ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ومنه: "اللهم اسقنا غيثا مغيثا" إلى آخره
Its commentaries
(ويرفع يديه) استحبابا في الدعاء لقول أنس: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وكان يرفع حتى يرى بياض إبطيه» متفق عليه. وظهورهما نحو السماء لحديث رواه مسلم (فيدعو بدعاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) تأسيا به (ومنه) ما رواه ابن عمر: (اللهم اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها (غيثا) أي مطرا (مغيثا) أي منقذا من الشدة، يقال: غاثه وأغاثه (إلى آخره) أي آخر الدعاء، أي:«هنيئا مريئا غدقا» مجللا عاما طبقا دائما، «اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا مع القانطين» ، «اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق» ، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا ".
ويسن أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويحول رداءه فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن ويفعل الناس كذلك، ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم، ويدعو سرا فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا.
فإن سقوا وإلا عادوا ثانيا وثالثا.
وكان يرفع حتى يرى بياض إبطيه، متفق عليه لعل المراد: لم أره يرفع، أو لم يرفع كما يرفع في الاستسقاء، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من غير وجه أنه كان يرفع يديه في الدعاء ما يزيد عن ثلاثين حديثًا، والدعاء ثلاثة أقسام، أحدها أن تسأل الله بأسمائه وصفاته، الثاني أن تسأله بحاجتك وفقرك إليه ونحو ذلك،
والثالث أن تسأل حاجتك، والأول أكمل من الثاني،
والثاني أكمل من الثالث، فإذا جمع الدعاء الأمور الثلاثة كان أكمل، وهذه عامة أدعية النبي صلى الله عليه وسلم.
بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم) تأسيًا به صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} وروى أبو داود عن عائشة أنهم شكوا إليه جدب ديارهم وتقدم، وفيه ثم قال: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين ثم رفع يديه إلخ.
رواه ابن عمر (اللهم اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها وصل الهمزة حذفها لفظًا مع الدرج، وقطعها إثباتها مع الابتداء والدرج.
مريئًا . غدقا مجللاً عامًا سحًّا طبقًا دائمًا «غدقًا» بكسر الدال وفتحها، كثير الماء والخير، أو كثير القطر، وأعدق المطر، واغدودق، كبر قطره، ومجللاً، على صفة اسم الفاعل، من المضعف، أي ساترا للأفق، لعمومه، أو يجلل الأرض يعمها،
وقال الأزهري: هو الذي يعم البلاد والعباد نفعه، ويتغشاهم خيره، و «عاما» أي شاملاً مستوعبًا للأرض، و «سحا» أي صبَّا من سحَّ يسحَّ: إذا جرى من فوق إلى أسفل، أو من ساح يسيح، إذا جرى على وجه الأرض،
وقال الأزهري: هو المطر الشديد، و «طبقا» بالتحريك أي يطبق البلاد مطره أي يستوعبها، وبدأ بالعام ثم أتبعه بالسح، والطبق لأنهما صفتان زائدتان في العام، فقد يكون عاما، وهو طل يسير، ودائمًا أي متصلاً إلى أن يحصل الخصب، وإلى انتهاء الحاجة وتمام الحديث «نافعًا غير ضار، عاجلاً غير آجل» ، رواه أبو داود، وللشافعي، عن سالم بن عبد الله عن أبيه نحوه،
وفي الصحيحين «اللهم أغثنا» ثلاثًا، من الإغاثة بمعنى المعونة، أو من طلب الغيث، أي هب لنا غيثًا، أو ارزقنا غيثًا.
دائمًا اللهم أسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين أي الآيسين من الرحمة، رواه الشافعي وغيره، والغيث المطر، وغيثت الأرض، فهي مغيثة ومغيوثة، ولأبي داود، كان إذا استسقى قال: «اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت» .
اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك ذكره الشافعي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم و «اللأواء» بالمد شدة المجاعة، والمراد السنة، والجهد بضم الجيم قلة الخير، وبفتحها المشقة وسوء الحال والغاية، والضنك بفتح الضاد الضيق في المعيشة، والشدة بالكسر المجاعة، اسم من الاشتداد وهي الصلابة واحدة الشدائد، أي المكاره «ما لا نشكوه إلا إليك» ، أي ما لا نخبر به سواك.
إليك اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرَّ لنا الضرع هو لكل ذات ظلف أو خف بمنزلة الثدي للمرأة، جمعه ضروع، مدر اللبن.
غيرك . «اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا أي لم تزل تغفر ما يقع من هفوات عبادك.
نستغفرك إنك كنت غفارًا فأرسل السماء علينا مدرارا» ذكره الشافعي عن ابن عمر،
وفي الآية {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا *} والسماء هنا السحاب، أي نسألك أن ترسل علينا المطر مدرارا، أي دائما إلى انتهاء الحاجة، قال النووي: بكسر الميم كثير الدر ومعناه مطر كثير.
الأيسر، والأيسر على الأيمن . ويفعل الناس كذلك أي يحولون أرديتهم، فيجعلون ما على الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، لأن ما ثبت في حقه صلى الله عليه وسلم ثبت في حق غيره، ما لم يقل دليل على اختصاصه، ولأحمد: وحول الناس معه أرديتهم، واستحبه جماهير العلماء، مالك وأحمد والشافعي وغيرهم، حكاه الوزير والحافظ وغيرهما،
وقال الموفق: في قول أكثر أهل العلم، وللدارقطني عن جعفر بن محمد، عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم حول رداءه، ليتحلو القحط،
وقيل: الحكمة أنه للتفاؤل بتحويل الحال، عما هي عليه،
وقال النووي: شرع تفاؤلاً بتغيير الحال من القحط إلى نزول الغيث والخصب،
ومن ضيق الحال إلى سعته.
ويفعل الناس كذلك ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم لعدم نقل إعادته.
وعدتنا» . فإن سقوا وإلا عادوا ثانيًا وثالثًا حكاه الوزير وغيره اتفاقًا، وألحوا في الدعاء، لأنه أرجى للإجابة، وتقدم: «إن الله يحب الملحين في الدعاء» ، ولقوله: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت، فلم يستجب لي» ، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك، فاستحب كالأول، ولأن العلة الموجبة للاستسقاء أولا هي الحاجة للغيث، والحاجة إلى الغيث قائمة، وإنما الأولى آكد، لورود السنة بها، وثانيًا وثالثًا أي عودًا ثانيًا وثالثًا صفة لمصدر محذوف،
وإن نقصت العيون أو غارت وتضرر الناس، فقال أصبغ: استسقى للنيل خمسة وعشرين يومًا متوالية، وحضره ابن وهب وابن القاسم، وجمع صالحون فلم ينكر،
وقال ابن حبيب: لا بأس أن يستسقى لإبطاء النيل، فيستحب الاستسقاء لذلك، كما يستحب لانقطاع المطر،
وقال الأصحاب: لم ينقل وغار النيل وغيره في زمن عمر وتوفر الصحابة ولم يستسقوا. على ما أولاهم من فضله، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} .
«ويرفع يديه، فيدعو بدعاء النبي ﷺ »، أي: يرفع الإمام يديه، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه :«لم يكن النبي ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه». والمراد: أنه حال الخطبة لا يرفع يديه إلا إذا دعا للاستسقاء،
وكذلك المستمعون يرفعون أيديهم؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ :«لما رفع يديه حين استسقى في خطبة الجمعة رفع الناس أيديهم».
وينبغي في هذا الرفع أن يبالغ فيه؛ لأن النبي ﷺ كان يبالغ فيه حتى يُرى بياض إبطيه، ولا يرى البياض إلا مع الرفع الشديد حتى إنه جاء في صحيح مسلم: أن النبي ﷺ: «جعل ظهورهما نحو السماء».
واختلف العلماء في تأويله:
فقال بعض العلماء: يجعل ظهورهما نحو السماء.
وقال بعض العلماء: بل رفعهما رفعاً شديداً حتى كان الرائي يرى ظهورهما نحو السماء؛ لأنه إذا رفع رفعاً شديداً صارت ظهورهما نحو السماء.
وهذا هو الأقرب، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله، وذلك لأن الرافع يديه عند الدعاء يستجدي ويطلب، ومعلوم أن الطلب إنما يكون بباطن الكف لا بظاهره.
وَمِنْهُ:«اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيثاً» ............ «ومنه: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً». اللهم اسقنا: بهمزة الوصل من سقى يسقي، وبهمزة القطع من أسقى يسقي، وكلاهما صحيح قال الله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ ،
وقال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ ، الآية الثانية من سقى الثلاثي، والأولى من أسقى الرباعي.
والغيث: هو المطر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ ،
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ .
ومغيثاً أي: مزيلاً للشدة، وذلك لأن المطر قد ينزل ولا يزيل الشدة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح:«ليست السَّنَةُ ألا تمطروا، بل السَّنَة أن تمطروا ولا تنبت الأرض شيئاً».
وهذا يقع، فأحياناً تحصل أمطار كثيرة، ولا تنبت الأرض، وأحياناً تأتي أمطار خفيفة، ويكون الربيع كثيراً. إِلَى آخِرِهِ ............ «إلى آخره» يعني آخر الدعاء، وذكره في «الروض المربع» فقال: «هنيئاً مريئاً، غدقاً مجللاً، عاماً سَحًّا، طبقاً دائماً، اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين».
الهنيء: ما لا مشقة فيه، وما يفرح الناس به ويستريحون له.
والمريء: ذو العاقبة الحسنى.
والغدق: الكثير، قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأََسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا *﴾ [الجن].
والسح: أي: الذي ليس فيه العواصف؛ لأن العواصف مع الأمطار تؤذي وتؤلم، وربما تفسد الجدران، وتهدم البيوت.
عاماً: أي: شاملاً.
طبقاً: أي: واسعاً.
دائماً: أي: مستمراً، ولكن هذا الدوام مشروط بألاَّ يكون فيه ضرر.
مجللاً: أي: مغطياً للأرض، ومنه جلال الناقة الذي يغطى به ظهرها.
اللهم أسقنا الغيث: أي: المطر الذي يكون مغيثاً.
ولا تجعلنا من القانطين: القانط هو: المستبعد لرحمة الله، وهذه حال تعتري الإِنسان، فيستبعد رحمة الله عز وجل؛ لأنه يرى ذنوبه كثيرة، ويرى الفساد منتشراً، فيقول: بعيد أن الله يرحمنا، وهذا خطأ.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾ فمن عرف حلم الله عز وجل ورحمته، فإنه لا يمكن أن يقنط حتى لو كانت ذنوبه كثيرة، ومعاصيه كبيرة،
فإن عفو الله أوسع.
«اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق» إلخ .
مسألة: يسن على المذهب: أن يقلب رداءه في أثناء الخطبة، ويستقبل القبلة ويدعو.
وقال بعض العلماء: إنما يكون القلب بعد الدعاء؛ تفاؤلاً بأن الله أجاب الدعاء، وأنه سيقلب الحال من الشدة إلى الرخاء.
وَإِنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ شَكَرُوا اللهَ، وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ .........
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.