Testimony
Courts and evidence
These are the main texts as they are, not a comparison.To compare: the disputed masa’il of this chapter
In the four schools’ base texts
-
بَيَان رُكْن الشَّهَادَة
-
(كِتَابُ الشَّهَادَةِ)
-
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ رُكْنِ الشَّهَادَةِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ بِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الشَّهَادَةِ أَمَّا رُكْنُ الشَّهَادَةِ، فَقَوْلُ الشَّاهِدِ: " أَشْهَدُ بِكَذَا وَكَذَا " وَفِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ: هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ كَوْنِ مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ لِغَيْرِهِ، فَكُلُّ مَنْ أَخْبَرَ بِأَنَّ مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ لِغَيْرِهِ، فَهُوَ شَاهِدٌ، وَبِهِ يَنْفَصِلُ عَنْ الْمُقِرِّ وَالْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا الشَّرَائِطُ فِي الْأَصْلِ فَنَوْعَانِ: نَوْعٌ هُوَ شَرْطُ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ، وَنَوْعٌ هُوَ شَرْطُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ.
-
(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا - أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا وَقْتَ التَّحَمُّلِ،
-
فَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ؛؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ عِبَارَةٌ عَنْ فَهْمِ الْحَادِثَةِ وَضَبْطِهَا،
-
وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِآلَةِ الْفَهْمِ وَالضَّبْطِ، وَهِيَ الْعَقْلُ.
-
- وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَمُّلِ عِنْدَنَا،
-
فَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ مِنْ الْأَعْمَى، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله الْبَصَرُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ التَّحَمُّلِ وَلَا لِصِحَّةِ الْأَدَاءِ؛؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْبَصَرِ عِنْدَ التَّحَمُّلِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالْمَشْهُودِ بِهِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالسَّمَاعِ، وَلِلْأَعْمَى سَمَاعٌ صَحِيحٌ فَيَصِحُّ تَحَمُّلُهُ لِلشَّهَادَةِ، وَيَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ بَعْدَ التَّحَمُّلِ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ السَّمَاعُ مِنْ الْخَصْمِ؛؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَقَعُ لَهُ وَلَا يُعْرَفُ كَوْنُهُ خَصْمًا إلَّا بِالرُّؤْيَةِ؛؛ لِأَنَّ النَّغَمَاتِ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
-
(وَأَمَّا) الْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ شَرَائِطِ التَّحَمُّلِ، بَلْ مِنْ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ حَتَّى لَوْ كَانَ وَقْتَ التَّحَمُّلِ صَبِيًّا عَاقِلًا، أَوْ عَبْدًا، أَوْ كَافِرًا، أَوْ فَاسِقًا،
-
ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَتَابَ الْفَاسِقُ فَشَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي، تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ،
-
وَكَذَا الْعَبْدُ إذَا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ لِمَوْلَاهُ،
-
ثُمَّ عَتَقَ فَشَهِدَ لَهُ، تُقْبَلُ.
-
وَكَذَا الْمَرْأَةُ إذَا تَحَمَّلَتْ الشَّهَادَةَ لِزَوْجِهَا ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ فَشَهِدَتْ لَهُ، تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا؛؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَهَا الشَّهَادَةَ لِلْمَوْلَى وَالزَّوْجِ صَحِيحٌ، وَقَدْ صَارَا مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ بِالْعِتْقِ وَالْبَيْنُونَةِ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا،
-
وَلَوْ شَهِدَ الْفَاسِقُ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتُهْمَةِ الْفِسْقِ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتُهْمَةِ الزَّوْجِيَّةِ،
-
ثُمَّ شَهِدُوا فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالْبَيْنُونَةِ، لَا تُقْبَلُ.
-
وَلَوْ شَهِدَ الْعَبْدُ أَوْ الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ أَوْ الْكَافِرُ عَلَى مُسْلِمٍ فِي حَادِثَةٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ،
-
ثُمَّ أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَعَتَقَ الْعَبْدُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ فَشَهِدُوا فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا، تُقْبَلُ (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ الْفَاسِقَ وَالزَّوْجَ لَهُمَا شَهَادَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ وَرَدَتْ فَإِذَا شَهِدُوا بَعْدَ التَّوْبَةِ وَزَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ، فَقَدْ أَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ وَهِيَ مَرْدُودَةٌ، وَالشَّهَادَةُ الْمَرْدُودَةُ لَا تَحْتَمِلُ الْقَبُولَ
-
بِخِلَافِ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ؛؛ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَصْلًا،
-
وَكَذَا الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ لَا شَهَادَةَ لَهُمَا أَصْلًا،
-
فَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَعَتَقَ الْعَبْدُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، فَقَدْ حَدَثَتْ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَالْعِتْقِ وَالْبُلُوغِ شَهَادَةٌ، وَهِيَ غَيْرُ الْمَرْدُودَةِ فَقُبِلَتْ فَهُوَ الْفَرْقُ وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّحَمُّلُ بِمُعَايَنَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ، إلَّا فِي أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ يَصِحُّ التَّحَمُّلُ فِيهَا بِالتَّسَامُعِ مِنْ النَّاسِ، لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِلشَّاهِدِ: «إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ، وَإِلَّا فَدَعْ» وَلَا يَعْلَمُ مِثْلَ الشَّمْسِ إلَّا بِالْمُعَايَنَةِ بِنَفْسِهِ فَلَا تُطْلَقُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ إلَّا فِي أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ النِّكَاحُ وَالنَّسَبُ وَالْمَوْتُ، فَلَهُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فِيهَا بِالتَّسَامُعِ مِنْ النَّاسِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُعَايِنْ بِنَفْسِهِ؛؛ لِأَنَّ مَبْنَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى الِاشْتِهَارِ فَقَامَتْ الشُّهْرَةُ فِيهَا مَقَامَ الْمُعَايَنَةِ.
-
وَكَذَا إذَا شَهِدَ الْعُرْسَ وَالزِّفَافَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ النِّكَاحِ،
-
وَكَذَا فِي الْمَوْتِ إذَا شَهِدَ جِنَازَةَ رَجُلٍ أَوْ دَفْنَهُ، حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَوْتِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ التَّسَامُعِ، فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله هُوَ أَنْ يَشْتَهِرَ ذَلِكَ وَيَسْتَفِيضَ وَتَتَوَاتَرَ بِهِ الْأَخْبَارُ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَوَاطُؤٍ؛؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالتَّوَاتُرِ وَالْمَحْسُوسَ بِحِسِّ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ سَوَاءٌ، فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ شَهَادَةً عَنْ مُعَايَنَةٍ، فَعَلَى هَذَا إذَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لَا يَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مِهْرَانَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ، أَوْ رَجُلٌ
-
وَامْرَأَتَانِ أَنَّ هَذَا ابْنُ فُلَانٍ أَوْ امْرَأَةُ فُلَانٍ، يَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ اسْتِدْلَالًا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَشَهَادَتِهِ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ مِنْ غَيْرِ مُعَايَنَةٍ مِنْهُ بَلْ بِخَبَرِهِمَا،
-
وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْعَزْلِ، كَذَا هَذَا وَلَوْ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ بِمَوْتِ إنْسَانٍ حَلَّ لِلسَّامِعِ أَنْ يَشْهَدَ بِمَوْتِهِ فَعَلَى هَذَا يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَوْتِ وَبَيْنَ النِّكَاحِ وَالنَّسَبِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ: أَنَّ مَبْنَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْ كَانَ عَلَى الِاشْتِهَارِ، إلَّا أَنَّ الشُّهْرَةَ فِي الْمَوْتِ أَسْرَعُ مِنْهُ فِي النِّكَاحِ وَالنَّسَبِ، لِذَلِكَ شُرِطَ الْعَدَدُ فِي النِّكَاحِ وَالنَّسَبِ، لَا فِي الْمَوْتِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى الْبَتَاتِ وَالْقَطْعِ دُونَ التَّفْصِيلِ وَالتَّقْيِيدِ، بِأَنْ يَقُولَ: " إنِّي لَمْ أُعَايِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ سَمِعْتُ مِنْ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا " حَتَّى لَوْ شَهِدَ كَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ.
-
وَأَمَّا الْوَلَاءُ فَالشَّهَادَةُ فِيهِ بِالتَّسَامُعِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله الْأَوَّلُ،
-
ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ تُقْبَلُ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ رحمه الله قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَلَاءَ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ،
-
ثُمَّ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ فِي النَّسَبِ مَقْبُولَةٌ، كَذَا فِي الْوَلَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّا كَمَا نَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ كَانَ ابْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه نَشْهَدُ أَنَّ نَافِعًا كَانَ مَوْلَى ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنهما ،
-
وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ فِي النَّسَبِ لِمَا أَنَّ مَبْنَى النَّسَبِ عَلَى الِاشْتِهَارِ، فَقَامَتْ الشُّهْرَةُ فِيهِ مَقَامَ السَّمَاعِ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ مَبْنَى الْوَلَاءِ عَلَى الِاشْتِهَارِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْإِعْتَاقِ، حَتَّى لَوْ اشْتَهَرَ اشْتِهَارَ نَافِعٍ لِابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنهما حَلَّتْ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ.
-
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ فِي الْوَقْفِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، إلَّا أَنَّ مَشَايِخَنَا أَلْحَقُوهُ بِالْمَوْتِ؛؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْوَقْفِ عَلَى الِاشْتِهَارِ أَيْضًا كَالْمَوْتِ فَكَانَ مُلْحَقًا بِهِ،
-
وَكَذَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ فِي الْقَضَاءِ وَالْوِلَايَةِ: أَنَّ هَذَا قَاضِي بَلَدِ كَذَا وَوَالِي بَلَدِ كَذَا،
-
وَإِنْ لَمْ يُعَايِنْ الْمَنْشُورَ؛؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْقَضَاءِ وَالْوِلَايَةِ عَلَى الشُّهْرَةِ، فَقَامَتْ الشُّهْرَةُ فِيهَا مَقَامَ الْمُعَايَنَةِ،
-
ثُمَّ تُحْمَلُ الشَّهَادَةُ كَمَا يَحْصُلُ بِمُعَايَنَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ بِنَفْسِهِ يَحْصُلُ بِمُعَايَنَةِ دَلِيلِهِ، بِأَنْ يَرَى ثَوْبًا أَوْ دَابَّةً أَوْ دَارًا فِي يَدِ إنْسَانٍ يَسْتَعْمِلُهُ اسْتِعْمَالَ الْمُلَّاكِ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ حَتَّى لَوْ خَاصَمَهُ غَيْرُهُ فِيهِ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ لِصَاحِبِ الْيَدِ؛؛
-
لِأَنَّ الْيَدَ الْمُتَصَرِّفَةَ فِي الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ دَلِيلُ الْمِلْكِ فِيهِ، بَلْ لَا دَلِيلَ بِشَاهِدٍ فِي الْأَمْوَالِ أَقْوَى مِنْهَا وَزَادَ أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ: لَا تَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ حَتَّى يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَهُمْ جَمِيعًا: أَنَّهُ لَا تَجُوزُ لِلرَّائِي الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ لِصَاحِبِ الْيَدِ حَتَّى يَرَاهُ فِي يَدِهِ، يَسْتَعْمِلُهُ اسْتِعْمَالَ الْمُلَّاكِ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ، وَحَتَّى يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ: " كُلُّ شَيْءٍ فِي يَدِ إنْسَانٍ سِوَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ يَسَعُك أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ " اسْتَثْنَى الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ فَيَقْتَضِي أَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ لِصَاحِبِ الْيَدِ فِيهِمَا إلَّا إذَا أَقَرَّا بِأَنْفُسِهِمَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْعَبْدَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ فِي نَفْسِهِ يَدٌ، بِأَنْ كَانَ كَبِيرًا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ.
-
وَكَذَا الْأَمَةُ؛؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَ فِي يَدِ نَفْسِهِ ظَاهِرٌ، إذْ الْأَصْلُ هُوَ الْحُرِّيَّةُ فِي بَنِي آدَمَ، وَالرِّقُّ عَارِضٌ فَكَانَتْ يَدُهُ إلَى نَفْسِهِ أَقْرَبَ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ فَلَمْ تَصْلُحْ يَدُ غَيْرِهِ دَلِيلَ الْمِلْكِ فِيهِ
-
بِخِلَافِ الْجَمَادَاتِ وَالْبَهَائِمِ؛؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهَا، فَبَقِيَتْ يَدُ صَاحِبِ الْيَدِ دَلِيلًا عَلَى الْمِلْكِ؛ وَلِأَنَّ الْحُرَّ قَدْ يَخْدُمُ كَأَنَّهُ عَبْدٌ عَادَةً، وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ فَتَعَارَضَ الظَّاهِرَانِ فَلَمْ تَصْلُحْ الْيَدُ دَلِيلًا فِيهِ أَمَّا إذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الثَّوْبِ وَالْبَهِيمَةِ؛؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ فِي نَفْسِهِ يَدٌ فَيَلْحَقُ بِالْعُرُوضِ وَالْبَهَائِمِ فَتَحِلُّ لِلرَّائِي الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ فِيهِ لِصَاحِبِ الْيَدِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
وَأَمَّا شَرَائِطُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَأَنْوَاعٌ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الشَّاهِدِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الشَّهَادَةِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى مَكَانِ الشَّهَادَةِ.
-
وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَشْهُودِ بِهِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الشَّاهِدِ فَأَنْوَاعٌ: بَعْضُهَا يَعُمُّ الشَّهَادَاتِ كُلَّهَا، وَبَعْضُهَا يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ، أَمَّا الشَّرَائِطُ الْعَامَّةُ فَمِنْهَا الْعَقْلُ؛؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْقِلُ لَا يَعْرِفُ الشَّهَادَةَ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا، وَمِنْهَا الْبُلُوغُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ؛؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ إلَّا بِالتَّحَفُّظِ، وَالتَّحَفُّظُ بِالتَّذَكُّرِ، وَالتَّذَكُّرُ بِالتَّفَكُّرِ،
-
وَلَا يُوجَدُ مِنْ الصَّبِيِّ عَادَةً؛ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهَا مَعْنَى الْوِلَايَةِ.
-
وَالصَّبِيُّ مُوَلًّى عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ شَهَادَةٌ لَلَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ عِنْدَ الدَّعْوَةِ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ أَيْ دُعُوا لِلْأَدَاءِ فَلَا يَلْزَمُهُ إجْمَاعًا، وَمِنْهَا الْحُرِّيَّةُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ وَالشَّهَادَةُ شَيْءٌ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا بِظَاهِرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ؛؛
-
وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَجْرِي مَجْرَى الْوِلَايَاتِ وَالتَّمْلِيكَاتِ أَمَّا مَعْنَى
-
الْوِلَايَةِ فَإِنَّ فِيهِ تَنْفِيذَ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ، وَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الْوَلَاءِ وَأَمَّا مَعْنَى التَّمْلِيكِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَمْلِكُ الْحُكْمَ بِالشَّهَادَةِ، فَكَأَنَّ الشَّاهِدَ مَلَّكَهُ الْحُكْمَ، وَالْعَبْدُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يَمْلِكُ فَلَا شَهَادَةَ لَهُ،؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ شَهَادَةٌ لَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ إذَا دُعِيَ لِأَدَائِهَا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ،
-
وَلَا يَجِبُ لِقِيَامِ حَقِّ الْمَوْلَى،
-
وَكَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ؛؛ لِأَنَّهُمْ عُبَيْدٌ،
-
وَكَذَا مُعْتَقُ الْبَعْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ حُرٍّ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَمِنْهَا بَصَرُ الشَّاهِدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى عِنْدَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَمُّلِ أَوْ لَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَمُّلِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى شَيْئًا لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهِ وَقْتَ الْأَدَاءِ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ شَيْئًا يَحْتَاجُ إلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهِ وَقْتَ الْأَدَاءِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إجْمَاعًا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَصَرِ لَيْسَ لَعَيْنِهِ بَلْ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالْمَشْهُودِ بِهِ، وَذَا يَحْصُلُ إذَا كَانَ بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَمُّلِ وَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَالْإِشَارَةِ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ فَإِذَا كَانَ أَعْمَى عِنْدَ الْأَدَاءِ لَا يَعْرِفُ الْمَشْهُودَ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ،
-
فَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَمِنْهَا النُّطْقُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ؛؛ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ لَفْظَةِ الشَّهَادَةِ شَرْطُ صِحَّةِ أَدَائِهَا،
-
وَلَا عِبَارَةَ لِلْأَخْرَسِ أَصْلًا فَلَا شَهَادَةَ لَهُ.
-
وَمِنْهَا الْعَدَالَةُ، لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ دُونَهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وَالشَّاهِدُ الْمَرْضِيُّ هُوَ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ، وَالْكَلَامُ فِي الْعَدَالَةِ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ مَاهِيَّةِ الْعَدَالَةِ أَنَّهَا مَا هِيَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَفِي بَيَانِ صِفَةِ الْعَدَالَةِ الْمَشْرُوطَةِ، وَفِي بَيَانِ أَنَّهَا شَرْطُ أَصْلِ الْقَبُولِ وُجُودًا، أَمْ شَرْطُ الْقَبُولِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وُجُودًا وَوُجُوبًا أَمَّا الْأَوَّلُ، فَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ مَشَايِخِنَا رحمهم الله فِي مَاهِيَّةِ الْعَدَالَةِ الْمُتَعَارَفَةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ لَمْ يُطْعَنْ عَلَيْهِ فِي بَطْنٍ وَلَا فَرْجٍ فَهُوَ عَدْلٌ؛؛
-
لِأَنَّ أَكْثَرَ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ وَالشَّرِّ يَرْجِعُ إلَى هَذَيْنِ الْعُضْوَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ لَمْ يُعْرَفْ عَلَيْهِ جَرِيمَةٌ فِي دِينِهِ فَهُوَ عَدْلٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " مَنْ غَلَبَتْ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتِهِ فَهُوَ عَدْلٌ " وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ «إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسَاجِدِ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ» وَرُوِيَ «مَنْ صَلَّى إلَى قِبْلَتِنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " مَنْ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ وَأَدَّى الْفَرَائِضَ وَغَلَبَتْ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتِهِ فَهُوَ عَدْلٌ، " وَهُوَ اخْتِيَارُ أُسْتَاذِ أُسْتَاذِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ عَلِيٍّ الْبَزْدَوِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
-
وَاخْتُلِفَ فِي مَاهِيَّةِ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: " مَا فِيهِ حَدٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَمَا لَا حَدَّ فِيهِ فَهُوَ صَغِيرَةٌ " ، وَهَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ،
-
فَإِنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ وَأَكْلَ الرِّبَا كَبِيرَتَانِ وَلَا حَدَّ فِيهِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " مَا يُوجِبُ الْحَدَّ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَمَا لَا يُوجِبُهُ فَهُوَ صَغِيرَةٌ، " وَهَذَا يَبْطُلُ أَيْضًا بِأَكْلِ الرِّبَا فَإِنَّهُ كَبِيرَةٌ وَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ،
-
وَكَذَا يَبْطُلُ أَيْضًا بِأَشْيَاءَ أُخَرَ، هِيَ كَبَائِرُ وَلَا تُوجِبُ الْحَدَّ، نَحْوُ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ وَنَحْوِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلَّمَا جَاءَ مَقْرُونًا بِوَعِيدٍ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، نَحْوُ قَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَالزِّنَا، وَالرَّبَّا، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ،
-
وَقِيلَ لَهُ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، فَقَالَ هِيَ إلَى سَبْعِينَ أَقْرَبُ، وَلَكِنْ لَا كَبِيرَةَ مَعَ تَوْبَةٍ،
-
وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرَارٍ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ «مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: عليه الصلاة والسلام هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ، ثُمَّ قَالَ: عليه الصلاة والسلام أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ عليه الصلاة والسلام مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ» .
-
فَإِذَا عَرَفْت تَفْسِيرَ الْعَدَالَةِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ فَلَا عَدَالَةَ لِشَارِبِ الْخَمْرِ؛؛ لِأَنَّ شُرْبَهُ كَبِيرَةٌ فَتَسْقُطُ بِهِ الْعَدَالَةُ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا فِي أُمُورِهِ تَغْلِبُ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتِهِ،
-
وَلَا يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الْكَبَائِرِ غَيْرَ أَنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَحْيَانًا لِصِحَّةِ الْبَدَنِ وَالتَّقَوِّي، لَا لِلتَّلَهِّي - يَكُونُ عَدْلًا، وَعَامَّةُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَدْلًا؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ،
-
وَإِنْ كَانَ لِلتَّقَوِّي وَمَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ لَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ بِنَفْسِ الشُّرْبِ؛؛ لِأَنَّ شُرْبَهُ لِلتَّقَوِّي دُونَ التَّلَهِّي حَلَالٌ،
-
وَأَمَّا السُّكْرُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ وَقَعَ مِنْهُ مَرَّةً، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَوْ وَقَعَ سَهْوًا، لَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ،
-
وَإِنْ كَانَ يُعْتَادُ السُّكْرَ مِنْهُ تَسْقُطُ
-
عَدَالَتُهُ؛؛ لِأَنَّ السُّكْرَ مِنْهُ حَرَامٌ،
-
وَلَا عَدَالَةَ لِمَنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الشُّرْبِ وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمْ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَشْرَبُ؛ لِأَنَّ حُضُورَهُ مَجْلِسَ الْفِسْقِ فِسْقٌ.
-
وَلَا عَدَالَةَ لِلنَّائِحِ وَالنَّائِحَةِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا مَحْظُورٌ،
-
وَأَمَّا الْمُغَنِّي فَإِنْ كَانَ يَجْتَمِعُ النَّاسُ عَلَيْهِ لِلْفِسْقِ بِصَوْتِهِ،
-
فَلَا عَدَالَةَ لَهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَشْرَبُ؛ لِأَنَّهُ رَأْسُ الْفَسَقَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ نَفْسِهِ لِدَفْعِ الْوَحْشَةِ، لَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ السَّمَاعَ مِمَّا يُرَقِّقُ الْقُلُوبَ لَكِنْ لَا يَحِلُّ الْفِسْقُ بِهِ.
-
وَأَمَّا الَّذِي يَضْرِبُ شَيْئًا مِنْ الْمَلَاهِي فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَشْنَعًا كَالْقَصَبِ وَالدُّفِّ وَنَحْوِهِ لَا بَأْسَ بِهِ،
-
وَلَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَشْنَعًا كَالْعُودِ وَنَحْوِهِ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
-
وَاَلَّذِي يَلْعَبُ بِالْحَمَامِ فَإِنْ كَانَ لَا يُطَيِّرُهَا لَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ،
-
وَإِنْ كَانَ يُطَيِّرُهَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ؛؛ لِأَنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ، وَيَشْغَلُهُ ذَلِكَ عَنْ الصَّلَاةِ وَالطَّاعَاتِ،
-
وَمَنْ يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ فَلَا عَدَالَةَ لَهُ،
-
وَكَذَلِكَ مَنْ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَيَعْتَادُهُ فَلَا عَدَالَةَ لَهُ،
-
وَإِنْ أَبَاحَهُ بَعْضُ النَّاسِ لِتَشْحِيذِ الْخَاطِرِ وَتَعَلُّمِ أَمْرِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ عِنْدَنَا لِكَوْنِهِ لَعِبًا قَالَ عليه الصلاة والسلام «كُلُّ لَعِبٍ حَرَامٌ إلَّا مُلَاعَبَةَ الرَّجُلِ أَهْلَهُ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَرَمْيَهُ عَنْ قَوْسِهِ»
-
وَكَذَلِكَ إذَا اعْتَادَ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالطَّاعَاتِ،
-
فَإِنْ كَانَ يَفْعَلُهُ أَحْيَانًا وَلَا يُقَامِرُ بِهِ لَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ.
-
وَلَا عَدَالَةَ لِمَنْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ؛؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرِيضَةٌ،
-
وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ بِالْجَمَاعَاتِ اسْتِخْفَافًا بِهَا وَهَوَانًا بِتَرْكِهَا فَلَا عَدَالَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ،
-
وَإِنْ كَانَ تَرَكَهَا عَنْ تَأْوِيلٍ بِأَنْ كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ مَرْضِيٍّ عِنْدَهُ، لَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ،
-
وَلَا عَدَالَةَ لِمَنْ يَفْجُرُ بِالنِّسَاءِ، أَوْ يَعْمَلُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ،
-
وَلَا لِلسَّارِقِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَالْمُتَلَصِّصِ وَقَاذِفِ الْمُحْصَنَاتِ وَقَاتِلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ وَآكِلِ الرِّبَا وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ رُءُوسِ الْكَبَائِرِ.
-
وَلَا عَدَالَةَ لِلْمُخَنَّثِ؛؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ وَعَمَلَهُ كَبِيرَةٌ،
-
وَلَا عَدَالَةَ لِمَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ أَيْنَ يَكْتَسِبُ الدَّرَاهِمَ، مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ؛؛ لِأَنَّ مَنْ هَذَا حَالُهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ أَنْ يَشْهَدَ زُورًا طَمَعًا فِي الْمَالِ، وَالْمَعْرُوفُ بِالْكَذِبِ لَا عَدَالَةَ لَهُ،
-
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ؛؛ لِأَنَّ مَنْ صَارَ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ وَاشْتُهِرَ بِهِ لَا يُعْرَفُ صِدْقُهُ فِي تَوْبَتِهِ
-
بِخِلَافِ الْفَاسِقِ إذَا تَابَ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْفِسْقِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ،
-
وَكَذَا مَنْ وَقَعَ فِي الْكَذِبِ سَهْوًا وَابْتُلِيَ بِهِ مَرَّةً ثُمَّ تَابَ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ مَا يَخْلُو مُسْلِمٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَوْ مُنِعَ الْقَبُولُ لَانْسَدَّ بَابُ الشَّهَادَةِ.
-
وَأَمَّا الْأَقْلَفُ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَلَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ الْخِتَانَ رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ لِعُمُومَاتِ الشَّهَادَةِ؛ وَلِأَنَّ إسْلَامَهُ إذَا كَانَ فِي حَالِ الْكِبَرِ فَيَجُوزُ أَنَّهُ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ،
-
فَإِنْ لَمْ يَخَفْ وَلَمْ يَخْتَتِنْ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، كَالْفَاسِقِ وَاَلَّذِي يَرْتَكِبُ الْمَعَاصِيَ: أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تَجُوزُ،
-
وَإِنْ كُنَّا لَا نَسْتَيْقِنُ كَوْنَهُ فَاسِقًا فِي تِلْكَ الْحَالِ.
-
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَا كَانَ عَدْلًا لِعُمُومَاتِ الشَّهَادَةِ؛؛ لِأَنَّ زِنَا الْوَالِدَيْنِ لَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ لِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وَمَا رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «وَلَدُ الزِّنَا أَسْوَأُ الثَّلَاثَةِ» فَذَا فِي وَلَدٍ مُعَيَّنٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
-
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْخَصِيِّ لِعُمُومَاتِ الشَّهَادَةِ، وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَبِلَ شَهَادَةَ عَلْقَمَةَ الْخَصِيِّ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ؛؛ وَلِأَنَّ الْخِصَاءَ لَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ.
-
وَأَمَّا شَهَادَةُ صَاحِبِ الْهَوَى إذَا كَانَ عَدْلًا فِي هَوَاهُ وَدِينِهِ، نُظِرَ فِي ذَلِكَ، إنْ كَانَ هَوًى يُكَفِّرُهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يُكَفِّرُهُ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْعَصَبِيَّةِ وَصَاحِبُ الدَّعْوَةِ إلَى هَوَاهُ، أَوْ كَانَ فِيهِ مَجَانَةٌ لَا تُقْبَلُ أَيْضًا؛؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْعَصَبِيَّةِ وَالدَّعْوَةِ لَا يُبَالِي مِنْ الْكَذِبِ وَالتَّزْوِيرِ لِتَرْوِيجِ هَوَاهُ، فَكَانَ فَاسِقًا فِيهِ،
-
وَكَذَا إذَا كَانَ فِيهِ مَجَانَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَاجِنَ لَا يُبَالِي مِنْ الْكَذِبِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَهُوَ عَدْلٌ فِي هَوَاهُ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ هَوَاهُ يَزْجُرُهُ عَنْ الْكَذِبِ.
-
، إلَّا صِنْفٌ مِنْ الرَّافِضَةِ يُسَمَّوْنَ بِالْخَطَّابِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ لَا شَهَادَةَ لَهُمْ؛؛ لِأَنَّ مِنْ نِحْلَتِهِمْ أَنَّهُ تَحِلُّ الشَّهَادَةُ لِمَنْ يُوَافِقُهُمْ عَلَى مَنْ يُخَالِفُهُمْ،
-
وَقِيلَ مِنْ نِحْلَتِهِمْ أَنَّ مَنْ ادَّعَى أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ وَحَلَفَ عَلَيْهِ كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ فَيَشْهَدُونَ لَهُ،
-
فَإِنْ كَانَ هَذَا مَذْهَبَهُمْ فَلَا تَخْلُو شَهَادَتُهُمْ عَنْ الْكَذِبِ.
-
وَكَذَا لَا عَدَالَةَ لِأَهْلِ الْإِلْهَامِ؛؛ لِأَنَّهُمْ يَحْكُمُونَ بِالْإِلْهَامِ، فَيَشْهَدُونَ لِمَنْ يَقَعُ فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي دَعْوَاهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ الْكَذِبِ.
-
وَلَا عَدَالَةَ لِمَنْ يُظْهِرُ شَتِيمَةَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -؛ لِأَنَّ شَتِيمَةَ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ مُسْقِطَةٌ لِلْعَدَالَةِ، فَشَتِيمَتُهُمْ أَوْلَى.
-
وَلَا عَدَالَةَ لِصَاحِبِ الْمَعْصِيَةِ لِقَوْلِهِ: عليه الصلاة والسلام «لَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ» وَقَالَ: عليه الصلاة والسلام «مَنْ مَاتَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ كَحِمَارٍ نَزَعَ
-
بِدِينِهِ» فَكَانَتْ الْمَعْصِيَةُ مَعْصِيَةً مُسْقِطَةً لِلْعَدَالَةِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ مَنْ ارْتَكَبَ جَرِيمَةً فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْكَبَائِرِ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ، إلَّا أَنْ يَتُوبَ،
-
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْكَبَائِرِ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَيْهَا وَاعْتَادَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ بِالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا تَصِيرُ كَبِيرَةً قَالَ عليه الصلاة والسلام «لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ،
-
وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ» وَإِنْ لَمْ يُصِرَّ عَلَيْهَا لَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ، إذَا غَلَبَتْ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتِهِ.
-
وَأَمَّا بَيَانُ صِفَةِ الْعَدَالَةِ الْمَشْرُوطَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رضي الله عنه الشَّرْطُ هُوَ الْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ،
-
فَأَمَّا الْعَدَالَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَهِيَ الثَّابِتَةُ بِالسُّؤَالِ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ بِالتَّعْدِيلِ وَالتَّزْكِيَةِ، فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رحمه الله : إنَّهَا شَرْطٌ، وَلَقَبُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ جَائِزٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا طَعَنَ الْخَصْمُ فِي الشَّاهِدِ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ، بَلْ يَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْ حَالِ الشُّهُودِ،
-
وَكَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ حَالِهِمْ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ،
-
وَلَا يَكْتَفِي بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، سَوَاءٌ طَعَنَ الْخَصْمُ فِيهِمْ أَوْ لَمْ يَطْعَنْ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ إذَا لَمْ يَطْعَنْ الْخَصْمُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله : لَا يَسْأَلُ، وَقَالَا يَسْأَلُ.
-
عَنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ: هَذَا الِاخْتِلَافُ اخْتِلَافُ زَمَانٍ لَا اخْتِلَافَ حَقِيقَةٍ؛؛ لِأَنَّ زَمَنَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله كَانَ مِنْ أَهْلِ خَيْرٍ وَصَلَاحٍ؛ لِأَنَّهُ زَمَنُ التَّابِعِينَ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُمْ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام بِالْخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي الَّذِي أَنَا فِيهِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» الْحَدِيثَ، " فَكَانَ الْغَالِبُ فِي أَهْلِ زَمَانِهِ الصَّلَاحَ وَالسَّدَادَ، فَوَقَعَتْ الْغُنْيَةُ عَنْ السُّؤَالِ عَنْ حَالِهِمْ فِي السِّرِّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ وَظَهَرَ الْفَسَادُ فِي قَرْنِهِمَا فَوَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى السُّؤَالِ عَنْ الْعَدَالَةِ، فَكَانَ اخْتِلَافُ جَوَابِهِمْ لِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ، فَلَا يَكُونُ اخْتِلَافًا حَقِيقَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّقَ الْخِلَافَ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْعَدَالَةَ الظَّاهِرَةَ تَصْلُحُ لِلدَّفْعِ لَا لِلْإِثْبَاتِ لِثُبُوتِهَا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ دُونَ الدَّلِيلِ، وَالْحَاجَةُ هَهُنَا إلَى الْإِثْبَاتِ وَهُوَ إيجَابُ الْقَضَاءِ، وَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ الْعَدَالَةِ بِدَلِيلِهَا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ عز وجل ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أَيْ عَدْلًا، وَصَفَ اللَّهُ سبحانه وتعالى مُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْوَسَاطَةِ، وَهِيَ الْعَدَالَةُ، وَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَصَارَتْ الْعَدَالَةُ أَصْلًا فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَزَوَالُهَا بِعَارِضٍ،؛ وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ الْحَقِيقِيَّةَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهَا فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُمْ قَبْلَ السُّؤَالِ عَنْ حَالِهِمْ فَيَجِبُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَطْعَنَ الْخَصْمُ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَعَنَ الْخَصْمُ وَهُوَ صَادِقٌ فِي الطَّعْنِ فَيَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الظَّاهِرَيْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرْجِيحِ بِالسُّؤَالِ، وَالسُّؤَالُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ طَرِيقٌ لِدَرْئِهَا، وَالْحُدُودُ يُحْتَالُ فِيهَا لِلدَّرْءِ، وَلَوْ طَعَنَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فِي حُرِّيَّةِ الشَّاهِدَيْنِ وَقَالَ: إنَّهُمَا رَقِيقَانِ، وَقَالَا: نَحْنُ حُرَّانِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ حَتَّى تَقُومَ لَهُمَا الْبَيِّنَةُ عَلَى حُرِّيَّتِهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي بَنِي آدَمَ - وَإِنْ كَانَ هُوَ الْحُرِّيَّةَ لِكَوْنِهِمْ أَوْلَادَ آدَمَ وَحَوَّاءَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُمَا حُرَّانِ - لَكِنَّ الثَّابِتَ بِحُكْمِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ لَا يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْخَصْمِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهَا بِالدَّلَائِلِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَحْرَارٌ إلَّا فِي أَرْبَعَةٍ: الشَّهَادَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالْعَقْلِ، هَذَا إذَا كَانَا مَجْهُولَيْ النَّسَبِ لَمْ تُعْرَفْ حُرِّيَّتُهُمَا وَلَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً مَشْهُورَةً، بِأَنْ كَانَا مِنْ الْهِنْدِ أَوْ التُّرْكِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا تُعْرَفُ حُرِّيَّتُهُ أَوْ كَانَا عَرَبِيَّيْنِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُونَا مِمَّنْ يَجْرِي عَلَيْهِ الرِّقُّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا وَلَا يَثْبُتُ رِقُّهُمَا إلَّا بِالْبَيِّنَةِ.
-
وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطُ قَبُولِ أَصْلِ الشَّهَادَةِ وُجُودًا، أَمْ شَرْطُ الْقَبُولِ مُطْلَقًا وُجُوبًا وَوُجُودًا، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله : إنَّهَا شَرْطُ الْقَبُولِ لِلشَّهَادَةِ وُجُودًا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَوُجُوبًا لَا شَرْطَ أَصْلِ الْقَبُولِ حَتَّى يَثْبُتَ الْقَبُولُ بِدُونِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ -: إنَّهَا شَرْطُ أَصْلِ الْقَبُولِ لَا يَثْبُتُ الْقَبُولُ أَصْلًا دُونَهَا، حَتَّى إنَّ الْقَاضِيَ لَوْ تَحَرَّى الصِّدْقَ فِي شَهَادَةِ الْفَاسِقِ يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ شَهَادَتِهِ،
-
وَلَا يَجُوزُ الْقَبُولُ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ بِالْإِجْمَاعِ.
-
وَكَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ شَهَادَةَ الْعَدْلِ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ،
-
وَإِذَا شَهِدَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ، وَهَذَا هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ شَهَادَةِ الْعَدْلِ وَبَيْنَ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ أَصْلًا،
-
وَكَذَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقَيْنِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا يَنْعَقِدُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّ مَبْنَى قَبُولِ الشَّهَادَاتِ عَلَى الصِّدْقِ،
-
وَلَا يَظْهَرُ الصِّدْقُ إلَّا بِالْعَدَالَةِ؛؛ لِأَنَّ خَبَرَ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ عَنْ الْكَذِبِ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ
-
وَالْكَذِبَ، وَلَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ إلَّا بِالْعَدَالَةِ، وَاحْتَجَّ فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» .
-
(وَلَنَا) عُمُومَاتُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» وَالْفَاسِقُ شَاهِدٌ لِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ قَسَّمَ الشُّهُودَ إلَى مَرْضِيِّينَ وَغَيْرِ مَرْضِيِّينَ، فَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِ غَيْرِ الْمَرْضِيِّ - وَهُوَ الْفَاسِقُ - شَاهِدًا؛ وَلِأَنَّ حَضْرَةَ الشُّهُودِ فِي بَابِ النِّكَاحِ لِدَفْعِ تُهْمَةِ الزِّنَا - لَا لِلْحَاجَةِ إلَى شَهَادَتِهِمْ عِنْدَ الْجُحُودِ وَالْإِنْكَارِ؛؛
-
لِأَنَّ النِّكَاحَ يَشْتَهِرُ بَعْدَ وُقُوعِهِ - فَيُمْكِنُ دَفْعُ الْجُحُودِ وَالْإِنْكَارِ بِالشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ، وَالتُّهْمَةُ تَنْدَفِعُ بِحَضْرَةِ الْفَاسِقِ فَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِحَضْرَتِهِمْ.
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " الرُّكْنُ فِي الشَّهَادَةِ هُوَ صِدْقُ الشَّاهِدِ " فَنَعَمْ، لَكِنَّ الصِّدْقَ لَا يَقِفُ عَلَى الْعَدَالَةِ لَا مَحَالَةَ،
-
فَإِنَّ مِنْ الْفَسَقَةِ مَنْ لَا يُبَالِي بِارْتِكَابِهِ أَنْوَاعًا مِنْ الْفِسْقِ، وَيَسْتَنْكِفُ عَنْ الْكَذِبِ، وَالْكَلَامُ فِي فَاسِقٍ تَحَرَّى الْقَاضِي الصِّدْقَ فِي شَهَادَتِهِ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ - لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِ عِنْدَنَا.
-
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ نَقَلَةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَنْ يَثْبُتَ،
-
فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ جَعْلُ الْعَدَالَةِ صِفَةً لِلشَّاهِدِ؛؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، بَلْ هَذَا إضَافَةُ الشَّاهِدَيْنِ إلَى الْعَدْلِ، وَهُوَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عليه الصلاة والسلام لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُقَابِلَيْ كَلِمَةِ الْعَدْلِ، وَهِيَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ، وَالْفَاسِقُ مُسْلِمٌ فَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِحَضْرَتِهِ وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ عِنْدَنَا وَهُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَاحْتَجَّ بِعُمُومَاتِ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ؛
-
لِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الْفِسْقُ بِالْقَذْفِ، وَقَدْ زَالَ بِالتَّوْبَةِ.
-
(وَلَنَا) قَوْله تَعَالَى جَلَّ وَعَلَا ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ " الْآيَةَ " نَهَى سبحانه وتعالى عَنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الرَّامِي عَلَى التَّأْبِيدِ، فَيَتَنَاوَلُ زَمَانَ مَا بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومَاتِ الشَّهَادَةِ عَمَلًا بِالنُّصُوصِ كُلِّهَا صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّنَاقُضِ،
-
وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ إذَا قَذَفَ مُسْلِمًا فَحُدَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ،
-
فَإِنْ أَسْلَمَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ.
-
وَبِمِثْلِهِ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ إذَا قَذَفَ حُرًّا ثُمَّ حُدَّ حَدَّ الْقَذْفِ،
-
ثُمَّ عَتَقَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا،
-
وَإِنْ أُعْتِقَ (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ تُوجِبُ بُطْلَانَ شَهَادَةٍ كَانَتْ لِلْقَاذِفِ قَبْلَ الْإِقَامَةِ وَالثَّابِتُ لِلذِّمِّيِّ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، لَا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَتَبْطُلُ تِلْكَ الشَّهَادَةُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ،
-
فَإِذَا أَسْلَمَ فَقَدْ حَدَثَتْ لَهُ بِالْإِسْلَامِ شَهَادَةٌ غَيْرُ مَرْدُودَةٍ، وَهِيَ شَهَادَةٌ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ،؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ لِتَبْطُلَ بِالْحَدِّ فَتُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ،
-
ثُمَّ مِنْ ضَرُورَةِ قَبُولِ شَهَادَتِهِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَبُولُ شَهَادَتِهِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ
-
بِخِلَافِ الْعَبْدِ؛؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ،
-
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ شَهَادَةٌ مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّ لَهُ عَدَالَةَ الْإِسْلَامِ، وَالْحَدُّ أَبْطَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّأْبِيدِ،
-
وَلَوْ ضُرِبَ الذِّمِّيُّ بَعْضَ الْحَدِّ فَأَسْلَمَ،
-
ثُمَّ ضُرِبَ الْبَاقِيَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ لِلشَّهَادَةِ إقَامَةُ الْحَدِّ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ تُوجَدْ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ اسْمٌ لِلْكُلِّ فَلَا يَكُونُ الْبَعْضُ حَدًّا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَتَجَزَّأُ، وَهَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
-
وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - رِوَايَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ فَقَالَ فِي رِوَايَةٍ " لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ " ، وَفِي رِوَايَةٍ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ،
-
وَلَوْ ضُرِبَ سَوْطًا وَاحِدًا فِي الْإِسْلَامِ؛؛ لِأَنَّ السِّيَاطَ الْمُتَقَدِّمَةَ تَوَقَّفَ كَوْنُهَا حَدًّا عَلَى وُجُودِ السَّوْطِ الْأَخِيرِ، وَقَدْ وُجِدَ كَمَالُ الْحَدِّ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ اُعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ: إنْ وُجِدَ أَكْثَرُ الْحَدِّ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ وَإِلَّا،
-
فَلَا؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ فِي الشَّرْعِ،
-
وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَدَّ اسْمٌ لِلْكُلِّ، وَعِنْدَ ضَرْبِ السَّوْطِ الْأَخِيرِ تَبَيَّنَ أَنَّ السِّيَاطَ كُلَّهَا كَانَتْ حَدًّا، وَلَمْ يُوجَدْ الْكُلُّ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ، بَلْ الْبَعْضُ فَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ الْحَادِثَةُ بِالْإِسْلَامِ، هَذَا إذَا شَهِدَ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ وَبَعْدَ التَّوْبَةِ،
-
فَأَمَّا إذَا شَهِدَ بَعْدَ التَّوْبَةِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَلَوْ شَهِدَ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ قَبْلَ التَّوْبَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَلَوْ شَهِدَ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَقَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ فَهِيَ مَسْأَلَةُ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ وَقَدْ مَرَّتْ.
-
وَأَمَّا النِّكَاحُ بِحَضْرَةِ الْمَحْدُودِينَ فِي الْقَذْفِ فَيَنْعَقِدُ بِالْإِجْمَاعِ، أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله ؛ فَلِأَنَّ لَهُ شَهَادَةً أَدَاءً، فَكَانَتْ لَهُ شَهَادَةٌ سَمَاعًا،
-
وَأَمَّا عِنْدَنَا؛ فَلِأَنَّ حَضْرَةَ الشُّهُودِ لَدَى النِّكَاحِ لَيْسَتْ لِدَفْعِ الْجُحُودِ وَالْإِنْكَارِ لِانْدِفَاعِ الْحَاجَةِ بِالشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ، بَلْ لِرَفْعِ رِيبَةِ الزِّنَا وَالتُّهْمَةِ بِهِ، وَذَا يُجْعَلُ بِحَضْرَةِ الْمَحْدُودِينَ فِي الْقَذْفِ، فَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِحَضْرَتِهِمْ،
-
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِلنَّهْيِ عَنْ الْقَبُولِ، وَالِانْعِقَادُ يَنْفَصِلُ
-
عَنْ الْقَبُولِ فِي الْجُمْلَةِ وَأَمَّا الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْإِجْمَاعِ إذَا تَابَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَدْلًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ لَوْلَا النَّصُّ الْخَاصُّ بِعَدَمِ الْقَبُولِ عَلَى التَّأْبِيدِ.
-
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَجُرَّ الشَّاهِدُ إلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا،
-
وَلَا يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَغْرَمًا بِشَهَادَتِهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا شَهَادَةَ لِجَارِ الْمَغْنَمِ وَلَا لِدَافِعِ الْمَغْرَمِ» ،؛ وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُ إذَا تَضَمَّنَتْ مَعْنَى النَّفْعِ وَالدَّفْعِ فَقَدْ صَارَ مُتَّهَمًا،
-
وَلَا شَهَادَةَ لِلْمُتَّهَمِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا جَرَّ النَّفْعَ إلَى نَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ لَمْ تَقَعْ شَهَادَتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى عز وجل ، بَلْ لِنَفْسِهِ،
-
فَلَا تُقْبَلُ وَعَلَى هَذَا تَخْرُجُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ،
-
وَإِنْ عَلَا لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَعَكْسُهُ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛؛ لِأَنَّ الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ يَنْتَفِعُ الْبَعْضُ بِمَالِ الْبَعْضِ عَادَةً، فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى جَرِّ النَّفْعِ، وَالتُّهْمَةِ، وَالشَّهَادَةِ لِنَفْسِهِ فَلَا تُقْبَلُ، وَذَكَرَ الْخَصَّافُ رحمه الله فِي أَدَبِ الْقَاضِي عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَلَا الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَلَا السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَلَا الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا، وَلَا الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ» .
-
وَأَمَّا سَائِرُ الْقَرَابَاتِ، كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ وَنَحْوِهِمْ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؛؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ لِبَعْضِهِمْ تَسَلُّطٌ فِي مَالِ الْبَعْضِ، عُرْفًا وَعَادَةً فَالْتَحَقُوا بِالْأَجَانِبِ،
-
وَكَذَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ مِنْ الرَّضَاعِ لِوَلَدِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَشَهَادَةُ الْوَلَدِ مِنْ الرَّضَاعِ لِوَالِدِهِ مِنْ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ مَا جَرَتْ بِانْتِفَاعِ هَؤُلَاءِ بَعْضِهِمْ بِمَالِ الْبَعْضِ فَكَانُوا كَالْأَجَانِبِ،
-
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ،
-
وَلَا شَهَادَةُ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ لِمَا قُلْنَا.
-
وَأَمَّا شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ فَلَا تُقْبَلُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله تُقْبَلُ، وَاحْتَجَّ بِعُمُومَاتِ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى - جَلَّ وَعَلَا - ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ - عَظُمَتْ كِبْرِيَاؤُهُ - ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ عَدْلٍ وَعَدْلٍ، وَمَرْضِيٍّ وَمَرْضِيٍّ.
-
(وَلَنَا) مَا رَوَيْنَا مِنْ النُّصُوصِ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام " لَا شَهَادَةَ لِجَارِ الْمَغْنَمِ " ،
-
وَلَا شَهَادَةَ لِلْمُتَّهَمِ، وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِشَهَادَتِهِ لِلزَّوْجِ الْآخَرِ يَجُرُّ الْمَغْنَمَ إلَى نَفْسِهِ،؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِمَالِ صَاحِبِهِ عَادَةً، فَكَانَ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ، لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ الْخَصَّافِ رحمه الله وَأَمَّا الْعُمُومَاتُ فَنَقُولُ بِمُوجِبِهَا لَكِنْ لَمَّا قُلْتُمْ إنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ لِصَاحِبِهِ عَدْلٌ وَمَرْضِيٌّ، بَلْ هُوَ مَائِلٌ وَمُتَّهَمٌ لِمَا قُلْنَا، لَا يَكُونُ شَاهِدًا فَلَا تَتَنَاوَلُهُ الْعُمُومَاتُ،
-
وَكَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لَهُ فِي الْحَادِثَةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهُ فِيهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تُهْمَةِ جَرِّ النَّفْعِ إلَى نَفْسِهِ،
-
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ،
-
وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ لِرَجُلَيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ بِدَيْنِ أَلْفِ دِرْهَمٍ،
-
ثُمَّ شَهِدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا لِلشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ بِدَيْنِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَشَهَادَةُ الْفَرِيقَيْنِ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - وَأَبِي يُوسُفَ رحمه الله وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله جَائِزَةٌ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ شَهِدَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لَهُمَا بِالثُّلُثِ، وَشَهِدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِلشَّاهِدَيْنِ بِالثُّلُثِ،
-
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ الْمَيِّتَ غَصَبَهُمَا دَارًا أَوْ عَبْدًا وَشَهِدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِدَيْنِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَشَهَادَةُ الْفَرِيقَيْنِ جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، لِمُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَشْهَدُ لِغَيْرِهِ لَا لِنَفْسِهِ،
-
فَلَا يَكُونُ مُتَّهَمًا فِي شَهَادَتِهِ، وَلَهُمَا أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ كُلُّ فَرِيقٍ، فَالْفَرِيقُ الْآخَرُ يُشَارِكُهُ فِيهِ، فَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَشْهُودِ بِهِ؛؛ لِأَنَّ ثَمَّةَ مَعْنَى الشَّرِكَةِ لَا يَتَحَقَّقُ.
-
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ خَصْمًا لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ» ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ خَصْمًا فَشَهَادَتُهُ تَقَعُ لِنَفْسِهِ فَلَا تُقْبَلُ، وَعَلَى هَذَا تَخْرُجُ شَهَادَةُ الْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ وَالْيَتِيمِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ؛؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ،
-
وَكَذَا شَهَادَةُ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ لِمَا قُلْنَا وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْمَشْهُودِ بِهِ وَقْتَ الْأَدَاءِ، ذَاكِرًا لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى إنَّهُ لَوْ رَأَى اسْمَهُ وَخَطَّهُ وَخَاتَمَهُ فِي الْكِتَابِ، لَكِنَّهُ لَا يَذْكُرُ الشَّهَادَةَ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ،
-
وَلَوْ شَهِدَ وَعَلِمَ الْقَاضِي بِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَهُ أَنْ يَشْهَدَ،
-
وَلَوْ شَهِدَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَمَّا رَأَى اسْمَهُ وَخَطَّهُ وَخَاتَمَهُ عَلَى الصَّكِّ، دَلَّ أَنَّهُ تُحْمَلُ الشَّهَادَةُ، وَهِيَ مَعْلُومَةٌ فِي الصَّكِّ، فَيَحِلُّ لَهُ أَدَاؤُهَا،
-
وَإِذَا أَدَّاهَا تُقْبَلُ،؛ وَلِأَنَّ النِّسْيَانَ أَمْرٌ جُبِلَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ خُصُوصًا عِنْدَ طُولِ الْمُدَّةِ بِالشَّيْءِ؛؛ لِأَنَّ طُولَ الْمُدَّةِ يُنْسِي،
-
فَلَوْ شَرَطَ تَذَكُّرَ الْحَادِثَةِ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَانْسَدَّ بَابُ الشَّهَادَةِ فَيُؤَدِّي إلَى تَضْيِيعِ الْحُقُوقِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله قَوْله تَعَالَى - جَلَّ شَأْنُهُ ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام لِشَاهِدٍ «إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا
-
فَدَعْ» ، وَلَا اعْتِمَادَ عَلَى الْخَطِّ وَالْخَتْمِ؛؛ لِأَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ وَالْخَتْمُ يُشْبِهُ الْخَتْمَ وَيَجْرِي فِيهِ الِاحْتِيَالُ وَالتَّزْوِيرُ مَعَ مَا أَنَّ الْخَطَّ لِلتَّذَكُّرِ فَخَطٌّ لَا يُذْكَرُ، وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا وَجَدَ الْقَاضِي فِي دِيوَانِهِ شَيْئًا لَا يَذْكُرُهُ - وَدِيوَانُهُ تَحْتَ خَتْمِهِ - أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِهِ عِنْدَهُ، وَعِنْدُهُمَا يَعْمَلُ إذَا كَانَ تَحْتَ خَتْمِهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا عُزِلَ الْقَاضِي،
-
ثُمَّ اسْتَقْضَى بَعْدَمَا عُزِلَ، فَأَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ بِشَيْءٍ مِمَّا يَرَى فِي دِيوَانِهِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَهُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) الشَّرَائِطُ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الشَّهَادَةِ، فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا لَفْظُ الشَّهَادَةِ،
-
فَلَا تُقْبَلُ بِغَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ، كَلَفْظِ الْإِخْبَارِ وَالْإِعْلَامِ وَنَحْوِهِمَا،
-
وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي مَعْنَى الشَّهَادَةِ تَعَبُّدًا غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى.
-
وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِلدَّعْوَى فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى فَإِنْ خَالَفَتْهَا لَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا وَفَّقَ الْمُدَّعِي بَيْنَ الدَّعْوَى وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ إمْكَانِ التَّوْفِيقِ؛؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا خَالَفَتْ الدَّعْوَى فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى، وَتَعَذَّرَ التَّوْفِيقُ انْفَرَدَتْ عَنْ الدَّعْوَى، وَالشَّهَادَةُ الْمُنْفَرِدَةُ عَنْ الدَّعْوَى فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ: إذَا ادَّعَى مِلْكًا بِسَبَبٍ،
-
ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِلْكٍ مُطْلَقٍ لَا تُقْبَلُ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ بِسَبَبٍ تُقْبَلُ.
-
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ أَعَمُّ مِنْ الْمِلْكِ بِسَبَبٍ؛؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ مِنْ الْأَصْلِ حَتَّى تُسْتَحَقَّ بِهِ الزَّوَائِدُ، وَالْمِلْكُ بِسَبَبٍ يَقْتَصِرُ عَلَى وَقْتِ وُجُودِ السَّبَبِ، فَكَانَ الْمِلْكُ الْمُطْلَقُ أَعَمَّ، فَصَارَ الْمُدَّعِي بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ مُكَذِّبًا شُهُودَهُ فِي بَعْضِ مَا شَهِدُوا بِهِ.
-
وَالتَّوْفِيقُ مُتَعَذَّرٌ؛؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مِنْ الْأَصْلِ يُنَافِي الْمِلْكَ الْحَادِثَ بِسَبَبٍ لِاسْتِحَالَةِ ثُبُوتِهِمَا مَعًا فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ بِسَبَبٍ؛؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِسَبَبٍ أَخَصُّ مِنْ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَقَدْ شَهِدُوا بِأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَى، فَلَمْ يَصِرْ الْمُدَّعِي مُكَذِّبًا شُهُودَهُ، بَلْ صَدَّقَهُمْ فِيمَا شَهِدُوا بِهِ، وَادَّعَى زِيَادَةَ شَيْءٍ لَا شَهَادَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ، وَصَارَ كَمَا لَوْ ادَّعَى أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ فَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى أَلْفٍ أَنَّهُ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْأَلْفِ لِمَا، قُلْنَا كَذَا هَذَا،
-
وَلَوْ ادَّعَى الْمِلْكَ بِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ،
-
ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ بِسَبَبٍ آخَرَ: بِأَنْ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ،
-
ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ: أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ أَوْ وَهَبَهَا لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ وَقَبَضَ، أَوْ ادَّعَى الشِّرَاءَ أَوْ الْهِبَةَ أَوْ الصَّدَقَةَ،
-
ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِرْثِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ خَالَفَتْ الدَّعْوَى لِاخْتِلَافِ الْبَيِّنَتَيْنِ صُورَةً وَمَعْنًى، أَمَّا الصُّورَةُ فَلَا شَكَّ فِيهَا.
-
وَأَمَّا الْمَعْنَى؛ فَلِأَنَّ حُكْمَ الْبَيِّنَتَيْنِ يَخْتَلِفُ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا وَفَّقَ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، فَقَالَ: كُنْتُ اشْتَرَيْتُ مِنْهُ لَكِنَّهُ جَحَدَنِي الشِّرَاءَ وَعَجَزْتُ عَنْ إثْبَاتِهِ فَاسْتَوْهَبْتُ مِنْهُ فَوَهَبَ مِنِّي، وَقَبَضْتُ، وَأَعَادَ الْبَيِّنَةَ، تُقْبَلُ؛؛ لِأَنَّهُ وَفَّقَ فَقَدْ زَالَتْ الْمُخَالَفَةُ وَظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبْ شُهُودَهُ، وَيَصِيرُ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ ابْتِدَاءً.
-
وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْبَيِّنَةِ لِتَقَعَ الشَّهَادَةُ عِنْدِ الدَّعْوَى،
-
وَكَذَا إذَا وَفَّقَ فَقَالَ: وَرِثْتُهُ مِنْ أَبِي إلَّا أَنَّهُ جَحَدَ إرْثِي فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ، أَوْ وَهَبَ لِي فَإِنَّهَا تُقْبَلُ لِزَوَالِ التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ بَيْن الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ،
-
وَلَوْ ادَّعَى الشِّرَاءَ بَعْدَ هَذَا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَا تُقْبَلُ؛؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ قَدْ اخْتَلَفَ، وَاخْتِلَافُ الْبَدَلِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعَقْدِ، فَقَدْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَقْدٍ آخَرَ غَيْرَ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي،
-
فَلَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا وَفَّقَ الْمُدَّعِي، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِالْعَبْدِ إلَّا أَنَّهُ جَحَدَنِي الشِّرَاءَ بِهِ فَاشْتَرَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَتُقْبَلُ لِزَوَالِ الْمُخَالَفَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ دَعْوَى التَّوْفِيقِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِأَنْ قَامَ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ ثُمَّ جَاءَ وَادَّعَى التَّوْفِيقَ.
-
فَأَمَّا إذَا لَمْ يَقُمْ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَدَعْوَى التَّوْفِيقِ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ،
-
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ لَهُ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لِفُلَانٍ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فِيهِ، تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ لِفُلَانٍ وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ فِيهِ،
-
ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ لَا تُقْبَلُ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا: إنَّهُ لِي لَا يَنْفِي قَوْلَهُ: إنَّهُ لِفُلَانٍ وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ فِيهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِحَقِّ الْخُصُومَةِ وَالْمُطَالَبَةِ، وَلِغَيْرِهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ، فَكَانَ التَّوْفِيقُ مُمْكِنًا فَقُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ
-
بِخِلَافِ الْفَصْلِ الثَّانِي؛؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هُوَ لِفُلَانٍ وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ فِيهِ، يَنْفِي قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ لِي؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لِفُلَانٍ، وَأَنَّهُ وَكِيلٌ بِالْخُصُومَةِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ لِفُلَانٍ وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ فِيهِ، فَكَانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: " هُوَ لِي " إقْرَارًا مِنْهُ بِالْمِلْكِ لِنَفْسِهِ فَكَانَ مُنَاقِضًا فَلَا تُقْبَلُ،
-
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ لِفُلَانٍ وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ فِيهِ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لِفُلَانٍ آخَرَ وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ فِيهِ، لَا تُقْبَلُ؛؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا: إنَّهُ لِفُلَانٍ
-
وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ فِيهِ، كَمَا يَنْفِي قَوْلَهُ: " إنَّهُ لِي " يَنْفِي قَوْلَهُ: " إنَّهُ لِفُلَانٍ آخَرَ وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ فِيهِ " فَلَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا وَفَّقَ فَقَالَ: " إنَّ الْمُوَكِّلَ الْأَوَّلَ بَاعَ مِنْ الْمُوَكِّلِ الثَّانِي ثُمَّ وَكَّلَنِي الثَّانِي بِالْخُصُومَةِ " فَيُقْبَلُ لِزَوَالِ الْمُنَاقَضَةِ،
-
وَلَوْ ادَّعَى فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ هَذِهِ الدَّارَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِأَلْفٍ وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ،
-
ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِالدَّارِ عَلَى الْمُدَّعِي فِي شَعْبَانَ، لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛؛ لِأَنَّ دَعْوَى التَّصَدُّقِ فِي شَعْبَانَ تُنَافِي الشِّرَاءَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِاسْتِحَالَةِ شِرَاءِ الْإِنْسَانِ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَالتَّوْفِيقُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلَا تُقْبَلُ.
-
وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى التَّصَدُّقِ فِي شَوَّالٍ، وَوَفَّقَ فَقَالَ: " جَحَدَنِي الشِّرَاءَ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيَّ " تُقْبَلُ وَلَوْ ادَّعَى دَارًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِ الْمُدَّعِي بِالْأَمْسِ لَا تُقْبَلُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تُقْبَلُ وَيُؤْمَرُ بِالرَّدِّ إلَيْهِ،
-
وَلَوْ أَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكًا لِلْمُدَّعِي تُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمَّا قَامَتْ عَلَى أَنَّهَا مَا كَانَتْ فِي يَدِهِ، فَالْأَصْلُ فِي الثَّابِتِ بَقَاؤُهُ، وَلِهَذَا قَبِلْت الْبَيِّنَةُ عَلَى مِلْكٍ كَانَ؛ وَلِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ،
-
وَلَوْ ثَبَتَ بِالْمُعَايَنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ بِالْأَمْسِ يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ إلَيْهِ كَذَا هَذَا (وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الشَّهَادَةَ قَامَتْ عَلَى يَدٍ كَانَتْ،
-
فَلَا يَثْبُتُ الْكَوْنُ لِلْحَالِ إلَّا بِحُكْمِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ،؛ وَلِأَنَّ الْيَدَ قَدْ تَكُونُ مُحِقَّةً، وَقَدْ تَكُونُ مُبْطِلَةً، وَقَدْ تَكُونُ يَدَ مِلْكٍ، وَقَدْ تَكُونُ يَدَ أَمَانَةٍ، فَكَانَتْ مُحْتَمَلَةً، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً،
-
بِخِلَافِ الْمِلْكِ وَالْمُعَايَنَةِ، وَبِخِلَافِ الْإِقْرَارِ؛؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ بِنَفْسِهِ، وَالْبَيِّنَةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ بِنَفْسِهَا بَلْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي،
-
وَلَا وَجْهَ لِلْقَضَاءِ بِالْمُحْتَمَلِ،
-
وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ بِالْأَمْسِ فَأَخَذَهَا هَذَا مِنْهُ، أَوْ غَصَبَهَا أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ أَعَارَهُ تُقْبَلُ، وَيَقْضِي لِلْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ تَلَقَّى الْيَدَ مِنْ جِهَةِ الْخَارِجِ فَيُؤْمَرُ بِالرَّدِّ إلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ، فَنَقُولُ هَذَا لَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، إمَّا أَنْ شَهِدُوا أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ لِأَبِيهِ وَلَمْ يَقُولُوا مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ،
-
وَإِمَّا أَنْ قَالُوا إنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ،
-
وَإِمَّا أَنْ قَالُوا إنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِ أَبِيهِ يَوْمَ الْمَوْتِ،
-
وَإِمَّا أَنْ أَثْبَتُوا مِنْ أَبِيهِ فِعْلًا فِيهَا عِنْدَ مَوْتِهِ أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - " لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ " وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ " تُقْبَلُ " ،
-
وَكَذَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ مَاتَ قَبْلَهَا لَا تُقْبَلُ، قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا، أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْأَمَالِي " يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ " ، (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْمِلْكَ مَتَى ثَبَتَ لِأَبِيهِ بِشَهَادَتِهِمْ، فَالْأَصْلُ فِيمَا ثَبَتَ يَبْقَى إلَى أَنْ يُوجَدَ الْمُزِيلُ فَصَارَ كَمَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ يَوْمَ الْمَوْتِ أَيْضًا (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ خَالَفَتْ الدَّعْوَى؛؛
-
لِأَنَّ الْمُدَّعِي ادَّعَى مِلْكًا كَائِنًا، وَالشَّهَادَةُ وَقَعَتْ بِمِلْكٍ كَانَ لَا بِمِلْكٍ كَائِنٍ، فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ مُخَالِفَةً لِلدَّعْوَى فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَا ثَبَتَ يَبْقَى، قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنْ لَا حُكْمًا لِدَلِيلِ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الثُّبُوتِ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْبَقَاءِ، وَإِنَّمَا الْبَقَاءُ بِحُكْمِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ،
-
وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا كَانَتْ لِجَدِّهِ فَعِنْدَهُمَا لَا يَقْضِي بِهَا مَا لَمْ يَشْهَدُوا بِالْمِيرَاثِ بِأَنْ يَقُولُوا: " مَاتَ جَدُّهُ وَتَرَكَهَا لِأَبِيهِ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ " وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَنْظُرُ: إنْ عَلِمَ أَنَّ الْجَدَّ مَاتَ قَبْلَ الْأَبِ يَقْضِي بِهَا لَهُ،
-
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْأَبَ مَاتَ قَبْلَ الْجَدِّ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَقْضِ بِهَا،
-
وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا لِأَبِيهِ لَا يَقْضِي بِهَا لَهُ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ هَذَا عَلَى الِاتِّفَاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تُقْبَلُ وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ مَا إذَا شَهِدُوا أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ،
-
فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ مَقْبُولَةٌ؛؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالْمِلْكِ الْمَوْرُوثِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالتَّرْكِ مِيرَاثًا لَهُ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الْمِلْكِ الْمَوْرُوثِ وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ - وَهُوَ مَا إذَا شَهِدُوا أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ يَوْمَ الْمَوْتِ، فَالشَّهَادَةُ مَقْبُولَةٌ؛؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْيَدِ مِنْ الْأَصْلِ يُحْمَلُ عَلَى يَدِ الْمَالِكِ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ بِيَدٍ قَائِمَةٍ عِنْدَ الْمَوْتِ شَهَادَةً بِمِلْكٍ قَائِمٍ عِنْدَ الْمَوْتِ،
-
فَإِذَا مَاتَ فَقَدْ تَرَكَ فَثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ فِي الْمَتْرُوكِ، إذْ هُوَ تَفْسِيرُ الْمِلْكِ الْمَوْرُوثِ؛ وَلِأَنَّ يَدَهُ إنْ كَانَتْ يَدَ مِلْكٍ كَانَ الْمِلْكُ ثَابِتًا لِلْمُوَرِّثِ عِنْدَ الْمَوْتِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ انْتَقَلَتْ يَدَ مِلْكٍ إذَا مَاتَ مُجَهِّلًا؛؛ لِأَنَّ التَّجْهِيلَ عِنْدَ الْمَوْتِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْمَضْمُونِ عِنْدَنَا وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ، وَهُوَ مَا إذَا ثَبَتَ لِيَدِ الْمَشْهُودِ مِنْ الْأَبِ فِعْلًا فِي الْعَيْنِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِعْلًا هُوَ دَلِيلُ الْيَدِ،
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلًا لَيْسَ هُوَ دَلِيلُ الْيَدِ، وَالْفِعْلُ
-
الَّذِي هُوَ دَلِيلُ الْيَدِ هُوَ فِعْلٌ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ بِدُونِ النَّقْلِ فِي النَّقْلِيَّاتِ، كَاللُّبْسِ وَالْحَمْلِ، أَوْ فِعْلٌ يُوجَدُ لِلنَّقْلِ عَادَةً، كَالرُّكُوبِ فِي الدَّوَابِّ، أَوْ فِعْلًا يُوجَدُ فِي الْغَالِبِ مِنْ الْمُلَّاكِ فِيمَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ لَا مِنْ غَيْرِهِمْ كَالسُّكْنَى فِي الدُّورِ، وَالْفِعْلُ الَّذِي لَيْسَ بِدَلِيلِ الْيَدِ هُوَ فِعْلٌ ثَبَتَ فِي النَّقْلِيَّاتِ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ،
-
وَلَا يَكُونُ حُصُولُهُ لِلنَّقْلِ عَادَةً كَالْجُلُوسِ عَلَى الْبِسَاطِ، أَوْ فِعْلٌ لَيْسَ بِفِعْلٍ لِلْمُلَّاكِ غَالِبًا فِيمَا لَا يَقْبَلُ، كَالنَّوْمِ وَالْجُلُوسِ فِي الدَّارِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِعْلًا هُوَ دَلِيلُ الْيَدِ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ الْقَائِمَةُ عَلَى ثُبُوتِهِ عِنْدَ مَوْتِ الْأَبِ،؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ الْقَائِمَةَ عَلَى مَا هُوَ دَلِيلُ الْيَدِ عِنْدَ الْمَوْتِ قَائِمَةٌ عَلَى الْيَدِ عِنْدَ الْمَوْتِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِعْلًا لَيْسَ بِدَلِيلِ الْيَدِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ الْيَدِ الَّتِي هِيَ دَلَالَةُ الْمِلْكِ؛ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ: أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْيَدِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمِلْكِ،
-
وَلَا عَلَى فِعْلٍ دَالٍّ عَلَى الْيَدِ،
-
وَلَا عَلَى فِعْلٍ هُوَ فِعْلُ الْمُلَّاكِ غَالِبًا؛ لِأَنَّ الدَّارَ قَدْ يَمُوتُ فِيهَا الْمَالِكُ، وَقَدْ يَمُوتُ فِيهَا غَيْرُ الْمَالِكِ مِنْ الزُّوَّارِ وَالضَّيْفِ وَنَحْوِهِ،
-
وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ لَابِسٌ هَذَا الْقَمِيصَ، أَوْ لَابِسٌ هَذَا الْخَاتَمَ تُقْبَلُ؛؛ لِأَنَّ لُبْسَ الْقَمِيصِ وَالْخَاتَمِ فِعْلٌ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ النَّقْلِ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى الْيَدِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَطْلَقَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْجَامِعِ الْجَوَابَ فِي الْخَاتَمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ جَوَابَ الْكِتَابِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْخَاتَمُ فِي خِنْصَرِهِ أَوْ بِنْصِرِهِ يَوْمَ الْمَوْتِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِيمَا سِوَاهُمَا مِنْ الْأَصَابِعِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ؛
-
لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمُلَّاكِ فِي الْخَاتَمِ هَذَا عَادَةٌ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ الْقَائِمَةُ عَلَيْهِ قَائِمَةً عَلَى الْيَدِ،
-
فَأَمَّا جَعْلُهُ فِيمَا سِوَاهُمَا مِنْ الْأَصَابِعِ مِنْ الْمُلَّاكِ فَهُوَ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ اسْتِعْمَالَ الْخَاتَمِ،
-
فَلَا يَكُونُ دَلِيلَ الْيَدِ، وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ جَعَلَ الْمُودِعُ الْخَاتَمَ فِي خِنْصَرِهِ أَوْ بِنْصِرِهِ فَضَاعَ مِنْ يَدِهِ يُضْمَنُ لِمَا أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ،
-
وَلَوْ جَعَلَهُ فِيمَا سِوَاهُمَا الْأَصَابِعَ فَضَاعَ لَا يَضْمَنُ لِمَا أَنَّ ذَلِكَ حِفْظٌ وَلَيْسَ بِاسْتِعْمَالٍ،
-
وَالصَّحِيحُ إطْلَاقُ جَوَابِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ كَيْفَ مَا كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ النَّقْلِ فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى الْيَدِ،
-
وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى هَذَا الْبِسَاطِ، أَوْ عَلَى هَذَا الْفِرَاشِ أَوْ نَائِمٌ عَلَيْهِ، لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تُتَصَوَّرُ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ وَلَا تُفْعَلُ لِلنَّقْلِ عَادَةً، فَلَمْ يَكُنْ دَلِيلَ الْيَدِ،
-
فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ أَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ فِي بِسَاطٍ، أَحَدُهُمَا جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَالْآخِرُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَهَذَا دَلِيلُ ثُبُوتِ يَدَيْهِمَا عَلَيْهِ قِيلَ لَهُ: إنَّمَا قَضَى بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِدَعْوَاهُمَا أَنَّهُ فِي يَدَيْهِمَا لَا لِثُبُوتِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَيْهِ وَالتَّعَلُّقَ بِهِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ النَّقْلِ،
-
وَلَا يُوجَدُ أَنَّ النَّقْلَ غَالِبًا عَلَى مَا بَيَّنَّا،
-
فَلَا يَكُونُ دَلِيلَ الْيَدِ،
-
وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ تُقْبَلُ، وَيَقْضِي بِالدَّابَّةِ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ وَإِنْ كَانَ يَتَهَيَّأُ بِدُونِ نَقْلِ الدَّابَّةِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُفْعَلُ عَادَةً إلَّا لِلنَّقْلِ، فَكَانَ دَلِيلَ الْيَدِ،
-
وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ سَاكِنٌ هَذِهِ الدَّارَ تُقْبَلُ، وَيَقْضِي لِلْوَارِثِ (وَرُوِيَ) عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ وَلَا يَقْضِي، (وَوَجْهُهُ) أَنَّ فِعْلَ السُّكْنَى فِي الدَّارِ كَمَا يُوجَدُ مِنْ الْمُلَّاكِ يُوجَدُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْيَدِ،
-
وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛؛ لِأَنَّ السُّكْنَى فِعْلٌ يُوجَدُ فِي الْغَالِبِ مِنْ الْمُلَّاكِ لَا مِنْ غَيْرِهِمْ هَذَا هُوَ الْمُعْتَادُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَهَذَا الثَّوْبُ مَوْضُوعٌ عَلَى رَأْسِهِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ كَانَ حَامِلًا لَهُ لَا تُقْبَلُ،
-
وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُدَّعِي بِهَذَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَضَعَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ وَضَعَهُ غَيْرُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ بِأَنْ هَبَّتْ رِيحٌ بِهِ فَأَلْقَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي النَّقْلُ مِنْهُ،
-
فَلَا يَثْبُتُ النَّقْلُ مِنْهُ بِالشَّكِّ،
-
فَلَا تَثْبُتُ الْيَدُ بِالشَّكِّ،
-
ثُمَّ نَقُولُ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ،
-
فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ قَالُوا: " هَذَا وَارِثُهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ " ،
-
وَإِمَّا أَنْ قَالُوا: " هُوَ وَارِثُهُ لَا نَعْلَمُ أَنَّ لَهُ وَارِثًا غَيْرُهُ " ،
-
وَإِمَّا أَنْ قَالُوا: " هُوَ وَارِثُهُ " ، وَلَمْ يَقُولُوا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ،
-
وَلَا قَالُوا: " لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ " فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - وَهُوَ مَا إذَا قَالُوا: " هُوَ وَارِثُهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ " فَإِنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُقْبَلَ؛ لِأَنَّهَا كَشَهَادَةٍ عَلَى مَا لَا عِلْمَ لِلشَّاهِدِ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ لَا يَعْلَمُهُ، وَقَدْ قَالَ عليه السلام لِلشَّاهِدِ «إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ، وَإِلَّا فَدَعْ» (وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ مَعْنَاهُ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ: لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، أَوْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فِي عِلْمِنَا،
-
وَلَوْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، فَكَذَا هَذَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) الْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ مَا إذَا قَالُوا: " هُوَ وَارِثُهُ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ "
-
تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ رضي الله عنهم .
-
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى رحمه الله لَا تُقْبَلُ حَتَّى يَقُولُوا: " لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ " ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَقُولُوا: " لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ " اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ لَا يَعْلَمُونَهُ،
-
وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ إنَّمَا تَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ بِمَا فِي عِلْمِهِ، وَنَفْيُ وَارِثٍ آخَرَ لَيْسَ فِي عِلْمِهِ،
-
فَلَا تَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ بِهِ، إلَّا عَلَى اعْتِبَارِ مَا فِي عِلْمِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَلَوْ قَالُوا: " لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فِي هَذَا الْمِصْرِ، أَوْ فِي أَرْضِ كَذَا " تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا تُقْبَلُ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ قَوْلَهُمْ: " لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فِي هَذَا الْمِصْرِ " لَا يَنْفِي وَارِثًا غَيْرَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ فِي مِصْرٍ آخَرَ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَعَلِمُوهُ؛
-
لِأَنَّ وَارِثَ الْإِنْسَانِ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ بَلَدِهِ عَادَةً، فَكَانَ التَّخْصِيصُ وَالتَّعْمِيمُ فِيهِ سَوَاءٌ،
-
ثُمَّ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ وَارِثُهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، أَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ وَارِثُهُ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، أَوْ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فِي هَذَا الْمِصْرِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه فَإِنَّهُ يَدْفَعُ كُلَّ التَّرِكَةِ إلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَارِثُ مِمَّنْ لَا يَحْتَمِلُ الْحَجْبَ، كَالِابْنِ وَالْأَبِ وَالْأُمِّ وَنَحْوِهِمْ، أَوْ يَحْتَمِلُهُ، كَالْأَخِ وَالْأُخْتِ وَالْجَدِّ وَنَحْوِهِمْ؛
-
لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ وَارِثًا لَهُ فَيُدْفَعُ إلَيْهِ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ إلَّا إذَا كَانَ زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً فَلَا يُعْطَى إلَّا أَكْثَرُ نَصِيبِهِ،
-
فَلَا يُعْطَى الزَّوْجُ إلَّا النِّصْفُ،
-
وَلَا تُعْطَى الْمَرْأَةُ إلَّا الرُّبُعُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَسْتَحِقَّانِ مِنْ الْمِيرَاثِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا، وَفِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْوَارِثِ كَفِيلٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ - وَهُوَ مَا إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ وَارِثُهُ وَلَمْ يَقُولُوا: " لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ " ،
-
وَلَا قَالُوا: " لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ " فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَحْتَمِلُ الْحَجْبَ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ شَيْءٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ حَاجِبٍ،
-
فَإِنْ كَانَ لَا يُعْطَى،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُعْطَى بِالشَّكِّ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَحْتَمِلُ الْحَجْبَ يُدْفَعُ إلَيْهِ جَمِيعُ الْمَالِ إلَّا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ، فَإِنَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِمَا إلَّا نَصِيبُهُمَا، وَهُوَ أَكْثَرُ النَّصِيبَيْنِ، عِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَقَلُّ النَّصِيبَيْنِ، لِلزَّوْجِ الرُّبُعُ وَلِلْمَرْأَةِ الثُّمْنُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّ النُّقْصَانَ عَنْ أَكْثَرِ النَّصِيبَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْمُزَاحَمَةِ، وَفِي وُجُودِ الْمُزَاحِمِ شَكٌّ،
-
فَلَا يَثْبُتُ النُّقْصَانُ بِالشَّكِّ، وَلِأَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ الْأَقَلَّ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَفِي الزِّيَادَةِ شَكٌّ فَلَا تَثْبُتُ الزِّيَادَةُ بِالشَّكِّ وَرُوِيَ عَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ لِلزَّوْجِ الرُّبُعَ وَلِلْمَرْأَةِ رُبُعُ الثُّمْنِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَيَكُونُ لَهَا رُبُعُ الثُّمْنِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ وَفِي الزِّيَادَةِ شَكٌّ، وَرَوَى عَنْهُ أَصْحَابُ الْإِمْلَاءِ وَلِلزَّوْجِ الْخُمُسُ، وَلِلْمَرْأَةِ رُبُعُ التُّسْعِ، أَمَّا الزَّوْجُ؛
-
فَلِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ أَبَوَانِ وَبِنْتَانِ وَزَوْجٌ، أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ، لِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ: أَرْبَعَةٌ، وَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ: ثَمَانِيَةٌ، وَلِلزَّوْجِ الرُّبُعُ: ثَلَاثَةٌ، فَعَالَتْ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ فَصَارَتْ الْفَرِيضَةُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ: خُمُسُهَا فَذَلِكَ لِلزَّوْجِ.
-
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ؛ فَلِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ أَبَوَانِ وَبِنْتَانِ وَزَوْجَةٌ، أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، لِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ: ثَمَانِيَةٌ، وَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ: سِتَّةَ عَشَرَ، وَلِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ: ثَلَاثَةٌ، فَعَالَتْ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ فَصَارَتْ الْفَرِيضَةُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ: تُسْعُهَا،
-
ثُمَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا ثَلَاثَةٌ أُخْرَى فَيَكُنَّ أَرْبَعَ زَوْجَاتٍ، فَيَكُونُ لَهَا رُبُعُ التُّسْعِ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى أَرْبَعَةٍ لَا تَسْتَقِيمُ، فَتُضْرَبُ أَرْبَعَةٌ فِي تِسْعَةٍ، وَيَكُونُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ سَهْمًا، تُسْعُهَا: أَرْبَعَةٌ، فَلَهَا مِنْ ذَلِكَ سَهْمٌ، وَهُوَ رُبُعُ التُّسْعِ، وَهُوَ سَهْمٌ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا،
-
ثُمَّ فِي هَذَا الْوَجْهِ الثَّالِثِ إذَا كَانَ الْوَارِثُ مِمَّنْ لَا يَحْتَمِلُ الْحَجْبَ وَدُفِعَ الْمَالُ إلَيْهِ هَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ -: " لَا يُؤْخَذُ " ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: " يُؤْخَذُ " (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ أَخْذَ الْكَفِيلِ لِصِيَانَةِ الْحَقِّ، وَالْحَاجَةُ مَسَّتْ إلَى الصِّيَانَةِ لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ وَارِثٍ آخَرَ فَيُؤْخَذُ الْكَفِيلُ نَظَرًا لِلْوَارِثِ، كَمَا فِي رَدِّ الْآبِقِ وَاللُّقَطَةِ إلَى صَاحِبِهَا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إنَّ حَقَّ الْحَاضِرِ لِلْحَالِ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَفِي ثُبُوتِ الْحَقِّ لِوَارِثٍ آخَرَ شَكٌّ؛
-
لِأَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ وَارِثٌ آخَرُ، وَقَدْ لَا يَظْهَرُ،
-
فَلَا يَجُوزُ تَعْطِيلُ الْحَقِّ الثَّابِتِ بِيَقِينٍ لِحَقٍّ مَشْكُوكٍ فِيهِ مَعَ مَا أَنَّ الْمَكْفُولَ لَهُ مَجْهُولٌ، وَالْكَفَالَةُ لِلْمَجْهُولِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَإِنَّمَا أُخِذَ الْكَفِيلُ بِتَسْلِيمِ الْآبِقِ وَاللُّقَطَةِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ قَوْلُهُمَا لِمَا أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فَلَا يُؤْخَذُ الْكَفِيلُ عَلَى أَنَّا سَلَّمْنَا فَتِلْكَ كَفَالَةٌ لِمَعْلُومٍ لَا لِمَجْهُولٍ؛
-
لِأَنَّ الرَّادَّ إنَّمَا يَأْخُذُ الْكَفِيلَ لِنَفْسِهِ كَيْ لَا يَلْزَمَهُ الضَّمَانُ فَلَمْ تَكُنْ كَفَالَةً لِمَجْهُولٍ وَذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
-
وَقَالَ هَذَا شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ، وَهُوَ ظُلْمٌ، أَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يَجِدْ كَفِيلًا كُنْتُ أَمْنَعُهُ حَقَّهُ دَلَّتْ تَسْمِيَتُهُ أَخُذَ الْكَفِيلِ ظُلْمًا عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ: أَنَّ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، إذْ الصَّوَابُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ظُلْمًا فَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى بَرَاءَةِ سَاحَتِهِ عَنْ لَوْثِ الِاعْتِزَالِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ.
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَشْهُودِ بِهِ، فَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بِمَعْلُومٍ،
-
فَإِنْ كَانَتْ بِمَجْهُولٍ لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّ عِلْمَ الْقَاضِي بِالْمَشْهُودِ بِهِ شَرْطُ صِحَّةِ قَضَائِهِ، فَمَا لَمْ يَعْلَمْ لَا يُمْكِنُهُ الْقَضَاءُ بِهِ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عِنْدَ الْقَاضِي: أَنَّ فُلَانًا وَارِثُ هَذَا الْمَيِّتِ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛
-
لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَجْهُولٍ لِجَهَالَةِ الْوَارِثِ أَسْبَابَ الْوِرَاثَةِ وَاخْتِلَافَ أَحْكَامِهَا،
-
فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولُوا: " ابْنُهُ وَوَارِثُهُ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ " ، أَوْ " أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ " ، وَقَوْلُهُ: " لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ " لِئَلَّا يَتَلَوَّمَ الْقَاضِي لَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّهَادَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله لِجِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَابٌ فِي الزِّيَادَاتِ يُعْرَفُ ثَمَّةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَعْلُومًا لِلشَّاهِدِ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ حَتَّى لَوْ ظَنَّ، لَا تَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ وَإِنْ رَأَى خَطَّهُ وَخَتْمَهُ وَأَخْبَرَهُ النَّاسُ بِمَا يَتَذَكَّرُ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَعِنْدَهُمَا إنْ رَأَى خَطَّهُ وَخَتْمَهُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ وَالْحُجَجِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَأَمَّا الَّذِي يَخُصُّ الْمَكَانَ فَوَاحِدٌ، وَهُوَ مَجْلِسُ الْقَاضِي؛
-
لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَصِيرُ حُجَّةً مُلْزِمَةً إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَتَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) الشَّرَائِطُ الَّتِي تَخُصُّ بَعْضَ الشَّهَادَاتِ دُونَ الْبَعْضِ فَأَنْوَاعٌ أَيْضًا (مِنْهَا) الدَّعْوَى فِي الشَّهَادَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ مِنْ الْمُدَّعِي بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ؛؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي هَذَا الْبَابِ شُرِعَتْ لِتَحْقِيقِ قَوْلِ الْمُدَّعِي وَلَا يَتَحَقَّقُ قَوْلُهُ إلَّا بِدَعْوَاهُ إمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِنَائِبِهِ.
-
وَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تبارك وتعالى فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الدَّعْوَى كَأَسْبَابِ الْحُرُمَاتِ مِنْ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ، وَأَسْبَابُ الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، إلَّا أَنَّهُ شُرِطَتْ الدَّعْوَى فِي بَابِ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمَسْرُوقِ مِلْكًا لِغَيْرِ السَّارِقِ شَرْطُ تَحَقُّقِ كَوْنِ الْفِعْلِ سَرِقَةً شَرْعًا،
-
وَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلَّا بِالدَّعْوَى فَشُرِطَتْ الدَّعْوَى لِهَذَا، وَاخْتُلِفَ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ: أَنَّهُ حَقٌّ لِلْعَبْدِ فَتُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى، أَوْ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ عِتْقَ الْأَمَةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، لِمَا عُلِمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) الْعَدَدُ فِي الشَّهَادَةِ بِمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (وَقَوْلُهُ) سبحانه وتعالى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الشَّاهِدِ إقَامَةُ الشَّهَادَةِ لِلَّهِ عز وجل " الْآيَةُ " وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ ، وقَوْله تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ وَلَا تَقَعُ الشَّهَادَةُ لِلَّهِ إلَّا وَأَنْ تَكُونَ خَالِصَةً صَافِيَةً عَنْ جَرِّ النَّفْعِ.
-
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي الشَّهَادَةِ مَنْفَعَةً لِلشَّاهِدِ مِنْ حَيْثُ التَّصْدِيقُ؛؛ لِأَنَّ مَنْ صَدَقَ قَوْلُهُ يَتَلَذَّذُ بِهِ،
-
فَلَوْ قُبِلَ قَوْلُ الْفَرْدِ لَمْ تَخْلُ شَهَادَتُهُ عَنْ جَرِّ النَّفْعِ إلَى نَفْسِهِ،
-
فَلَا يَخْلُصُ لِلَّهِ عز وجل ، فَشُرِطَ الْعَدَدُ فِي الشَّهَادَةِ لِيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مُضَافًا إلَى قَوْلِ صَاحِبِهِ، فَتَصْفُو الشَّهَادَةُ لِلَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ -؛ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ فَرْدًا يُخَافُ عَلَيْهِ السَّهْوُ وَالنِّسْيَانُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَطْبُوعٌ عَلَى السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ، فَشَرْطُ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ لِيُذَكِّرَ الْبَعْضُ الْبَعْضَ عِنْدَ اعْتِرَاضِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي إقَامَةِ امْرَأَتَيْنِ مَقَامَ رَجُلٍ فِي الشَّهَادَةِ ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ ثُمَّ الشَّرْطُ عَدَدُ الْمُثَنَّى فِي عُمُومِ الشَّهَادَاتِ الْقَائِمَةِ عَلَى مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، إلَّا فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا عَدَدُ الْأَرْبَعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ، وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ .
-
وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحَدُ نَوْعَيْ الْحُجَّةِ، فَتُعْتَبَرُ بِالنَّوْعِ الْآخَرِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ،
-
ثُمَّ عَدَدُ الْأَقَارِيرِ الْأَرْبَعَةِ شَرْطُ ظُهُورِ الزِّنَا عِنْدَنَا فَكَذَا عَدَدُ الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ
-
بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُدُودِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِي الْإِقْرَارِ لِظُهُورِهَا، فَكَذَا فِي الشَّهَادَةِ؛ وَلِأَنَّ عَدَدَ الْأَرْبَعَةِ فِي الزِّنَا ثَبَتَ نَصًّا
-
بِخِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِنْ الْكَذِبِ لَا يَخْلُو عَنْ احْتِمَالِ الْكَذِبِ، وَعَدَدُ الْأَرْبَعَةِ فِي احْتِمَالِ الْكَذِبِ، مِثْلُ عَدَدِ الْمُثَنَّى مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ، لَكِنَّا عَرَفْنَاهُ شَرْطًا بِنَصٍّ خَاصٍّ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ فَبَقِيَ سَائِرُ الْأَبْوَابِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ وَأَمَّا فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالْوِلَادَةِ وَالْعُيُوبِ الْبَاطِنَةِ فِي النِّسَاءِ فَالْعَدَدُ فِيهِ لَيْسَ
-
بِشَرْطٍ عِنْدَنَا، فَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَالثِّنْتَانِ أَحْوَطُ، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّ الْعَدَدَ فِيهِ شَرْطٌ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ رحمه الله يُكْتَفَى فِيهِ بِامْرَأَتَيْنِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَا بُدَّ مِنْ الْأَرْبَعِ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ شَهَادَةَ الرِّجَالِ لَمَّا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا فِي هَذَا الْبَابِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ وَجَبَ الِاكْتِفَاءُ بِعَدَدِهِمْ مِنْ النِّسَاءِ، وَوَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ،
-
ثُمَّ لَا يُكْتَفَى بِأَقَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ،
-
فَلَا يُكْتَفَى بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ شَرْطَ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ فِي الْأَصْلِ ثَبَتَ تَعَبُّدًا غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؛؛ لِأَنَّ خَبَرَ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ عَنْ الْكَذِبِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ قَطْعًا وَيَقِينًا، وَإِنَّمَا يُفِيدُهُ غَالِبُ الرَّأْيِ وَأَكْثَرُ الظَّنِّ، وَهَذَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ، وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْعَدَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ إلَّا أَنَّا عَرَفْنَا الْعَدَدَ فِيهَا شَرْطًا بِالنَّصِّ، وَالنَّصُّ وَرَدَ بِالْعَدَدِ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ، فَبَقِيَتْ حَالَةُ الِانْفِرَادِ عَنْ الرِّجَالِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبِلَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ،
-
وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَاحِدٌ بِالْوِلَادَةِ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَبِلَ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فَشَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْلَى، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
وَمِنْهَا اتِّفَاقُ الشَّهَادَتَيْنِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ فَإِنْ اخْتَلَفَا لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ،؛ وَلِأَنَّ عِنْدَ اخْتِلَافِ الشَّهَادَتَيْنِ لَمْ يُوجَدْ إلَّا أَحَدُ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ،
-
وَلَا يُكْتَفَى بِهِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ،
-
ثُمَّ نَقُولُ: الِاخْتِلَافُ قَدْ يَكُونُ فِي جِنْسِ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي قَدْرِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الزَّمَانِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَكَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي الْجِنْسِ فَقَدْ يَكُونُ فِي الْعَقْدِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَالِ، أَمَّا فِي الْعَقْدِ فَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا بِالْبَيْعِ وَالْآخَرُ بِالْمِيرَاثِ أَوْ بِالْهِبَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ،
-
فَلَا تُقْبَلُ لِاخْتِلَافِ الْعَقْدَيْنِ صُورَةً وَمَعْنًى، فَقَدْ شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَقْدٍ غَيْرِ مَا شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِهِمَا شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ وَأَمَّا فِي الْمَالِ فَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا بِمَكِيلٍ وَالْآخَرُ بِمَوْزُونٍ،
-
فَلَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِهِمَا شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ.
-
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الشَّهَادَةِ فِي قَدْرِ الْمَشْهُودِ بِهِ، فَنَحْوُ مَا إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفَيْنِ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ، لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَصْلًا، وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ عَلَى الْأَلْفِ وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ، تُقْبَلُ عَلَى الْأَلْفِ بِالْإِجْمَاعِ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تُخَالِفْ الدَّعْوَى فِي قَدْرِ الْأَلْفِ بَلْ وَافَقَتْهَا بِقَدْرِهَا، إلَّا أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَدَّعِي زِيَادَةَ مَالٍ لَا شَهَادَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ، فَيَثْبُتُ قَدْرُ مَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ، كَمَا إذَا ادَّعَى أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ تُقْبَلُ عَلَى الْأَلْفِ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ شَطْرَ الشَّهَادَةِ خَالَفَ الدَّعْوَى؛
-
لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَدَّعِي أَلْفَيْنِ، وَأَنَّهُ اسْمٌ وُضِعَ دَلَالَةً عَلَى عَدَدٍ مَعْلُومٍ، وَالِاسْمُ الْمَوْضُوعُ دَلَالَةً عَلَى عَدَدٍ لَا يَقَعُ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ الْعَدَدِ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ، كَالْبَرْكِ لِأَلْفٍ مِنْ الْإِبِلِ وَالْهُنَيْدَةِ لِمِائَةٍ مِنْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَمْ تَكُنْ الْأَلْفُ الْمُفْرَدَةُ مُدَّعًى، فَلَمْ تَكُنْ الشَّهَادَةُ شَاهِدَةً عَلَى مَا دَخَلَ تَحْتَ الدَّعْوَى فَانْفَرَدَتْ الشَّهَادَةُ عَنْ الدَّعْوَى فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى،
-
فَلَا تُقْبَلُ، بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ أَنَّهُ يُقْبَلُ عَلَى الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ وَالْخَمْسَمِائَةِ اسْمٌ لِعَدَدَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُعْطَفُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَيُقَالُ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ دَاخِلًا تَحْتَ الدَّعْوَى، فَالشَّهَادَةُ الْقَائِمَةُ عَلَيْهِمَا تَكُونُ قَائِمَةً عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودًا،
-
فَإِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ فَقَدْ شَهِدَ بِأَحَدِ الْعَدَدَيْنِ الدَّاخِلَيْنِ تَحْتَ الدَّعْوَى، فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ مُوَافِقَةً لِلدَّعْوَى فِي عَدَدِ الْأَلْفِ فَيُقْضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي؛ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ -
-
بِخِلَافِ الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ -؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِعَدَدٍ وَاحِدٍ لَا تَصِحُّ عَلَى مَا دُونَهُ بِحَالٍ، فَلَمْ تَكُنْ الْأَلْفُ الْمُفْرَدَةُ دَاخِلَةً تَحْتَ الدَّعْوَى، فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ الْقَائِمَةُ عَلَيْهَا شَهَادَةً عَلَى مَا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الدَّعْوَى،
-
فَلَا تُقْبَلُ فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ ادَّعَى أَلْفًا فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْأَلْفِ وَالْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ لَا تُقْبَلُ عَلَى الْأَلْفِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ كَذَّبَ أَحَدَ شَاهِدَيْهِ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ تُهْمَةً فِي الْبَاقِي،
-
فَلَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا وَفَّقَ فَقَالَ: كَانَ لِي عَلَيْهِ أَلْفَانِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ قَدْ قَضَانِي أَلْفًا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الشَّاهِدُ فَيُقْبَلُ،
-
وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَلْفًا فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِهَا وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لَا تُقْبَلُ لِمَا قُلْنَا، إلَّا إذَا وَفَّقَ فَقَالَ: كَانَ لِي عَلَيْهِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، إلَّا أَنَّهُ قَضَانِي خَمْسَمِائَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا الشَّاهِدُ فَتُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَفَّقَ فَقَدْ زَالَ الِاخْتِلَافُ الْمَانِعُ مِنْ الْقَبُولِ
-
وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَهُوَ يُنْكِرُ، فَشَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفَيْنِ وَآخَرُ بِأَلْفٍ، أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ لَا تُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْبَدَلِ، وَاخْتِلَافُ الْبَدَلَيْنِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعَقْدَيْنِ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدًا بِعَقْدٍ غَيْرِ عَقْدِ صَاحِبِهِ، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِهِمَا شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ فَلَا تُقْبَلُ وَلَا يَثْبُتُ الْعَقْدُ،
-
وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُدَّعِيًا وَالْبَائِعُ مُدَّعًى عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا،
-
فَإِنْ كَانَ هَذَا فِي الْإِجَارَةِ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ الْمُؤَاجِرِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ دَعْوَى الْعَقْدِ، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ فَلَا تُقْبَلُ كَمَا فِي بَابِ الْبَيْعِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَهَذَا دَعْوَى الْمَالِ لَا دَعْوَى الْعَقْدِ، فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الدُّيُونِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَلَى الِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ، هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ الْمُؤَاجِرِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ لَا تُقْبَلُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْمُدَّةِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا؛؛ لِأَنَّ هَذَا دَعْوَى الْعَقْدِ،
-
وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي النِّكَاحِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ الْمَرْأَةِ، فَهَذَا دَعْوَى الْمَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - حَتَّى أَنَّهَا لَوْ ادَّعَتْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَشَهِدَ لَهَا شَاهِدَانِ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ تُقْبَلُ، وَالنِّكَاحُ جَائِزٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَعِنْدَهُمَا لَا تُقْبَلُ وَلَا يَجُوزُ النِّكَاحُ؛؛
-
لِأَنَّ هَذَا دَعْوَى الْعَقْدِ،
-
وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةُ تُنْكَرُ لَا تُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ؛؛ لِأَنَّ هَذَا دَعْوَى الْعَقْدِ،
-
وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْخُلْعِ أَوْ فِي الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ، أَوْ فِي الْعَتَاقِ، أَوْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مَالٍ،
-
فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ الْمَوْلَى أَوْ وَلِيِّ الْقِصَاصِ تُقْبَلُ؛؛ لِأَنَّ هَذَا دَعْوَى الْمَالِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ الْمَرْأَةِ أَوْ الْعَبْدِ أَوْ الْقَاتِلِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ هَذَا دَعْوَى الْعَقْدِ،
-
وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الْكِتَابَةِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ الْمُكَاتَبِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ هَذَا دَعْوَى الْعَقْدِ،
-
فَلَا تُقْبَلُ وَلَا تَصِحُّ الْكِتَابَةُ،
-
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمَوْلَى فَلَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُعْجِزَ نَفْسَهُ مَتَى شَاءَ.
-
(وَأَمَّا) اخْتِلَافُ الشَّهَادَةِ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْأَقَارِيرِ لَا يَمْنَعُ الْقَبُولَ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي الْأَفَاعِيلِ مِنْ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالْغَصْبِ وَإِنْشَاءِ الْبَيْعِ، وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهَا يَمْنَعُ الْقَبُولَ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ: أَنَّ الْإِقْرَارَ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ، فَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ لِسَمَاعِهِ عَنْ الْإِقْرَارِ فِي زَمَانَيْنِ أَوْ مَكَانَيْنِ،
-
فَلَا يَتَحَقَّقُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ،
-
بِخِلَافِ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَإِنْشَاءِ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ، فَاخْتِلَافُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فِيهَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الشَّهَادَتَيْنِ فَيَمْنَعُ الْقَبُولَ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
-
وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ قَرْضَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى الْقَرْضِ وَالْآخَرُ عَلَى الْقَرْضِ وَالْقَضَاءِ، يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى الْقَرْضِ وَلَا يَقْضِي بِالْقَضَاءِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا بِالْقَرْضِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ اجْتَمَعَا عَلَى الشَّهَادَةِ بِالْقَرْضِ لَكِنَّ الَّذِي شَهِدَ بِالْقَضَاءِ فَسَخَ شَهَادَتَهُ بِالْقَرْضِ، فَبَقِيَ عَلَى الْقَرْضِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَلَا يَقْضِي بِالشَّهَادَةِ،
-
وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ اخْتَلَفَتَا فِي الْقَضَاءِ لَا فِي الْقَرْضِ، بَلْ اتَّفَقَا عَلَى الْقَرْضِ فَيُقْضَى بِهِ، وَقَوْلُهُ: شَاهِدُ الْقَضَاءِ فَسَخَ شَهَادَتَهُ بِالْقَرْضِ قُلْنَا: مَمْنُوعٌ بَلْ قَرَّرَ شَهَادَتَهُ عَلَى الْقَرْضِ؛؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَرْضِ بَعْدَ الْقَرْضِ يَكُونُ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَكَانِ فَوَاحِدٌ وَهُوَ مَجْلِسُ الْقَضَاءِ وَمِنْهَا الذُّكُورَةُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَلَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا - أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ،؛
-
وَلِأَنَّ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ مَبْنَاهُمَا عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ بِالشُّبُهَاتِ، وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تَخْلُو عَنْ شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّهُنَّ جُبِلْنَ عَلَى السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ وَنُقْصَانِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ، فَيُورِثُ ذَلِكَ شُبْهَةً
-
بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ؛ وَلِأَنَّ جَوَازَ شَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ شَهَادَةِ الرِّجَالِ، وَالْإِبْدَالُ فِي بَابِ الْحُدُودِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، كَالْكَفَالَاتِ وَالْوَكَالَاتِ.
-
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الْأَمْوَالِ فَالذُّكُورَةُ لَيْسَتْ فِيهَا بِشَرْطٍ، وَالْأُنُوثَةُ لَيْسَتْ بِمَانِعَةٍ بِالْإِجْمَاعِ، فَتُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ لِقَوْلِ اللَّهِ تبارك وتعالى فِي بَابِ الْمُدَايَنَةِ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ .
-
وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِهَا فِي الشَّهَادَةِ بِالْحُقُوقِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَالٍ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ، قَالَ أَصْحَابُنَا رضي الله عنهم : " لَيْسَتْ بِشَرْطٍ " وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رضي الله عنه " شَرْطٌ " (وَجْهُ)
-
قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ حُجَّةٌ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ حُجَّةً فِي بَابِ الدِّيَانَاتِ عِنْدَ عَدَمِ الرِّجَالِ،
-
وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَالٍ لِانْدِفَاعِ الْحَاجَةِ فِيهَا بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ، وَلِهَذَا لَمْ تُجْعَلْ حُجَّةً فِي بَابِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
-
وَكَذَا لَمْ تُجْعَلْ حُجَّةً بِانْفِرَادِهِنَّ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، (وَلَنَا) قَوْلُهُ تبارك وتعالى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ الْآيَةَ، جَعَلَ اللَّهُ سبحانه وتعالى لِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ شَهَادَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ سبحانه وتعالى جَعَلَهُمْ مِنْ الشُّهَدَاءِ، وَالشَّاهِدُ الْمُطْلَقُ مَنْ لَهُ شَهَادَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شَهَادَةٌ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، إلَّا مَا قُيِّدَ بِدَلِيلٍ.
-
وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي النِّكَاحِ وَالْفُرْقَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى الْجَوَازِ؛ وَلِأَنَّ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي إظْهَارِ الْمَشْهُودِ بِهِ مِثْلُ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، لِرُجْحَانِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِيهَا عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ بِالْعَدَالَةِ، لَا أَنَّهَا لَمْ تُجْعَلْ حُجَّةً فِيمَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ لِنَوْعِ قُصُورٍ وَشُبْهَةٍ فِيهَا لِمَا ذَكَرْنَا، وَهَذِهِ الْحُقُوقُ تَثْبُتُ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ.
-
(وَأَمَّا) قَوْلُهُ بِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ فَلَا تَسْلَمُ، فَإِنَّهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شَهَادَةِ الرِّجَالِ فِي بَابِ الْأَمْوَالِ مَقْبُولَةٌ، فَدَلَّ أَنَّهَا شَهَادَةٌ مُطْلَقَةٌ لَا ضَرُورَةً، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ نُقْصَانَ الْأُنُوثَةِ يَصِيرُ مَجْبُورًا بِالْعَدَدِ فَكَانَتْ شَهَادَةً مُطْلَقَةً، وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِهَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِحْصَانِ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا الثَّلَاثَةُ رضي الله عنهم : " لَيْسَتْ بِشَرْطٍ " وَقَالَ زُفَرُ: شَرْطٌ حَتَّى يَظْهَرَ الْإِحْصَانُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ لَا يَظْهَرُ (وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ رحمه الله أَنَّ الذُّكُورَةَ شَرْطٌ فِي عِلَّةِ الْعُقُوبَاتِ بِالْإِجْمَاعِ، حَتَّى لَا يَظْهَرَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَالْإِحْصَانُ مِنْ جُمْلَةِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ؛
-
لِأَنَّ عِلَّةَ وُجُوبِ الرَّجْمِ لَيْسَ هُوَ الزِّنَا الْمُطْلَقَ، بَلْ الزِّنَا لِمَوْصُوفٍ بِالتَّغْلِيظِ،
-
وَلَا يَتَغَلَّظُ إلَّا بِالْإِحْصَانِ، فَكَانَ الْإِحْصَانُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِلَّةِ فَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ بِالْإِحْصَانِ جَازَ رُجُوعُهُ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا رَجَعَ،
-
وَكَذَا الشَّهَادَةُ الْقَائِمَةُ عَلَى الْإِحْصَانِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى كَالشَّهَادَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى الزِّنَا.
-
(وَلَنَا) قَوْلُهُ عز وجل ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾ الْآيَةَ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مَعَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله .
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " مِنْ جُمْلَةِ الْعِلَّةِ الْإِحْصَانُ " ، قُلْنَا: " لَا مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ شَرْطُ الْعِلَّةِ " فَيَصِيرُ الزِّنَا عِنْدَهُ عِلَّةً، وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى الْعِلَّةِ لَا إلَى الشَّرْطِ لِمَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
-
وَأَمَّا الرُّجُوعُ عَنْهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله ،
-
وَلَا يَصِحُّ فِي قَوْلِ زُفَرَ رحمه الله ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى زُفَرَ،
-
وَلَا رِوَايَةَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -، فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ الدَّعْوَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ سبحانه وتعالى لَا عَلَى أَنَّهُ تُضَافُ إلَيْهِ الْعُقُوبَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي عِتْقِ الْأَمَةِ إجْمَاعًا،
-
وَلَا فِي عِتْقِ الْعَبْدِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَتَقَرَّرُ تَعَلُّقُ عُقُوبَةٍ بِهِ وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِحْصَانَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْوَقْتِ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْخِلَافِيَّاتِ.
-
وَمِنْهَا إسْلَامُ الشَّاهِدِ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا، حَتَّى لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهَا مَعْنَى الْوِلَايَةِ، وَهُوَ تَنْفِيذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ،
-
وَلَا وِلَايَةَ لِلْكَافِرِ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى الْمُسْلِمِ فَعَلَى الْكَافِرِ أَوْلَى (وَأَمَّا) إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ كَافِرًا، فَإِسْلَامُ الشَّاهِدِ، هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِقَبُولِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ؟ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: رضي الله عنهم " لَيْسَ بِشَرْطٍ " حَتَّى تُقْبَلَ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ مِلَلُهُمْ أَوْ اخْتَلَفَتْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا عُدُولًا فِي دِينِهِمْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : شَرْطٌ حَتَّى لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمْ أَصْلًا.
-
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ نَفَى اللَّهُ سبحانه وتعالى أَنْ يَكُونَ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلٌ، وَفِي قَبُولِ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إثْبَاتُ السَّبِيلِ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِنَّهُ مَنْفِيٌّ؛ وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَالْفِسْقُ مَانِعٌ، وَالْكُفْرُ رَأْسُ الْفِسْقِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْقَبُولِ.
-
(وَلَنَا) قَوْلُ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ «فَإِذَا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ» ، وَلِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ شَهَادَةٌ، فَكَذَا لِلذِّمِّيِّ عَلَى الذِّمِّيِّ، فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ شَهَادَةٌ كَالْمُسْلِمِ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ صَارَ مَخْصُوصًا مِنْ عُمُومِ النَّصِّ،؛
-
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ مَسَّتْ إلَى صِيَانَةِ حُقُوقِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
-
وَلَا تَحْصُلُ الصِّيَانَةُ إلَّا وَأَنْ يَكُونَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ شَهَادَةٌ،
-
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَاجَةَ
-
إلَى صِيَانَةِ حُقُوقِهِمْ مَاسَّةٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا، وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصِّيَانَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا وَأَنْ يَكُونَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ شَهَادَةٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ تَكْثُرُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَحْضُرُونَ مُعَاقَدَتِهِمْ لِيَتَحَمَّلُوا حَوَادِثَهُمْ،
-
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ شَهَادَةٌ لَضَاعَتْ حُقُوقُهُمْ عِنْدَ الْجُحُودِ وَالْإِنْكَارِ فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الصِّيَانَةِ بِالشَّهَادَةِ.
-
وَأَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فَوُجُوبُ الْقَضَاءِ لَا يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّقْلِيدِ السَّابِقِ، وَالشَّهَادَةُ شَرْطُ الْوُجُوبِ، وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ،
-
فَلَا يَكُونُ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إثْبَاتُ السَّبِيلِ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ مِلَلُهُمْ أَوْ اخْتَلَفَتْ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ، وَالْيَهُودِيِّ عَلَى الْمَجُوسِيِّ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: " إنْ اخْتَلَفَتْ لَا تُقْبَلُ " : وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛
-
لِأَنَّ الْكُفْرَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ صُورَةً، فَهُوَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ حَقِيقَةً، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ كَيْفَ مَا كَانَ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، حَتَّى لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْمُسْتَأْمَنِ عَلَى الذِّمِّيِّ؛؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حَقِيقَةً،
-
وَإِنْ كَانَ فِيهَا صُورَةً؛ لِأَنَّهُ مَا دَخَلَ دَارَنَا لِلسُّكْنَى فِيهَا بَلْ لِيَقْضِيَ حَوَائِجَهُ،
-
ثُمَّ يَعُودَ عَنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالذِّمِّيُّ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَاخْتَلَفَتْ الدَّارَانِ فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ الَّذِي رَوَيْنَا، وَصَارَ حُكْمُ الْمُسْتَأْمَنِ مَعَ الذِّمِّيِّ فِي الشَّهَادَةِ كَحُكْمِ الذِّمِّيِّ مَعَ الْمُسْلِمِ، وَشَهَادَةُ الْمُسْتَأْمَنِ تُقْبَلُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ إنْ اتَّفَقَتْ دَارُهُمْ وَمِلَلُهُمْ،
-
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ لَا تُقْبَلُ.
-
وَمِنْهَا عَدَمُ التَّقَادُمِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْحُدُودِ كُلِّهَا إلَّا حَدَّ الْقَذْفِ، حَتَّى لَا تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا إذَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ، إلَّا عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ،
-
بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ لِمَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
-
قِيَامُ الرَّائِحَةِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ سَكْرَانَ، وَلَمْ يُحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْ مَسِيرِهِ لَا يَبْقَى الرِّيحُ مِنْ الْمَجِيءِ بِهِ مِنْ مِثْلِهَا عَادَةً عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْحُدُودِ وَتُذْكَرُ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
(وَمِنْهَا) الْأَصَالَةُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، حَتَّى لَا تُقْبَلَ فِيهَا الشَّهَادَةُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ عِنْدَنَا، كَذَا لَا يُقْبَلُ فِيهَا كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَيْسَ بِشَرْطٍ، حَتَّى تُقْبَلَ فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُقُوقِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْهَا؛
-
فَتُقْبَلُ فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَكِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، إلَّا فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُقْبَلُ فِيهِ أَيْضًا عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي (وَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّ الْفُرُوعَ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ نِيَابَةً عَنْ الْأُصُولِ، فَكَانَتْ شَهَادَتُهُمْ شَهَادَةَ الْأُصُولِ مَعْنًى، وَشَهَادَةُ الْأُصُولِ عَلَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ مَقْبُولَةٌ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ مِمَّا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا تَخْلُو عَنْ شُبْهَةٍ، وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي شَهَادَتِهِنَّ بِسَبَبِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ هُنَا تَمَكَّنَتْ فِي مَجْلِسٍ، فَكَانَ فِيهَا زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي شَهَادَةِ الْأُصُولِ؛
-
وَلِأَنَّ الْحُدُودَ لَمَّا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الدَّرْءِ أَوْجَبَ ذَلِكَ اخْتِصَاصَهَا بِحُجَجٍ مَخْصُوصَةٍ، بَلْ إيقَافَ إقَامَتِهَا، وَلِهَذَا شُرِطَ عَدَدُ الْأَرْبَعَةِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا؛ لِأَنَّ اطِّلَاعَ أَرْبَعَةٍ مِنْ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ عَلَى غَيْبُوبَةِ ذَكَرِهِ فِي فَرْجِهَا، كَمَا يَغِيبُ الْمِيلُ فِي الْمُكْحُلَةِ نَادِرٌ غَايَةَ النُّدْرَةِ،
-
ثُمَّ نَقُولُ الْكَلَامُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ: فِي صُورَةِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَفِي شَرَائِطِ التَّحَمُّلِ، وَفِي صُورَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَفِي شَرَائِطِ الْأَدَاءِ أَمَّا صُورَةُ التَّحَمُّلِ فَلَهَا عِبَارَتَانِ: مُخْتَصَرَةٌ، وَمُطَوَّلَةٌ، أَمَّا اللَّفْظُ الْمُخْتَصَرُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ شَاهِدُ الْأَصْلِ: " أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا " ، أَوْ يَقُولَ: " أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، فَأَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ " .
-
وَأَمَّا الْمُطَوَّلُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ شَاهِدُ الْأَصْلِ: " أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، أُشْهِدُكَ عَلَى شَهَادَتِي هَذِهِ وَآمُرُكَ أَنْ تَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِي هَذِهِ فَاشْهَدْ " .
-
وَأَمَّا شَرَائِطُ تَحَمُّلِ هَذِهِ الشَّهَادَاتِ فَمَا ذَكَرْنَا فِي عُمُومِ الشَّهَادَاتِ وَأَمَّا الَّذِي يَخْتَصُّ بِهَا فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا الْإِشْهَادُ حَتَّى لَا يَصِحَّ التَّحَمُّلُ بِنَفْسِ السَّمَاعِ دُونَ الْإِشْهَادِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: " أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا " فَسَمِعَ إنْسَانٌ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ: " اشْهَدْ أَنْتَ " لَمْ يَصِحَّ التَّحَمُّلُ
-
بِخِلَافِ سَائِرِ الشَّهَادَاتِ، أَنَّهُ يَصِحُّ التَّحَمُّلُ فِيهَا بِنَفْسِ مُعَايَنَةِ الْفِعْلِ وَسَمَاعِ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ الْفُرُوعَ يَشْهَدُونَ نِيَابَةً عَنْ الْأُصُولِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِنَابَةِ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ
-
بِالْإِشْهَادِ بِخِلَافِ سَائِرِ الشَّهَادَاتِ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الشَّاهِدِ فِي سَائِرِهَا بِطَرِيقِ الْإِحَالَةِ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ، فَيَصِحُّ التَّحَمُّلُ فِيهَا بِطَرِيقِ الْمُعَايَنَةِ.
-
وَمِنْهَا الْإِشْهَادُ عَلَى شَهَادَتِهِ حَتَّى لَوْ قَالَ: " أَشْهَدُ بِمِثْلِ مَا شَهِدْتُ " ، أَوْ " كَمَا شَهِدْت " ، أَوْ " عَلَى مَا شَهِدْتُ " لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ مَا لَمْ يَقُلْ " عَلَى شَهَادَتِي " ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّحَمُّلِ وَالْإِنَابَةِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ عَلَى شَهَادَتِهِ.
-
وَمِنْهَا عَدَدُ التَّحَمُّلِ، وَهُوَ أَنْ يَتَحَمَّلَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ اثْنَانِ، حَتَّى لَوْ تَحَمَّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَاحِدٌ، وَتَحَمَّلَ مِنْ الْآخَرِ وَاحِدٌ لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الشَّاهِدِ، وَالْحُقُوقُ الثَّابِتَةُ فِي الذِّمَمِ لَا يَنْقُلُهَا إلَى الْقَاضِي إلَّا شَاهِدَانِ،
-
وَلَوْ تَحَمَّلَ اثْنَانِ مِنْ أَحَدِهِمَا شَهَادَتَهُ،
-
ثُمَّ تَحَمَّلَا مِنْ الْآخَرِ شَهَادَتَهُ جَازَ التَّحَمُّلُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَى التَّحَمُّلِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَانِ،
-
فَأَمَّا الذُّكُورَةُ فِي تَحَمُّلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَتَّى يَصِحَّ التَّحَمُّلُ فِيهَا مِنْ النِّسَاءِ.
-
(وَأَمَّا) صُورَةُ أَدَاءِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَلَهَا لَفْظَانِ أَيْضًا: مُخْتَصَرٌ، وَمُطَوَّلٌ فَالْمُخْتَصَرُ أَنْ يَقُولَ: " شَهِدَ فُلَانٌ عِنْدِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَأَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ فَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ " .
-
وَأَمَّا الْمُطَوَّلُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: " شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، وَأَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ، وَأَنَا أَشْهَدُ الْآنَ عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ " ،
-
وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: " وَأَمَرَنِي أَنْ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ " جَازَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّحَمُّلِ وَالْإِنَابَةِ يَتَأَدَّى بِقَوْلِهِ: " أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ " فَكَانَ قَوْلُهُ: " أَمَرَنِي بِذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ " وَأَمَّا شَرَائِطُهَا فَمَا ذَكَرْنَاهُ كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَيِّتًا، أَوْ غَائِبًا مَسِيرَةَ سَفَرٍ، أَوْ مَرِيضًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ؛
-
لِأَنَّ جَوَازَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ،
-
وَلَا تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَأَمَّا الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِأَدَاءِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَتُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ لِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فَظَاهِرُ النَّصِّ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلنِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ شَهَادَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، إلَّا مَا قُيِّدَ بِدَلِيلٍ؛
-
وَلِأَنَّ قَضِيَّةَ الْقِيَاسِ أَنْ لَا تُشْتَرَطَ الذُّكُورَةُ وَالْأَصْلُ فِي عُمُومِ الشَّهَادَاتِ، إلَّا أَنَّ اشْتِرَاطَ الذُّكُورَةِ فِي شَهَادَةِ الْأُصُولِ عَلَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ثَبَتَ بِنَصٍّ خَاصٍّ، وَهُوَ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ رحمه الله لِتَمَكُّنِ شُبْهَةٍ فِي شَهَادَتِهِنَّ لَيْسَتْ فِي شَهَادَةِ الرِّجَالِ، وَاشْتِرَاطُ الْأَصَالَةِ فِي الشَّهَادَةِ لِتَمَكُّنِ زِيَادَةِ شُبْهَةٍ فِي شَهَادَةِ الْفُرُوعِ لَيْسَتْ فِي شَهَادَةِ الْأُصُولِ، وَهُوَ الشُّبْهَةُ فِي الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَشُرِطَ ذَلِكَ احْتِيَالًا لِدَرْءِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالْأَمْوَالُ وَالْحُقُوقُ مِمَّا ثَبَتَ بِالشُّبْهَةِ فَثَبَتَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ بِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ فَاَلَّذِي يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ لِلَّهِ سبحانه وتعالى فِيمَا سِوَى أَسْبَابِ الْحُدُودِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ ، وَقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ إلَّا أَنَّ فِي الشَّهَادَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ وَأَسْبَابِهَا لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمَشْهُودِ لَهُ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ،
-
فَإِذَا طَلَبَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ، حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ بَعْدَ الطَّلَبِ يَأْثَمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ أَيْ دُعُوا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةُ الْمَشْهُودِ لَهُ فِي ذِمَّةِ الشَّاهِدِ.
-
وَقَالَ سبحانه وتعالى ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وَأَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تبارك وتعالى ، وَفِيمَا سِوَى أَسْبَابِ الْحُدُودِ، نَحْوُ طَلَاقِ امْرَأَةٍ وَإِعْتَاقِ عَبْدٍ، وَالظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَنَحْوُهَا مِنْ أَسْبَابِ الْحُرُمَاتِ تَلْزَمُهُ الْإِقَامَةُ حِسْبَةً لِلَّهِ تبارك وتعالى عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْإِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ.
-
وَأَمَّا فِي أَسْبَابِ الْحُدُودِ مِنْ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَشْهَدَ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتُرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ ، وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» وَقَدْ نَدَبَهُ الشَّرْعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إنْ شَاءَ اخْتَارَ جِهَةَ الْحِسْبَةِ فَأَقَامَهَا لِلَّهِ تَعَالَى،
-
وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ جِهَةَ السَّتْرِ فَيَسْتُرُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الشَّهَادَةِ فَحُكْمُهَا وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهَا مُظْهِرَةٌ لِلْحَقِّ، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ بِالْحَقِّ، قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ ، وَثُبُوتُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الْأَحْكَامِ.
-
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَيَانُ حُكْمِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا - يَرْجِعُ إلَى مَالِ الشَّاهِدِ، وَالثَّانِي - يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَالِهِ فَهُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، أَمَّا الْأَوَّلُ - فَسَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي هَذَا الْبَابِ إتْلَافُ الْمَالِ أَوْ النَّفْسِ بِالشَّهَادَةِ؛؛
-
لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا يَجِبُ إمَّا بِالِالْتِزَامِ أَوْ بِالْإِتْلَافِ، وَلَمْ يُوجَدْ الِالْتِزَامُ فَيَتَعَيَّنَ الْإِتْلَافُ فِيهَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ،
-
وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ حُرّاً مُسْلِماً بَالِغاً عَاقِلاً عَدْلاً مُسْتَعْمِلاً لِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ، وَفِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُوَلًّى عَلَيْهِ لِسُوءِ نَظَرِهِ فِي الْمَالِ لا بِجُرْحَةٍ خِلافٌ.
-
وَالْعَدَالَةُ: الْمُحَافَظَةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَذِبِ وَالْكَبَائِرِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ فَإِنَّهَا فِسْقٌ.
-
وَلا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَلا تَأْوِيلٍ كَالْقَدَرِيِّ وَالْخَارِجِيِّ.
-
وَلا يُشْتَرَطُ انْتِفَاءُ الْمَعْصِيَةِ فَإِنَّهُ مُتَعَذِّرٌ، وَلَكِنْ رُبَّ مَعْصِيَةٍ لا يُحَافِظُ مُرْتَكِبُهَا عَلَى دِينِهِ عَادَةً. وَفِيهَا: لَوْ ثَبَتَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ شَرَبَةُ خَمْرٍ أَوْ أَكَلَةُ رِباً أَوْ [أَنَّهُمْ] مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ فِي غَيْرِ شَيْءٍ أَوْ أَصْحَابُ قِيَانٍ أَوْ مُجَّانٌ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ فَذَلِكَ يُسْقِطُهُ وَمَا يُشْبِهُهُ،
-
وَيُشْتَرَطُ الإِدْمَانُ فِي التَّجْرِيحِ بِالشِّطْرَنْجِ عَلَى الأَصَحِّ وَالْمُرُوءَةُ الارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ لا يُحَافَظُ مِثْلُهُ إِذَا تَحَلَّتْ بِهِ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَاماً كَالإِدْمَانِ عَلَى لَعِبِ الْحَمَامِ وَالشِّطْرَنْجِ، وَكَالْحِرْفَةِ (١) الدَّنِيَّةِ مِنْ دِبَاغَةٍ وَحِجَامَةٍ وَحِيَاكَةٍ اخْتِيَاراً مِمَّنْ لا تَلِيقُ بِهِ فَأَمَّا أَهْلُهَا أَوْ مَنِ اضْطُرَّ فَلا تَقْدَحُ،
-
وَلا يُقْبَلُ عَبْدٌ وَلا كَافِرٌ مُطْلَقاً، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُمَيِّزِ مِنَ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّمَاءِ خَاصَّةً وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ
-
ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: هِيَ السُّنَّةُ، وَمَا أَدْرَكْتُ الْقُضَاةَ إِلا وَهُمْ يَحْكُمُونَ بِهَا -
-
بِخِلافِ النِّسَاءِ فِي الْمَأْتَمِ وَالأَعْرَاسِ عَلَى الأَصَحِّ - وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَاراً مَحْكُوماً بِإِسْلامِهِمُ اثْنَيْنِ فَصَاعِداً مُتَّفِقَيْنِ غَيْرَ مُخْتَلِفَيْنِ قَبْلَ تَفْرِيقِهِمْ إِلا أَنْ يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ (١) ،
-
وَفِي اشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ: قَوْلانِ، وَفِي قَبُولِهَا فِي الْقَتْلِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ،
-
وَلا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ [وَلا تَجْرِيحُهُمْ، وَفِي قَدْحِ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ: قَوْلانِ] ،
-
وَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى كَبِيرٍ لِصَغِيرٍ وَلا عَلَى عَكْسِهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَمَّا عَلَى صَغِيرٍ بِقَتْلِهِ فَتَجُوزُ،
-
وَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مَعَ حُضُورِ كَبِيرٍ - رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ - فَإِنْ كَانَ فَاسِقاً أَوْ كَافِراً أَوْ عَبْداً - فَقَوْلانِ.
-
وَيَعْتَمِدُ الْحَاكِمُ عَلَى عِلْمِهِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ اتِّفَاقاً،
-
وَكَذَلِكَ الْمَشْهُورُ الْعَدَالَةِ وَالْجُرْحَةِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الاسْتِزْكَاءُ مَهْمَا شَكَّ وَلَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِالْعَدَالَةِ حُكِمَ عَلَيْهِ خَاصَّةً،
-
وَلا يُقْبَلُ فِي التَّعْدِيلِ إِلا الْفَطِنُ الَّذِي لا يُخْدَعُ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ وَلا يُقْبَلُ إِلا الْعَارِفُ بِوَجْهِ التَّعْدِيلِ وَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ عَدَالَتَهُ بِطُولِ الْمِحْنَةِ (٢) وَالْمُعَاشَرَةِ لا بِالتَّسَامُعِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، قَالَ مَالِكٌ:
-
وَإِذَا صَحِبَهُ شَهْراً فَلَمْ يَعْلَمْ إِلا خَيْراً فَلا يُزَكِّيهِ بِهَذَا،
-
وَلا يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ سُوقِهِ وَأَهْلِ (٣) مَحَلَّتِهِ إِذَا كَانَ فِيهِمْ عُدُولٌ.
-
وَفِي الْمُدَوَّنةِ: وَلا يُقْبَلُ فِي الْبَلَدِيِّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ
-
بِخِلافِ الْغَرِيبِ، وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَزَأَ بِتَعْدِيلِ الْعَلانِيَةِ
-
بِخِلافِ السِّرِّ، قَالَ مَالِكٌ:
-
وَلا أُحِبُّ أَنْ يَسَأَلَ فِي السِّرِّ أَقَلَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَلا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ وَحْدَهُ، وَيُسْمَعُ التَّجْرِيحُ فِي الْمُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ بِاتِّفَاقٍ، وَيُسْمَعُ فِي الْمُبَرَّزِ - الْقَدْحُ بِالْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ وَشِبْهِهِمَا، وَفِي قَبُولِ تَجْرِيحِهِ فِي الْعَدَالَةِ ثَلاثَةٌ لِمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ - ثَالِثُهَا: إِنْ كَانُوا مِثْلَهُ أَوْ أَعْدَلَ قُبِلَ.
-
وَيُؤَجَّلُ الْخَصْمُ لِلتَّجْرِيحِ ثُمَّ يُحْكَمُ عَلَيْهِ،
-
وَقِيلَ لابْنِ الْقَاسِمِ: أَيَجْرَحُ الشَّاهِدُ سِرّاً؟ قَالَ: نَعَمْ،
-
وَلَوْ سَأَلَ ذُو الْحَقِّ
-
عَنِ الْمُجْرِحِ فَعَلَى الْحَاكِمِ إِخْبَارُهُ.
-
وَيَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضاً،
-
وَقِيلَ: أَوْ أَعْرِفُهُ، وَقِيلَ: أَوْ أَرَاهُ عَدْلاً رِضاً،
-
وَلا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ التَّعْدِيلِ، وَفِي سَبَبِ الْجَرْحِ - ثَالِثُهَا لِمُطَرِّفٍ إِنْ كَانَ عَالِماً بِوَجْهِهِ لَمْ يَجِبْ، وَرَابِعُهَا لأَشْهَبَ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مُبَرَّزٍ لَمْ يَجِبْ.
-
وَلَوْ شَهِدَ فَزُكِّيَ ثُمَّ شَهِدَ - فَثَالِثُهَا: إِنْ لَمْ يُغْمَزْ فِيهِ بِشَيْءٍ لَمْ يَحْتَجْ، وَرَابِعُهَا: إِنْ كَانَ الْمُزَكَّى مُبَرَّزاً لَمْ يَحْتَجْ،
-
وَإِذَا عُدِّلَ وَجُرِّحَ فَفِي تَقْدِيمِ الْجَرْحِ وَالتَّنَافِي: قَوْلانِ.
-
الْمَوَانِعُ:
-
الأَوَّلُ - التَّغَفُّلُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: قَدْ يَكُونُ الْخَيْرُ الْفَاضِلُ ضَعِيفاً لِغَفْلَتِهِ فَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛
-
وَقِيلَ: إِلا فِيمَا (١) لا يَكَادُ يُلَبَّسُ فِيهِ.
-
الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ بِهَا أَوْ يَدْفَعَ كَمَنْ شَهِدَ عَلَى مَوْرُوثِهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَى أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيراً وَكَمَنْ شَهِدَ أَنَّ أَبَاهُ أَعْتَقَ عَبْداً - يُتَّهَمُ فِي وَلائِهِ، وَكَمَنْ شَهِدَ أَنَّهُ جَرَحَ مَوْرُوثَهُ، وَكَوَصِيٍّ شَهِدَ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ، وَكَمُنْفِقٍ عَلَيْهِ شَهِدَ لِلْمُنْفِقِ، وَ [فِي] عَكْسِهِ: قَوْلانِ.
-
فَلَوْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي وَصِيَّةٍ فَإِنْ كَانَ مَالُهُ كَثِيراً لَمْ يُقْبَلْ فِيهِمَا،
-
وَإِنْ كَانَ يَسِيراً - فَثَالِثُهَا: يُقْبَلُ لِغَيْرِهِ دُونَهُ،
-
وَأَمَّا شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ فَجَائِزَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِيهَا: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَافِلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ وَأَمَّا الدَّفْعُ فَكَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ خَطَأً وَكَشَهَادَةِ الْمِدْيَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ (٢) وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ لأَنَّهُ جَارٌّ.
-
الثَّالِثُ: الشَّفَقَةُ بِالنَّسَبِ أَوِ السَّبَبِ كَالأُبُوَّةِ وَالأُمُومَةِ وَإِنْ عَلَوْا، وَالْبُنُوَّةِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَإِنْ سَفَلَتْ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةُ.
-
فِيهَا: وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بِتَوْكِيلِهِمْ غَيْرَهُمْ
-
بِخِلافِ تَوْكِيلِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الأَخِ غَيْرِ الْمُنْفِقِ عَلَيْهِ لأَخِيهِ،
-
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُبَرَّزاً،
-
وَقِيلَ: فِيمَا لا تَتَّضِحُ فِيهِ التُّهْمَةُ، وَفِي جَوَازِ تَعْدِيلِهِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. وَفِي إِلْحَاقِ إِخْوَةِ
-
الصَّدَاقَةِ بِإِخْوَةِ النَّسَبِ: قَوْلانِ. وَفِي شَهَادَةِ الرَّجُلِ لِزَوْجِ ابْنَتِهِ أَوْ زَوْجَةِ ابْنِهِ - ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مُبَرَّزاً جَازَ. وَفِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ لأَحَدِ أَبَوَيْهِ عَلَى الآخَرِ، وَشَهَادِةِ الأَبِ لأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الآخَرِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لِلشُّهُودِ لَهُ: قَوْلانِ،
-
فَإِنْ ظَهَرَ مَيْلٌ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَأَوْلَى بِالْجَوَازِ،
-
فَلَوْ كَانَتْ أُمُّهُمَا مُنْكِرَةً لِلطَّلاقِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِلأَبِ عَلَيْهَا.
-
الرَّابِعُ: الْعَدَاوَةُ - لا تُقْبَلُ عَلَيْهِ وَتُقْبَلُ لَهُ عَكْسَ الْقَرَابَةِ وَشَرْطُهُا: أَنْ يَتَكَوَّنَ عَنْ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ خِصَامٍ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ دَيْناً يَتَشَوَّفُ بِهِ عَادَةً إِلَى أَدَاءِ نَصِيبِهِ (١) ، وَقَالَ سَحْنُونٌ:
-
وَمِثْلُهُ لَوْ شَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ فِي خُصُومَتِهِ. أَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ فَلا أَثَرَ لَهَا وَأَوْلَى بِقَبُولِهَا، وَفِي شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى ابْنِ عَدُوِّهِ بِمَالٍ، وَما لا يَلْحَقُ الأَبَ مِنْهُ مَعَرَّةٌ - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا تَجُوزُ [وَلَوْ كَانَ مِثْلَ أَبِي شُرَيْحٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تَجُوزُ] ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَجُوزُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي وِلايَتِهِ، وَقَالَ أَيْضاً: تَجُوزُ إِذَا كَانَ الأَبُ مَيِّتاً،
-
وَمَنِ امْتَنَعَتْ لَهُ امْتَنَعَتْ فِي تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ وَتَجْرِيحِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ،
-
وَمَنِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ امْتَنَعَتْ فِي الْعَكْسِ.
-
الْخَامِسُ: الْحِرْصُ عَلَى إِزَالَةِ التَّعْيِيرِ بِإِظْهَارِ الْبَرَاءَةِ أَوْ بِالتَّأَسِّي كَشَهَادَتِهِ فِيمَا يُرَدُّ فِيهِ لِفِسْقٍ أَوْ صِباً أَوْ رِقٍّ أَوْ كُفْرٍ وَكَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَى فِي الزِّنَى اتِّفَاقاً، وَكَشَهَادَةِ مَنْ حُدَّ فِي مِثْلِ مَا حُدَّ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: تُقْبَلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ وَلَدَ الزِّنَى لا يَنْدَفِعُ عَارُهُ بِالتَّوْبَةِ.
-
السَّادِسُ: الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي التَّحَمُّلِ وَالأَدَاءِ وَالْقَبُولِ، فَفِي التَّحَمُّلِ - كَالْمُخْتَفِي لِيَتَحَمَّلَهَا: لا تَضُرُّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَخْدُوعاً أَوْ خَائِفاً. وَفِي الأَدَاءِ - يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ طَلَبِهِ، فَفِيمَا تَمَحَّضَ مِنْ حَقِّ
-
الآدَمِيِّ: قَادِحَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ حَقّاً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (١) يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالطَّلاقِ، وَالْعِتَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالرَّضَاعِ، وَالْوَقْفِ،
-
وَكَذَلِكَ الْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ لَمْ تَقْدَحِ الْمُبَادَرَةُ بَلْ تَجِبُ،
-
فَإِنْ كَانَتْ حَقّاً لا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلا تَقْدَحُ وَلا تَجِبُ إِلا فِي التَّجْرِيحِ إِنْ شَهِدَ عَلَى أَحَدٍ، وَفِي الْقَبُولِ كَمُخَاصَمَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الآدَمِيِّ، وَفِي مُخَاصَمَتِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى: قَوْلانِ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ وَحَلَفَ فِيهِمَا: قَوْلانِ.
-
السَّابِعُ: الاسْتِبْعَادُ، وَأَصْلُهُا (٢) الْحَدِيثُ لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، وَمَحْمَلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحَضَرِ لأَنَّهُ مَظِنَّةُ الرِّيبَةِ،
-
فَأَمَّا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا أَوْ رَآهُمَا أَوْ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَلا رِيبَةَ فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لا يُقْبَلُ شَهَادَةُ السُّؤَّالِ إِلا فِي التَّافِهِ الَيَسِيرِ لِحُصُولِ الرِّيبَةِ فِيمَا لَهُ قَدْرٌ وَبَالٌ،
-
فَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ غَيْرَ سُؤَّالٍ أَوْ سُؤَّالاً لِلإِمَامِ أَوْ لِلَأْعَيَانِ قُبِلَتْ مُطْلَقاً عَلَى الأَصَحِّ،
-
وَلا يَكْفِي فِي زَوَالِ الْفِسْقِ مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ، بَلْ يُرْجَعُ إِلَى قَرَائِنِ الأَحْوَالِ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ بِزَوَالِهَا إِلَى الْعَدَاوَةِ (٣) وَقَدْ يَظْهَرُ ذَلِكَ عَنْ قُرْبٍ وَعَنْ بُعْدٍ لاخْتِلافِ حَالِ الظَّانِّ وَالْمَظْنُونِّ فِي الْفِطْنَةِ وَالْغَوْرِ،
-
وَقِيلَ: لا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ سَنَةٍ،
-
وَقِيلَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ. وَزَوَالُ الْعَدَاوَةِ كَالْفِسْقِ،
-
فَلَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ نَقَضَ الْحُكْمُ
-
بِخِلافِ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ، وَفِي نَقْضِهِ بِفَاسِقَيْنِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
-
وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بَطَلَتْ مُطْلَقاً،
-
وَقِيلَ: إِلا بِنَحْوِ الْجِرَاحِ وَإِذَا (٤)
-
ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ ذِمِّيٌّ نُقِضَ وَرُدَّ الْمَالُ إِلا أَنْ
-
يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهَدِ الْبَاقِي،
-
فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَأَخَذَ مَالَهُ،
-
فَإِنْ نَكَلَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيَحْلِفُ فِي الْقِصَاصِ مَعَ رَجُلٍ مِنْ عَصَبَتِهِ خَمْسِينَ يَمِيناً، وَيَكْفِي فِي كُلِّ يَمِينٍ: وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَلا يُزَادَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَيَتِمُّ الْحُكْمُ فَإِنْ نَكَلَ فِي الْقَطْعِ وَالْقِصَاصِ حَلَفَ الْمَقْطُوعُ بِأَنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَفِي الْقِصَاصِ [وَفِي الرَّجْمِ] رُدَّتِ الشَّهَادَةُ وَغَرِمَ الشَّاهِدُ وَالشَّاهِدَانِ فِي الرَّجْمِ (١) [وَالشُّهُودُ] فِي الرَّجْمِ،
-
وَقِيلَ: عَاقِلَةُ الإِمَامِ، وَقِيلَ: هَدَرٌ،
-
وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ الشُّهُودُ غَرِمُوا، وَإِلا غَرِمَ الْحَاكِمُ؛
-
وَقِيلَ: إِنْ عَلِمُوا بِهِمْ وَبِأَنَّهُمْ لا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ غَرِمُوا، وَإِلا فَهَدَرٌ،
-
وَلا غُرْمَ عَلَى الْعَبْدِ،
-
وَلَوْ حَدَثَتْ تُهْمَةُ الْجَرِّ وَالدَّفْعِ وَالْعَدَاوَةِ بَعْدَ الأَدَاءِ لَمْ تُبْطِلْ [تَقَبُّلَ] الشَّهَادَةِ.
-
وَلا يَثْبُتُ حُكْمٌ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ مُنْفَرِدٍ، وَهِيَ مَرَاتِبُ:
-
الأُولَى]- بَيِّنَةُ الزِّنَى، وَشَرْطُهُا: أَرْبَعَةُ ذُكُورٍ مُجْتَمِعِينَ غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ يَشْهَدُونَ بِزِنًى وَاحِدٍ وَرُؤْيَةٍ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْودِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَلِلْعَدْلِ النَّظَرُ إِلَى الْعَوْرَةِ قَصْداً لِلتَّحَمُّلِ؛ وَاللِّوَاطُ كَالزِّنَى. وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ، وَفِي السَّرِقَةِ: مَا هِيَ، وَكَيْفَ أَخَذَهَا،
-
وَمِنْ أَيْنَ، وَإِلَى أَيْنَ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: إِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَجْهَلُ، وَفِي قَبُولِ اثْنَيْنِ فِي الإِقْرَارِ بِهِ: قَوْلانِ.
-
الثَّانِيةُ: مَا لَيْسَ بِزَنًى وَلا مَالٍ وَلا آيِلٍ إِلَيْهِ - كَالنِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالطَّلاقِ، وَالْعِتْقِ، وَالإِسْلامِ، وَالرِّدَّةِ، وَالْبُلُوغِ، وَالْوَلاءِ، وَالْعِدَدِ، وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ، وَثُبُوتِهِ، وَالنَّسَبِ، وَالْمَوْتِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّدْبِيرِ - شَرْطُهُا: اثْنَانِ ذَكَرَانِ.
-
الثَّالِثُةُ: الأَمْوَالُ وَمَا يَؤُولُ إِلْيَهَا كَالأَجَلِ وَالْخِيَارِ، وَالشُّفْعَةِ، وَالإِجَارَةِ، وَقَتْلِ الْخَطَأِ وَمَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ مُطْلَقاً، وَجِرَاحِ الْمَالِ مُطْلَقاً، وَفَسْخِ الْعُقُودِ، وَنُجُومِ
-
الْكِتَابَةِ وَإِنْ عَتَقَ بِهَا فَتَجُوزُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ،
-
وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ بِالْمَالِ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
-
وَالرَّابِعَةُ: مَا لا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَالْوِلادَةِ، وَعُيُوبِ النِّسَاءِ، وَالاسْتِهْلالِ، وَالْحَيْضِ فَيَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَالْمِيرَاثُ لَهُ وَعَلَيْهِ بِغَرِيمَيْنِ وَفِي قَبُولِهِمَا فِي أَنَّهُ ابْنُ فُلانٍ: قَوْلانِ، مَا لَمْ يَتَعَذَّرْ تَأْخِيرُهُ لِلرِّجَالِ،
-
وَلَوْ شَهِدَ عَلَى السَّرِقَةِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ثَبَتَ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ،
-
وَكَذَلِكَ قَتْلُ عَبْدٍ عَمْداً وَيَثْبُتُ الْمَالُ دُونَ الْقِصَاصِ، وَعَلَى النِّكَاحِ بَعْدَ (١) الْمَوْتِ، أَوْ مَوْتِ أَحَدِ الْوَارِثَيْنِ قَبْلَ الآخَرِ فِي ثُبُوتِ الْمِيرَاثِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. وَعَلَى الْمَوْتِ وَلا زَوْجَةَ وَلا مُدَبَّرَ وَنَحْوَهُ فِي ثُبُوتِ الْمِيرَاثِ: قَوْلانِ،
-
وَلَوْ أَقَامَ شَاهِداً فَطُولِبَ بِالتَّزْكِيَةِ أُجِيبَ إِلَى الْحَيْلُولَةِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ وَلا يُمْنَعُ مِنْ قَبْضِ أُجْرَةِ الْعَقَارِ وَتُحَالُ الأَمَةُ وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ إِلا أَنْ يَكُونَ مَأْمُوناً عَلَيْهَا.
-
وَقِيلَ: تُحَالُ الرَّابِعَةُ مُطْلَقاً، وَما يَفْسُدُ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ قَالُوا: يُبَاعُ وَيُوقَفُ ثَمَنُهُ إِنْ كَانَ شَاهِدَانِ، وَيُسْتَحْلَفُ وَيُخَلَّى إِنْ كَانَ شَاهِدٌ.
-
وَيَشْهَدُ الأَصَمُّ فِي الأَفْعَالِ وَالأَعْمَى فِي الأَقْوَالِ، وَفِي الاعْتِمَادِ عَلَى الْخَطِّ فِي ثَلاثِةِ مَوَاضِعَ - خَطُّ الْمُقِرِّ، وَخَطُّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ أَوِ الْغَالِبِ وَخَطُّ نَفْسِهِ - طَرِيقَانِ: الأُولَى إِجْمَالِيٌّ - الْمَذْهَبُ عَلَى أَرْبَعَةٍ - ثَالِثُهَا: تَجُوزُ فِي الأَوَّلِ خَاصَّةً، وَرَابِعُهَا: وَفِي الثَّانِي، وَالْغَيْبَةُ الْبَعِيدَةُ - قِيلَ: مَسَافَةُ الْقَصْرِ،
-
وَقِيلَ: مِثْلُ مَكَّةَ مِنَ الْعِرَاقِ، وَالثَّانِيةُ: تَفْصِيلٌ - أَمَّا عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ فَجَائِزَةٌ كَإِقْرَارِهِ وَلا يَحْلِفُ عَلَى الأَصَحِّ،
-
وَأَمَّا الثَّانِي - فَرِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَضَعَّفَهَا مُحَمَّدٌ بِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ سَمِعَهَا وَلَمْ يُشْهِدْهُ عَلَيْهِا، وَصَوَّبَهُ الْبَاجِيُّ إِلا فِي الأَحْبَاسِ وَنَحْوِهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِي إِخْبَارِهَا وَلا يَتَسَاهَلُ فِي كِتَابَتِهَا، وَعَلَى قَبُولِهَا لَوْ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ [تَسَاهُلَ] مَنْ أَشْهَدَهُ - فَقَوْلانِ، قَالَ
-
الْبَاجِيُّ: لا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ لِمَا قَدْ تَسَاهَلَ النَّاسُ فِي وَضْعِهَا عَلَى مَنْ لا يَعْرِفُونَ، وَفِي قَبُولِهَا فِي غَيْرِ الأَمْوَالِ: قَوْلانِ،
-
وَأَمَّا الثَّالِثُ - فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْوٌ وَلا رِيبَةٌ فَلْيُشْهِدْ، قَالَ مُطَرِّفٌ:
-
ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا يُشْهِدُ حَتَّى يَذْكُرَ بَعْضَهَا وَالأَوَّلُ أَصْوَبُ إِذَ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَى الأَوَّلِ يُؤَدِّيهَا وَلا يَقُولُ لِلْحَاكِمِ حَالَهُ، قَالَوا:
-
وَإِنْ قَالَهَا فَلا يَقْبَلُهَا، وَعَلَى الثَّانِي - قَالَ مَالِكٌ: يُؤَدِّيهَا وَيَقُولُ
-
حَالَهُ.
-
وَمَنْ لا يُعْرَفُ نَسَبُهُ فَلا يَشْهَدُ إِلا عَلَى عَيْنِهِ،
-
وَلا يَشْهَدُ عَلَى مُتَنَقِّبَةٍ حَتَّى تَكْشِفَ وَجْهَهَا لِيُعَيِّنَهَا عِنْدَ الأَدَاءِ،
-
وَلَوْ عَرَّفَهَا رَجُلانِ - فَفِي جَوَازِ أَدَائِهِ عَلَيْهِا: قَوْلانِ، أَمَّا إِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ وَلَوْ بِامْرَأَةٍ فَلا إِشْكَالَ.
-
وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى عَيْنِ امْرَأَةٍ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ زَيْدٍ فَلا يُسَجَّلُ عَلَى بِنْتِ زَيْدٍ، وَيُعْتَمَدُ عَلَى الْقَرَائِنِ الْمُغَلِّبَةُ لِلظَّنِّ فِي التَّعْدِيلِ وَالاعْتِبَارِ بِالْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ وَضَرَرِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:
-
وَيَجُوزُ فِي الضَّرَرِ بِالسَّمَاعِ مِنَ الأَهْلِ وَالْجِيرَانِ،
-
وَيَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ (١) الْفَاشِي عَنِ الثِّقَاتِ فِي الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ وَالْمَوْتِ لِلضَّرُورَةِ بِشَرْطِ طُولِ الزَّمَانِ وَانْتِفَاءِ الرَّيْبِ،
-
فَلَوْ شَهِدَ رَجُلانِ عَلَى السَّمَاعِ. وَفِي الْقَبِيلِ مِئَةٌ مِنْ أَسْنَانِهِمَا لا تُعْرَفُ لَمْ تُقْبَلْ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً - ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ وَبَاءٌ فَهِيَ طُولٌ،
-
وَلا يُسَمُّونَ مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ فَيَكُونُ نَقْلَ شَهَادِةٍ، وَقَالَ التُّونُسِيُّ بَعْدَ يَمِينِهِ إِذَ لَعَلَّهُ عَنْ وَاحِدٍ، وَيُجْتَزَأُ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَرْبَعَةٌ لأَنَّهَا كَالنَّقْلِ فَاحْتِيطَ فِيهَا، وَالْمَشْهُورُ: جَرْيُهَا فِي النِّكَاحِ وَالْوَلاءِ وَالنَّسَبِ، أَصْبَغُ: يُؤْخَذُ الْمَالُ وَلا يَثْبُتُ بِهِ نَسَبٌ.
-
وَأَمَّا السَّمَاعُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ مُرْتَفِعٌ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ، مِثْلُ أَنَّ نَافِعاً مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] ،
-
وَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لِذَلِكَ أَصْلاً، فَقِيلَ له: أَيَشْهَدُ أَنَّكَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ لا يَعْرِفُ أَبَاكَ وَلا يَعْرِفُ أَنَّكَ (١) ابْنُهُ إِلا بِالسَّمَاعِ، قَالَ: نَعَمْ يَقْطَعُ بِهَا وَيَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ.
-
وَالتَّحَمُّلُ: حَيْثُ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ - فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالأَدَاءُ مِنْ نَحْوِ الْبَرِيدَيْنِ إِنْ كَانَا اثْنَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ،
-
وَلا تَحِلُّ إِحَالَتُهُ عَلَى الْيَمِينِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَجْتَزِئِ الْحَاكِمُ بِاثْنَيْنِ فَعَلَى الثَّالِثُ،
-
وَلا يَلْزَمُ مِنْ أَبْعَدُ،
-
وَلا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ إِلا فِي رُكُوبِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ دَابَّةٌ وَعَسُرَ مَشْيُهُ،
-
وَيَجُوزُ فِيمَا لا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَامَ فِيمَا يَتَكَلَّفُهُ مِنْ دَابَّةٍ وَنَفَقَةٍ عَجَزَ أَوْ لَمْ يَعْجِزْ،
-
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ فِيهِمَا فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ،
-
وَقِيلَ: تَبْطُلُ فِي غَيْرِ الْمُبَرَّزِ.
-
وَتَثْبُتُ الأَمْوَالُ وَحَقُوقُهَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، أَوِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ. وَيُطَالَبُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ بِأَنْ يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ فَإِنِ امْتَنَعَ - فَالأَخِيرَةُ أَنْ يُحْبَسَ لَهُمَا إِلا أَنْ يُحْكَمَ بِالشَّهَادِةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُحْبَسُ سَنَةً، وَقَالَ سَحْنُونٌ وَمُطَرِّفٌ: أَبَداً،
-
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى شِرَاءِ الزَّوْجَةِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى نُجُومِ الْكِتَابَةِ - فَتَثْبُتُ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَسْخُ وَالْعِتْقُ،
-
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْقَضَاءِ (١) بِمَالٍ فَالْمَشْهُورِ: لا تَمْضِي. وَلَهُ اسْتِحْلافُ الْمَطْلُوبِ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ بَعْدَ يَمِينِ الطَّالِبِ، وَالسَّفِيهُ وَالْعَبْدُ كَالرَّشِيدِ لا كَالصَّبِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
-
وَلَوْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ أَتَى الطَّالِبُ بِشَاهِدٍ آخَرَ لَمْ يُضَمَّ إِلَى الأَوَّلِ اتِّفَاقاً، وَفِي اعْتِبَارِهِ لِيَحْلِفَ مَعَهُ: قَوْلانِ، وَعَلَى اعْتِبَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ - فَفِي تَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ: قَوْلانِ،
-
فَلَوْ كَانَتْ مَرْجُوَّةَ الاسْتِقْبَالِ كَالشَّاهِدِ لِصَبِيٍّ (٢) وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ - فَالْمَنْصُوصُ: يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ بِحِصَّةِ الصَّبِيِّ،
-
فَإِنْ حَلِفَ - فَفِي وَقْفِ الْمُعَيَّنِ: قَوْلانِ،
-
فَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ - فَفِي أَخْذِهِ مِنْهُ تَمْلِيكاً أَوْ وَقْفاً: قَوْلانِ، وَعَلَى وَقْفِهِ أَوْ يَمِينِهِ يُسَجِلُّ الْحَاكِمُ الشَّهادَةَ لِيَسْتَحْلِفَ الصَّبِيَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ وَارِثَهُ قَبْلَهُ،
-
فَإِنْ نَكَلا اكْتَفَى بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ الأُولَى عَلَى الْمَشْهُورِ،
-
فَإِنْ كَانَ وَارِثُ الصَّغِيرِ مَعَهُ أَوَّلاً وَكَانَ قَدْ نَكَلَ (٣) لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْمَنْصُوصِ لأَنَّهُ نَكَلَ عَنْهَا،
-
وَلَوْ كَانَ الأَبُ مُنْفِقاً وَالصَّبِيُّ فَقِيراً فَفِي قَبُولِ حَلِفِهِ: قَوْلانِ،
-
فَلَوْ كَانَتِ الْيَمِينُ مُمْكِنَةً مِنْ بَعْضٍ مُمْتَنِعَةٍ مِنْ بَعْضٍ كَالشَّاهِدِ عَلَى رَجُلٍ بِوَقْفٍ عَلَى بَنِيهِ وَعَقِبِهِمْ بَطْناً بَعْدَ
-
بَطْنٍ فَرَوَى مُطَرِّفٌ: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ وَاحِدٌ (١) ثَبَتَ الْجَمِيعُ، وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِذَا حَلَفَ الْجُلُّ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ: كَمَسَأَلَةِ الْفُقَرَاءِ.
-
وَقِيلَ: يَثْبُتُ لِمَنْ حَلَفَ نَصِيبُهُ،
-
فَلَوْ مَاتَ فَفِي تَعْيِينِ مُسْتَحِقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ الأَوَّلِينَ، أَوِ الْبَطْنِ الثَّانِي، أَوْ مَنْ حَلَفَ أَبُوهُ - خِلافٌ،
-
ثُمَّ فِي أَخْذِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ: قَوْلانِ.
-
وَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَاحِدَةٍ: قَوْلانِ. وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ تَجْرِي فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَشَرْطُهُا: أَنْ يَقُولَ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَوْ يَرَاهُ يُؤَدِّيهَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَعَيِّنَ الأَوَّلُ،
-
فَلَوْ طَرَأَ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ أَوْ رِدَّةٌ امْتَنَعَتْ وَالْجُنُونُ مِنْ كُلٍّ لا يَمْنَعُ،
-
وَلا تُسْمَعُ إِلا بِمَوْتِ الأَصْلِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ بِمَكَانٍ لا يَلْزَمُهُ الأَدَاءُ مِنْهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لا تَكْفِي فِي الْحَدِّ مَسَافَةُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثِةِ وَيُنْقَلُ عَنِ الْمَرْأَةِ بِحُضُورِهَا.
-
قَالَ مُطَرِّفٌ: لَمْ أَرَ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَةً قَطُّ أَدَّتْ وَلَكِنْ يُحْمَلُ عَنْهَا،
-
وَلَوْ زَكَّى النَّاقِلُ الأَصْلَ جَازَتِ الشَّهَادَتَانِ، وَتَنْقُلُ الْمَرْأَتَانِ مَعَ رَجُلٍ فِي بَابِ شَهَادَتِهِنَّ، وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَيَشْهَدُ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ اثْنَانِ لا يَكُونُ أَحَدُهُمَا شَاهِدَ أَصْلٍ وَيَكْتَفِي بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى الآخَرِ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لا بُدَّ مِنْ آخَرَيْنِ،
-
وَأَمَّا فِي الزِّنَى فَيُكْتَفَى بِأَرْبَعَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَرْبَعَةِ أَوْ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ اثْنَانِ فَلَوْ شَهِدَ ثَلاثَةٌ عَلَى ثَلاثَةٍ، وَوَاحِدٌ عَلَى أَرْبَعَةٍ لَمْ تَتِمَّ وَرَوَى مُطَرِّفٌ: لا بُدَّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَكْفِي أَرْبَعَةٌ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ فَإِنْ تَفَرَّقُوا فَثَمَانِيَةٌ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَكْفِي أَرْبَعَةٌ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ، وَرَوَى: يَكْفِي اثْنَانِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَيُلَفَّقُ الأَصْلُ مَعَ النَّقْلِ كَاثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ بِالرُّؤْيَةِ، وَاثْنَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ،
-
فَلَوْ شَهِدَ ثَلاثَةٌ بِالرُّؤْيَةِ وَوَاحِدٌ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ لَمْ تَتِمَّ،
-
وَإِذَا أَكَّدَتِ الأَصْلُ الْفَرْعَ - قَبْلَ الْحُكْمِ بَطَلَتْ، وَبَعْدَهُ ثَلاثَةٌ - لابْنِ الْقَاسِمِ: تَمْضِي وَلا غُرْمَ، ابْنُ حَبِيبٍ: يُنْقَضُ، مُحَمَّدٌ: (٢) يَمْضِي وَيَغْرَمُ الأَصْلَ لِرُجُوعِهِمْ.
-
وَلِلرُّجُوعِ: ثَلاثُ صُوَرٍ الأُولَى: قَبْلَ القَضَاءِ فَلا قَضَاءَ،
-
فَإِنْ قَالا: وَهِمْنَا بَلْ
-
هُوَ هَذَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: سَقَطَتَا مَعاً فَإِنْ قَالَ: شَكَكْتُ ثُمَّ قَالَ: زَالَ الشَّكُّ، فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: هِيَ مِثْلُ التَّشَكُّكِ قَبْلَ الأَدَاءِ،
-
ثُمَّ يَقُولُ: تَذَكَّرْتُهَا فَالْوَاضِحُ قَبُولُهَا وَثَالِثُهَا لِمَالِكٍ: إِنْ كَانَ مُبَرِّزاً قُبِلَتْ.
-
الثَّانِيةُ: بَعْدَ الْقَضَاءِ وَقَبْلَ الاسْتِيفَاءِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُسْتَوْفَى الدَّمُ كَالْمَالِ، وَقَالَ أَيْضاً وَغَيْرُهُ: لا يُسْتَوْفَى لِحُرْمَةِ الدَّمِ،
-
وَمِثْلُهُ لَوْ رَجَعَ شُهُودُ الإِحْصَانِ لَجُلِدَ جَلْدَ الْبِكْرِ.
-
الثَّالِثَةُ: بَعْدَ الاسْتِيفَاءِ فَيُغَرَّمَان الدِّيَةَ وَغَيْرَهَا إِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَمْدُهُمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ،
-
وَلا يُغَرَّمَانِ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ،
-
فَإِنْ ثَبَتَ عَمْدُهُمَا - فَالدِّيَةُ لابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْقِصَاصُ لأَشْهَبَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لا نَصَّ عَنْ مَالِكٍ فِي التَّغْرِيمِ فِي الرُّجُوعِ إِلا أَنَّ أَصْحَابَهُ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَغْرِيمِهِمْ وَما أَتْلَفُوهُ بِالْعَمْدِ (١) .
-
وَلَوْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِكَذِبِهِمْ وَحَكَمَ وَلَمْ يُبَاشِرِ الْقَتْلَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ،
-
وَلَوْ عَلِمَ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ وَبَاشَرَ الْقَتْلَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ،
-
فَأَمَّا لَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ قَذْفٍ أَوْ شَتْمٍ وَشِبْهِهِ فَالأَدَبُ لا غَيْرُ، وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ: لا خِلافَ فِي تَعَلُّقِ الْغَرَامَةِ بِهِمْ إِذَا شَهِدُوا عَلَى قَتْلِ عَمْدٍ فَاقْتُصَّ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ حَيٌّ،
-
وَأَمَّا الْخِلافُ فِي الْبِدَايَةِ وَفِي الرُّجُوعِ - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَبْدَأُ بِالشُّهُودِ فَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ فَمِنَ الْقَاتِلِ،
-
وَقِيلَ: الْمُسْتَحِقُّ مُخَيَّرٌ، وَفِي الرُّجُوعِ، قِيلَ: إِنَّمَا يَرْجِعُ الشُّهُودُ بِمَا أَدَّوْا عَلَى الْقَاتِلِ،
-
وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: لا رُجُوعَ فَلَوْ كَانَتْ عَلَى قَتْلٍ خَطَأٍ فَأُخِذَتِ الدَّيِةُ مِنَ
-
الْعَاقِلَةِ لَرُدَّتْ فَإِنْ أُعْسِرَ فَعَلَى الشُّهُورِ،
-
وَلا رُجُوعَ، وَعَنْ أَشْهَبَ: فِيمَنْ رُجِمَ بِالشَّهَادَةِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مَجْبُوبٌ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الإِمَامِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَصْلِهِ. وَيُحَدُّونَ فِي شَهَادَةِ الزِّنَى فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا.
-
فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُ الأَرْبَعَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ [وَقَبْلَ إِقَامَتِهِ] حُدُّوا، وَبَعْدَ إِقَامَتِهِ حُدَّ الرَّاجِعُ وَحْدَهُ اتِّفَاقاً دُونَ الثَّلاثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ،
-
فَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدٌ حُدُّوا أَجْمَعُونَ.
-
فَلَوْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ لَمْ يُحَدَّ الْبَاقُونَ لاسْتِقْلالِهِمْ وَلا الرَّاجِعَانِ لأَنَّهُمَا كَقَاذِفَيْنِ شَهِدَ لَهُمَا أَرْبَعَةٌ إِلا أَنْ يُكَذِّبَا الشُّهُودَ.
-
فَلَوْ رَجَعَ ثَالِثٌ حُدَّ هُوَ وَالسَّابِقَانِ وَغَرِمُوا رُبُعَ الدِّيَةِ،
-
وَإِنْ رَجَعَ رَابِعٌ فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ ظَهَرَ بَعْدَ رُجُوعِ اثْنَيْنِ أَنَّ أَحَدَ الأَرْبَعَةِ عَبْدٌ فَقَالَ مَالِكٌ: يُحَدُّ الرَّاجِعَانِ وَيُغْرَمَانِ رُبُعَ الدِّيَةِ، وَيُحَدُّ الْعَبْدُ بِغَيْرِ غَرَامَةٍ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ رَجَعَ وَاحِدٌ مِنَ السِّتَّةِ بَعْدَ أَنْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ ثُمَّ ثَانٍ بَعْدَ مُوضِحَةٍ ثُمَّ ثَالِثٌ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَلَى الأَوَّلِ سُدُسُ دِيَةِ الْعَيْنِ، وَعَلَى الثَّانِي: مِثْلُهُ وَخُمُسُ الْمُوضِحَةِ، وَعَلَى الثَّالِثِ: رُبُعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ وَقِيلَ: مُضَافاً إِلَى السُّدُسِ وَالْخُمُسِ،
-
وَإِذَا رَجَعَ أَرْبَعَةُ الزِّنَى وَشَاهِدَا الإِحْصَانَ - فَفِي اخْتِصَاصِهِ بِالأَرْبَعَةِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَعَلَى التَّعْمِيمِ - فَفِي تَنْصِيفِهَا: قَوْلانِ،
-
وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُمَا رَجِعَا مُكِّنَ مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ،
-
فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَهُمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَرْجِعَا فَقَوْلانِ.
-
وَلَوْ رَجَعَا عَنِ الرُّجُوعِ لَمْ يُقْبَلْ لأَنَّهُ إِقْرَارٌ بِإِتْلافٍ. أَمَّا لَوْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ نُقِضَ إِذَا أَمْكَنَ.
-
وَلَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ الطَّلاقِ وَأَقَرَّا بِالتَّعَمُّدِ نَفَذَ،
-
ثُمَّ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولاً بِهَا فَلا غُرْمَ عَلَيْهِمَا كَشَهَادَةِ عَفْوِ الْقِصَاصِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا فَفِي تَغْرِيمِهِمَا نِصْفُ الصَّدَاقِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ،
-
وَلَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ الدُّخُولِ فِي مُطَلَّقَةٍ لَغَرِمَا نِصْفَ الصَّدَاقِ،
-
وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالطَّلاقِ وَاثْنَانِ بِالدُّخُولِ ثُمَّ رَجَعُوا فَالأَكْثَرُ لا غَرَامَةَ عَلَى شَاهِدَيِ الطَّلاقِ،
-
وَقِيلَ: كَمَا لَوِ انْفَرَدُوا، وَيَرْجِعُ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ إِذَا كَانَ مُنْكِراً طَلاقَهَا وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى شَاهِدَيِ الطَّلاقِ بِمَا فَوَّتَاهُ مِنَ الْمِيرَاثِ دُونَ مَا غَرِمَ لَهَا وَتَرْجِعُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهَا مِنَ الْمِيرَاثِ وَالصَّدَاقِ.
-
وَلَوْ رَجَعَا عَنْ تَجْرِيحٍ أَوْ تَغْلِيطٍ لِشَاهِدَيْ طَلاقِ أَمَةٍ غَرِمَا لِلسَّيِّدِ مَا نَقَصَ بِرَدِّهَا زَوْجَةً.
-
وَلَوْ رَجَعَا عَنِ الْخُلْعِ فِي ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَغْرَمَانِ قِيمَتَهَا عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ كَمَنْ أَتْلَفَهَا، وَفِي الْعَبْدِ الآبِقِ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ فَإِنْ (١) ظَهَرَ عَيْبٌ عِنْدَ الْخُلْعِ اسْتَرَدَّ مَا يُقَابِلُهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُؤَخَّرُ الْجَمِيعُ إِلَى الْحُصُولِ فَيَغْرَمَانِ مَا يَحْصُلُ،
-
وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُنْكِرَةً لِلزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَهَا تَكْذِيبُ نَفْسِهَا وَتَرِثُ. [
-
وَلَوْ رَجَعَا عَنْ عِتْقٍ فَإِنْ كَانَ نَاجِزاً غَرِمَا قِيمَتَهُ وَالْوَلاءُ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: عَلَيْهِمَا الْقِيمَةُ بَعْدَ إِسْقَاطِ قِيمَةِ مَنَافِعِ مَا قَبْلَ الأَجَلِ عَلَى عَزَزِهَا وَلِيَسْتَوْفِيَهَا السَّيِّدُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ بِمُعْتَدِلٍ لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قِيمَةُ الْمَنَافِعِ أَكْثَرَ فَيَذْهَبُ مَجَّاناً، وَتَعَقَّبَهُ الْمَازِرِيُّ بِامْتِنَاعِهِ عَادَةً لأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي تَقْوِيمِهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: عَلَيْهِمَا الْقِيمَةُ وَلَهُمَا مَنَافِعُ الْعَبْدِ إِلَى الأَجَلِ إِلا أَنْ يَسْتَوْفِيَا مَا غَرِمَاهُ قَبْلَهُ،
-
فَلَوْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَخَذَا مَا غَرِمَاهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ قِيمَتِهِ لاعْتِرَافِ السَّيِّدِ لَهُمَا بِذَلِكَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مُخَيَّرٌ السَّيِّدُ فِي تَسْلِيمِ خِدْمَتِهِ كَسَحْنُونٍ، وَفِي الاسْتِمْسَاكِ وَدَفْعِ قِيمَةِ الْمَنَافِعِ وَقْتاً بَعْدَ وَقْتٍ كَابْنِ الْمَاجِشُونِ،
-
وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ تَدْبِيرِ غَرِمَا قِيمَةَ نَاجِزاً وَاسْتَوْفِيَا مِنْ خِدْمَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ،
-
فَإِنْ عَتَقَ بِمَوْتِ السَّيِّدِ فَلا شَيْءَ لَهُمَا،
-
وَإِنْ رَدَّهُ أَوْ بَعْضَهُ دَيْنٌ فَهُمَا أَوْلَى كَالْجِنَايَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ كِتَابَةً فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَالأَكْثَرُونَ غَرِمَا قِيمَتَهُ وَاسْتَوْفَيَا مِنْ نُجُومِهِ فَلَوْ رُقَّ اسْتَوْفَيَا مِنْ رَقَبَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُجْعَلُ الْقِيمَةُ بِيَدِ عَدْلٍ حَتَّى يُسْتَوْفَى مِنَ الْكِتَابَةِ مِثْلُهَا فَتُرَدُّ عَلَيْهِمَا.
-
وَضَعَّفَهُ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: تُبَاعُ الْكِتَابَةُ بِعَرْضٍ فَإِنْ نَقَصَ عَنِ الْقِيمَةِ أَتَمَّاهَا وَإِنْ كَانَ بِاسْتِيلاءٍ فَالْقِيمَةُ، وَقَالَ
-
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ (١) : وَيُخَفَّفُ لِمَا بَقِيَ مِنَ الاسْتِمْتَاعِ وَلا شَيْءَ لَهُمَا إِلا بِجِنَايَةٍ عَلَيْهِا فَلَهَا مِنَ الأَرْشِ مَا غَرِمَاهُ، وَفِي مَالٍ بِاسْتِفَادِةٍ: قَوْلانِ.
-
وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ أُمِّ وَلَدٍ - فَالأَكْثَرُ: أَلا غُرْمَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قِيمَتُهَا كَمَا لَوْ قَتَلاهُا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَيُخَفَّفُ فَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ مُكَاتَبٍ غَرِمَا قِيمَةَ كِتَابَتِهِ وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَةٍ بِإِقْرَارِ بُنُوَّةٍ لَمْ يَغْرَمَا إِلا بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ بِالْمِيرَاثِ،
-
فَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِبُنُوَّتِهِ عَبْداً لَهُ غَرِمَا قِيمَتَهُ نَاجِزاً ثُمَّ غَرِمَا بَعْدَ الْمِيرَاثِ مَا فَوَّتَاهُ،
-
فَإِذَا مَاتَ وَتَرَكَ ابْناً آخَرَ عُزِلَتْ قِيمَتُهُ لِلابْنِ الأَوَّلِ لأَنَّ الْمُلْحَقَ مُقِرٌّ أَنَّ أَبَاهُ ظَلَمَ فِيهَا الشُّهُودَ ثُمَّ يَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ نِصْفَ مَا بَقِيَ وَهُوَ مَا أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ وَلَوْ ظَهَرَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أُخِذَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَكُمِّلَ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ.
-
وَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الأَوَّلِ بِمَا غَرِمَهُ الْمُلْحَقُ لِلْغَرِيمِ لأَنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا،
-
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ الْمُلْحَقِ وَالتَّرِكَةُ مِئَتَانِ وَكَانَتِ الْقِيمَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِئَةً أَخَذَ الْمُلْحَقُ مِئَةً وَالْعَصَبَةُ أَوْ بَيْتُ الْمَالِ مِئَةً ثُمَّ غَرِمَا لَهُمَا مِئَةً أُخْرَى الَّتِي فَوَّتَاهَا فَلَوْ طَرَأَ دَيْنٌ مِئَةً أُخِذَتْ مِنَ الْمُلْحَقِ وَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ بِمَئَةٍ عَلَى مَنْ غَرِمَاهَا لَهُ.
-
وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادِةِ عُبُودِيَّةٍ لِمُدَّعِي حُرِّيَّةٍ فَلا قِيمَةَ عَلَيْهِمَا فِي الرَّقَبَةِ، وَيَغْرَمَانِ كُلَّ مَا أَتْلَفَاهُ لِلْعَبْدِ مِنِ اسْتِعْمَالٍ وَمَالٍ مُنْتَزَعٍ،
-
وَلا يَأْخُذُهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، وَيُورَثَ عَنْهُ بِالْحُرِّيَّةِ لا بِالرِّقِّ.
-
وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ مِنْ هِبَةٍ وَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ،
-
وَلا يَتَزَوَّجُ لأَنَّهُ يُنَقِّصُ رَقَبَتَهُ،
-
وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَةٍ بِمِئَةٍ لِزَيْدٍ وَعُمَرَ ثُمَّ قَالا: هِيَ لِزَيْدٍ وَحْدَهُ غَرِمَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ خَمْسِينَ لا لِزَيْدٍ،
-
وَمَتَى رَجَعَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ وَعَنْ بَعْضِهِ غَرِمَ نِصْفَ الْبَعْضِ وَلَوْ رَجَعَ مَنْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ فَلا غَرَامَةَ فَإِذَا رَجَعَ غَيْرُهُ غَرِمَ، وَأُدْخِلَ الأَوَّلُ مَعَهُ، وَعَنْ أَشْهَبَ: يَغْرَمُ الرَّاجِعُ مُطْلَقاً مِنْ ثَلاثَةٍ الثُّلُثَ،
-
وَمِنْ أَرْبَعَةٍ الرُّبُعَ، وَإِذَا حَكَمَ بِرَجُلٍ وَنِسَاءٍ وَرَجَعُوا فَعَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ وَعَلَى النِّسَاءِ النِّصْفُ فَلَوْ رَجَعَ مِنْ عَشَرَةٍ ثَمَانٌ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِنَّ فَإِنْ رَجَعَتْ تَاسِعَةٌ فَعَلَى التِّسْعِ الرُّبُعُ،
-
فَلَوْ كَانَ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ امْرَأَتَانِ كَالرَّضَاعِ وَغَيْرِهِ وَرَجَعُوا فَعَلَى الرَّجُلِ سُدُسٌ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ نِصْفُ سُدُسٍ.
-
فَلَوْ رَجَعُوا إِلا امْرَأَتَيْنِ فَلا غُرْمَ،
-
فَلَوْ رَجَعَتْ أُخْرَى فَالنِّصْفُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ بَقِيَ، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَشْهَبَ خِلافُهُ، وَلِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهَا قَبْلَ غُرْمِهِ لِيْغَرَمَهُ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ، وَلِلْمَقْضِيِّ لَهُ ذَلِكَ إِذَا تَعَذَّرَ مِنَ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ.
-
وَقِيلَ: لا يَلْزَمُهُمَا إِلا بَعْدَ غُرْمِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
-
شرط الشاهد مسلم حر مكلف عدل ذو مروءوة غير متهم
-
وشرط العدالة اجتناب الكبائر والإصرار على صغيرة
-
ويحرم اللعب بالنرد على الصحيح
-
ويكره بشطرنج
-
فإن شرط فيه مال من الجانبين فقمار
-
ويباح الحداء وسماعه
-
ويكره الغناء بلا آلة وسماعه
-
ويحرم استعمال آلة من شعار الشربة كطنبور وعود وصنج ومزمار عراقي وإسماعها
-
لا يراع في الأصح.
-
قلت: الأصح تحريمه والله أعلم
-
ويجوز دف لعرس وختان
-
وكذا غيرهما في الأصح وإن كان فيه جلاجل
-
ويحرم ضرب الكوبة
-
وهي طبل طويل ضيق الوسط
-
لا الرقص
-
إلا أن يكون فيه تكسر كفعل المخنث
-
ويباح قول شعر وإنشاده
-
إلا أن يهجو أو يفحش أو يعرض بامرأة معينة
-
والمروءة تخلق بخلق أمثاله في زمانه ومكانه
-
فالأكل في سوق والمشي مكشوف الرأس وقبلة زوجة وأمة بحضرة الناس وإكثار حكايات مضحكة ولبس فقيه قباء وقلنسوة حيث لا يعتاد وإكباب على لعب الشطرنج أو غناء أو سماعه وإدامة رقص يسقطها
-
والأمر فيه يختلف بالأشخاص والأحوال والأماكن
-
وحرفة دنيئة كحجامة وكنس ودبغ ممن لا تليق به تسقطها
-
فإن اعتادها وكانت حرفة أبيه فلا في الأصح
-
والتهمة أن يجر إليه نفعا أو يدفع عنه ضررا
-
فترد شهادته لعبده ومكاتبه
-
وغريم له ميت أو عليه حجر فليس
-
وبما هو وكيل فيه
-
وببراءة من ضمنه
-
وبجراحة مورثه
-
ولو شهد لمورث له مريض أو جريح بمال قبل الاندمال قبلت في الأصح
-
وترد شهادة عاقلة بفسق شهود قتل
-
وغرماء مفلس بفسق وشهودا دين آخر.
-
ولو شهدا لاثنين بوصية فشهدا للشاهدين بوصية من تلك التركة قبلت الشهادتان في الأصح
-
ولا تقبل لأصل
-
ولا فرع
-
وتقبل عليهما
-
وكذا على أبيهما بطلاق ضرة أمهما أو قذفها في الأظهر
-
وإذا شهد لفرع وأجنبي قبلت للأجنبي في الأظهر.
-
قلت: وتقبل لكل من الزوجين ولأخ وصديق والله أعلم
-
ولا تقبل من عدو
-
وهو من يبغضه بحيث يتمنى زوال نعمته ويحزن بسروره ويفرح بمصيبته
-
وتقبل له
-
وكذا عليه في عدواة دين ككافر ومبتدع
-
وتقبل شهادة مبتدع لا نكفره
-
لا مغفل لا يضبط
-
ولا مبادر
-
وتقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى وفيما له فيه حق مؤكد كطلاق وعتق وعفو عن قصاص وبقاء عدة وانقضائها وحد له.
-
وكذا النسب على الصحيح
-
ومتى حكم بالشاهدين فبانا كافرين أو عبدين أو صبيين نقضه هو وغيره.
-
وكذا فاسقان في الأظهر
-
ولو شهد كافر أو عبد وصبي ثم أعادها بعد كماله قبلت
-
أو فاسق تاب فلا
-
وتقبل شهادة غيرها بشرط اختباره بعد التوبة مدة يظن بها صدق توبته
-
وقدرها الأكثرون بسنة
-
ويشترط في توبة معصية قولية القول فيقول القاذف قذفي باطل وأنا نادم عليه لا أعود إليه
-
وكذا شهادة الزور.
-
قلت: وغير القولية يشترط إقلاع وندم وعزم أن لا يعود ورد ظلامه آدمي إن تعلقت به. والله أعلم.
فصل
-
لا يحكم بشاهد إلا في هلال رمضان في الأظهر
-
ويشترط للزنا أربعة رجال
-
وللإقرار به اثنان
-
وفي قول أربعة
-
ولمال وعقد مالي كبيع وإقالة وحوالة وضمان وحق مالي كخيار وأجل رجلان أو رجل وامرأتان
-
ولغير ذلك من عقوبة الله تعالى أو لآدمي وما يطلع عليه رجال غالبا كنكاح وطلاق ورجعة وإسلام وردة وجرح وتعديل وموت وإعسار ووكالة ووصاية وشهادة على شهادة رجلان
-
وما يختص بمعرفته النساء أو لا يراه رجال غالبا كبكارة وولادة وحيض ورضاع وعيوب تحت الثياب يثبت بما سبق وبأربع سنوة
-
وما لا يثبت برجل وامرأتين لا يثبت برجل ويمين
-
وما ثبت بهم ثبت برجل ويمين
-
إلا عيوب النساء ونحوها
-
ولا يثبت شيء بامرأتين ويمين
-
وإنما يحلف المدعي بعد شهادة شاهده وتعديله
-
ويذكر في حلفه صدق الشاهد
-
فإن ترك الحلف وطلب يمين خصمه فله ذلك
-
فإن نكل فله أن يحلف يمين الرد في الأظهر.
-
ولو كان بيده أمة وولدها فقال رجل هذه مستولدتي علقت بهذا في ملكي وحلف مع شاهد ثبت الإستيلاد
-
لا نسب الولد وحريته في الأظهر.
-
ولو كان بيده غلام فقال رجل كان لي وأعتقته وحلف مع شاهد فالمذهب انتزاعه ومصيره حرا
-
ولو ادعت ورثة مالا لمورثهم وأقاموا شاهدا وحلف معه بعضهم أخذ نصيبه ولا يشارك فيه
-
ويبطل حق من لم يحلف بنكوله إن حضر وهو كامل
-
فإن كان غائبا أو صبيا أو مجنونا فالمذهب أنه لا يقبض نصيبه
-
فإذا زال عذره حلف وأخذ بغير إعادة شهادة
-
ولا تجوز شهادة على فعل كربا وغصب وإتلاف وولادة إلا بالأبصار
-
وتقبل من أصم
-
والأقوال كعقد يشترط سمعها وإبصار قائلها
-
ولا يقبل أعمى
-
إلا أن يقر في أذنه فيتعلق به حتى يشهد عند قاض به على الصحيح
-
ولو حملها بصير ثم عمى شهد إن كان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب
-
ومن سمع قول شخص أو رأى فعله فإن عرف عينه واسمه ونسبه شهد عليه في حضوره إشارة وعند غيبته وموته باسمه
-
فإن جهلهما لم يشهد عند موته وغيبته
-
ولا يصح تحمل شهادة على منتقبة اعتمادا على صوتها
-
فإن عرفها بعينها أو باسم ونسب جاز
-
ويشهد عند الأداء بما يعلم
-
ولا يجوز التحمل عليها بتعريف عدل أو عدلين على الأشهر
-
والعمل على خلافه.
-
ولو قامت بينة على عينه بحق فطلب المدعي التسجيل سجل القاضي بالحلية
-
لا الاسم والنسب ما لم يثبتا
-
وله الشهادة بالتسامع على نسب من أبيه وقبيله
-
وكذا أم في الأصح
-
وموت على المذهب
-
لا عتق وولاء ووقف ونكاح وملك في الأصح.
-
قلت: الأصح عند المحققين والأكثرين في الجميع الجواز والله أعلم
-
وشرط التسامع سماعه من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب
-
وقيل: يكفي من عدلين
-
ولا تجوز الشهادة على ملك بمجرد يد
-
ولا بيد وتصرف في مدة قصيرة
-
وتجوز في طويلة في الأصح
-
وشرطه تصرف ملاك من سكنى وهدم وبناء وبيع ورهن
-
وتبني شهادة الإعسار على قرائن ومخائل الضر والإضافة.
فصل
-
تحمل الشهادة فرض كفاية في النكاح
-
وكذا الإقرار والتصرف المالي وكتابة الصك في الأصح
-
وإذا لم يكن في القضية إلا اثنان لزمهما الأداء
-
فلو أدى واحد وامتنع الآخر وقال احلف معه عصى
-
وإن كان شهود فالأداء فرض كفاية
-
فلو طولب من اثنين لزمهما في الأصح
-
وإن لم يكن إلا واحد لزمه إن كان فيما يثبت بشاهد ويمين وإلا فلا
-
وقيل: لا يلزم الأداء إلا من تحمل قصدا لا اتفاقا
-
ولوجوب الأداء شروط أن يدعي من مسافة العدوى
-
وقيل: دون مسافة قصر
-
وأن يكون عدلا
-
فإن ادعى ذو فسق مجمع عليه قيل: أو مختلف فيه لم يجب
-
وأن لا يكون معذورا بمرض ونحوه
-
فإن كان أشهد على شهادته أو بعث القاضي من يسمعها.
فصل
-
تقبل الشهادة على الشهادة في غير عقوبة
-
وفي عقوبة الآدمي على المذهب
-
وتحملها بان يسترعيه فيقول أنا شاهد بكذا وأشهدك أو أشهد على شهادتي أو يسمعه يشهد عند قاض أو يقول أشهد أن لفلان على فلان ألفا عن ثمن مبيع أو غيره
-
وفي هذا وجه
-
ولا يكفي سماع قوله لفلان على فلان كذا أو أشهد بكذا أو عندي شهادة بكذا
-
وليبين الفرع عند الأداء جهة التحمل
-
فإن لم يبن ووثق القاضي بعلمه فلا بأس
-
ولا يصح التحمل على شهادة مردود الشهادة
-
ولا تحمل النسوة
-
فإن مات الأصل أو غاب أو مرض لم يمنع شهادة الفرع
-
وإن حدث ردة أو فسق أو عداوة منعت
-
وجنونه كموته على الصحيح
-
ولو تحمل فرع فاسق أو عبد فأدى وهو كامل قبلت
-
ويكفي شهادة اثنين على الشاهدين
-
وفي قول يشترط لكل رجل أو امرأة اثنان
-
وشرط قبولها تعذر أو تعسر الأصيل بموت أو عمى أو مرض يشق حضوره أو غيبة لمسافة عدوى
-
وقيل: قصر
-
وأن يسمى الأصول
-
ولا يشترط أن يزكيهم الفروع فإن زكوهم
-
ولو شهدوا على شهادة عدلين أو عدول ولم يسموهم لم يجز.
فصل
-
رجعوا عن الشهادة قبل الحكم امتنع
-
أو بعده وقبل استيفاء مال استوفى
-
أو عقوبة فلا
-
أو بعده لم ينقض
-
فإن كان المستوفى قصاصا أو قتل ردة أو رجم زنا أو جلده ومات وقالوا تعمدنا فعليهم قصاص أودية مغلظة
-
وعلى القاضي قصاص إن قال تعمدت
-
وإن رجع هو وهم فعلى الجميع قصاص إن قالوا تعمدنا
-
فإن قالوا أخطأنا فعليه نصف دية وعليهم نصف
-
ولو رجع مزك فالأصح أنه يضمن
-
أو ولي وحده فعليه قصاص أو دية
-
أو مع الشهود فكذلك.
-
وقيل: هو وهم شكراء
-
ولو شهدا بطلاق بائن أو رضاع أو لعان وفرق القاضي فرجعا دام الفراق وعليهم طلاق مثل
-
وفي قول نصفه إن كان قبل وطء
-
ولو شهدا بطلاق وفرق فرجعا فقامت بينة أنه كان بينهما رضاع فلا غرم
-
ولو رجع شهود مال غرموا في الأظهر
-
ومتى رجعوا كلهم وزع عليهم الغرم
-
أو بعضهم وبقي نصاب فلا غرم
-
وقيل: يغرم قسطه
-
وإن نقص النصاب ولم تزد الشهود عليه فقسط
-
وإن زاد فقسط من النصاب.
-
وقيل: من العدد
-
وإن شهد رجل وامرأتان فعليه نصف وهما نصف
-
أو أربع في رضاع فعليه ثلث وهن ثلثان
-
فإن رجع هو أو ثنتان فلا غرم في الأصح
-
وإن شهد هو وأربع بمال فقيل: كرضاع
-
والأصح هو نصف وهن نصف سواء رجعن معه أو وحدهن
-
وإن رجع ثنتان فالأصح لا غرم
-
وأن شهود إحصان أو صفة مع شهود تعليق طلاق وعتق لا يغرمون.
Another book
- زاد المستقنع45
- الكافي في فقه الإمام أحمد438
- الإقناع338
- الفروع310
- غاية المنتهى254
- منتهى الإرادات236
- المقنع158
- التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع142
- المحرر في الفقه130
- دليل الطالب لنيل المطالب64
- مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله63
- عمدة الفقه40
- عمدة الطالب لنيل المآرب33
- كافي المبتدي31
- مختصر الخرقي26
- منظومة مفردات الإمام أحمد15
-
تحمل الشهادة وأداؤها فرض كفاية إذا لم يوجد من يقوم بها سوى اثنين لزمهما القيام بها على القريب والبعيد إذا أمكنهما ذلك من غير ضرر لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ} الآية .
-
والمشهود عليه أربعة أقسام: أحدها: الزنا وما يوجب حده فلا يثبت إلا بأربعة رجال أحرار عدول. الثاني: المال وما يقصد به المال فيثبت بشاهدين أو رجل وامرأتين وبرجل مع يمين الطالب. الثالث: ما عدا هذين مما يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال فلا يثبت إلا بشهادة رجلين.
-
الرابع: ما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والحيض والعدة والعيوب تحت الثياب فيثبت بشهادة امرأة عدل لأن عقبة بن الحارث قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كيف وقد زعمت ذلك"
-
وتقبل شهادة العبد في كل شيء إلا الحدود والقصاص وتقبل شهادة الأمة فيما تقبل فيه شهادة النساء للخبر وشهادة الفاعل على
-
فحله كالمرضعة على الرضاع والقاسم على القسمة وشهادة الأخ لأخيه والصديق لصديقه وشهادة الأصم على المرئيات وشهادة الأعمى إذا تيقن الصوت وشهادة المستخفي.
-
ومن سمع إنسانا يقر بحق
-
وإن لم يقل للشاهد أشهد علي وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه جاز أن يشهد به كالشهادة على النسب والولادة
-
ولا يجوز ذلك في حد
-
ولا قصاص. وتقبل شهادة القاذف وغيره بعد توبته.
-
لا تقبل شهادة صبي
-
ولا زائل العقل ولا أخرس ولا كافر
-
ولا فاسق ولا مجهول الحال
-
ولا جار إلى نفسه نفعا
-
ولا دافع عنها شرا
-
ولا شهادة والد وإن علا لولده
-
ولا ولد لوالده ولا سيد لعبيده
-
ولا مكاتبه ولا شهادتهما له
-
ولا أحد الزوجين لصاحبه
-
ولا شهادة الوصي فيما هو وصي فيه
-
ولا الوكيل فيما هو وكيل فيه
-
ولا الشريك فيما هو شريك فيه
-
ولا العدو على عدوه
-
ولا معروف بكثرة الغلط والغفلة ولا من لا مروءة له كالمسخرة وكاشف عورته للناظرين في حمام أو غيره.
-
ومن شهد بشهادة يتهم في بعضها ردت كلها.
-
ولا يسمح في الجرح والتعديل والترجمة ونحوها إلا شهادة اثنين
-
وإذا تعارض الجرح والتعديل قدم الجرح.
-
وإن شهد شاهد بألف وآخر بألفين قضى له بألف وحلف مع شاهده على الألف الآخر إن أحب
-
وإن قال أحدهما ألف من قرض وقال الآخر من ثمن مبيع لم تكمل الشهادة.
-
وإذا شهد أربعة بالزنا أو شهد اثنان على فعل سواه واختلفوا في المكان أو الزمان أو الصفة لم تكمل شهادتهم.
-
تجوز الشهادة على الشهادة فيما يجوز فيه كتاب القاضي إذا تعذرت شهادة الأصل بموت أو غيبة أو مرض ونحوه بشرط أن يستدعيه شاهد الأصل فيقول أشهد على شهادتي إني اشهد أن فلانا أقر عندي أو أشهدني بكذا.
-
ويعتبر معرفة العدالة في شهود الأصل والفرع
-
ومتى لم يحكم بشهادة الفرع حتى حضر شهود الأصل وقف الحكم على سماع شهادتهم
-
وإن حدث من بعضهم ما يمنع قبول الشهادة لم يحكم بها.
-
ومتى غير العدل شهادته فزاد فيها أو نقص قبل الحكم قبلت
-
وإن حدث منه ما يمنع قبولها أدائها ردت
-
وإن حدث ذلك بعد الحكم بها لم يؤثر.
-
وإن رجع الشهود بعد الحكم بشهادتهم لم ينقض الحكم ولم يمنع الاستيفاء إلا في الحدود والقصاص وعليهم غرامة ما فات بشهادتهم بمثله إن كان مثليا وقيمته إن لم يكن مثليا ويكون ذلك بينهم على عددهم
-
فإن رجع أحدهم فعليه حصته.
-
وإن كان المشهود به قتلا أو جرحا فقالوا تعمدنا فعليهم القصاص
-
وإن قالوا أخطأنا غرموا الدية وأرش الجرح.
In the books of comparative fiqh
الإجماعIbn al-Mundhirكتاب القضاة16 masa’il
التجريدal-QuduriNothing of it on this topic
المبسوطal-Sarakhsiبَابُ الشَّهَادَةِ فِي الطَّلَاقِ، بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ، بَابُ الْوَلَدِ عِنْدَ مَنْ يَكُونُ فِي الْفُرْقَةِ4,202 masa’il
بداية المجتهدIbn RushdNothing of it on this topic
المغنيIbn Qudama · on مختصر الخرقيكتاب الشهادات696 rows
المجموع شرح المهذبal-Nawawi · on المهذبNothing of it on this topic
الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar · on المقنعكِتَابُ الشَّهَادَاتِ، فصل، فصل873 rows
الفقه على المذاهب الأربعةal-Jaziriمبحث الشهادة في الزنا116 masa’il
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميUsama al-Qahtani and othersالباب الثاني: مسائل الإجماع في كتاب الشهادات4 masa’il
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)under 'Alawi al-Saqqafمسألة: الشهادة على عقد النكاح، المطلب الأول: حكم الجماع للمحرم في النسك، ٢ - الشهادة115 masa’il
What the schools’ books say, not a fatwa.On the map: Testimony