ويجب نية الإمامة والائتمام
Its commentaries
(ويجب) للجماعة (نية) الإمام (الإمامة و) نية المأموم (الائتمام) لأن الجماعة يتعلق بها أحكام، وإنما يتميزان بالنية فكانت شرطا، رجلا كان المأموم أو امرأة،
وإن اعتقد كل منهما أنه إمام الآخر أو مأمومه فسدت صلاتهما. كما لو نوى إمامه من لا يصلح أن يؤمه، أو شك في كونه إماما، أو مأموما،
ولا يشترط تعيين الإمام، ولا المأموم، ولا يضر جهل المأموم ما قرأ به إمامه،
وإن نوى زيد الاقتداء بعمرو ولم ينو عمرو الإمامة صحت صلاة عمرو وحده، وتصح نية الإمامة ظانا حضور مأموم لا شاكا،
(نية) الإمام (الإمامة) . (و) نية المأموم (الائتمام) أي يجب أن ينوي المأموم أنه مقتد وفاقا،
وفي الإنصاف: يشترط أن ينوي حاله بلا نزاع، ولا يتصور أن المأموم لا ينوي أنه مؤتم،
فإن من وجد إماما يصلي أو شخصا يصلي فإن نوى أنه يقتدي به فهو مأموم وقد حصلت له نية الاقتداء،
وإن نوى أن يصلي لنفسه، ولم ينو أنه مقتد بذلك الإمام فهو منفرد،
أما إذا أحرم بالصلاة منفردا ثم في أثناء الصلاة نوى أن يقتدي بشخص آخر فيأتي.
نية المأموم (الائتمام) لأن الجماعة يتعلق بها أحكام كوجوب الاتباع وسقوط الفاتحة، والسهو عن المأموم، وفساد صلاته بفساد صلاة إمامه.
يؤمه . أوشك في كونه إماما أو مأموما لم تصح في الأشهر.
أو مأموما ولا يشترط تعيين الإمام ولا المأموم لأنه إذا صلى خلف من يصلي بالناس صح،
وكذا الإمام بطريق الأولى، وإن عين إماما أو مأموما فأخطأ لم تصح،
وقيل: تصح كانصراف الحاضر بعد دخوله،
وكذا إن عين جنازة فأخطأ وقال الشيخ: إن عين وقصده: خلف من حضر، وعلى من حضر صح، لأن عليه الصلاة والسلام أحرم وحده فجاء جابر وجبار فصلى بهما، رواه مسلم، وصلى في العشر الأخير فصلى بصلاته ناس في المسجد، فدل على جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته، قال النووي: وهو صحيح على المشهور من مذاهب أهل العلم.
«وَيَجِبُ نيَّةُ الإمَامَةِ والائتِمَام»، الجماعة وصفٌ زائد على أصل الصَّلاة، لأنها اجتماع على هذه الصَّلاة، ولهذا نقول: الجماعة تجب للصَّلاة؛ لا في الصَّلاة، فهل تُشترط نيَّة هذا الوصف، أو تكفي الموافقة في الأفعال؟ هذا ما سيبحثه المؤلِّف بقوله:«يجب نيَّة الإمامة والائتمام»، يعني: تجب نيَّة هذا الوصف؛ فتجب نيَّة الإمامة على الإمام، ونيَّة الائتمام على المأموم، أي: يجب أن ينوي الإمامُ الإمامة، وينوي المأمومُ الائتمامَ، وذلك لقول النبيِّ ﷺ :«إنَّما الأعمالُ بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى».
ولا شكَّ أن هذا شرط لحصول ثواب الجماعة لهما، فلا ينال ثواب الجماعة إلا بنيَّة الإمام الإمامةَ، ونيَّة المأموم الائتمامَ، لكن هل هو شرط لصحَّة الصلاة؟
كلام المؤلِّف صريحٌ في أنَّه شرط لصحَّة الصَّلاة،
وأن الإمام إذا لم ينوِ الإمامةَ أو المأموم لم ينوِ الائتمام فصلاتُهما باطلة،
لكن في المسألة خلافٌ يتبيَّن في الصُّور الآتية:
الصُّورة الأولى: أن ينويَ الإمامُ أنه مأموم، والمأموم أنه إمام، فهذه لا تصحُّ؛ للتضاد؛ ولأنَّ عمل الإمام غير عمل المأموم.
الصُّورة الثانية: أن ينويَ كلُّ واحد منهما أنه إمام للآخر، وهذه أيضاً لا تصحُّ؛ للتضاد؛ لأنه لا يمكن أن يكون الإمام في نفس الوقت مأموماً.
الصُّورة الثالثة: أن ينويَ كلُّ واحد منهما أنه مأموم للآخر، فهذه أيضاً لا تصحُّ؛ للتضاد، ولأنَّه إذا نوى كلٌّ منهما أنه مأموم للآخر فأين الإمام.
الصُّورة الرابعة: أن ينويَ المأمومُ الائتمامَ، ولا ينويَ الإمامُ الإمامة فلا تصحّ؛ صلاة المؤتمِّ وحدَه، وتصحُّ صلاة الأول.
مثاله: أن يأتي شخصٌ إلى إنسان يُصلِّي فيقتدي به على أنه إمامه، والأول لم ينوِ أنه إمام؛ فتصحُّ صلاة الأوَّل دون الثَّاني؛ لأنَّه نوى الائتمام بمن لم يكن إماماً له. هذا المذهب، وهو من المفردات كما في «الإنصاف».
والقول الثاني في المسألة: أنَّه يصحُّ أن يأتمَّ الإنسان بشخص لم ينوِ الإمامة . واستدلَّ أصحاب هذا القول: بأن النبيَّ ﷺ قام يُصلِّي في رمضان ذات ليلة فاجتمع إليه ناس فصلُّوا معه، ولم يكن قد عَلِمَ بهم، ثم صَلَّى في الثَّانية والثَّالثة وعَلِمَ بهم، ولكنه تأخَّر في الرَّابعة خوفاً من أن تُفرض عليهم ، وهذا قول الإمام مالك وهو أصحُّ.
ولأن المقصود هو المتابعة، وقد حصلت،
وفي هذه الحال يكون للمأموم ثواب الجماعة، ولا يكون للإمام؛ لأن المأموم نوى فكان له ما نوى، والإمام لم ينوِ فلا يحصُل له ما لم ينوه.
الصُّورة الخامسة: أن ينويَ الإمامُ دون المأموم، كرَجُلٍ جاء إلى جَنْبِ رَجُل وكبَّر، فظنَّ الأول أنه يريد أن يكون مأموماً به فنوى الإمامة، وهذا الرَّجُل لم ينوِ الائتمام، فهنا لا يحصُل ثواب الجماعة لا للإمام ولا للمأموم؛ لأنَّه ليس هناك جماعة، فالمأموم لم يأتمَّ بالإمام ولا اقتدى به، والإمام نوى الإمامة لكن بغير أحد، فلا يحصُل ثواب الجماعة من غير أن يكون هناك جماعة.
ولو قال قائلٌ بحصول الثواب للإمام في هذه الصُّورة لم يكن بعيداً؛ لعموم قوله ﷺ :«إنَّما الأعمالُ بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى». وكلام المؤلِّف يقتضي أنه لا يصحّ شيء من هذه الصُّور الخمس، وقد سبق بيان الصَّحيح في ذلك.
الصُّورة السادسة: أن يتابعه دُون نيَّة، وهذه لا يحصُل بها ثواب الجماعة لمن لم ينوِها؛ وصورتها ممكنة فيما لو أنَّ شخصاً صَلَّى وراء إمام لا تصحُّ صلاتُه، لكن تابعه حياءً دون نيَّة أنه مأموم، أو يُحْدِث وهو مأموم، ويخجل أن ينطلق ليتوضَّأ فيتابع مع النَّاس، وهو لم ينوِ الصَّلاة لأنه محدث، وهذه تقع مع أن هذا لا يجوز، والواجب أن ينصرف فيتوضَّأ ثم يستأنف الصَّلاة.
ثم ذكر المصنف رحمه الله أنواع الانتقالات في النيَّة.
وَإِنْ نَوَى المُنْفَردُ الائْتِمَامَ لَمْ تَصِحَّ ........
النوع الأول: ما ذكره في قوله: «وَإنْ نَوَى المُنْفَردُ الائْتِمَامَ لَمْ تَصِحَّ»، يعني: إذا انتقل من انفراد إلى ائتمام لا تصحُّ الصلاة.
مثاله: شخصٌ ابتدأ صلاته منفرداً؛ ثم حضرت جماعة فصلُّوا جماعة؛ فانتقل من انفراده إلى الائتمام بالإمام الذي حضر،
فإن صلاتَه لا تصحُّ، لأنه نوى الائتمام في أثناء الصَّلاة فتبعَّضت النيَّة؛ حيث كان في أول الأمر منفرداً ثم كان مؤتمّاً، فلما تبعّضت النيَّة بطلت الصلاة، كانتقاله من فَرْض إلى فَرْض، وهذا هو المذهب.
والقول الثاني: وهو رواية عن أحمد: أنه يصحُّ أن ينويَ المنفرد الائتمام ؛ لأن الاختلاف هنا اختلاف في صفة من صفات النيَّة، فقد كان بالأوَّل منفرداً ثم صار مؤتمّاً، وليس تغييراً لنفس النيَّة فكان جائزاً، وهذا هو الصَّحيح. قالوا: والدليل على هذا: أنه ثبت في السُّنَّة صحَّة انتقال الإنسان من انفراد إلى إمامة كما سيأتي ـ إن شاء الله ـ فدلَّ هذا على أن مثل هذا التَّغيير لا يؤثِّر، فكما يصحُّ الانتقال من انفرادٍ إلى إمامة؛
يصحُّ الانتقال من انفرادٍ إلى ائتمام ولا فرق، غاية ما هنالك أنَّه في الصُّورة الأُولى صار إماماً،
وفي الصُّورة الثانية صار مؤتمّاً.
فإذا قال قائل: على القول بالصِّحَّة، إذا كان قد صَلَّى بعضَ الصلاة، وحضر هؤلاء لأداء الجماعة مثلاً في صلاة الظُّهر، وكان قد صَلَّى ركعتين قبل حضورهم، فلما حضروا دخل معهم، فسوف تتمُّ صلاته إذا صَلُّوا ركعتين، فماذا يصنع؟
فالجواب: يجلس ولا يتابع الإمام؛ لأنه لو تابع الإمام للزم أن يُصلِّي ستًّا، وهذا لا يجوز، فيجلس وينتظر الإمام ويُسلِّم معه،
وإن شاء نوى الانفراد وسلَّم، فهو بالخيار.
النوع الثاني: الانتقال من انفراد إلى إمامة، وقد ذكره بقوله:«كنيَّة إمامته فرضاً»، أي: كما لا يصحُّ أن ينتقل المنفرد إلى إمامة في صلاة الفرض.
مثاله: رَجُلٌ ابتدأ الصَّلاة منفرداً، ثم حضر شخصٌ أو أكثر فقالوا: صلِّ بنا، فنوى أن يكون إماماً لهم، فقد انتقل من انفراد إلى إمامة، فلا يصحُّ؛ لأنه انتقل من نيَّة إلى نيَّة، فتبطل الصَّلاة كما لو انتقل من فَرْض إلى فَرْض كَنِيَّةِ إِمَامَتِه فَرْضاً ..........
وعُلِمَ من قول المؤلِّف:«كنيَّة إمامته فرضاً»، أنه لو انتقل المنفردُ إلى الإمامة في نَفْل فإن صلاته تصحُّ.
والدَّليل على ذلك: أن ابن عباس رضي الله عنهما باتَ عند النبيِّ ﷺ ذات ليلة، فقام النبيُّ ﷺ من الليل، فقام ابنُ عباس فوقف عن يساره، فأخذَ النبيُّ ﷺ برأسِهِ من ورائه فجعله عن يمينه . فانتقل النبيُّ ﷺ هنا من انفراد إلى إمامة في نَفْل.
وعلى هذا؛ فيكون في انتقال المنفرد من انفراد إلى إمامة في النَّفْلِ نصٌّ عن رسول الله ﷺ.
والقول الثاني في المسألة: أنه يصحُّ أن ينتقل من انفراد إلى إمامة في الفرض والنَّفْل .
واستدلَّ هؤلاء: بأن ما ثبت في النَّفْل ثبت في الفرض إلا بدليل، وهذا ثابتٌ في النَّفْل فيثبت في الفرض.
والدَّليل على أن ما ثبت في النَّفْل ثبت في الفرض إلا بدليل: أن الصَّحابة رضي الله عنهم الذين رَوَوْا أن النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي على راحلته في السَّفر حيثما توجَّهت به، قالوا: غير أنه لا يُصلِّي عليها الفريضة ، فدلَّ هذا على أنه من المعلوم عندهم أن ما ثَبَتَ في النَّفل ثَبَتَ في الفرض، ولولا ذلك لم يكن لاستثناء الفريضة وَجْهٌ. القول الثَّالث في المسألة: أنه لا يصحُّ أن ينتقل من انفراد إلى إمامة؛
لا في الفرض ولا في النَّفْل، كما لا يصحُّ أن ينتقل من انفراد إلى ائتمام لا في الفرض ولا في النَّفْل، وهذا هو المذهب . فيكون قول المؤلِّف هنا وسطاً بين القولين.
ولكن الصَّحيح: أنه يصحُّ في الفرض والنَّفْل،
أما النَّفْل فقد وَرَدَ به النَّصُّ كما سبق،
وأما الفرض فلأن ما ثبت في النَّفْل ثبت في الفرض إلا بدليل.
فإذا قال قائل: بماذا يجيب القائلون بأنه لا يصحُّ في الفرض ولا في النَّفْل عن حديث ابن عباس؟
فالجواب: يُجيبون عنه بأن النبيَّ ﷺ صَلَّى منفرداً، وهو يغلب على ظَنِّه أن ابن عباس سيُصلِّي معه، وبَنَوا على ذلك أنه إذا انتقل المنفرد من انفراد إلى إمامة، وكان قد ظَنَّ قبل أن يدخل الصَّلاة أنه سيأتي معه شخص يكون إماماً له،
فإن ذلك صحيح، قالوا: لأنه لما ظَنَّ أنه سيحضر معه شخص؛ فقد نوى الإمامة في ثاني الحال من أوَّل الصلاة فلا يضرُّ .
والردُّ عليهم من وجهين:
الوجه الأول: يبعد أن يظنَّ الرَّسول عليه الصلاة والسلام أن ابن عباس سيُصلِّي معه وهو غلام صغير نائم.
الثاني: أننا نقول: حتى وإن لم يكن ذلك بعيداً،
فمن الذي يقول إنَّ الرَّسول ﷺ ظن ذلك، فهذا يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل عدم ظَنِّه، فيبقى حديث ابن عباس محكماً سالماً من المعارضة، ويُقاس على النَّفْلِ الفرضُ قياساً لا شُبهة فيه.
النوع الثالث من الانتقالات: ما ذكره المؤلِّف بقوله:
وَإِنْ انْفَرَدَ مُؤْتَمٌّ بلا عُذْرٍ بَطَلتْ .........
«وَإِنْ انْفَرَدَ مُؤْتَمٌّ بلا عُذْرٍ بَطَلتْ»، وهذا يُعَبَّر عنه بالانتقال من ائتمام إلى انفراد،
وفي هذا تفصيل: إن كان هناك عُذْر جاز،
وإن لم يكن عُذْر لم يَجُزْ.
مثال ذلك: دخل المأموم مع الإمام في الصَّلاة؛ ثم طرأ عليه أن ينفرد؛ فانفرد وأتمَّ صلاته منفرداً، فنقول: إذا كان لعُذر فصحيح،
وإن كان لغير عُذْرٍ فغير صحيح.
مثال العُذْر: تطويل الإمام تطويلاً زائداً على السُّنَّة، فإنه يجوز للمأموم أن ينفرد، ودليل ذلك: قصَّة الرَّجُل الذي صَلَّى مع معاذ رضي الله عنه وكان معاذ يُصلِّي مع النبيِّ ﷺ العشاءَ، ثم يرجع إلى قومه فيُصلِّي بهم تلك الصَّلاة، فدخل ذات ليلة في الصَّلاة فابتدأ سُورةً طويلة «البقرة» فانفرد رَجُلٌ وصَلَّى وحده، فلما عَلِمَ به معاذ رضي الله عنه قال: إنه قد نافق، يعني: حيث خرج عن جماعة المسلمين، ولكن الرَّجُل شكا ذلك إلى النبيِّ ﷺ فقال النبيُّ ﷺ لمعاذ:«أتريدُ أنْ تكون فتَّاناً يا مُعَاذُ» ولم يوبِّخِ الرَّجُلَ، فَدلَّ هذا على جواز انفراد المأموم؛
لتطويل الإمام، لكن بشرط أن يكون تطويلاً خارجاً عن السُّنَّة؛ لا خارجاً عن العادة. ولذلك لو أمَّ رَجُلٌ جماعةً؛ وكان إمامُهم الرَّاتب يُصلِّي بهم بقراءة قصيرة ورُكوع وسُجود خفيفين؛ فصلَّى بهم هذا بقراءة ورُكوعٍ وسُجودٍ على مقتضى السُّنَّة، فإنه لا يجوز لأحد أن ينفرد؛ لأن هذا ليس بعذر.
ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ على الإنسان قَيْئٌ في أثناء الصَّلاة؛ لا يستطيع أن يبقى حتى يكمل الإمام؛ فيخفِّف في الصَّلاة وينصرف.
ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ على الإنسان غازاتٌ «رياح في بطنه» يَشُقُّ عليه أن يبقى مع إمامه فينفرد ويخفِّف وينصرف.
ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ عليه احتباسُ البول أو الغائط فيُحصر ببول أو غائط.
لكن إذا قُدِّرَ أنه لا يستفيد من مفارقة الإمام شيئاً؛ لأن الإمام يخفِّف،
ولو خفَّف أكثر من تخفيف الإمام لم تحصُل الطُّمأنينة فلا يجوز أن ينفردَ؛ لأنه لا يستفيد شيئاً بهذا الانفراد.
ومن الأعذار أيضاً: أن تكون صلاة المأموم أقلَّ من صلاة الإمام، مثل: أن يُصلِّي المغرب خلف من يصلِّي العشاء على القول بالجواز؛ فإنه في هذه الحال له أن ينفرد ويقرأ التشهد ويُسَلِّمَ وينصرف، أو يدخل مع الإمام إذا كان يريد أن يجمع مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء، ثم يُتمُّ بعد سلامه. وهذا القولُ رواية عن الإمام أحمد رحمه الله. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الحقُّ، ونوعُ العُذر هنا عُذر شرعيّ؛
لأنَّه لو قام مع الإمام في الرَّابعة لبطلت صلاتُه.
وإن انفرد بلا عُذر؛ فصريح كلام المؤلِّف أنها تبطل، وهو المذهب، والقول الثاني: أنها لا تبطل ، لكن إن قلنا به فيجب أن يقيَّد بما إذا أدرك الجماعة بأن يكون قد صَلَّى مع الإمام رَكعةً فأكثر،
أما إذا لم يكن أدرك الجماعة فإنه لا يَحِلُّ له الانفراد؛ لأنه يُفضي إلى ترك الجماعة بلا عُذر، لكن لو صَلَّى ركعةً، ثم أراد أن ينفرد فإنه حينئذ يجوز له، لكن القول بجواز الانفراد بلا عُذر في النَّفس منه شيء،
أما مع العُذر الحسِّي أو الشرعي فلا شَكَّ في جوازه.
مسألة: هل من العُذر أن يكون المأموم مسافراً والإمام مقيماً، فينفرد المأموم إذا صَلَّى ركعتين ثم يُسلِّم؟
الجواب: لا، لأن المأموم المسافر إذا اقتدى بإمام مقيم وجب عليه الإتمام؛ لقول النبيِّ عليه الصلاة والسلام :«إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ به»، وقوله:«ما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا». وسُئل ابن عباس رضي الله عنهما : ما بالُ المسافر يُصلِّي ركعتين إذا انفردَ، وأربعاً إذا ائتمَّ بمقيم؟ فقال:«تلك السُّنَّة».
مسألة: إذا انفردَ المأمومُ لِعُذر؛ ثم زال العُذرُ، فهل له أنْ يرجعَ مع الإمام أو يستمرَّ على انفراده؟ قال الفقهاء: يجوزُ أنْ يرجعَ مع الإمام،
وأن يستمرَّ على انفراده .
فإذا قدرنا أنه انفردَ وصَلَّى ركعةً؛ ثم رجع مع إمامه، والإمامُ لم يزل في ركعته التي انفرد عنه فيها، فسيكون الإمام ناقصاً عنه بركعة.
فإذا قام الإمام ليكمل صلاته فله أن يجلسَ وينتظره، أو ينفردَ ويتمَّ. وهذا يَرِدُ أحياناً فيما إذا سَلَّم الإمام قبل تمام صَلاتِهِ، ثم قام المأمومُ المسبوق ليقضيَ ما فاته، ثم قيل للإمام: إنه بقي عليه رَكعة، فقامَ الإمامُ ليُكملَ هذه الرَّكعة. فنقول: إنَّ المأموم انفردَ الآن بمقتضى الدَّليل الشَّرعيِّ، فهو معذورٌ في هذا الانفراد،
فإذا عادَ الإمامُ لإكمال صلاته فهو بالخِيار، إنْ شاء استمرَّ في صلاته،
وإنْ شاء رجعَ مع الإمام.
النوع الرابع: الانتقال من إمامة إلى انفراد، وهذا لم يذكره المؤلِّف،
وله صُورتان:
الأُولى: أنْ تَبْطُلَ صلاة المأموم، بأن تكون الجماعة من إمام ومأموم؛ فتَبْطُل صلاة المأموم، فهنا يتعيَّن أن ينتقل من إمامة إلى انفراد؛ لأن مأمومه بطلت صلاتُه. الصُّورة الثانية: أنْ ينفردَ المأموم عن الإمام لعُذر؛ فهنا ينتقل من إمامة إلى انفراد؛ بأن يكون للمأموم عُذر شرعيٌّ أو حسيٌّ؛ فينفرد عن إمامه، ويبقى الإمامُ وحدَه، فهنا يكون قد انتقل من إمامة إلى انفراد.
النوع الخامس: الانتقالُ من إمامة إلى ائتمام، وقد ذكره في قوله:«وإِنْ أَحْرَمَ إِمَامُ الحَيِّ بِمَنْ أَحْرَمَ بِهِمْ نَائِبُهُ وَعَادَ النَّائِبُ مُؤْتَمّاً صَحَّ»، إمام الحيِّ هو الإمام الرَّاتب.
وصورة ما ذكر المؤلِّف: أحرمَ شخصٌ بقوم نائباً عن إمام الحَيِّ الذي تخلَّف، ثم حضر إمامُ الحيِّ، فتقدَّم ليُكمل بالنَّاس صلاة الجماعة، فنائبه يتأخَّر إنْ وجد مكاناً في الصَّفِّ، وإلا بقي عن يمين الإمام، فهنا ينتقل الإمام النَّائب من إمامة إلى ائتمام، وهذا جائز.
ودليله: ما وقع لرسول الله ﷺ حين أمرَ أبا بكر أن يُصلِّيَ بالنَّاس؛ فوجدَ النَّبيُّ ﷺ خِفَّةً؛ فخرج إلى النَّاس فصَلَّى بهم، فجلس عن يسار أبي بكر؛ وأبو بكر عن يمينه، والنبيُّ ﷺ يكبِّر، ولكن صوته خفيّ؛ فكان يكبِّر، وأبو بكر يكبِّر بتكبيره؛ ليُسمع النَّاسَ . فهنا انتقل أبو بكر من إمامة إلى ائتمام، والمأمومون انتقلوا من إمام إلى إمام آخر، ولكنهم ما زالوا مؤتمِّين.
وإِنْ أَحْرَمَ إِمَامُ الحَيِّ بِمَنْ أَحْرَمَ بِهِمْ نَائِبُهُ وَعَادَ النَّائِبُ مُؤْتَمّاً صَحَّ .........
وقول المؤلِّف:«وإن أحرم إمامُ الحيِّ بمَنْ أحرم بهم نائبُه» ظاهره: أنه لو وقع ذلك لغير إمام الحيِّ لم يصحَّ؛ لأن إمام الحيِّ هو الأصل في الإمامة؛ فإمامته رجوع إلى الأصل
بخلاف غيره، ولكن الظاهر أنه لا فرق إذا كان للإمام الثاني مزيَّة حُسْن القراءة، أو زيادة في العِلْم؛ أو العبادة،
فإن لم يكن له مزيَّة لم يصحَّ.
النوع السَّادس: الانتقال من ائتمام إلى إمامة، أي: كان مؤتمّاً ثم صار إماماً، وله صُور منها.
الصُّورة الأُولى: أن يُنيبه الإمام في أثناء الصَّلاة؛ بأن يُحسَّ الإمام أن صلاته ستبطل؛ لكونه أحسَّ بانتقال البول مثلاً، وعرف أنه سيخرج، فقدَّم شخصاً يُكمل بهم الصلاة، فقد عاد المؤتمُّ إماماً، وهذا جائز.
الصُّورة الثَّانية: دخل اثنان مسبوقان، فقال أحدُهما للآخر: إذا سلَّم الإمامُ فأنا إمامُك؛ فقال: لا بأس، فلما سلَّمَ الإمامُ صار أحد الاثنين إماماً للآخر، فقد انتقل هذا الشَّخص من ائتمام إلى إمامة، وانتقل الثَّاني من إمامة شخص إلى إمامة شخص آخر.
فالمذهب: أن هذا جائز؛ وأنه لا بأس أن يتَّفق اثنان دخلا وهما مسبوقان ببعض الصَّلاة على أن يكون أحدُهما إماماً للآخر، وقالوا: إن الانتقال من إمام إلى إمام آخر قد ثبتت به السُّنَّة كما في قضيَّةِ أبي بكر مع الرَّسول عليه الصلاة والسلام.
وقال بعض أصحاب الإمام أحمد: إن هذا لا يجوز ؛ لأن هذا تضمَّن انتقالاً من إمام إلى إمام، وانتقالاً من ائتمام إلى إمامة بلا عُذر، ولا يمكن أن ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، فكون الإنسان إماماً أعلى من كونه مأموماً.
قالوا: ولأنَّ هذا لم يكن معروفاً في عهد السَّلف، فلم يكن الصَّحابة إذا فاتهم شيء من الصَّلاة يتَّفقون أن يتقدَّم بهم أحدُهم؛ ليكون إماماً لهم،
ولو كان هذا من الخير لسبقونا إليه.
لكن القائلين بجوازه لا يقولون: إنه مطلوب من المسبوقين أن يتَّفِقَا على أن يكون أحدهما إماماً. بل يقولون: هذا إذا فُعل فهو جائز، وفرق بين أن يُقال: إنه جائز وبين أن يُقال بأنه مستحبٌّ ومشروع، فلا نقول بمشروعيَّته ولا نندب النَّاس إذا دخلوا؛ وقد فاتهم شيء من الصَّلاة؛ أن يقول أحدُهم: إني إمامُكم. لكن لو فعلوا ذلك فلا نقول: إن صلاتَكم باطلة. وهذا القول أصحُّ، أي: أنه جائز، ولكن لا ينبغي؛
لأن ذلك لم يكن معروفاً عند السَّلف، وما لم يكن معروفاً عند السَّلف فإن الأفضل تركه؛ لأننا نعلم أنهم أسبق منَّا إلى الخير،
ولو كان خيراً لسبقونا إليه.
تَتِمَّة: تلخيص ما سبق من أنواع الانتقالات كما يلي:
الأول: الانتقال من انفراد إلى ائتمام،
وفي الصِّحَّة روايتان عن الإمام أحمد،
والمذهب عدم الصِّحَّة .
الثاني: الانتقال من انفراد إلى إمامة،
وفي صِحَّة ذلك أقوال، أحدها الصِّحَّة في النَّفْلِ دون الفرض . الثالث: الانتقال من ائتمام إلى انفراد،
فإن كان لعُذر جاز، وإن كان لغير عُذر ففيه عن أحمد روايتان،
والمذهب عدم الصِّحَّة .
الرابع: الانتقال من إمامة إلى انفراد، وله صُورتان صحيحتان .
الخامس: الانتقال من إمامة إلى ائتمام، وله صُورة صحيحة .
السادس: الانتقال من ائتمام إلى إمامة، وله صُورتان جائزتان على خلاف في الثانية، وتفاصيل ذلك وأدلَّته مذكورةٌ في الأصل .
وتَبْطُلُ صَلَاةُ مَأْمُومٍ ببُطْلَانِ صَلَاةِ إِمَامِهِ فَلا اسْتِخْلَافٍ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.