فإن لم يجد سقطت الكفارة.
Its commentaries
(فإن لم يجد) شيئا يطعمه للمساكين (سقطت عنه) الكفارة لأن الأعرابي لما دفع إليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التمر ليطعمه للمساكين فأخبره بحاجته قال:«أطعمه لأهلك» ولم يأمره بكفارة أخرى، ولم يذكر له بقاءها في ذمته
بخلاف كفارة حج وظهار ويمين ونحوها، ويسقط الجميع بتكفير غيره عنه بإذنه.
[باب ما يكره وما يستحب في الصوم وحكم القضاء] باب ما يكره وما يستحب في الصوم (وحكم القضاء) أي قضاء الصوم
(فإن لم يجد) شيئًا يطعمه للمساكين، (سقطت) الكفارة قال الوزير: أجمعوا على أنه إذا عجز عن كفارة الوطء، حين الوجوب، سقطت، إلا الشافعي، في أحد قوليه. اهـ.
وكذا كفارة الوطء في الحيض، تسقط بالعجز، دون ما عداهما.
ويستحب في الصوم وحكم القضاء أي قضاء الصوم لرمضان أو غيره، وما يتعلق بذلك، ويقع القضاء بمعنى الأداء، ممن أفطر بسبب مباح، أو محرم، كمن أبطل صومه، بجماع أو غيره،
وقال الشيخ وغيره: وقولهم: بطل صومه، ونحو ذلك، بمعنى وجب القضاء، لا بمعنى أنه لا يثاب عليه بشيء، وجاءت السنة بثوابه على ما فعله، وعقابه على ما تركه، وأنه لو كان باطلاً كعدمه، ولا ثواب فيه، لم يجبر بالنوافل شيء وقوله {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ليس بطلان جميعه، بل قد يثاب على ما فعله، فلا يكون مبطلاً لجميع عمله.
أي قضاء الصوم (يكره) لصائم (جمع ريقه فيبتلعه) فرضًا كان الصوم، أو نفلاً، لإمكان التحرز منه، والريق: الرضاب، وهو ماء الفم.
«فإن لم يجد سقطت» أي: الكفّارة، ودليل ذلك من الكتاب، والسنّة،
أمّا من الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ ، وهذا الرجل الفقير ليس عنده شيءٌ فلا يكلّف إلاّ ما آتاه الله، والله عز وجل بحكمته لم يؤته شيئاً، ودليل آخر قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، ودليلٌ ثالثٌ العموم، عموم القاعدة الشرعيّة، وهي أنّه لا واجب مع عجزٍ، فالواجبات تسقط بالعجز عنها، وهذا الرجل الذي جامع لا يستطيع عتق الرقبة ولا الصيام ولا الإطعام، نقول إذاً لا شيء عليك وبرئت ذمّتك.
فإن أغناه الله في المستقبل فهل يلزمه أن يكفر أو لا؟
فالجواب: لا يلزمه لأنها سقطت عنه، وكما أنّ الفقير لو أغناه الله لم يلزمه أن يؤدي الزكاة عمّا مضى من سنواته لأنّه فقير فكذلك هذا الذي لم يجد الكفارة إذا أغناه الله تعالى لم يجب عليه قضاؤها.
أمّا الدليل من السنّة فهو أن الرجل لمّا قال:(لا أستطيع أن أطعم ستين مسكيناً) لم يقل النبي ﷺ أطعمهم متى استطعت، بل أمره أن يطعم حين وجد، فقال:(خذ هذا تصدّق به، فقال: أعلى أفقر مني يا رسول الله … فقال: أطعمه أهلك)، ولم يقل: والكفارة واجبة في ذمتك، فدل هذا على أنها تسقط بالعجز.
وقال بعض العلماء: إنها لا تسقط بالعجز، واستدلوا بالحديث، قالوا: لأن الرجل قال: لا أجد، فلمّا جاء النبيَّ ﷺ التمرُ، قال: خذ هذا تصدّق به،
ولو كانت ساقطة بالعجز لم يقل خذ هذا تصدّق به.
فيقال: الجواب: إِنَّ هذا وجده في الحال، يعني وجده في المجلس الذي أفتاه النبي ﷺ به، فكان كالواجد قبل ذلك، ولهذا لمّا قال: أطعمه أهلك، لم يقل: وعليك كفّارة إذا اغتنيت.
والقول الراجح أنّها تسقط، وهكذا أيضاً نقول في جميع الكفارات، إذا لم يكن قادراً عليها حين وجوبها فإنها تسقط عنه،
إمّا بالقياس على كفارة الوطء في رمضان،
وإما لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ وما أشبه ذلك، وعلى هذا فكفّارة الوطء في الحيض إذا قلنا: إن الوطء في الحيض يوجب الكفّارة، فإنّها تسقط.
وفدية الأذى إذا لم يجد ولم يستطع الصوم تسقط، وهكذا جميع الكفارات بناءً على ما استدللنا به لهذه المسألة، وبناءً على القاعدة العامة الأصوليّة التي اتفق عليها الفقهاء في الجملة، وهي أنّه (لا واجب مع عجز).
والغريب أن بعض العلماء سلك مسلكاً غريباً وقال: إن الرسول ﷺ قال له: «أطعمه أهلك» أي: كفارة، لا أنه دفعٌ لحاجتهم،
وهذا ليس بصواب لأمرين:
أولاً: أنه لا يمكن أن يكون الرجل مصرفاً لكفارته كما لا يكون مصرفاً لزكاته، أرأيت لو أن شخصاً عنده دراهم تجب فيها الزكاة، وهو مدين فإنه لا يصرف زكاته في دينه، وهذا أيضاً لا يمكن أن يصرف كفارته لنفسه.
ثانياً: أن الكفارة إطعام ستين مسكيناً، وهذا الرجل ـ الذي يظهر والله أعلم ـ أنه ليس عنده إلا زوجته أو ولد أو ولدان أو أكثر،
ولو كانت كفارة لقال له النبي ﷺ : هل عندك ستون شخصاً تعولهم حتى يثبت الأمر فهذا المسلك مسلك ضعيف.
والمذهب لا يسقط من الكفّارات بالعجز إلاّ اثنتان: كفّارة الوطء في الحيض، وكفّارة الوطء في رمضان، وباقي الكفارات لا تسقط بالعجز بل تبقى في ذمته؛ لأن الدين لا يسقط بالعجز عنه أرأيت لو أن شخصاً يطلبك دراهم وعجزت، فلا يسقط دينه بل يبقى في ذمتك، والنبي ﷺ يقول:«دين الله أحق بالقضاء».
مسألة: كلما جاءت الرقبة مطلقة فلا بد من شرط الإيمان؛ لأن النبي ﷺ لما جاء معاوية بن الحكم يستفتيه في جارية غضب عليها ولطمها فأراد أن يعتقها، فدعاها الرسول ﷺ وقال: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقال: اعتقها فإنها مؤمنة ؛ ولأن إعتاق الكافرة قد يستلزم ذهابها إلى الكفار؛ لأنها تحررت فتذهب إلى بلاد الكفر ولا يرجى لها إسلام.
مسألة: اشتراط سلامة الرقبة من العيوب فيه خلاف:
فقيل بالاشتراط،
وقيل: لا نشترط سوى ما اشترط الله وهو: الإيمان، واستدل من قال بالاشتراط، أن إعتاق المعيب عيباً يخل بالعمل خللاً بيناً فإن إعتاقه يكون به عالة على غيره، وعدم إعتاقه أحسن له.
والمسألة تحتاج لتحرير، لكن الذي يظهر لي أنه لا يشترط. بَابُ مَا يُكْرَهُ،
وَيُسْتَحَبُّ، وَحُكْمِ القَضَاءِ «باب ما يكره ويستحب وحكم القضاء» هذه ثلاثة عناوين جمعها المؤلف في باب واحد.
فقوله:«ما يكره» أي: في الصيام،
«ويستحب» أي: في الصيام، «وحكم القضاء» أي: قضاء رمضان.
والمكروه عند الفقهاء هو الذي نهى عنه الشرع لا على وجه الإلزام بالترك؛ لأنه إن نهى عنه على وجه الإلزام بالترك صار حراماً، وأمثلته كثيرة، ففي الصلاة مكروهات،
وفي الوضوء مكروهات، وفي الصيام مكروهات،
وفي الحج وفي البيع وغيرها.
أما حكمه فإنه يثاب تاركه امتثالاً، ولا يعاقب فاعله، وبهذا ظهر الفرق بينه وبين الحرام، فالحرام إذا فعله الإنسان استحق العقوبة،
أما هذا فلا.
وأما في لسان الشرع فإن المكروه يطلق على المحرم، بل قد يكون من أعظم المحرمات، قال الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء حين نهى عن منهيات عظيمة قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا *﴾ ،
وفي الحديث عن النبي ﷺ :«إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». وقوله:«ويستحب» المستحب هو المسنون وهو ما أمر به لا على وجه الإلزام بالفعل،
فإن أمر به على وجه الإلزام كان واجباً.
وحكم المستحب أن يثاب فاعله امتثالاً ولا يعاقب تاركه، ولكنَّ ثوابَ المستحب أو المسنون أقل من ثواب الواجب، بالدليل الأثرى والنظري.
أما الدليل الأثري فقوله تعالى في الحديث القدسي:«ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه» فصلاة ركعتين فريضة، أحب إلى الله من صلاة ركعتين نافلة.
وأما الدليل النظري فإن إيجاب الله للواجب يدل على أنه أوكد،
وأنَّ المكلف محتاج إليه أكثر من احتياجه إلى النوافل.
وهل يفرَّق بين المستحب والمسنون؟
الجواب: فرق بعض العلماء بينهما بأن المستحب ما ثبت بقياس، والمسنون ما ثبت بسنة، أي بدليل.
ولكن الصحيح أنه لا فرق والمسألة اصطلاحية، فعند الحنابلة لا فرق بينهما، فلا فرق بين أن نقول: يستحب أن يتوضأ ثلاثاً،
وأن نقول: يسن أن يتوضأ ثلاثاً، وهذا مجرد اصطلاح؛ أي: لو أن أحداً
قال في مؤلف له: أنا إن عبَّرت بيسن فإنما أعبِّر عن ثابت بسنة،
وإن عبرت بيستحب فإنما عبرت عن ثابت بقياس، ثم مشى على هذا الاصطلاح لم ينكر عليه. وقوله:«وحكم القضاء» سيأتي إن شاء الله حكمه، وأنه يجب القضاء، ولكن ليس على الفور وإنما يكون على التراخي، فلك أن تؤخر قضاء رمضان ولو بلا عذر إلى أن يبقى بينك وبين رمضان الثاني مقدار ما عليك، فحينئذ يجب عليك أن تقضي.
يُكْرَهُ جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ، وَيَحْرُمُ بَلْعُ النُّخَامَةِ، وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ. .........
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.