن لم يقض الدين ثم يرجع المالك بما بيع به.
فصل
-
شرط المرهون به كونه دينا ثابتا لازما
-
فلا يصح بالعين المغصوبة والمستعارة في الأصح
-
ولا بما سيقرضه
-
ولو قال أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها عبدك فقال اقترضت ورهنت أو قال بعتكه بكذا وارتهنت الثوب به فقال اشتريت ورهنت صح في الأصح
-
ولا يصح بنجوم الكتابة
-
ولا بجعل الجعالة قبل الفراغ
-
وقيل: يجوز بعد الشروع
-
ويجوز بالثمن في مدة الخيار
-
وبالدين رهن بعد رهن
-
ولا يجوز أن يرهنه المرهون عنده بدين آخر في الجديد
-
ولا يلزم إلا بقبضه ممن يصح عقده
-
وتجري فيه النيابة لكن لا يستنيب الراهن ولا عبده
-
وفي المأذون له وجه
-
ويستنيب مكاتبه
-
ولو رهن وديعة عند مودع أو مغصوبا عند غاصب لم يلزم ما لم يمض زمن إمكان قبضه
-
والأظهر اشتراط إذنه في قبضه
-
ولا يبرئه ارتهانه عن الغصب
-
ويبرئه إيداع في الأصح
-
ويحصل الرجوع عن الرهن قبل القبض بتصرف يزيل الملك كهبة مقبوضة وكتابة
-
وكذا تدبيره في الأظهر
-
وبرهن مقبوض وبإحبالها
-
لا الوطء والتزويج
-
ولو مات العاقد قبل القبض أو جن أو تخمر العصير أو أبق العبد لم يبطل الرهن في الأصح
-
وليس للراهن المقبض تصرف يزيل الملك
-
لكن في إعتاقه أقوال أظهرها ينفذ من الموسر ويغرم قيمته يوم عتقه رهنا
-
وإن لم ينفذ فانفك لم ينفذه في الأصح
-
ولو علقه بصفة فوجدت وهو رهن فكالإعتاق
-
أو بعده نفذ على الصحيح
-
ولا رهنه لغيره
-
ولا التزويج
-
ولا الإجارة إن كان الدين حالا او يحل قبلها
-
ولا الوطء
-
فإن وطىء فالولد حر
-
وفي نفوذ الإستيلاد أقوال الإعتاق
-
فإن لم ننفذه فانفك نفذ في الأصح
-
فلو ماتت بالولادة غرم قيمتها رهنا في الأصح
-
وله كل انتفاع لا ينقصه كالركوب والسكنى
-
لا البناء والغراس
-
فإن فعل لم يقلع قبل الأجل وبعده إن لم تف الأرض بالدين وزادت به
-
ثم إن أمكن الانتفاع بغير استرداد لم يسترد وإلا فيسترد
-
ويشهدان لمتهمه
-
وله بإذن المرتهن ما منعناه
-
وله الرجوع قبل تصرف الراهن
-
فإن تصرف جاهلا برجوعه فكتصرف وكيل جهل عزله
-
ولو أذن في بيعه ليعجل المؤجل من ثمنه لم يصح البيع
-
وكذا لو شرط رهن الثمن في الأظهر.
فصل
-
إذا لزم الرهن فاليد فيه للمرتهن ولا تزال إلا للانتفاع كما سبق
-
ولو شرطا وضعه عند عدل جاز
-
أو عند اثنين ونصا على اجتماعهما على حفظه أو الإنفراد به فذاك
-
وإن أطلقا فليس لأحدهما الإنفراد في الأصح
-
ولو مات العدل أو فسق جعلاه حيث يتفقان
-
وإن تشاحا وضعه الحاكم عند عدل
-
ويستحق بيع المرهون عند الحاكم ويقدم المرتهن بثمنه
-
ويبيعه الراهن او وكيله بإذن المرتهن
-
فإن لم يأذن قال له الحاكم تأذن أو تبرىء
-
ولو طلب المرتهن بيعه فأبى الراهن ألزمه القاضي قضاء الدين أو بيعه
-
فإن أصر باعه الحاكم
-
ولو باعه المرتهن بإذن الراهن فالأصح أنه إن باع بحصرته صح وإلا فلا
-
ولو شرطا أن يبيعه العدل جاز
-
ولا يشترط مراجعة الراهن في الأصح
-
فإذا باع فالثمن عنده من ضمان الراهن حتى يقبضه المرتهن
-
ولو تلف ثمنه في يد العدل ثم استحق المرهون فإن شاء المشتري رجع على العدل وإن شاء على الراهن والقرار عليه
-
ولا يبيع العدل إلا بثمن مثله حالا من نقد بلده
-
فإن زاد راغب قبل انقضاء الخيار فليفسخ وليبعه
-
ومؤنة المرهون على الراهن
-
ويجبر عليها لحق المرتهن على الصحيح
-
ولا يمنع راهن من مصلحة المرهون كفصد وحجامة
-
وهو أمانة في يد المرتهن
-
ولا يسقط بتلفه شيء من دينه
-
وحكم فاسد العقود حكم صحيحها في الضمان
-
ولو شرط كون المرهون مبيعا له عند الحلول فسد
-
وهو قبل المحل أمانة
-
ويصدق المرتهن في دعوى التلف بيمينه
-
ولا يصدق في الرد عند الأكثرين
-
ولو وطىء المرتهن المرهونة بلا شبهة فزان
-
ولا يقبل قوله جهلت تحريمه إى أن يقرب إسلامه أو ينشأ ببادية بعيدة عن العلماء
-
وإن وطىء بإذن الراهن قبل دعواه جهل التحريم في الأصح فلا حد
-
ويجب المهر إن أكرهها
-
والولد حر نسيب وعليه قيمته للراهن
-
ولو أتلف المرهون وقبض بدله صار هنا
-
والخصم في البدل الراهن
-
فإن لم يخاصم يخاصم المرتهن في الأصح
-
فلو وجب قصاص اقتص الراهن وفات الرهن
-
فإن وجب المال بعفوه أو بجناية خطأ لم يصح عفوه عنه
-
ولا إبراء المرتهن الجاني
-
ولا يسري الرهن إلى زيادته المنفصلة كثمر وولد
-
فلو رهن حاملا وحل الأجل وهي حامل بيعت
-
وإن ولدته بيع معها في الأظهر
-
فإن كانت حاملا عند البيع دون الرهن فالولد ليس برهن في الأظهر.
فصل
-
جنى المرهون قدم المجني عليه
-
فإن اقتص أو بيع له بطل الرهن
-
وإن جنى على سيده فاقتص بطل
-
وإن عفا على مال لم يثبت على الصحيح فيبقى رهنا
-
وإن قتل مرهونا لسيده عند آخر فاقتص بطل الرهنان
-
وإن وجب مال تعلق به حق مرتهن القتيل فيباع وثمنه رهن
-
وقيل: يصير رهنا
-
فإن كان مرهونين عند شخص بدين واحد نقصت الوثيقة
-
أو بدينين وفي نقل الوثيقة غرض نقلت:
-
ولو تلف مرهون بآفة بطل
-
وينفك بفسخ المرتهن وبالبراءة من الدين
-
فإن بقي شيء منه لم ينفك شيء من الرهن
-
ولو رهن نصف عبد بدين ونصفه بآخر فبرىء من أحدهما أنفك قسطه
-
ولو رهناه فبرىء أحدهما انفك نصيبه.
فصل
-
اختلفا في الرهن أو قدره صدق الراهن بيمينه إن كان رهن تبرع
-
وإن شرط في بيع تحالفا
-
ولو ادعى أنهما رهناه عبدهما بمائة وصدقه احدهما فنصيب المصدق رهن بخمسين والقول في نصيب الثاني قوله بيمينه
-
وتقبل شهادة المصدق عليه
-
ولو اختلفا في قبضه فإن كان في يد الراهن أو في يد المرتهن وقال الراهن غصبته صدق الراهن بيمينه
-
وكذا إن قال أقبضته عن جهة أخرى في الأصح
-
ولو أقر بقبضه ثم قال لم يكن إقراري عن حقيقة فله تحليفه
-
وقيل: لا يحلفه إلا أن يذكر لإقراره تأويلا كقوله شهدت على رسم القبالة
-
ولو قال أحدهما جنى المرهون وأنكر الآخر صدق المنكر بيمينه
-
ولو قال الراهن جنى قبل القبض فالأظهر تصديق المرتهن بيمينه في إنكاره
-
والأصح أنه إذا حلف غرم الراهن للمجني عليه
-
وأنه يغرم الأقل من قيمة العبد وأرش الجناية
-
وأنه لو نكل المرتهن ردت اليمين على المجني عليه لا على الراهن
-
فإذا حلف بيع في الجناية
-
ولو أذن في بيع المرهون فبيع ورجع عن الإذن وقال رجعت قبل البيع وقال الراهن بعده فالأصح تصديق المرتهن
-
ومن عليه ألفان بأحدهما رهن فأدى ألفا وقال أديته عن ألف الرهن صدق بيمينه
-
وإن لم ينو شيئا جعله عما شاء
-
وقيل: يقسط.
فصل
-
من مات وعليه دين تعلق بتركته تعلقه بالمرهون
-
وفي قول كتعلق الأرش بالجاني
-
فعلى الأظهر يستوي الدين المستغرق وغيره في الأصح
-
ولو تصرف الوارث ولا دين ظاهر فظهر دين برد مبيع بعيب فالأصح أنه لا يتبين فساد تصرفه لكن إن لم يقض الدين فسخ
-
ولا خلاف أن للوارث إمساك عين التركة وقضاء الدين من ماله
-
والصحيح أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع الإرث
-
فلا يتعلق بزوائد التركة ككسب ونتاج
-
from the author’s prefaceوالله أعلم.
-
ويصح في كل عين يجوز بيعها حتى المكاتب
-
مع الحق وبعده بدين ثابت
-
ويلزم في حق الراهن فقط
-
ويصح رهن المشاع
-
ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون على ثمنه وغيره.
-
وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه
-
إلا الثمرة "والزرع الأخضر" قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع.
-
ولا يلزم الرهن إلا بالقبض
-
واستدامته شرط
-
فإن أخرجه إلى الراهن باختياره زال لزومه
-
فان رده إليه عاد لزومه إليه
-
"ولا ينفذ تصرف واحد منهما فيه بغير إذن الآخر"
-
إلا عتق الراهن فإنه يصح "مع الإثم" وتؤخذ قيمته رهنا مكانه.
-
ونماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه ملحق به
-
ومؤنته على الراهن وكفنه وأجرة مخزنه.
-
وهو أمانة في يد المرتهن
-
إن تلف بغير تعد منه فلا شيء عليه,
-
ولا يسقط بهلاكه شيء من دينه
-
إن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين
-
ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين
-
"وتجوز الزيادة فيه دون دينه" .
-
وإن رهن عند اثنين شيئا فوفى أحدهما أو رهناه شيئا استوفى من أحدهما انفك في نصيبه.
-
وإذا حل الدين وامتنع من وفائه فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل في بيعه باعه ووفاء الدين
-
وإلا أجبره الحكم على وفائه أو بيع الرهن
-
فإن لم يفعل باعه الحكم ووفى دينه.
فصل
-
ويكون عند من اتفقا عليه
-
وان أذنا له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد
-
وإن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن
-
وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ولا بينة "ولم يكن بحضور الراهن" ضمن كوكيل.
-
وإن شرط أن لا يبيعه إذا حل الدين أو إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فالرهن له لم يصح الشرط وحده.
-
ويقبل قول راهن في قدر الدين والرهن ورده
-
وفي كونه عصيرا لا خمرا
-
وإن أقر "أنه ملك غيره" أو أنه جنى قبل على نفسه "وحكم بإقراره بعد فكه "
-
إلا أن يصدقه المرتهن.
فصل
-
وللمرتهن أن يركب ما يركب ويحلب ما يحلب بقدر نفقته "بلا إذن".
-
وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع
-
وإن تعذر رجع ولو لم يستأذن الحاكم
-
وكذا وديعة وعارية ودواب مستأجرة هرب ربها
-
ولو خرب الرهن فعمره بلا إذن رجع بآلته فقط.
In the books of comparative fiqh
الإجماعIbn al-Mundhirكتاب الرهن12 masa’il
التجريدal-Quduriمسألة ٦٧٨، مسألة ٦٧٩، مسألة ٦٨٠38 masa’il
المبسوطal-Sarakhsiبَابُ الرَّهْنِ فِي الصَّرْفِ، كِتَابُ الرَّهْنِ، بَابُ الرَّهْنِ الَّذِي لَا يَضْمَنُ صَاحِبُهُ.1,157 masa’il
بداية المجتهدIbn Rushdكِتَابُ الرُّهُونِ [الْقَوْلُ فِي أَرْكَان الرهن]، الرُّكْنُ الثَّانِي (وَهُوَ الرَّهْنُ) : وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:، الرُّكْنُ الثَّالِثُ (وَهُوَ الشَّيْءُ الْمَرْهُونُ فِيهِ) :98 masa’il
المغنيIbn Qudama · on مختصر الخرقيكتاب الرهن988 rows
المجموع شرح المهذبal-Nawawi · on المهذبNothing of it on this topic
الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar · on المقنعبَابُ الرَّهْنِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ944 rows
الفقه على المذاهب الأربعةal-Jaziriتعريفه، حكمه ودليله، أركان الرهن356 masa’il
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميUsama al-Qahtani and othersNothing of it on this topic
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)under 'Alawi al-Saqqaf* حكمة مشروعية الرهن:12 masa’il
What the schools’ books say, not a fatwa.On the map: Pledge