والخلطة تصير المالين كالواحد.
Its commentaries
(والخلطة) بضم الخاء أي الشركة (تصير المالين) المختلطين (كـ) المال (الواحد) إن كانا نصابا من ماشية، والخليطان من أهل وجوبها سواء كانت خلطة أعيان بكونه مشاعا بأن يكون لكل نصف أو نحوه أو خلطة أوصاف بأن تميز ما لكل واشتركا في مراح - بضم الميم - وهو المبيت والمأوى، ومسرح وهو ما تجتمع فيه لتذهب للمرعى، ومحلب وهو موضع الحلب، وفحل بأن لا يختص بطرق أحد المالين، ومرعى وهو موضع الرعي، ووقته لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» رواه الترمذي وغيره.
فلو كان لإنسان شاة ولآخر تسعة وثلاثون أو لأربعين رجلا أربعون شاة، لكل واحد شاة، واشتركوا حولا تاما فعليهم شاة على حسب ملكهم،
وإذا كان لثلاثة مائة وعشرون شاة لكل واحد أربعون، ولم يثبت لأحدهم حكم الانفراد في شيء من الحول فعلى الجميع شاة أثلاثا، ولا أثر لخلطة من ليس من أهل الزكاة ولا فيما دون نصاب ولا لخلطة مغصوب،
وإذا كانت سائمة الرجل متفرقة فوق مسافة قصر فلكل محل حكمه، ولا أثر للخلطة ولا للتفريق في غير ماشية ويحرمان فرارا لما تقدم.
[باب زكاة الحبوب والثمار] قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} . والزكاة تسمى: نفقة.
أَي الشركة (تصير المالين) المختلطين (كـ) ـالمال (الواحد) في المؤن، فوجب أن تكون زكاته زكاة المال الواحد، لأنه لو لم يكن كذلك لما نهى الشارع عن جميع المتفرق، وعكسه، خشية الصدقة، وهو مذهب مالك والشافعي.
مشاعًا . بأَن يكون لكل نصف أو نحوه كثلث أو ربع، بأن ملكوه بنحو إرث أو شراء، واستمر بلا قسمة.
نحوه أو خلطة أوصاف بأن تميز ما لكل أي من الخليطين أو الخلطاء عن الآخر، كأن يكون لأحدهما شاة، وللآخر تسع وثلاثون، أو لأربعين أربعون، أو لثلاثة مائة وعشرون، كما يأتي وسميت بذلك لأن نصيب كل واحد موصوف بصفة تميزه عن الآخر.
و «فحل» بأَن لا يختص بطرق أَحد المالين المخلوطين إن اتحد النوع، قال الموفق: معنى كون الفحل واحدًا أن لا يكون فحولة أحد المالين لا تطرق غيره. اهـ.
فإذا اختلف كالضأن والمعز والجاموس والبقر لم يضر اختلاف الفحل للضرورة، وكما لو كان مال أحدهما ذكورًا والآخر إناثًا ولا يعتبر أن يكون مملوكًا لهما، والفحل هو المعد للضراب.
أَحد المالين و «مرعى» وهو موضع الرعي ووقته نص عليه، لحديث سعد بن أبي وقاص سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «الخليطان ما اجتمعا على الحوض والفحل والراعي» رواه الدارقطني وغيره. وأبو عبيد، وفيه بدل الراعي المرعى، وضعفه أحمد؛ والرعي يلزم من اتحاده اتحاد موضعه، ففيه استعمال المشترك في معنيين، وهو سائغ عند جمهور العلماء؛
وقال الشيخ: تعتبر بثلاثة شروط،
وقيل بشرطين، وقيل بشرط، وهو الدلو والحوض والمراح والمبيت والراعي والفحل؛
وقيل بالراعي وحده؛ فإن به يجتمعون في غير ذلك. ووجه في الفروع العرف في ذلك، ولا تعتبر النية في الخلطة إجماعًا، بل تؤثر الخلطة ولو وقعت اتفاقًا، أو بفعل راع.
وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» أي العدالة بمقتضى الحصص، فشمل أنواع المشاركة، والمراد هنا خلطة الأوصاف، كأن يكون بينهما أربعون لكل واحد عشرون، فيأخذ المصدق من أحدهما شاة، فيرجع المأخوذ من ماله على خليطه بنصف شاة، وقاله الشيخ وغيره، ويجزئ إخراج خليط بدون إذن خليطه ولو مع حضوره، والاحتياط بإذنه.
خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» رواه الترمذي وغيره عن سالم عن أبيه، ورواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الترمذ،
وقال البخاري: أرجو أن يكون محفوظًا. وله في صحيحه من حديث أنس ونحوه، وللدارقطني وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي كما تقدم في الخبر، وبقية الشروط في معنى هذه الثلاثة، ولأن هذه الشروط تؤثر في الرفق بالخلطاء، فوجب اعتبارها كالراعي والفحل، وخلاف الحنفية لهذا النص غير مسموع،
وإن اختل شرط من الشروط بطل حكمها، لفوات شرطها؛ وصار وجودها كالعدم، فيزكى كل مال على حدته إن بلغ نصابًا.
ولا أثر لخلطة من ليس من أهل الزكاة وفاقًا كالكافر والمكاتب، والمدين دينًا يستغرق ما بيده، لأنه لا زكاة في ماله، فلم يكمل به النصاب.
ليس من أهل الزكاة ولا فيما دون نصاب إجماعًا، لأنه لا شيء فيه، لو كان لواحد، فبين الشركاء من باب أولى،
وكذا إن كان بينهما مسافة، اختاره الموفق وغيره.
الرجل متفرقة، فوق مسافة قصر فلكل محل حكمه أي بنفسه، يعتبر على حِدَتِهِ، إن كان نصابًا وجبت فيه الزكاة، وإلا فلا، نص عليه، لكن قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد.
وعنه: يضم مال الواحد بعضه إلى بعض مطلقًا، وفاقًا للعموم.
قال في المبدع: هي قول أكثر العلماء، واختيار أبي الخطاب، وصححه في المغني والشرح.
فإن كان بينهما دون المسافة فهي كالمجتمع، يضم بعضها إلى بعض، ولم تؤثر التفرقة إجماعًا.
وأما في غير الماشية، فلا تؤثر تفرقة البلدان قطعًا.
ولا أَثر للخلطة ولا للتفريق في غير ماشية أي من النقود، وعروض التجارة، والثمار، ونحو ذلك، وحكي إجماعًا، لأن الخبر لا يمكن حمله على غير السائمة، لوروده فيها؛ ولأن الزكاة تقل بجمعها تارة، وتكثر أخرى، لما فيها من الوقص فتؤثر نفعًا تارة، وضررًا أخرى، وسائر الأموال، لا وقص فيها،
فلو أثرت لأثرت ضررًا محضًا برب المال،
فإذا اشترك اثنان في شيء من ذلك، لم تؤثر الشركة،
فإذا بلغت حصة كل واحد نصابًا زكاه، وإلا فلا. وعلم مما تقدم اختصاص زكاة السائمة بالخلطة، والجبران في الإبل والوقص، وتأثير التفرق في مسافة القصر على القول المرجوح.
فرارًا لما تقدم . باب زكاة الحبوب والثمار والعسل والمعدن والركاز وغير ذلك، والأصل في زكاة الحبوب والثمار الكتاب والسنة والإجماع.
طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} من الثمار والحبوب التي أنبتناها لكم؛ قال البغوي وغيره: هذا أمر بإخراج العشور من الثمار والحبوب.
وقال تعالى {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال ابن عباس: حقه الزكاة المفروضة. وقد استفاضت السنة بذلك، ويأتي بعضه، وأجمع المسلمون على وجوبها في البر والشعير، والتمر والزبيب، حكاه ابن المنذر وابن عبد البر والشيخ وغيرهم.
«والخُلطة تصير المالين كالواحد» الخلطة: بضم الخاء أي: الاختلاط يصير المالين كالواحد.
وظاهر كلام المؤلف: العموم وليس كذلك، وإنما مراده الخلطة في بهيمة الأنعام فقط، هذا هو المشهور من المذهب، وهو القول الأول في المسألة.
وذهب بعض أهل العلم: إلى أن الخلطة في الأموال الظاهرة تصير المالين كالمال الواحد عموماً واستدلوا لذلك، بأن الرسول ﷺ كان يبعث السعاة لأخذ الزكاة من أهل الثمار، ولا يسألون؛ مع أن الاشتراك وارد فيها.
فعلى هذا القول الخلطة في بهيمة الأنعام تجعل المالين كالواحد.
مثاله: عندي غنم، وأنت عندك غنم،
والثالث عنده غنم، والرابع عنده غنم، وخلطناها جميعاً، فتصير الأموال كالمال الواحد.
فإذا كان عندي عشرون شاة، وعندك عشرون شاة، فعلينا شاة زكاة.
ولو كان عندي عشرون وحدها، وعندك عشرون وحدها ولم تختلط فلا زكاة؛ لعدم الخلطة، فقد تجب الزكاة فيما لم يجب، وقد تسقط الزكاة فيما وجب، وسيأتي تفصيل هذا.
قال العلماء: والخلطة تنقسم إلى قسمين:
١ ـ خلطة أعيان.
٢ ـ خلطة أوصاف.
أولاً: خلطة الأعيان: وهي أن يكون المال مشتركاً بين اثنين في الملك.
مثال ذلك: رجل مات عن ابنين وخلف ثمانين شاة فالثمانون مشتركة بين الاثنين شركة أعيان، فعين الغنم هذه لأحد الابنين نصفها، وللثاني نصفها.
وشركة الأعيان تكون بالإرث، وتكون بالشراء، وغير ذلك.
ثانياً: خلطة أوصاف: وهي أن يتميز مال كل واحد عن الآخر، ولكنها تشترك في أمور نذكرها إن شاء الله.
مثاله: أن يكون لكل منا ماله الخاص، فأنت لك عشرون من الغنم، وأنا لي عشرون من الغنم ثم نخلطها،
فلو ماتت العشرون التي لي فلا ضمان عليك؛ لأنها نصيبي.
وفي خلطة الأعيان لو مات نصفها فهي علينا جميعاً؛ لأنه ملك مشترك.
وخلطة الأوصاف تشترك في أمور: ١ ـ الفحل: أي: يكون لهذه الغنم فحل واحد مشترك.
والفحل بالنسبة للمعز يسمى تيساً،
وفي الضأن خروفاً، وفي الإبل جملاً،
وفي البقر ثوراً.
٢ ـ المسرح: أي: يسرحن جميعاً ويرجعن جميعاً.
فلا يسرح أحد غنمه يوم الأحد،
والثاني يوم الاثنين.
٣ ـ المرعى: أي: يكون المرعى لها جميعاً فليس غنم هذا في شعبة الوادي الشرقية،
والثاني في الشعبة الغربية.
٤ ـ المحلب: أي: مكان الحلب يكون واحداً، فلا تحلب غنمك هناك، وغنمي هنا.
٥ ـ المُرَاح ـ وهو: مكان المبيت، أي: يكون المراح جميعاً فلا تكون غنمي لها مراح وحدها، وغنمك لها مراح وحدها.
وقد جمعت هذه الأوصاف في قول الناظم:
إن اتفاق فحلٍ مسرحٍ ومرعى ومحلبٍ المراح خلط قطعا فإذا اشتركت في هذه الأشياء الخمسة، فهي خلطة أوصاف، تجعل المالين كالمال الواحد.
وهذه الأوصاف الخمسة أخذت من عادة العرب؛ وأنها إذا اشتركت في هذه الأوصاف صارت كأنها لرجل واحد.
ويشترط في الخلطة أن تكون كل الحول أو أكثره، كالسوم. واعلم أن الخلطة أعم من الشركة فيختلطان ولا يكونان شريكين.
إذا قال قائل: أما النوع الأول من الخلطة فلا إشكال فيه؛ لأنه مال مشترك بين شخصين. لكن الثاني: كيف يجعل المالين كالمال الواحد مع أن مالي يخصني، ومالك يخصك؟
فالجواب: دل على ذلك حديث أبي بكر رضي الله عنه وفيه: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية».
والخلطة تؤثر في إيجاب الزكاة،
وفي سقوطها؛ ولهذا قال:«لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة».
مثال قوله ﷺ :«لا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» أن يكون عندي أربعون شاة، والعامل سيأتي غداً، فأجعل عشرين منها في مكان، وعشرين في مكان آخر،
فإذا جاء العامل وجد هذه الغنم عشرين، والغنم الأخرى عشرين فلا يأخذ عليها زكاة؛ لأنها لم تبلغ النصاب.
ومثال قوله ﷺ :«لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة».
أنا أملك أربعين، وأنت تملك أربعين،
والثالث يملك أربعين فالجميع مائة وعشرون،
فلو اعتبرنا كل واحد وحده لوجب ثلاث شياه، لكن إذا جمعنا الغنم كلها وعددها مائة وعشرون، فلا يكون فيها إلا شاة واحدة كما سلف.
إذاً جمعنا بين متفرق، لئلا يجب على هذا المجموع ثلاث شياه، بل شاة واحدة.
مسائل:
الأولى: الخلطة لا تؤثر في غير بهيمة الأنعام.
مثاله: لو كان لدينا مزرعة ونحن عشرة، لكل واحد منا عُشرها، وهي خمسة أنصبة فقط فلا زكاة فيها؛ لأن كل واحد منا ليس له إلا نصف نصاب.
مثال آخر: رجلان اشتركا في تجارة، وكان مالهما نصاباً، فليس عليهما زكاة؛ لأن نصيب كل واحد منهما لا يبلغ النصاب، فلا زكاة عليهما مع أنهما يتاجران في الدكان؛ لأنه لا خلطة إلا في بهيمة الأنعام وفي غير بهيمة الأنعام لا تؤثر الخلطة.
الثانية: لو كان لرجل عشرون من الشياه في الرياض وعشرون في القصيم، فالجمهور تجب عليه الزكاة لأن المالك واحد،
والمذهب لا زكاة عليه لقوله ﷺ :«لا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة»، فدل على أنه إذا تفرق ماله لا للحيلة فلا زكاة عليه، والأحوط رأي الجمهور، ويحمل الحديث على خلطة الأوصاف.
الثالثة: لو اختلط مسلم ومن ليس من أهل الزكاة كالكافر خلطة أوصاف، فالزكاة على المسلم في نصيبه إذا بلغ نصاباً؛ لأن مخالطة من ليس من أهل الزكاة كالمعدوم.
الرابعة: لو اختلط اثنان في «ماشية» وأحدهما يريد بنصيبه التجارة، والآخر يريد الدر والنسل، فهذه خلطة غير مؤثرة؛ لاختلاف زكاة كل منهما؛ فأحدهما زكاته بالقيمة، والآخر زكاته من عين المال.
الخامسة: إذا اختلط اثنان وكان لأحدهما الثلثان، وللآخر الثلث فالزكاة بينهما على حسب ملكهما؛ على أحدهما الثلثان وعلى الآخر الثلث. بَابُ زَكَاةِ الحُبُوبِ وَالثِّمَار الأصل في وجوب زكاة الحبوب والثمار، قول الله تبارك وتعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ .
و «من» هنا للتبعيض باعتبار الجنس، وباعتبار الفرد، أي: لا كل المخرج، ولا كل ما يخرج.
وقوله ﷺ :«فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثرياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر».
وقوله ﷺ :«ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».
فهذه النصوص تدل على وجوب الزكاة فيما يخرج من الأرض، لكن لا كل شيءٍ، ولا كل نوع؛ بل هو مخصوص نوعاً، ومقدرٌ كماً. تَجِبُ في الحُبوبِ كُلِّهَا،
ولَوْ لَمْ تَكنْ قُوتاً، وفِي كلِّ ثمرٍ يكال ويدَّخر، كتمرٍ وزبيبٍ ..........
فما هو الضابط في هذا؟
اختلف العلماء رحمهم الله في هذا اختلافاً غير قليل.
فالمشهور من مذهب الإمام أحمد ما ذكره المؤلف بقوله:«تجب في الحبوب كلها، ولو لم تكن قوتاً، وفي كل ثمر يكال ويدخر» الحبوب: ما يخرج من الزروع، والبقول، وما أشبه ذلك، مثل: البر، والشعير، والأرز، والذرة، والدخن وغيرها.
وقوله:«ولو لم تكن قوتاً» إشارة خلاف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: ما ليس بقوت فلا تجب فيه الزكاة، مثل: حب الرشاد والكسبرة، والحبة السوداء، وما أشبهها، فهذه غير قوت، ولكنها حب يخرج من الزروع.
وقوله:«وفي كل ثمر يكال ويدخر» الثمر: ما يخرج من الأشجار، فكل ثمر يكال ويدخر تجب فيه الزكاة، والثمر الذي لا يكال ولا يدخر لا تجب فيه الزكاة،
ولو كان يؤكل مثل: الفواكه، والخضروات، ليس فيها زكاة؛ لأنها لا تكال ولا تدخر.
وقوله:«كتمر وزبيب» التمر يكال ويدخر، والزبيب يكال ويدخر، ولا عبرة باختلاف الكيل والوزن،
فإن التمر في عرفنا يوزن،
وكذلك الزبيب، لكن لا عبرة بذلك؛ لأن العبرة بما كان في عهد الرسول ﷺ.
وذكر في الروض زيادة أمثلة: فقال «لوز، وفستق، وبندق» وما أشبه ذلك. وأفادنا قوله:«وفي كل ثمر يكال ويدخر» أنه إن كان الثمر يدخر ولا يكال فلا زكاة فيه،
وإن كان يكال ولا يدخر، فلا زكاة فيه؛ لأن المؤلف ذكر شرطين: أن يكال،
وأن يدخر، وفي هذه المسألة عدة أقوال هذا أحدها:
والمراد بالادخار: أن عامة الناس يدخرونه؛ لأن من الناس من لا يدخر التمر، بل يأكله رُطَبَاً،
وكذلك العنب قد يؤكل رطباً، لكن العبرة بما عليه عامة الناس في هذا النوع.
القول الثاني: أنها لا تجب إلا في أربعة أشياء: في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، فقط لحديث ورد في ذلك،
ولو صح هذا الحديث لكان فاصلاً في النزاع لكنه ضعيف . وهذا القول رواية عن أحمد.
القول الثالث: أنها تجب في كل ما يخرج من الأرض مما يزرعه الآدمي من فواكه وغير فواكه، واستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ ، وبقوله ﷺ :«فيما سقت السماء العشر».
القول الرابع: أنها لا تجب إلا فيما هو قوت يدخر سواء يكال أو لا يكال،
وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وأقرب الأقوال هو ما ذهب إليه المؤلف، والدليل قول الرسول ﷺ :«ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، فدل هذا على اعتبار التوسيق، والتوسيق أي: التحميل، والوسق هو الحمل، والمعروف أن الوسق ستون صاعاً بصاع النبي ﷺ، وهي بأصواعنا حسب ما ذكره لنا مشايخنا مائتان وثلاثون صاعاً وزيادة صاع نبوي، وعلى حسب ما اعتبرناه في الوزن ـ إذا جعلنا الصاع كيلوين وأربعين جراماً ـ، فثلاثمائة صاع تعدل ستمائة واثني عشر كيلو بالبر الرزين الجيد، فيتخذ إناء يسع مثل هذا في الوزن، أو عدة أوانٍ، ثم يقاس عليها.
والخلاصة أن الحبوب والثمار تجب فيها الزكاة، بشرط أن تكون مكيلة مدخرة،
فإن لم تكن كذلك، فلا زكاة فيها هذا هو أقرب الأقوال، وعليه المعتمد إن شاء الله.
مسائل:
الأولى: اختلف العلماء رحمهم الله في العنب الذي لا يزبب؛ لأن بعض العنب لا يكون زبيباً مهما يبسته.
فقال بعضهم: لا زكاة فيه؛ لأنه ملحق بالفواكه، فيؤكل كالفاكهة.
وقال بعضهم: تجب فيه الزكاة،
وإن لم يزبب، كما لو كان التمر لا يؤكل إلا رطباً، وهذا هو الذي عليه عمل الناس اليوم، أنهم يأخذون الزكاة من العنب،
وإن لم يزبب. والمذهب أنه يخرج عن هذا العنب الذي لا يزبب زبيباً.
والصحيح أن له أن يخرج من نفس العنب،
ومثله النخل الذي يأكله أهله رُطَبَاً، فيجوز أن يخرج زكاته منه رُطَباً.
الثانية: التين لا تجب فيه الزكاة على المذهب؛ لأنه لا يدخر غالباً، والصواب أن فيه الزكاة لأنه مدخر.
الثالثة: الادخار الصناعي الذي يكون بوسائل الحفظ التي تضاف إلى الثمار بواسطة آلات التبريد لا يتحقق به شرط الادخار.
الرابعة: تجب الزكاة في الزيتون عند بعض أهل العلم وهو رواية في المذهب لقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ .
ولكن يلزم على هذا القول أن تجب الزكاة في الرمان، وهي لا تجب فيه عندهم، ومقتضى الآية التسوية بينهما.
وَيُعْتَبَرُ بُلُوغُ نِصَابٍ قَدْرُهُ ألفٌ وستُّمِائَة رَطْلٍ عِرَاقِيٍّ ..............
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.