وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم وترك التشاحن وبالصيام وبالصدقة ويعدهم يوما يخرجون فيه
Its commentaries
(وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس) أي ذكرهم بما يلين قلوبهم من الثواب والعقاب (وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم) بردها إلى مستحقيها؛ لأن المعاصي سبب القحط والتقوى سبب البركات (و) أمرهم بـ (ترك التشاحن) من الشحناء، وهي العداوة، لأنها تحمل على المعصية والبهت وتمنع نزول الخير؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خرجت أخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت» : (و) أمرهم (بالصيام) ؛ لأنه وسيلة إلى نزول الغيث، ولحديث «دعوة الصائم لا ترد» (و) أمرهم (بالصدقة) لأنها متضمنة للرحمة، (ويعدهم) أي يعين لهم (يوما يخرجون فيه) ليتهيئوا للخروج على الصفة المسنونة،
Adds nothing on this mas’ala.
أي ذكرهم بما يلين قلوبهم من الثواب والعقاب وخوفهم العواقب، يقال: وعظه يعظه وعظًا وموعظة نصحه وذكره فاتعظ أي قبل الموعظة، والوعظ التخويف والتذكير، والنصح بما يلين القلوب، ويسوقها إلى التوبة، وإصلاح السيرة والسريرة،
وفي التعريفات، الوعظ هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب.
أمرهم بـ (ترك التشاحن) من الشحناء وهي العداوة امتلأت منها النفس، وتشاحنوا تباغضوا، والمشاحن العدو المباغض، شديد العداوة، والعداوة الخصومة والمباعدة، والعدو ضد الصديق.
الشحناء وهي العداوة لأنها تحمل على المعصية والبهت أي الكذب والافتراء، وتوجب غضب الرب جل وعلا.
(يوما يخرجون فيه) ليتهيئوا للخروج، على الصفة المسنونة لحديث عائشة قالت: «وعد الناس يوما يخرجون فيه» ، رواه أبو داود وغيره بسند جيد.
«وإذا أراد الإمام الخروج لها»، يحتمل أن يريد به الإمام الذي يصلي بهم صلاة الاستسقاء، ويحتمل أن يراد به الإمام الأعظم وهو السلطان، والمعنى الأول أقرب. «وعظ الناس» الموعظة هي: التذكير المقرون بترغيب أو تخويف، فيرغبهم في فعل الواجبات، ويحذّرهم من انتهاك الحرمات.
ولهذا قال:«وأمرهم بالتوبة من المعاصي» التوبة: الرجوع إلى الله عز وجل من معصيته إلى طاعته،
وقد ذكر العلماء للتوبة شروطاً يحسن أن نذكرها الآن:
الأول: الإخلاص لله عز وجل بأن يقصد بتوبته إلى ربه رضا ربه،
لا أن يتوب أمام الناس رياء وسمعة.
الثاني: أن يندم على ما حصل له من الذنب، وهذا الشرط قال بعض العلماء: إنه لا يمكن تحقيقه؛ لأن الندم انفعال في النفس، والانفعال لا يملكه الإِنسان.
ولكن الصحيح: أنه يمكن أن يملكه؛ لأن معنى الندم إظهار الغم والهم لما أصابه ووقع منه من الذنب، وهذا أمر يمكن أن يقع. الثالث: أن يقلع عن المحرم،
فإذا كانت التوبة من ترك الزكاة مثلاً، فلا بد أن يخرج الزكاة،
وإذا كانت من التهاون بصلاة الجماعة فلا بد أن يصلي مع الجماعة،
وإذا كانت من الغيبة فلا بد أن يقلع عن الغيبة،
وإذا كانت أخذ مال لا يستحقه فلا بد أن يرده إلى صاحبه،
وإذا كانت من ضرب إنسان اعتدى عليه بالضرب فلا بد أن يستحله أو يقول: اضربني كما ضربتك.
الرابع: أن يعزم على ألا يعود فلا يتوب توبة مؤقتة، وهنا نقول: يعزم على ألا يعود، ولا نقول: ألا يعود؛ لأنه لو فرضنا أن الشروط تمت، ثم بعد ذلك عاد فالتوبة الأولى صحيحة.
الخامس: أن تكون التوبة في الزمن الذي تقبل فيه، وذلك بأن تقع قبل الغرغرة، قبل حضور الأجل،
فإن لم تقع إلا بعد حضور الأجل فقد قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ ، وهذا زمن خاص باعتبار كل أحد بنفسه.
وكذلك أيضاً تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وهذا زمن عام،
فإن الشمس إذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم، وتابوا ورجعوا لكن ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ .
قد يقول قائل: أين الدليل على أنه إذا أراد الخروج يعظ الناس، أليس النبي ﷺ خرج إلى المصلى واستسقى ، فهل ورد أنه وعظهم؟ والجواب: أنه يعظهم وعظاً عاماً، كما لو صادف أنه يتكلم في خطبة الجمعة فيعظ الناس فهذا طيب، ولا يقال: إنه وعظهم من أجل الاستسقاء، ولكن من أجل خطبة الجمعة والمناسبة.
وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ وَتَرْكِ التَّشَاحُنِ، ........................ «والخروج من المظالم»، من باب عطف الخاص على العام؛ وذلك لأن الخروج من المظالم من التوبة.
والمظالم: جمع مظلمة، فتشمل المظلمة في حق الله، والمظلمة في حق العباد.
مثال المظلمة في حق الله: عدم إخراج زكاته، أو عدم إخراج كفارة كانت عليه، فليبادر بإخراج هذا الحق.
مثال المظلمة في حق العباد: لو كان عنده حق لشخص كدراهم، أو منافع أو غيرها، فإنه يخرج منها أيضاً بإيفائه.
فإن كان الحق غير مالي كالغيبة مثلاً، فإنه يخرج منها بأن يذهب إلى من تكلم فيه، ويقول: إني تكلمت فيك فحللني، ولا يخرج من عُهدتها إلا بذلك.
وقال بعض العلماء: إن كان الذي تكلم فيه قد علم فليذهب إليه ويستحله،
وإن لم يعلم فلا يذهب إليه، بل يستغفر له، ويذكره بخير في الأماكن التي اغتابه فيها؛ لأنه ربما لو ذهب إليه وطلب أن يحلله تأخذه العزة بالإثم فيأبى؛ لأن بعض الناس لا يهمه أن يأتي إليه أخوه معتذراً، فيأبى أن يسامحه.
وهذا القول هو الصحيح.
فإن قال: أنا لا أحلك إلا إذا أعطيتني عشرة دراهم فيعطيه؛ لأن هذا حق له حتى لو طلب أكثر يعطيه؛ لأن إعطاءه في الدنيا أهون من إعطائه في الآخرة. «وترك التشاحن» أي: يأمر الإِمام الناس أن يتركوا التشاحن فيما بينهم وهو: الشحناء والعداوة، والبغضاء؛ لأن التشاحن سبب لرفع الخير.
ودليل ذلك: أن النبي ﷺ: «خرج ذات يوم ليخبر أصحابه بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فرفعت»، أي: رفع العلم بها، أي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أُنسيها من أجل التشاحن.
قال العلماء: فنأخذ من هذا أنه إذا كنا نطلب الخير من الله فلا بد أن ندع التشاحن فيما بيننا.
فإذا قال قائل: كيف يمكن أن يزيل الإنسان ما في قلبه من الحقد أو الغل على أخيه؟
فالجواب: يستطيع الإِنسان أن يتخلص من ذلك بما يلي:
أولاً: أن يذكر ما في بقاء هذه العداوة من المآثم، وفوات الخير حتى إن الأعمال تعرض على الله يوم الاثنين والخميس،
فإذا كان بين اثنين شحناء قال:«أَنظِروا هذين حتى يصطلحا»، أي: الرب عز وجل لا ينظر في عملك يوم الاثنين والخميس إذا كان بينك وبين أخيك شحناء. ثانياً: أن يعلم أن العفو والإصلاح فيه خير كثير للعافي، وأنه لا يزيده ذلك العفو إلا عزاً؛ كما قال النبي ﷺ :«ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً».
ثالثاً: أن يعلم أن الشيطان ـ وهو عدوه ـ هو الذي يوقد نار العداوة والشحناء بين المؤمنين؛ لأنه يحزن أن يرى المسلمين متآلفين متحابين ويفرح إذا رآهم متفرقين والعداوة والشحناء بينهم.
فإذا ذكر الإنسان المنافع والمضار فإنه لا بد أن يأخذ ما فيه المصالح والمنافع، ويدع ما فيه المضار والمفاسد.
فعليك أن تجاهد نفسك ولو أهنتها في الظاهر، فإنك تعزها في الحقيقة؛ لأن من تواضع لله رفعه، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً.
وجرب تجد أنك إذا فعلت هذا الشيء وعفوت، وأصلحت ما بينك وبين إخوانك تجد أنك تعيش في راحة وطمأنينة وانشراح صدر وسرور قلب، لكن إذا كان في قلبك حقد عليهم أو عداوة فإنك تجد نفسك في غاية ما يكون من الغم والهم، ويأتيك الشيطان بكل احتمالات يحتملها كلامه، أي لو احتمل كلامه الخير والشر قال لك الشيطان: احمله على الشر.
مع أن المشروع أن يحمل الإِنسان كلام إخوانه على الخير ما وجد له محملاً.
فمتى وجدت محملاً للخير فاحمله على الخير، سواء في الأقوال أو في الأفعال، ولا تحمله على الشر. وبعض الناس ـ والعياذ بالله ـ يحمل الفعل أو القول على الشر ثم يؤزه الشيطان إلى أن يتجسس على أخيه، ويتابع أخاه، وينظر ماذا فعل؟ وماذا قال؟ فتجده دائماً يحلل أقواله وأفعاله، وليته يحمله على الأحسن، أو على الحسن، ولكن على السيء والأسوء، وذلك بإيحاء الشيطان ـ والعياذ بالله ـ.
والذي يجب على المؤمن إذا رأى من أخيه ما يحتمل الخير أو الشر أن يحمله على الخير ما لم توجد قرائن قوية تمنع حمله على الخير، فهذا شيء آخر،
فلو صدر مثل هذا من رجل معروف بالسوء ومعروف بالفساد فلا بأس أن تحمله على ما يحتمله كلامه،
أما رجل مستور ولم يعلم عنه الشر،
فإذا وجد في كلامه، أو في فعاله ما يحتمل الخير والشر فاحمله على الخير حتى تستريح.
وربما يصاب هذا الرجل الذي يتبع عورات الناس وأخطاءهم القولية والفعلية بأن يسلط الله عليه من يتابعه هو بنفسه،
ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته،
ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف بيته.
وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ، ........................................ «والصيام»، أي: يأمرهم أن يصوموا.
قال بعض العلماء: يأمرهم أن يصوموا ثلاثة أيام، ويخرج في اليوم الثالث.
وقال بعضهم: يجعل الاستسقاء يوم اثنين أو خميس؛ لأن يومي الاثنين والخميس مما يسن صيامهما، فيكون خروج الناس وهم صائمون، والصائم أقرب إلى إجابة الدعوة من المفطر،
فإن للصائم دعوة لا ترد، هكذا قال المؤلف رحمه الله. ولكن في هذا نظر؛ لأن النبي ﷺ حين خرج إلى الاستسقاء لم يأمر أصحابه أن يصوموا.
أما ما ذكره المؤلف أولاً من التوبة من المعاصي، والخروج من المظالم فهذه مناسبة، لكن الصيام طاعة تحتاج إلى إثباتها بدليل،
وإذا كان الأمر قد وقع في عهد النبي ﷺ، ولم يأمر أصحابه بالصيام، فلا وجه للأمر به.
لكن نقول: لو اختار يوم الاثنين ـ ولم يجعله سنة راتبة دائماً من أجل أن يصادف صيام بعض الناس، لو قيل بهذا لم يكن فيه بأس.
لكن كوننا نجعله سنة راتبة لا يكون الاستسقاء إلا في يوم الاثنين، أو نأمر الناس بالصوم، فهذا فيه نظر. «والصدقة» أي: ويأمرهم أيضاً بالصدقة، والصدقة قد يقال: إنها مناسبة؛ لأن الصدقة إحسان إلى الغير، والإحسان سبب للرحمة لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، والغيث رحمة لقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ .
والصدقة هنا ليست الصدقة الواجبة، بل المستحبة،
أما الصدقة الواجبة فإن منعها سبب لمنع القطر من السماء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المروي عنه:«وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء». وَيَعِدُهُمْ يَوْماً يَخْرُجُونَ فِيهِ، وَيَتَنَظَّفُ، وَلَا يَتَطَيَّبُ، وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعاً، مُتَخَشِّعاً، مُتَذَلِّلاً، مُتَضَرِّعاً ............................. «ويعدهم يوماً يخرجون فيه» ضمير الفاعل يعود على الإمام وضمير المفعول «هم» يعود على الناس. أي: يقول: سنخرج في يوم كذا، ويحسن أيضاً أن يعيِّن الزمن من هذا اليوم فيقول: في ساعة كذا؛
ليتأهبوا على وجه ليس فيه ضرر عليهم؛ لأن الناس ربما لو خرجوا مبكرين، وتأخر الإِمام حصل عليهم أذية من البرد إن كانوا في زمن شتاء صارم.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.