لا تنعقد إلا بذات الله تعالى أو صفة له كقوله والله رب العالمين والحي الذي لا يموت ومن نفسي بيده وكل اسم مختص به سبحانه وتعالى
Its commentaries
(لَا تَنْعَقِدُ) الْيَمِينُ (إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ اسْمٍ دَالٍّ عَلَيْهَا وَإِنْ دَلَّ عَلَى صِفَةٍ مَعَهَا (أَوْ صِفَةٍ لَهُ) وَسَتَأْتِي، فَالْأَوَّلُ (كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ) أَيْ مَالِكِ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ دَالٌّ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ، وَالْعَالَمُ بِفَتْحِ اللَّامِ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ (وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ) أَيْ قُدْرَتِهِ يُصَرِّفُهَا كَيْفَ شَاءَ وَمَنْ فَلَقَ الْحَبَّةَ (وَكُلِّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) كَالْإِلَهِ وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مُنْعَقِدَةٌ بِمَنْ عُلِمَتْ حُرْمَتُهُ وَلَزِمَتْ طَاعَتُهُ، وَإِطْلَاقُ هَذَا مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَنْعَقِدُ بِمَخْلُوقٍ كَوَحَقِّ النَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ وَجِبْرِيلَ،
وَيُكْرَهُ لِخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مَعْصِيَةً، نَعَمْ لَوْ اعْتَقَدَ تَعْظِيمَهُ كَمَا يُعَظِّمُ اللَّهَ كَفَرَ، وَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْجَلَالَةَ الْكَرِيمَةَ اسْمٌ لِلذَّاتِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَلِهَذَا تَجْرِي عَلَيْهِ الصِّفَاتُ فَتَقُولُ اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ،
وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِلذَّاتِ مَعَ جُمْلَةِ الصِّفَاتِ.
فَإِذَا قُلْتَ اللَّهُ فَقَدْ ذَكَرْتَ جُمْلَةَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِدْخَالُهُ الْبَاءَ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ إذْ هُوَ لُغَةٌ كَمَا مَرَّ فِي نَظَائِرِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْصَحُ دُخُولَهَا عَلَى الْمَقْصُورِ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ هُنَا فِي الرَّوْضَةِ، وَدَعْوَى تَصْوِيبِ حَصْرِ دُخُولِهَا عَلَى الْمَقْصُورِ فَقَطْ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا،
وَأَمَّا كَلَامُ الرَّوْضَةِ فَمَعْنَاهُ يُسَمَّى اللَّهُ بِهِ وَلَا يُسَمَّى بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا مَرْدُودَةٌ.
وَأَوْرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ وَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَاضٍ كَاذِبًا عَامِدًا فَإِنَّهَا يَمِينٌ بِاَللَّهِ وَلَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّ الْحِنْثَ اقْتَرَنَ بِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ اشْتِبَاهٌ نَشَأَ مِنْ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمَحْصُورَ الْأَخِيرُ وَالْمَحْصُورَ فِيهِ الْأَوَّلُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُقَرَّرُ أَنَّ الْمَحْصُورَ فِيهِ هُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ، فَانْعِقَادُهَا هُوَ الْمَحْصُورُ وَاسْمُ الذَّاتِ أَوْ الصِّفَةِ هُوَ الْمَحْصُورُ فِيهِ، فَمَعْنَاهُ كُلُّ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ لَا تَكُونُ إلَّا بِاسْمِ ذَاتٍ أَوْ صِفَةٍ وَهَذَا حَصْرٌ صَحِيحٌ،
لَا أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ لَا يَكُونُ إلَّا مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ جَمْعًا مُتَقَدِّمِينَ ذَهَبُوا إلَى انْعِقَادِهَا
(قَوْلُهُ: كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) لَوْ قَالَ وَرَبِّ الْعَالَمِ وَقَالَ أَرَدْتُ بِالْعَالَمِ كَذَا مِنْ الْمَالِ وَبِرَبِّهِ مَالِكَهُ قُبِلَ لِأَنَّ مَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ دَالٌ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ) وَعَلَى هَذَا فَالْعَالَمِينَ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالْعُقَلَاءِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْبِرْمَاوِيُّ كَكَثِيرِينَ، وَذَهَبَ ابْنُ مَالِكٍ إلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْعُقَلَاءِ.
[فَائِدَةٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا يَقَعُ مِنْ قَوْلِ الْعَوَامّ وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ هَلْ هُوَ يَمِينٌ أَمْ لَا؟ وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ م ر انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِمَا ذُكِرَ
(قَوْلُهُ: وَالْعَالَمُ) بِفَتْحِ اللَّامِ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ إنْ أُرِيدَ بِالْكُلِّ الْكُلُّ الْمَجْمُوعِي يَعْنِي جُمْلَةَ الْمَخْلُوقَاتِ نَافِي قَوْلِهِ قُبِلَ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ دَالٌ إلَخْ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ أَوْ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا
(قَوْلُهُ وَمَنْ فَلَقَ الْحَبَّةَ) مِنْهُ يُؤْخَذُ صِحَّةُ إطْلَاقِ الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ عَلَيْهِ تَعَالَى وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ
(قَوْلُهُ وَكُلُّ اسْمٍ مُخْتَصٌّ) لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ ذِكْرِهِ بَيَانُ تَفْصِيلِ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ تَعَالَى مِنْ كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِهِ أَوْ غَالِبًا فِيهِ أَوْ غَيْرَ غَالِبٍ كَمَا يَأْتِي، وَإِلَّا فَالدَّالُّ عَلَى الذَّاتِ هُوَ الِاسْمُ الْمُخْتَصُّ بِهِ أَوْ الْغَالِبُ فِيهِ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي، وَلَعَلَّ الشَّارِحَ إنَّمَا فَسَّرَ الذَّاتَ بِالِاسْمِ الدَّالِّ عَلَيْهَا وَلَمْ يَجْعَلْ الْحَلِفَ بِهَا مَقْصُورًا عَلَى قَوْلِهِ وَذَاتِ اللَّهِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ وَرَبِّ إلَخْ
(قَوْلُهُ: كَوَحَقِّ النَّبِيِّ) وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ عَلَى النَّهْيِ عَنْ مِثْلِهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ «فَمَنْ كَانَ حَالِفًا» إلَخْ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ " أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ " إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِكَوْنِ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: وَالْكَعْبَةِ) أَيْ بِحَيْثُ تَكُونُ يَمِينًا شَرْعِيَّةً مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ وَإِلَّا فَهِيَ يَمِينٌ لُغَةً، بَلْ وَقَدْ تَكُونُ شَرْعِيَّةً عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ وَهِيَ فِي الشَّرْعِ بِالنَّظَرِ لِوُجُوبِ تَكْفِيرِهَا كَذَا بِهَامِشٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ) هَذَا وَيَنْبَغِي لِلْحَالِفِ أَنْ لَا يَتَسَاهَلَ فِي الْحَلِفِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْكَفَّارَةِ سِيَّمَا إذَا حَلَفَ عَلَى نِيَّةٍ أَنْ لَا يَفْعَلَ،
فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَجُرُّ إلَى الْكُفْرِ لِعَدَمِ تَعْظِيمِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ
(قَوْلُهُ: أَوْ لِيَصْمُتْ) بَابُهُ نَصَرَ وَدَخَلَ اهـ مُخْتَارٌ.
وَفَائِدَتُهُ اخْتِلَافُ الْمَصَادِرِ فَبَابُ نَصَرَ مَصْدَرُهُ صَمْتًا بِالسُّكُونِ وَبَابُ دَخَلَ صُمُوتًا
(قَوْلُهُ: اسْمٌ لِلذَّاتِ) قَدْ يُقَالُ: الْمُصَنِّفُ لَمْ يَخُصَّ الذَّاتَ بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ وَمَا مَعَهُ فَدَلَّ جَمْعُهُ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّ هَذِهِ أَسْمَاءٌ لِلذَّاتِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي مَفْهُومِهَا الصِّفَةَ، فَفِي نِسْبَةِ التَّصْرِيحِ لِلْمُصَنِّفِ بِأَنَّ اللَّهَ اسْمٌ لِلذَّاتِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي مَفْهُومِهَا الصِّفَةَ نَظَرٌ
(قَوْلُهُ: وَإِدْخَالُهُ الْبَاءَ عَلَى الْمَقْصُورِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بِذَاتِ اللَّهِ
(قَوْلُهُ: مَرْدُودَةٌ) أَيْ بِأَنَّهُ لُغَةً كَمَا مَرَّ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مِنْ جَعْلِهَا دَاخِلَةً عَلَى الْمَقْصُورِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ الذَّاتُ مَقْصُورَةً عَلَى الِانْعِقَادِ بِهَا بَلْ انْعِقَاد الْيَمِينُ هُوَ الْمَقْصُورُ عَلَى الذَّاتِ
(قَوْلُهُ: الْمَحْصُورُ الْأَخِيرُ) هُوَ قَوْلُهُ بِذَاتِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ وَالْمَحْصُورُ فِيهِ الْأَوَّلُ وَهُوَ الِانْعِقَادُ قَوْلُهُ: ذَهَبُوا إلَى انْعِقَادِهَا) مُعْتَمَدٌ: أَيْ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَتَظْهَرُ
فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي التَّعَالِيقِ
(قَوْلُهُ: أَيْ اسْمٍ دَالٍّ عَلَيْهَا) شَمَلَ نَحْوَ " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ " فَهُوَ اسْمٌ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ،
وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَسِيمٌ لِلِاسْمِ فَلَعَلَّهُمَا اصْطِلَاحَانِ
(قَوْلُهُ دَالٌّ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: عَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ انْتَهَتْ فَهُوَ تَعْلِيلٌ لِتَسْمِيَةِ الْمَخْلُوقَاتِ بِالْعَالَمِينَ
(قَوْلُهُ: وَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْجَلَالَةَ الْكَرِيمَةَ اسْمٌ لِلذَّاتِ) قَدْ يُقَالُ هَذَا لَا يُنَاسِبُ مَا قَدَّمَهُ فِي حَلِّ الْمَتْنِ الَّذِي حَاصِلُهُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِاسْمِ الذَّاتِ مَا يَشْمَلُ مَا دَلَّ عَلَيْهَا مَعَ صِفَةٍ
(قَوْلُ الْمَتْنِ وَكُلُّ اسْمٍ) أَيْ غَيْرِ مَا ذَكَرَ فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ
(قَوْلُهُ: أَيْضًا) أَيْ كَمَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَقْصُورِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ
(قَوْلُهُ: وَعَبَّرَ بِالْأَوَّلِ) أَيْ دُخُولِهَا عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمَتْنِ هُنَا وَعِبَارَتُهَا يَخْتَصُّ بِاَللَّهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَعْضَ الشُّرَّاحِ حَلَّ عِبَارَةَ الْمَتْنِ هُنَا عَلَى أَنَّ الْبَاءَ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ بِذِكْرِهِ لَفْظَ اللَّهِ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مُخْتَصٌّ بِهِ، ثُمَّ صَوَّبَهَا عَلَى عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ، وَالشَّارِحُ هُنَا أَبْقَى عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَى ظَاهِرِهَا الْمُوَافِقِ لِعِبَارَةِ الرَّوْضَةِ وَذَكَرَ فِيهِ مَا يَأْتِي
(قَوْلُهُ: وَدَعْوَى تَصْوِيبِ حَصْرِ دُخُولِهَا عَلَى الْمَقْصُورِ) أَيْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَقَوْلُهُ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ: أَيْ الْمُرَادُ مِنْهُ
(قَوْلُهُ وَأَوْرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ جَمْعًا مُتَقَدِّمِينَ ذَهَبُوا إلَى انْعِقَادِهَا)
وَأَشَارَ وَالِدُهُ إلَى تَصْحِيحِ هَذَا فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَذَكَرَ صُوَرًا تَظْهَرُ فِيهَا
فَائِدَةُ الْخِلَافِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْبُلْقِينِيِّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي انْعِقَادِهَا،
وَأَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ الْأَصْحَابِ إنَّهَا غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ لَمْ يُرِدْ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهَا لَا كَفَّارَةَ فِيهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُنْعَقِدَةً انْعِقَادًا يُمْكِنُ مَعَهُ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ لِانْعِقَادِهَا مُسْتَعْقِبَةً لِلْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ إمْكَانِ الْبِرِّ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ
(كِتَابُ الْأَيْمَانِ) بِالْفَتْحِ جَمْعُ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَضَعُونَ أَيْمَانَهُمْ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ عِنْدَ الْحَلِفِ، وَأَصْلُ الْيَمِينِ الْقُوَّةُ فَلِتَقْوِيَةِ الْحَلِفِ الْحَثَّ عَلَى الْوُجُودِ أَوْ الْعَدَمِ سُمِّيَ يَمِينًا، وَيُرَادِفُهُ الْإِيلَاءُ وَالْقَسَمُ. وَهِيَ شَرْعًا بِالنَّظَرِ لِوُجُوبِ تَكْفِيرِهَا تَحْقِيقُ أَمْرٍ مُحْتَمَلٍ بِمَا يَأْتِي وَتَسْمِيَةُ الْحَلِفِ بِنَحْوِ الطَّلَاقِ يَمِينًا شَرْعِيَّةً الَّتِي اقْتَضَاهَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ غَيْرُ بَعِيدٍ،
وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ وَيُؤَيِّدُ تَصْرِيحَهُمْ بِمُرَادَفَةِ الْإِيلَاءِ لِلْيَمِينِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْإِيلَاءَ لَا يَخْتَصُّ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ، نَعَمْ مَرَّ قَوْلُهُمْ الطَّلَاقُ لَا يُحْلَفُ بِهِ أَيْ: لَا يُطْلَبُ،
وَإِنْ كَانَ فِيهِ التَّحْقِيقُ الْمَذْكُورُ؛ فَلِذَا سُمِّيَ يَمِينًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَحِينَئِذٍ فَذِكْرُ النَّظَرِ لِوُجُودِ التَّكْفِيرِ إنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ الْيَمِينِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا لِمَنْعِ إلْحَاقِ مَا لَا تَكْفِيرَ فِيهِ بِهَا فِي التَّحْقِيقِ الْمَذْكُورِ فَخَرَجَ بِالتَّحْقِيقِ لَغْوُ الْيَمِينِ الْآتِي، وَبِالْمُحْتَمَلِ نَحْوُ: لَأَمُوتَنَّ أَوْ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْحِنْثِ فِيهِ بِذَاتِهِ فَلَا إخْلَالَ فِيهِ بِتَعْظِيمِ اسْمِهِ تَعَالَى،
بِخِلَافِ لَأَمُتّ وَلَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ وَلَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ فَإِنَّهُ يَمِينٌ يَجِبُ تَكْفِيرُهَا حَالًا مَا لَمْ يُقَيِّدْ بِوَقْتٍ كَغَدٍ، فَيُكَفِّرْ غَدًا وَذَلِكَ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ الِاسْمِ، وَلَا تَزِدْ هَذِهِ عَلَى التَّعْرِيفِ لِفَهْمِهَا مِنْهُ بِالْأَوْلَى إذْ الْمُحْتَمَلُ لَهُ فِيهِ شَائِبَةُ عُذْرٍ بِاحْتِمَالِ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ،
بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ عِنْدَ الْحَلِفِ هَاتِكٌ لِحُرْمَةِ الِاسْمِ لِعِلْمِهِ بِاسْتِحَالَةِ الْبِرِّ فِيهِ وَأُبْدِلَ مُحْتَمَلٌ بِغَيْرِ ثَابِتٍ لِيَدْخُلَ فِيهِ الْمُمْكِنُ وَالْمُمْتَنِعُ وَأَجْمَعُوا عَلَى انْعِقَادِهَا وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ فِيهَا، وَشَرْطُ الْحَالِفِ يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ، بَلْ وَمِمَّا يَأْتِي مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ مُكَلَّفٌ أَوْ سَكْرَانٌ مُخْتَارٌ قَاصِدٌ فَخَرَجَ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُكْرَهٌ وَلَاغٍ. (لَا تَنْعَقِدُ) الْيَمِينُ (إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ: اسْمٍ دَالٍّ عَلَيْهَا،
وَإِنْ دَلَّ عَلَى صِفَةٍ مَعَهَا وَهِيَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْحَقِيقَةُ وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ إلَّا بِمَعْنَى صَاحِبَةٍ مَرْدُودٌ بِتَصْرِيحِ الزَّجَّاجِ وَغَيْرِهِ بِالْأَوَّلِ بَلْ صَرَّحَ بِذَلِكَ خُبَيْبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ قَتْلِهِ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ (أَوْ صِفَةٍ لَهُ) وَسَتَأْتِي فَالْأَوَّلُ بِقِسْمَيْهِ (كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ) أَيْ: مَالِكِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقِ عَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ، (وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ) أَيْ: قُدْرَتِهِ يُصَرِّفُهَا كَيْفَ شَاءَ وَمَنْ فَلَقَ الْحَبَّةَ (وَكُلِّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ) اللَّهُ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) غَيْرَ مَا ذُكِرَ وَلَوْ مُشْتَقًّا وَمِنْ غَيْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى كَالْإِلَهِ وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَاَلَّذِي أَعْبُدُهُ أَوْ أَسْجُدُ لَهُ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ فَلَا تَنْعَقِدُ بِمَخْلُوقٍ: كَنَبِيٍّ وَمَلِكٍ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ، وَلِلْأَمْرِ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ خَبَرَ «: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ» ،
وَفِي رِوَايَةٍ:«فَقَدْ أَشْرَكَ» وَحَمَلُوهُ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ تَعْظِيمَهُ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى،
فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ أَثِمَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَيْ: تَبَعًا لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ الصَّرِيحِ فِيهِ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ.
وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ الْكَرَاهَةُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ ظَاهِرًا فِي الْإِثْمِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ فِي غَالِبِ الْأَعْصَارِ لِقَصْدِ غَالِبِهِمْ بِهِ إعْظَامَ الْمَخْلُوقِ وَمُضَاهَاتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: يُكْرَهُ بِمَالِهِ حُرْمَةً شَرْعًا كَالنَّبِيِّ
وَيَحْرُمُ بِمَا لَا حُرْمَةَ لَهُ كَالطَّلَاقِ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ لِلْمُحْتَسِبِ التَّحْلِيفَ بِالطَّلَاقِ دُونَ الْقَاضِي، بَلْ يَعْزِلُهُ الْإِمَامُ إنْ فَعَلَهُ،
وَفِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ «مَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مُؤْمِنٌ وَلَا اسْتَحْلَفَ بِهِ إلَّا مُنَافِقٌ» ، وَإِدْخَالُهُ الْبَاءَ عَلَى الْمَقْصُورِ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ الَّذِي سَلَكَهُ شَارِحٌ لَا يُنَافِيهِ إدْخَالُهُ لَهَا فِي الرَّوْضَةِ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: يَخْتَصُّ بِاَللَّهِ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَقْصُورِ وَالْمَقْصُورِ عَلَيْهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ تَصْوِيبُ مَنْ حَصَرَ دُخُولَهَا عَلَى الْمَقْصُورِ فَقَطْ لِلْمَتْنِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ وَهُوَ الْمُرَادُ، وَإِفْسَادُ مَا فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ يُسَمَّى اللَّهُ بِهِ وَلَا يُسَمَّى بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا وَمَرَّ أَوَّلَ الْقَسَمِ وَالنُّشُوزِ مَا يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْته.
وَأُورِدَ عَلَى الْمَتْنِ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَاضٍ كَاذِبًا عَامِدًا فَإِنَّهَا يَمِينٌ بِاَللَّهِ وَلَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ اقْتَرَنَ بِهَا ظَاهِرًا
وَكَذَا بَاطِنًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ اشْتِبَاهٌ نَشَأَ مِنْ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمَحْصُورَ الْأَخِيرُ وَالْمَحْصُورَ فِيهِ الْأَوَّلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُقَرَّرُ أَنَّ الْمَحْصُورَ فِيهِ هُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ فَانْعِقَادُهَا هُوَ الْمَحْصُورُ وَاسْمُ الذَّاتِ أَوْ الصِّفَةُ هُوَ الْمَحْصُورُ فِيهِ، فَمَعْنَاهُ كُلُّ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ لَا تَكُونُ إلَّا بِاسْمِ ذَاتٍ أَوْ صِفَةٍ. وَهَذَا حَصْرٌ صَحِيحٌ
لَا أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ يَكُونُ مُنْعَقِدًا فَتَأَمَّلْهُ، عَلَى أَنَّ جَمْعًا مُتَقَدِّمِينَ قَالُوا بِانْعِقَادِهَا .
(قَوْلُهُ: بِالْفَتْحِ) إلَى قَوْلِهِ: بِمَا يَأْتِي فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ: بِالنَّظَرِ؛ لِوُجُوبِ تَكْفِيرِهَا وَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ،
وَإِلَى الْمَتْنِ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ: وَإِنْ نُوزِعَ إلَى فَخَرَجَ، وَقَوْلُهُ: وَأُبْدِلَ إلَى وَشَرْطُ الْحَالِفِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُمْ إلَخْ، عِبَارَةُ الْمُغْنِي: وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الْيَدُ الْيُمْنَى وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْحَلِفِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَحَالَفُوا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِيَمِينِ صَاحِبِهِ، وَسُمِّيَ الْعُضْوُ بِالْيَمِينِ لِوُفُورِ قُوَّتِهِ، قَالَ تَعَالَى {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} أَيْ: بِالْقُوَّةِ اهـ.
(قَوْلُهُ فَلِتَقْوِيَةِ الْحَلِفِ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ، وَقَوْلُهُ: الْحَثَّ مَفْعُولُهُ اهـ. سم
(قَوْلُهُ وَيُرَادِفُهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ وَالْأَسْنَى: وَالْيَمِينُ وَالْقَسَمُ وَالْإِيلَاءُ وَالْحَلِفُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ اهـ. أَيْ: فِي الْحَلِفِ رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ: بِالنَّظَرِ لِوُجُوبِ تَكْفِيرِهَا) أَيْ: وَإِلَّا فَالطَّلَاقُ يَمِينٌ أَيْضًا، وَحَاصِلُ الْمُرَادِ أَنَّهُ إنَّمَا قَيَّدَ هُنَا بِقَوْلِهِ بِمَا يَأْتِي الْمُرَادُ بِهِ اسْمُ اللَّهِ وَصِفَتُهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْيَمِينِ الَّتِي يَجِبُ تَكْفِيرُهَا لَا فِي مُطْلَقِ الْيَمِينِ حَتَّى يَرِدَ نَحْوُ الطَّلَاقِ اهـ. رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ: تَحْقِيقُ أَمْرٍ إلَخْ) وَتَكُونُ أَيْضًا لِلتَّأْكِيدِ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا} وَأَخْبَارٌ مِنْهَا: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَوْلُهُ:«لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَسْنَى وَمُغْنِي وَنِهَايَةٌ وَفِي الْبُجَيْرِمِيِّ عَنْ سم مَا نَصُّهُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِتَحْقِيقِهِ جَعْلَهُ مُحَقَّقًا حَاصِلًا؛
لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْيَمِينِ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِتَحْقِيقِهِ الْتِزَامُهُ وَإِيجَابُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَالتَّصْمِيمُ عَلَى تَحْقِيقِهِ وَإِثْبَاتُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
(قَوْلُهُ: مُحْتَمَلٍ إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ مَعَ شَرْحِهِ وَالْمُغْنِي تَحْقِيقُ أَمْرٍ غَيْرِ ثَابِتٍ، مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا، نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا، مُمْكِنًا كَحَلِفِهِ لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ، أَوْ مُمْتَنِعًا كَحَلِفِهِ لَيَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ، صَادِقَةً كَانَتْ الْيَمِينُ أَوْ كَاذِبَةً مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ أَوْ الْجَهْلِ بِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ بِمَا يَأْتِي) أَيْ: فِي الْمَتْنِ.
(قَوْلُهُ: بِنَحْوِ الطَّلَاقِ) أَيْ: كَالتَّعَلُّقِ اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: غَيْرُ بَعِيدٍ) أَيْ: لِتَضَمُّنِهِ الْمَنْعَ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَتَضَمُّنِ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ كَذَلِكَ اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: وَيُؤَيِّدُهُ) أَيْ: مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ لَا يُطْلَبُ) أَوْ لَا يَكُونُ الطَّلَاقُ مَدْخُولًا لِحُرُوفِ الْقَسَمِ أَيْ: لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ اهـ. سَيِّدُ عُمَرَ
(قَوْلُهُ: أَيْ لَا يُطْلَبُ) كَلَامُهُمْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْلَفَ بِهِ أَيْ: عَلَى صُورَةِ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ، نَحْوَ: وَالطَّلَاقِ لَا أَفْعَلُ كَذَا اهـ سم.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ
(قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ) أَيْ: حِينَ أَنْ يُسَمَّى الْحَلِفُ بِنَحْوِ الطَّلَاقِ يَمِينًا.
(قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ الْيَمِينِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ اقْتِضَاءِ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَأَيَّدَهُ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ يَمِينٌ حَقِيقِيَّةٌ أَيْضًا أَيْ: شَرْعًا إذْ الْكَلَامُ فِي الْيَمِينِ شَرْعًا اهـ سم.
(قَوْلُهُ: بِهَا إلَخْ) أَيْ: بِالْيَمِينِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْجَارَّانِ مُتَعَلِّقَانِ بِالْإِلْحَاقِ.
(قَوْلُهُ: فِي التَّحْقِيقِ إلَخْ) لَيْسَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ نِزَاعٍ فَتَأَمَّلْهُ اهـ. سم
(قَوْلُهُ: فَخَرَجَ) إلَى الْمَتْنِ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ: لَا مِتَّ، وَقَوْلُهُ: حَالًا إلَى وَشَرْطُ الْحَالِفِ، وَقَوْلُهُ: يُعْلَمُ إلَى مُكَلَّفٌ.
(قَوْلُهُ: نَحْوُ لَأَمُوتَنَّ إلَخْ) أَيْ: كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَمُوتَنَّ إلَخْ اهـ مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْحِنْثِ فِيهِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالْأَسْنَى لِتَحَقُّقِهِ فِي نَفْسِهِ فَلَا مَعْنَى لِتَحْقِيقِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِنْثُ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِذَاتِهِ) أَيْ بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ،
وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ الْحِنْثُ فِيهِ بِالصُّعُودِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ
فَلَوْ صَعِدَ بِالْفِعْلِ هَلْ يَحْنَثُ وَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْنَثُ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ اهـ. بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ لَأَمُتّ) ، هَذَا الْمِثَالُ لَا يَظْهَرُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَاضِي بِمَعْنَى الْمُضَارِعِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ النِّهَايَةُ،
قَالَ ع ش قَوْلُهُ: بِخِلَافِ لَا أَمُوتُ إلَخْ أَيْ: وَيَحْنَثُ بِهِ فِي الطَّلَاقِ حَالًا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ) أَيْ: مَا لَمْ تُخْرَقُ الْعَادَةُ لَهُ فَيَصْعَدْهَا اهـ ع ش.
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُقَيِّدْ بِوَقْتٍ كَغَدٍ إلَخْ) هَذَا لَا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَلَوْ كَانَ بِمَعْنَى الْمُضَارِعِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تُرَدُّ هَذِهِ) أَيْ: صِيَغُ لَا مِتَّ إلَخْ
(قَوْلُهُ: لِفَهْمِهَا مِنْهُ بِالْأَوْلَى إلَخْ) فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي التَّعَارِيفِ قَطْعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفَنَارِيُّ كَغَيْرِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى عِبَارَةِ الْمُطَوَّلِ فِي تَعْرِيفِ فَصَاحَةِ الْكَلَامِ اهـ. سم، عِبَارَةُ السَّيِّدِ عُمَرَ قَوْلُهُ لِفَهْمِهَا إلَخْ، قَدْ يُقَالُ: فَهْمُهَا مِنْهُ بِالْأَوْلَى بِالنَّظَرِ لِلْحُكْمِ مُسَلَّمٌ، وَعَدَمُ وُرُودِهَا عَلَى التَّعْرِيفِ مَحَلُّ نَظَرٍ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي التَّعْرِيفِ مُحْتَمَلٌ لِلْحِنْثِ يَقِينًا أَوْ عَلَى تَقْدِيرٍ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرَادُ لَكِنَّهُ لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَهُ فِيهِ) أَيْ: لِلْحَالِفِ فِي الْمُحْتَمَلِ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ هَذَا) أَيْ: نَحْوِ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ إلَخْ مِمَّا يَمْتَنِعُ فِيهِ الْبِرُّ
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ) أَيْ: الْحَالِفَ
(قَوْلُهُ: وَأُبْدِلَ إلَخْ) بِبِنَاءِ الْمَفْعُولِ وَمِمَّنْ أُبْدِلَ الرَّوْضُ وَالْمُغْنِي كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: بِغَيْرِ ثَابِتٍ) الْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَأْخُوذِ.
(قَوْلُهُ: لِيَدْخُلَ فِيهِ) أَيْ: فِي تَعْرِيفِ الْيَمِينِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُمْتَنِعُ) هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ إدْخَالُهُ وَإِلَّا فَالْمُمْكِنُ دَاخِلٌ فِي التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: عَلَى انْعِقَادِهَا) أَيْ: الْيَمِينِ عَلَى الْمُمْتَنِعِ
(قَوْلُهُ: وَشَرْطُ الْحَالِفِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي
(تَنْبِيهٌ) أَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ ضَابِطَ الْحَالِفِ اسْتِغْنَاءً بِمَا سَبَقَ مِنْهُ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ وَهُوَ غَيْرُ كَافٍ، وَالْأَضْبَطُ أَنْ يُقَالَ: مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ إلَخْ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ: ضَابِطُ الْحَالِفِ.
(قَوْلُهُ: مُكَلَّفٌ إلَخْ) شَمِلَ الْأَخْرَسَ وَسَيَأْتِي مَا يُصَرِّحُ بِهِ اهـ. سم وَمُكْرَهٌ ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِحَقٍّ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ لِبُعْدِهِ أَوْ عَدَمِ تَصَوُّرِهِ اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: أَيْ اسْمٍ) إلَى قَوْلِهِ وَهِيَ فِي النِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ: أَيْ اسْمٍ دَالٍّ إلَخْ) وَلَوْ شَرِكَ فِي حَلِفِهِ بَيْنَ مَا يَصِحُّ الْحَلِفُ بِهِ وَغَيْرِهِ كَوَاللَّهِ وَالْكَعْبَةِ فَالْوَجْهُ انْعِقَادُ الْيَمِينِ وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ قَصَدَ الْحَلِفَ بِكُلٍّ أَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ قَصَدَ الْحَلِفَ بِالْمَجْمُوعِ فَفِيهِ تَأَمُّلٌ وَالْوَجْهُ الِانْعِقَادُ؛ لِأَنَّ جَزْءَ هَذَا الْمَجْمُوعِ يَصِحُّ الْحَلِفُ بِهِ، وَالْمَجْمُوعُ الَّذِي جُزْؤُهُ كَذَلِكَ يَصِحُّ الْحَلِفُ بِهِ اهـ. سم وَيَأْتِي عَنْ ع ش مَا يُوَافِقُهُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ اسْمٍ دَالٍّ عَلَيْهَا) شَمِلَ نَحْوَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، فَهُوَ اسْمٌ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ،
وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَسِيمٌ لِلِاسْمِ فَلَعَلَّهُمَا اصْطِلَاحَانِ اهـ. رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ: الذَّاتُ
(قَوْلُهُ: وَسَتَأْتِي) أَيْ فِي الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ بِقِسْمَيْهِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي: فَالذَّاتُ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ بِجَرٍّ أَوْ نَصْبٍ أَوْ رَفْعٍ سَوَاءٌ أَتَعَمَّدَ ذَلِكَ أَمْ لَا، وَالصِّفَةُ كَقَوْلِهِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ إلَخْ
(قَوْلُهُ: أَيْ مَالِكِ) إلَى قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ: اللَّهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ بِهِ وَقَوْلُهُ: غَيْرُ مَا ذُكِرَ إلَى كَالْإِلَهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ إلَخْ) أَيْ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَخْلُوقَاتُ بِالْعَالَمِينَ؛ لِأَنَّ إلَخْ وَعَلَى هَذَا فَالْعَالَمِينَ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالْعُقَلَاءِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْبِرْمَاوِيُّ كَكَثِيرِينَ، وَذَهَبَ ابْنُ مَالِكٍ إلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْعُقَلَاءِ.
(فَائِدَةٌ) وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا يَقَعُ مِنْ قَوْلِ الْعَوَامّ، وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ هَلْ هُوَ يَمِينٌ أَمْ لَا؟ وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ م ر انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِمَا ذُكِرَ اهـ ع ش.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ فَلَقَ الْحَبَّةَ) يُؤْخَذُ مِنْهُ صِحَّةُ إطْلَاقِ الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ عَلَيْهِ تَعَالَى وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ اهـ ع ش.
(قَوْلُهُ: اللَّهُ) هَذَا يَقْتَضِي جَعْلَ الْهَاءِ فِي بِهِ لِاسْمٍ كَمَا يَأْتِي مَا يُصَرِّحُ بِهِ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ اهـ سم.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ غَيْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى) كَخَالِقِ الْخَلْقِ اهـ بُجَيْرِمِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تَنْعَقِدُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَعْقُودَةٌ بِمَنْ عَظُمَتْ حُرْمَتُهُ وَلَزِمَتْ طَاعَتُهُ،
وَإِطْلَاقُ هَذَا مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَنْعَقِدُ بِالْمَخْلُوقَاتِ كَوَحَقِّ النَّبِيِّ وَجِبْرِيلَ وَالْكَعْبَةِ: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» ، وَالْحَلِفُ بِذَلِكَ مَكْرُوهٌ اهـ.
(قَوْلُهُ بِمَخْلُوقٍ كَنَبِيٍّ إلَخْ) أَيْ: بِحَيْثُ تَكُونُ يَمِينًا شَرْعِيَّةً مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ، وَإِلَّا فَهِيَ يَمِينٌ لُغَةً وَيَنْبَغِي لِلْحَالِفِ أَنْ لَا يَتَسَاهَلَ فِي الْحَلِفِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْكَفَّارَةِ سِيَّمَا إذَا حَلَفَ عَلَى نِيَّةِ أَنْ لَا يَفْعَلَ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَجُرُّ إلَى الْكُفْرِ لِعَدَمِ تَعْظِيمِهِ الرَّسُولَ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ ع ش.
(قَوْلُهُ: الْكَرَاهَةُ) وِفَاقًا لِلنِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) أَيْ: الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ الَّذِي إلَخْ) أَيْ: الْقَوْلُ بِالْحُرْمَةِ وَالْإِثْمِ.
(قَوْلُهُ: لِقَصْدِ غَالِبِهِمْ بِهِ) أَيْ: بِالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ.
(قَوْلُهُ: إعْظَامَ الْمَخْلُوقِ بِهِ) أَيْ بِالْحَلِفِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَحْلُوفَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ بِالْفَاءِ وَحِينَئِذٍ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَالضَّمِيرُ لِأَلْ.
(قَوْلُهُ: وَإِدْخَالُهُ) إلَى الْمَتْنِ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ: بِنَاءً إلَى لَا يُنَافِيهِ وَقَوْلُهُ: فِي قَوْلِهِ: يَخْتَصُّ بِاَللَّهِ. وَقَوْلُهُ: مَرَّ إلَى وَأَوْرَدُوا لَا أَنَّهَا عَكَسَتْ مَا عَزَاهُ الشَّارِحُ إلَى الْمَتْنِ وَالرَّوْضَةِ.
(قَوْلُهُ: فِي حَلِّهِ) أَيْ: الْمَتْنِ حَيْثُ قُدِّرَ لَفْظَةُ الْجَلَالَةِ.
(قَوْلُهُ: وَبِهِ يَنْدَفِعُ) أَيْ: بِجَوَازِ الْأَمْرَيْنِ
(قَوْلُهُ: تَصْوِيبُ مَنْ حَصَرَ إلَخْ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ، وَقَوْلُهُ: لِلْمَتْنِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ إلَخْ الْجَارَّانِ مُتَعَلِّقَانِ بِالتَّصْوِيبِ. وَقَوْلُهُ: وَإِفْسَادُ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّ مَعْنَاهُ يُسَمَّى اللَّهُ بِهِ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَعْنَاهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، بَلْ مَعْنَاهُ يَنْفَرِدُ اللَّهُ بِهِ فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مَعَ أَنَّ مَا سَلَكَهُ ذَلِكَ الشَّارِحُ فِي حَلِّ الْمَتْنِ تَكَلُّفٌ لَا دَاعِيَ إلَيْهِ؛ إذْ الْمُتَبَادَرُ لَيْسَ إلَّا رُجُوعَ الْهَاءِ مِنْ بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَالْبَاءُ دَاخِلَةٌ فِيهِ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ اهـ سم.
(قَوْلُهُ: وَأُورِدَ عَلَى الْمَتْنِ) أَيْ: عَلَى قَوْلِهِ: لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى إلَخْ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ أَيْ: فَإِنَّهَا بِذَاتِ اللَّهِ إلَخْ وَلَمْ تَنْعَقِدْ اهـ سم.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ مَعَ شَرْحِهِ وَالْمُغْنِي فَإِنْ حَلَفَ كَاذِبًا عَالِمًا بِالْحَالِ عَلَى مَاضٍ فَهِيَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ أَوْ فِي النَّارِ وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ كَمَا وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} الْآيَةَ وَتَعَلُّقُ الْإِثْمِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا كَمَا فِي الظِّهَارِ
وَيَجِبُ التَّعْزِيرُ أَيْضًا اهـ.
(قَوْلُهُ الْأَخِيرُ) هُوَ قَوْلُهُ: بِذَاتِ اللَّهِ إلَخْ وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ هُوَ الِانْعِقَادُ اهـ ع ش.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ جَمْعًا مُتَقَدِّمِينَ إلَخْ)
وَأَشَارَ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ إلَى تَصْحِيحِ هَذَا فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَذَكَرَ صُوَرًا تَظْهَرُ فِيهَا
فَائِدَةُ الْخِلَافِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْبُلْقِينِيِّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي انْعِقَادِهَا وَأَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ الْأَصْحَابِ: إنَّهَا غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ. لَمْ يُرِدْ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُنْعَقِدَةً انْعِقَادًا يُمْكِنُ مَعَهُ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ لِانْعِقَادِهَا مُسْتَعْقِبَةً لِلْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ إمْكَانِ الْبِرِّ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ اهـ رَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ: قَالُوا بِانْعِقَادِهَا) أَيْ: الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَهُوَ أَيْ: انْعِقَادُهَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَتَظْهَرُ
فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي التَّعَالِيقِ اهـ. ع ش وَمَرَّ آنِفًا عَنْ الْمُغْنِي وَالرَّوْضِ وَشَرْحِهِ وَالشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ اعْتِمَادُهُ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: الْحَلِفِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَيُقَالُ: الْحَلِفُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَإِسْكَانِهَا. وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْإِسْكَانَ ابْنُ السَّكَنِ فِي أَوَّلِ اصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِ انْتَهَى.
ذَكَرَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ» .
(قَوْلُهُ: الْحَلِفِ) فَاعِلُهُ، وَقَوْلُهُ: الْحَثَّ مَفْعُولُهُ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ مَرَّ قَوْلُهُمْ: الطَّلَاقُ لَا يُحْلَفُ بِهِ، أَيْ: لَا يُطْلَبُ) كَلَامُهُمْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْلَفَ بِهِ أَيْ: عَلَى صُورَةِ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ نَحْوَ: وَالطَّلَاقِ لَا أَفْعَلُ كَذَا.
(قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ الْيَمِينِ الْحَقِيقِيَّةِ) فِيهِ أَنَّهَا تُعْلَمُ مِنْ اقْتِضَاءِ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي الْيَمِينِ شَرْعًا.
(قَوْلُهُ: فِي التَّحْقِيقِ الْمَذْكُورِ) لَيْسَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ نِزَاعٍ فَتَأَمَّلْهُ.
(قَوْلُهُ: لِفَهْمِهَا مِنْهُ بِالْأَوْلَى) فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي التَّعَارِيفِ قَطْعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعُمَرِيُّ كَغَيْرِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى عِبَارَةِ الْمُطَوَّلِ فِي تَعْرِيفِ فَصَاحَةِ الْكَلَامِ.
(قَوْلُهُ وَالْمُمْتَنِعُ) مَا تَحْقِيقُهُ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مُكَلَّفٌ إلَخْ) شَمِلَ الْأَخْرَسَ، وَيُصَرِّحُ بِهِ مَا سَيَأْتِي فِي هَامِشِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: أَوْ لَا يُكَلِّمُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ حَنِثَ وَلَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا فَتَأَمَّلْهُ.
(قَوْلُهُ: لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ إلَخْ)
فَرْعٌ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ فِيمَا إذَا قَالَ لَهُ الْقَاضِي: قُلْ بِاَللَّهِ. فَقَالَ: تَاللَّهِ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ نَاكِلٌ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الْوَجْهُ انْعِقَادُهَا وَإِنْ قُلْنَا بِنُكُولِهِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: مُخْتَصٍّ بِهِ اللَّهُ) هَذَا يَقْتَضِي جَعْلَ الْهَاءِ فِي بِهِ لِاسْمٍ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَفْظُ اللَّهِ بَدَلًا مِنْ الْهَاءِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا لِلَّهِ فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت مَا يَأْتِي وَفِي هَامِشِهِ.
(قَوْلُهُ فَلَا تَنْعَقِدُ بِمَخْلُوقٍ كَنَبِيٍّ وَمَلِكٍ إلَخْ) .
فَرْعٌ شُرِكَ فِي حَلِفِهِ بَيْنَ مَا يَصِحُّ الْحَلِفُ بِهِ وَغَيْرِهِ كَوَاللَّهِ وَالْكَعْبَةِ فَالْوَجْهُ انْعِقَادُ الْيَمِينِ وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ قَصَدَ الْحَلِفَ بِكُلٍّ أَوْ أَطْلَقَ،
فَإِنْ قَصَدَ الْحَلِفَ بِالْمَجْمُوعِ فَفِيهِ تَأَمُّلٌ، وَالْوَجْهُ الِانْعِقَادُ؛ لِأَنَّ جَزْءَ هَذَا الْمَجْمُوعِ يَصِحُّ الْحَلِفُ بِهِ، وَالْمَجْمُوعُ الَّذِي جُزْؤُهُ كَذَلِكَ يَصِحُّ الْحَلِفُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّ مَعْنَاهُ يُسَمَّى اللَّهُ بِهِ وَلَا يُسَمَّى بِغَيْرِهِ) أَيْ: لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَعْنَاهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، بَلْ مَعْنَاهُ يَنْفَرِدُ اللَّهُ بِهِ فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مَعَ أَنَّ مَا سَلَكَهُ ذَلِكَ الشَّارِحُ فِي حَلِّ الْمَتْنِ تَكْلِيفٌ لَا دَاعِيَ إلَيْهِ إذْ الْمُتَبَادَرُ لَيْسَ إلَّا رُجُوعَ الْهَاءِ مِنْ بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَالْبَاءُ دَاخِلَةٌ فِيهِ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
(قَوْلُهُ: وَأُورِدَ عَلَى الْمَتْنِ) أَيْ: قَوْلُهُ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) أَيْ فَإِنَّهَا بِذَاتِ اللَّهِ إلَخْ وَلَمْ تَنْعَقِدْ
(قَوْلُهُ: وَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَاضٍ كَاذِبًا إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ فَإِنْ حَلَفَ كَاذِبًا عَالِمًا عَلَى مَاضٍ فَهِيَ الْغَمُوسُ وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ،
قَالَ فِي شَرْحِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} ثُمَّ قَالَ: وَيَجِبُ فِيهَا التَّعْزِيرُ أَيْضًا انْتَهَى.
كِتَابُ الْأَيْمَانِ] ِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ يَمِينٍ. وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الْيَدُ الْيَمِينُ، وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْحَلِفِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَحَالَفُوا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِيَمِينِ صَاحِبِهِ، وَسُمِّيَ الْعُضْوُ بِالْيَمِينِ لِوُفُورِ قُوَّتِهِ، قَالَ تَعَالَى:{لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} أَيْ بِالْقُوَّةِ.
وَلَمَّا كَانَ الْحَلِفُ يُقَوِّي الْحِنْثَ عَلَى الْوُجُودِ أَوْ الْعَدَمِ سُمِّيَ يَمِينًا،
وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَحْفَظُ الشَّيْءَ عَلَى الْحَالِفِ، كَمَا تَحْفَظُهُ الْيَدُ،
وَفِي الِاصْطِلَاحِ تَحْقِيقُ أَمْرٍ غَيْرِ ثَابِتٍ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا مُمْكِنًا كَحَلِفِهِ لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ، أَوْ مُمْتَنِعًا كَحَلِفِهِ لَيَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ، صَادِقَةً كَانَتْ أَوْ كَاذِبَةً مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ أَوْ الْجَهْلِ بِهِ، وَخَرَجَ بِالتَّحْقِيقِ لَغْوُ الْيَمِينِ فَلَيْسَتْ يَمِينًا كَمَا سَيَأْتِي، وَبِغَيْرِ ثَابِتٍ، الثَّابِتُ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَأَمُوتَنَّ أَوْ لَا أَصْعَدُ السَّمَاءَ، لِتَحَقُّقِهِ فِي نَفْسِهِ فَلَا مَعْنَى لِتَحْقِيقِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِنْثُ، وَفَارَقَ انْعِقَادَهَا بِمَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْبِرُّ كَحَلِفِهِ لَيَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ بِأَنَّ امْتِنَاعَ الْحِنْثِ لَا يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَامْتِنَاعَ الْبِرِّ يُخِلُّ بِهِ فَيُحْوِجُ إلَى التَّكْفِيرِ، وَيَكُونُ الْيَمِينُ أَيْضًا لِلتَّأْكِيدِ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} وَقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا} وَأَخْبَارٌ مِنْهَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَانَ يَحْلِفُ لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَوْلِهِ: «وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ، قُرَيْشًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْيَمِينُ، وَالْقَسَمُ، وَالْإِيلَاءُ، وَالْحَلِفُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ.
تَنْبِيهٌ أَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ ضَابِطَ الْحَالِفِ اسْتِغْنَاءً بِمَا سَبَقَ مِنْهُ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ كَافٍ، وَالْأَضْبَطُ أَنْ يُقَالَ: مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ قَاصِدٌ فَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَلَا الْمُكْرَهِ وَلَا يَمِينُ اللَّغْوِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ، فَقَالَ (لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ لَهُ) بِأَنْ يَحْلِفَ بِمَا مَفْهُومُهُ الذَّاتُ أَوْ الصِّفَةُ، فَالذَّاتُ (كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ) بِجَرٍّ أَوْ نَصْبٍ أَوْ رَفْعٍ، سَوَاءٌ تَعَمَّدَ ذَلِكَ أَمْ لَا وَالصِّفَةُ كَقَوْلِهِ (وَرَبِّ الْعَالَمِينَ) أَيْ مَالِكِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ عَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ (وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ) أَيْ بِقُدْرَتِهِ يُصَرِّفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ (وَكُلِّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَالْإِلَهِ، وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَاَلَّذِي أَعْبُدُهُ أَوْ أَسْجُدُ لَهُ؛
لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَعْقُودَةٌ بِمَنْ عَظُمَتْ حُرْمَتُهُ وَلَزِمَتْ طَاعَتُهُ، وَإِطْلَاقُ هَذَا مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى: فَلَا تَنْعَقِدُ بِالْمَخْلُوقَاتِ كَوَحَقِّ النَّبِيِّ، وَجِبْرِيلَ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْكَعْبَةِ،
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ:«إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» وَالْحَلِفُ بِذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَمَا رَوَى الْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ» وَرُوِيَ " فَقَدْ أَشْرَكَ " حُمِلَ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ فِيمَا حَلَفَ بِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ مَا يَعْتَقِدُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى.
كِتَابُ الْأَيْمَانِ] ِ جَمْعُ يَمِينٍ (لَا تَنْعَقِدُ) الْيَمِينُ (إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ لَهُ) بِأَنْ يَحْلِفَ بِمَا مَفْهُومُهُ الذَّاتُ أَوْ الصِّفَةُ وَالذَّاتُ. (كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أَيْ مَالِكِ الْمَخْلُوقَاتِ (وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ) أَيْ قُدْرَتِهِ يُصَرِّفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ،. (وَكُلِّ اسْمٍ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) غَيْرَ مَا ذَكَرَ كَالْإِلَهِ وَالرَّحْمَنِ وَخَالِقِ الْخَلْقِ.
Adds nothing on this mas’ala.
قَوْلُهُ: (جَمْعُ يَمِينٍ) وَهِيَ لُغَةً الْيَدُ الْيُمْنَى وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا حَلَفَ أَحَدُهُمْ أَخَذَ يَمِينَ صَاحِبِهِ بِيَمِينِهِ وَالْيَمِينُ وَالْقَسَمُ وَالْحَلِفُ وَالْإِيلَاءُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ بِمَا مَرَّ أَنَّ الْحَلِفَ أَعَمُّ وَشَرْعًا تَحْقِيقُ أَمْرٍ مُحْتَمِلٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ قِيلَ وَبِفَتْحِهَا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا، فِيهِمَا عَالِمًا بِهِ الْحَالِفُ أَوْ جَاهِلًا فَالْمُرَادُ احْتِمَالُ الصِّيغَةِ فِي ذَاتِهَا، لِأَمْرٍ غَيْرِ مُحَقَّقِ الْوُجُودِ أَوْ الْعَدَمِ فَخَرَجَ بِالتَّحْقِيقِ لَغْوُ الْيَمِينِ وَبِالْمُحْتَمَلِ نَحْوُ لَأَمُوتَنَّ لِصِدْقِهِ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ مَعَ عَدَمِ تَصَوُّرِ الْحِنْثِ فِيهِ، وَإِنَّمَا حَنِثَ فِي نَحْوِ لَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ لِعَدَمِ صِدْقِهِ بِتَحَقُّقِ عَدَمِهِ فَفِيهِ هَتْكُ حُرْمَةِ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ: (بِذَاتِ اللَّهِ) خَرَجَ ذَاتُ غَيْرِهِ كَالنَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً وَحُمِلَ عَلَى الزَّجْرِ عَنْهُ وَالتَّنْفِيرِ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَحْلِفَ) أَيْ الْمُكَلَّفُ الْمُخْتَارُ وَلَوْ حُكْمًا فَدَخَلَ السَّكْرَانُ وَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الْيَمِينِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (بِمَا مَفْهُومُهُ) أَيْ بِلَفْظِ مُسَمَّاهُ الذَّاتِ أَوْ الصِّفَةِ
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا لَيْسَا يَمِينَيْنِ، كَقَوْلِهِ بِذَاتِ اللَّهِ أَوْ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ بِصِفَةِ اللَّهِ كَذَا وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ لَكِنْ اعْتَمَدَ شَيْخُنَا خِلَافَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ يَمِينٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الصِّفَةُ) هِيَ مَانِعَةُ خُلُوٍّ فَيَدْخُلُ مَا مَفْهُومُهُ هُمَا مَعًا كَالْخَالِقِ.
قَوْلُهُ: (وَالذَّاتُ) وَهِيَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَيْهَا وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الصِّفَةِ وَهَذَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ وَمَا بَعْدَهُ كَمَا ذَكَرَهُ لِقَابِلَتِهِ بِمَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ وَالصِّفَةُ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرَ بِالْفَاءِ بَدَلَ الْوَاوِ،
وَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الصِّفَةَ وَحْدَهَا لَا تَكُونُ يَمِينًا وَصَرِيحُ مَا يَأْتِي يُخَالِفُهُ وَيَنْتَظِرُ مِمَّا ذَكَرَهُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ مَا اخْتَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَمَا هُوَ فِيهِ أَغْلَبُ وَمَا هُوَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ سَوَاءٌ. وَمَا هُوَ فِي غَيْرِهِ أَغْلَبُ وَمَا هُوَ صِفَةٌ لَهُ وَإِدْخَالُ بَعْضِهِمْ الرَّابِعَ فِي الثَّالِثِ نَظَرًا لِصِحَّةِ الْإِطْلَاقِ لَا لِلْعُرْفِ كَالْعَالَمِ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ تَعَالَى) وَلَوْ بِالْإِضَافَةِ أَوْ مُشْتَقًّا أَوْ مِنْ غَيْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى كَصَانِعِ الْمَوْجُودَاتِ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَمِنْهُ الْجَنَابُ الرَّفِيعُ وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ وَمُقَسِّمُ الْأَدْيَانِ وَفِي شَرْحِهِ عَدَمُ الِانْعِقَادِ بِالْجَنَابِ الرَّفِيعِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كِنَايَةً.
قَوْلُهُ: (بِذَاتِ اللَّهِ) خَرَجَ بِذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ وَالْكَعْبَةُ وَالْمَلَائِكَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» .
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِغَيْرِهِ مَعْصِيَةٌ وَبِهَا صَرَّحَ الْجُوَيْنِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَقَطَعَ الْإِمَامُ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ وَمِنْ ذَلِكَ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَاعْتَرَضَ ابْنُ بَرْهَانٍ التَّعْبِيرَ بِالذَّاتِ فِي كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ،
وَقَالَ لَيْسَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى يَعْنِي الْحَقِيقَةَ مَعْرُوفَةٌ فِي اللُّغَةِ وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى صَاحِبَةٍ،
قَوْلُهُ: (بِمَا مَفْهُومُهُ الذَّاتُ) أَرَادَ بِهَذَا سَائِرَ مَا يَأْتِي إلَى قَوْلِهِ وَالصِّفَةُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّازِقَ وَالْخَالِقَ وَنَحْوَهُمَا مَفْهُومُهَا الذَّاتُ لِأَنَّهَا أَسْمَاءٌ لَهَا.
وَهِيَ الْمُرَادَةُ مِنْهَا وَكَذَا الشَّيْءُ وَالْمَوْجُودُ وَنَحْوُهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ الذَّاتُ تَكُونُ مَفْهُومَةً وَقَوْلُهُ أَوْ مَفْهُومُهُ الصِّفَةُ وَالذَّاتُ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ وَالصِّفَةُ كَوَعَظَمَةِ اللَّهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَالِفَ بِالْعَظَمَةِ الْمُضَافَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْعَظَمَةُ مَحْضُ صِفَةٍ. وَالْمُضَافُ إلَيْهِ مَفْهُومُهُ الذَّاتُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَحَلُّ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ فَإِنَّ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ وَالْخَالِقَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مَفْهُومُهَا الصِّفَةُ وَالذَّاتُ بِلَا رَيْبٍ،
وَأَمَّا نَحْوُ وَعَظَمَةِ اللَّهِ فَالْمَحْلُوفُ بِهِ نَفْسُ الْعَظَمَةِ مَثَلًا، وَهِيَ مَحْضُ صِفَةِ غَايَةِ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إضَافَتِهَا وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا هِيَ الْمَحْلُوفُ بِهَا وَلَيْسَتْ الذَّاتُ الْمُقَدَّسَةُ مِنْ مَفْهُومِهَا فَلْيُتَأَمَّلْ. وَعِبَارَةُ الْمُحَرِّرِ بِذَاتِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ فَالْأَوَّلُ كَاَلَّذِي أَعْبُدُهُ وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ إلَخْ، وَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَرَادَ بِالْأَوَّلِ نَحْوَ الَّذِي أَعْبُدُهُ أَوْ الْجَدَّ لَهُ أَوْ فَلَقَ الْحَبَّةَ أَوْ نَفْسِي بِيَدِهِ أَوْ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ،
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالذَّاتِ كَقَوْلِهِ إلَخْ اسْتِئْنَافًا وَحِينَئِذٍ فَيَتَّضِحُ الْكَلَامُ وَيَزُولُ الْإِشْكَالُ.
* * * [كتاب الأيمان] هي جمع يمين, وهو والحلف والإيلاء والقسم ألفاظ مترادفة.
وأصلها في اللغة: اليد اليمنى, وأطلقت على الحلف؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه,
وقيل: لأنها تحفظ الشيء على الحالف كما تحفظ اليد.
وهي في الشرع: تحقيق ما يحتمل المخالفة أو تأكيده بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته.
والأصل في الباب: قوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} الآية, وقوله تعالى:(ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ).
و (العُرضة) في الأيمان: أن يحلف به في كل حق وباطل.
وفي (البخاري)[٦٦١٧] عن ابن عمر: أكثر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف: (لا ومقلب القلوب وأجمعت الأمة على انعقاد اليمين وتعلق الكفارة بها.
قال: (لا تنعقد إلا بذات الله تعالى أو صفة له) هذا الذي اقتصر عليه في (الشرح الصغير): أنها ذات وصفات, وهو في (الروضة) ثلاثة: ذات وأسماء وصفات.
والمراد بـ (الذات) هنا: الحقيقة, وهو اصطلاح المتكلمين, وقد أنكر عليهم بعض الأدباء وقال: لا تعرف (ذات) في لغة العرب بمعنى الحقيقة, وإنما (ذات) بمعنى صاحبة.
وهذا الإنكار منكر, بل الذي قاله الفقهاء والمتكلمون صحيح, كما نبه عليه المصنف في (تهذيبه) قال: ومنه قوله تعالى: {وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أي: الحالة التي بينكم, وهو قول الكوفيين, وعن الزجاج: معناه: حقيقة وصلكم.
قال الواحدي: فذات عندي بمعنى النفس, كما يقال: ذات الشيء ونفسه.
والتقييد بـ (ذات الله أو صفته) تخرج به صورتان:
إحداهما: الحلف بالمخلوق كالنبي والكعبة وجبريل والصحابة والآل, وذلك مكروه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا تحلفوا إلا بالله) رواه النسائي [٧/ ٥] وابن حبان [٤٣٥٧].
وفي (الصحيحين)[خ٦١٠٨ - م١٦٤٦/ ٣]: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم,
فمن كان حالفا .. فلا يحلف إلا بالله).
وان النبي صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب, فسمعه يحلف بأبيه فقال:(إن الله ينهاكم ان تحلفوا بآبائكم,
فمن كان حالفا .. فليحلف بالله أو ليصمت) , قال عمر رضي الله عنه: فما حلفت بها بعد ذلك ذاكرا ولا آثرا, أي: حاكيا عن غيره أن حلف بها.
وقد جاء عن ابن عباس: (لأن أحلف بالله تعالى مئة مرة فآثم .. خير من أن أحلف بغيره فأبر) ذكره المصنف في (شرح مسلم)[١١/ ١٠٥] , ورواه الطبراني في (معجمه الكبير)[٩/ ١٨٣].
وروى الحاكم [١/ ١٨] عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بغير الله .. فقد كفر) وروي: (فقد أشرك)[٤/ ٣٣٠] , وحمل هذا على من اعتقد فيما حلف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى.
قال الرافعي: وأخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية, قال الأصحاب: أي: محرما مأثوما عليه.
فمن حلف بغير الله .. لا ينعقد يمينه ولم تتعلق الكفارة بالحنث فيه, خلافا لأحمد في الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة؛ فإنه قال: ينعقد به؛ لأنه أحد ركني الشهادة كاسم الله تعالى.
لنا: القياس على ما سلمه,
وإذا سبق اللسان إليه لم يوصف بالكراهة ويكون بمثابة لغو اليمين, وعلى هذا يحمل ما في (الصحيحين)[م/ ٩] من قوله صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الذي قال: لا أزيد على هذا ولا أنقص-: (أفلح - وأبيه - إن صدق).
والجواب: أن هذه الكلمة تجري على اللسان لا يقصد بها اليمين.
وقيل: اختلف في تصحيح هذه الزيادة, ولذلك لم يذكرها مالك في (الموطأ) , بل قال [١/ ١٧٥]: (أفلح إن صدق).
وقيل: الحديث منسوخ بالنهي عن الحلف بالآباء.
الثانية: إذا قال: إن فعل كذا فهو يهودي أو نصراني: وستأتي.
قال: (كقوله: والله) , سواء جر أو نصب أو رفع, وسواء تعمد أم لا؛ لأن اللحن لا يمنع انعقاد اليمين.
وقال القفال: إذ رفع لا ينعقد إلا أن ينوي اليمين.
قال: (ورب العالمين) (الرب) : يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدبر والمربي والمنعم, وهذه صفات الله تعالى.
ومما جاء بمعنى المالك: قول صفوان لأبي سفيان بن حرب: لأن يربني رجل من قريش .. أحب إلي من أن يربني رجل من هوزان.
ولم يطلقوا الرب إلا على الله وحده, وهو في غيره على التقييد والإضافة.
و (العالمون) جمع عالم, وهو: كل موجود سوى الله تعالى, ولا واحد له من لفظه,
واختلفوا في اشتقاقه:
فقيل: من العلامة؛ لأن كل مخلوق علامة تدل على وجود خالقه.
وقيل: من العلم, وهو مذهب من يخصه بمن يعقل.
قال: (والحي الذي لا يموت) , قال الله تعالى:{وتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ}؛ فهو الحقيق بذلك, ولا يتوكل على من يموت, فلا يصح لذي عقل أن يثق بعد هذه الآية بمخلوق.
قال: (ومن نفسي بيده) ؛ لما روى أبو داوود [٣٢٥٩] بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اجتهد في اليمين قال لا والذي نفس أبي القاسم بيده. قال: (وكل اسم مختص به سبحانه وتعالى) ؛ لأن الأيمان منوطة بمن عظمت حرمته ولزمت طاعته, وإطلاق هذا مختص به سبحانه وتعالى,
والحلف بالأسماء:
منها: ما يختص الباري سبحانه وتعالى به ولا يطلق في حق غيره.
ومنها: ما أطلق على غيره لكن الغالب استعماله في حق الله مطلقا ومقيدا في غيره.
ومنها: ما يطلق في حق الله تعالى وغيره ولا غالب, فهذه ثلاثة أقسام, وهي في كلام المصنف على هذا الترتيب.
فمثل الأول: بالله, وبرب العالمين, والحي الذي لا يموت,
ومن نفسي بيده, ومثله: مالك يوم الدين, والقدوس, والرحمن, وخالق الخلق, والواحد الذي ليس كمثله شيء.
وقال البندنيجي: أكثر العلماء على أن الأسم الأعظم (الله) , واختاره السهيلي, ولهذا قال ابن كج: لا صريح في اليمين سواه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.