Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K
Mas’ala 1096زاد المستقنعHanbalivol. 1, p. 82vol. 1, p. 82

من أكل أو شرب أو استعط أو احتقن أو اكتحل بما يصل إلى حلقه أو أدخل إلى جوفه شيئا "غير إحليله" أو استقاء أو استمنى أو باشر فأمنى أو أمذى أو كرر النظر فأنزل أو حجم أو احتجم "وظهر دم" عامدا ذاكرا لصومه فسد

Its commentaries

الروض المربعal-Buhuti

باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة] وما يتعلق بذلك (من أكل أو شرب أو استعط) بدهن أو غيره فوصل إلى حلقه أو دماغه (أو احتقن أو اكتحل بما يصل) أي بما علم وصوله (إلى حلقه) لرطوبته أو حدته من كحل أو صبر أو قطور أو ذرور أو اثمد كثير أو يسير مطيب فسد صومه؛ لأن العين منفذ،

856

وإن لم يكن معتادا، (أو أدخل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان غير إحليله)

857

فلو قطر فيه أو غيب فيه شيئا فوصل إلى المثانة لم يبطل صومه، (أو استقاء) أي استدعى القيء فقاء فسد أيضا لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من استقاء عمدا فليقض» حسنة الترمذي، (أو استمنى) فأمنى أو أمذى (أو باشر) دون الفرج أو قبل أو لمس (فأمنى أو أمذى أو كرر النظر فأنزل) منيا فسد صومه

858

لا إن أمذى (أو حجم واحتجم وظهر دم عامدا ذاكرا) في الكل (لصومه فسد) صومه لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه أحمد والترمذي. قال ابن خزيمة: ثبتت الأخبار عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك ولا يفطر بقصد ولا شرط ولا رعاف.

حاشية الروض المربعIbn Qasim · a gloss on الروض المربع

نفلها . باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة كالوطء في نهار رمضان، والكفارة عقوبة، أو زاجر، وتكفير لجرم الفاعل، واستدراك لفرطه.

بدهن، أَو غيره، فوصل إلى حلقه، أو دماغه أفطر بوصوله إلى حلقه وفاقًا،

3,207

وكذا إلى دماغًا، إلا عند مالك،

3,208

وفي الكافي: إلى خياشيمه؛ «واستعط» مطاوع «سعط» ، إذا جعل في أنفه سعوطًا، بفتح السين، وهو دواء يجعل في الأنف، والمارد هنا: ما يجعل في الأنف من دواء وغيره، لقوله صلى الله عليه وسلم «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا» فلولا أنه يؤثر، لم ينه عنه، وكما لو دخل إلى الحلق،

3,209

وعنه: لا يفطر، وهو مذهب مالك، واختاره الشيخ، ولعل المراد: بغير مغذ.

بما يصل) أَي بما يعلم وصوله (إلى حلقه) يعني من حقنة، أو كحل؛ فسد صومه، ولا يكفي الظن، بل لا بد من العلم بذلك،

3,210

وفي الإنصاف: يتحقق الوصول إليه، وهذا الصحيح من المذهب. وإلا فلا، لعدم تحقق ما ينافي الصوم،

3,211

وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفطر. حكاه الوزير وغيره،

3,212

وفي الترمذي وغيره - وضعفه - عن أنس مرفوعًا: أنه كان يكتحل وهو صائم. وروى عبد الرزاق، عن الحسن، بإسناد صحيح: لا بأس بالكحل للصائم. وروى سعيد، عن إبراهيم: أيكتحل الصائم؟. قال: نعم. وروى أبو داود عن الأعمش: ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره الكحل للصائم؛ واختار الشيخ أنه لا يفطر، لأنها ليست منفذًا، فلم يفطر به، كما لو دهن رأسه،

3,213

وإن اكتحل ليلاً فوجده في حلقه نهارًا، لم يفطر، لأنه لم يتسبب إليه في النهار، والحقنة ما يحقن به المريض من الدواء، «وقد احتقن الرجل» أي استعمل ذلك الدواء من الدبر، لأنه يصل إلى الجوف، وغير المعتاد كالمعتاد في الواصل، بل قد يكون أبلغ.

لرطوبته، أَو حدته . من كحل، أَو صبر فيصل إلى حلقه أفطر، والكحل بضم الكاف الإثمد وكل ما يوضع في العين يستشفى به، والصبر بفتح الصاد، وكسر الباء، عصارة شجر مر، كثيرًا ما تداوى به العين.

من كحل، أَو صبر أو قطور أو ذرور فيصل إلى حلقه أفطر، والقطور بالفتح، ما يقطر في العين،

3,214

وكذا «الذرور» بفتح الذال، ما يذر فيها، من أي شيء كان، من الأدوية وغيرها.

فيه شيئًا، فوصل إلى المثانة، لم يبطل صومه لعدم المنفذ، وإنما يخرج البول رشحًا، كمداواة جرح عميق، لم يصل إلى جوفه، والإحليل مخرج البول من ذكر الإنسان، «وقطر» بتخفيف الطاء، قال الجوهري: قطر الماء وغيره يقطر، وقطرته أنا، يتعدى ولا يتعدى، «والمثانة» الموضع الذي يجتمع فيه البول، قال شيخ الإسلام، الإمام العادل، فارس المعقول والمنقول، أبو العباس،

3,215

قدس الله روحه: وأما الكحل، والحقنة، وما يقطر في إحليله، ومداواة المأمومة، والجائفة، فمما تنازع الناس فيه، فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بشيء دون شيء،

3,216

والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك،

3,217

فإن الصيام من دين المسلمين، الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام،

3,218

فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم بيانه،

3,219

ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة، وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حديثًا صحيحًا، ولا ضعيفًا، ولا مسندًا، ولا مرسلاً، علم أنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر شيئًا من ذلك، والحديث المروي في الكحل ضعيف، وقد عورض بحديث ضعيف،

3,220

وقال الترمذي: لا يصح فيه شيء.

والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر. لم يكن معهم حجة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس، وأقوى ما احتجوا به قوله «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا» قالوا: فدل ذلك على أن كل ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله، وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله،

3,221

ومن حقنة وغيرها، وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها، لم يجز إفساد الصوم بهذه الأقيسة، لوجوه.

(أو استقاء) أي استدعى القيء فقاء، فسد أيضًا أي فسد صومه، وفاقًا لمالك والشافعي، سواء كان القيء طعامًا، أو مرارًا، أو غيرهما،

3,222

ولو قل، وعنه: بملء الفم. اختاره ابن عقيل وغيره، وهو إجماع،

3,223

وإن عاد بنفسه فلا، وقال الخطابي وغيره: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم، في أن من استقاء عامدًا فعليه القضاء.

3,224

وقال عامة أهل العلم: ليس عليه إلا القضاء «واستقاء، وتقيأ» تكلف القيء.

عليه السلام «من استقاء عمدًا فليقض» حسنه الترمذي فرواه من حديث أبي هريرة وله شواهد،

3,225

وقال: العمل عليه عند أهل العلم، ورواه أبو داود، والدارقطني، وغيرهم،

3,226

وقال: إسناده كلهم ثقات. وعن ابن عمر نحوه موقوفًا، ويؤيده حديث أبي الدرداء: أنه صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، رواه أحمد، والترمذي،

3,227

وقال: هو أصح شيء في هذا الباب. قال الشيخ: فنهى عن إخراج ما يقويه، ويغذيه، من الطعام، والشراب، الذي به يتغذى، لما يوجب إخراجه من نقصان بدنه، وضعفه، فإنه إذا مكن منه ضره، وكان متعديًا في عبادته، لا عادلاً فيها.

فليقض» حسنه الترمذي (أو استمنى) فأمنى أو أمذى «استمنى» استدعى خروج المني، بيده، أو يد زوجته، أو غير ذلك، فأمنى، أو أمذى، أفطر وفاقًا، ووجب عليه القضاء،

3,228

فإن لم ينزل، فقد أتى محرمًا، ولم يفسد صومه،

3,229

وإن أنزل بغير شهوة فلا، كالبول، لأنه يخرج من غير اختيار منه، ولا سبب.

. أو كرر النظر فأنزل) منيًا، فسد صومه لأنه إنزال بفعل يتلذذ به، يمكن التحرز عنه، أشبه الإنزال بالمس، وعليه القضاء، وأجمعوا على أن القضاء يوم، مكان يوم، لا خلاف بينهم في ذلك، وظاهر كلام أحمد: لا يفطر، ولا قضاء عليه. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، لأنه من غير مباشرة، أشبه الإنزال بالفكر،

3,230

وإن كان يمكن صرفه، لكن لما في المؤاخذة به من الحرج.

النظر فأنزل) منيًا، فسد صومه لا إن أَمذى يعني بتكرار النظر، فلا يفطر بذلك على الصحيح، وفاقًا، لأنه إنزال لا عن مباشرة، فلم يلتحق بالمني لضعفه، أو لم يكرر النظر فأنزل، لعدم إمكان التحرز، ولا إثم بفكر غالب وفاقًا،

3,231

وقال الشيخ: ولا يفطر بمذي بسبب قبلة، أو لمس، أو تكرار نظر، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ومنصوص أصحابنا.

عليه السلام «أَفطر الحاجم والمحجوم» رواه أحمد والترمذي من حديث رافع بن خديج،

3,232

وقال أحمد والبخاري وغيرهما: إنه أصح حديث في الباب. ولأبي داود وأحمد وصححه من حديث ثوبان نحوه، وعن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم، لثمان عشرة خلت من رمضان فقال «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه أهل السنن، والحاكم وأحمد وصححاه، وإسحاق وابن المديني والدارمي وغيرهم،

3,233

وقال: إنه وحديث ثوبان أصح شيء في الباب. ولابن ماجه من حديث أبي هريرة مثله، رواه أحمد. وله من حديث عائشة وأسامة، ومصعب وبلال، وصفية وأبي موسى، وعمرو بن شعيب، اثني عشر صحابيًا، قال الطحاوي وغيره: متواتر عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال الشيخ: الأحاديث الواردة فيه كثيرة، قد بينها الأئمة الحفاظ. وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم، وكان أهل البصرة يغلقون حوانيت الحجامين، والقول بأنها تفطر، مذهب أكثر فقهاء الحديث، كأحمد وإسحاق، وابن خزيمة وابن المنذر، وأهل الحديث، الفقهاء فيه، العاملون به، أخص الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وهو وفق الأصول والقياس؛ والذين لم يروه احتجوا بما في صحيح البخاري: أنه احتجم صلى الله عليه وسلم

. ولا يفطر بفصد، ولا شرط، ولا رعاف هذا المذهب وفاقًا، «والفصد» : شق العرق لاستخراج الدم «والشرط» : بضع الجلد وبزغه، لاستفراغ الدم.

3,234

وكذا جرح بدل حجامة للتداوي، ولا خروج دم يقطر على وجه القيء. «والرعاف» كغراب: خروج الدم مع الأنف، وتقدم، لأن القياس عندهم لا يقتضيه، وعن أحمد: يفطر بالفصد ونحوه، اختاره صاحب الفائق، والرعايتين، وصححه الزركشي وغيره، وجزم الوزير وغيره: أنه

مذهب أحمد. قال الشيخ: وقد بينا أن الفطر بالحجامة، على وفق الأصول والقياس، وأنه من جنس الفطر بدم الحيض، والإستقاءة وبالإستمناء،

3,235

وإذا كان كذلك، فبأي وجه أراد إخراج الدم، بفصاد أو شرط، أو رعاف أفطر، كما أنه بأي وجه أخرج القيء أفطر، فتلك طرق لإخراج القيء، وهذه طرق لإخراج الدم، والمعنى الموجود في الحجامة، موجود في الفصاد ونحوه، ويدل عليه كلام العلماء قاطبة، وصوبه أبو المظفر الوزير العالم العادل وغيره، ولهذا كان إخراج الدم، بهذا وهذا، سواء في باب الطهارة، فتبين بذلك كمال الشرع، واعتداله وتناسبه.

رعاف . (لا) إن كان (ناسيًا أو مكرهًا) أي

3,236

لا إن فعل شيئًا مما تقدم، ناسيًا لصومه فلا يؤاخذ بنسيانه، أو مكرهًا على فعل أحد تلك الأمور فعفو، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، وسواء أكره على الفعل حتى فعله، أو فعل به، بأن صب في حلقه الماء، مكرهًا أو نائمًا، أو أدخل فيه ماء المطر كالناسي، بل أولى، بدليل الإتلاف.

الشرح الممتع على زاد المستقنعIbn 'Uthaymin

بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَيُوجِبُ الكَفَّارَةَ مَنْ أَكَلَ، ....... «باب ما يفسد الصوم» أي: يبطله، والصوم يشمل الفرض والنفل.

والعلماء رحمهم الله لهم أساليب في تسمية الأبواب معناها واحد، ولكن تختلف لفظاً، ففي الوضوء يسمون المفسدات نواقض وفي الغسل يسمونها موجبات الغسل،

8,052

وفي باب الصلاة يسمونها مبطلات الصلاة،

8,053

وفي الصوم يسمونها مفسدات الصوم،

8,054

وفي باب الإحرام يسمونها محظورات الإحرام، وكل هذه، المعنى فيها واحد.

والمفسد للصوم يسمى عند العلماء المفطرات، وأصولها ثلاثة ذكرها الله عز وجل في قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ . وقد أجمع العلماء على أن هذه الثلاثة تفسد الصوم، وما سوى ذلك سيأتي إن شاء الله الكلام عليه. «ويوجب الكفارة» الكفارة «الـ» هنا للعهد الذهني، فهي الكفارة المعروفة: عتق رقبة،

8,055

فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين،

8,056

فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. «من أكل»«من» هذه شرطية وجوابه قوله «فسد صومه»، والأكل هو إدخال الشيء إلى المعدة عن طريق الفم. وقولنا إدخال الشيء يشمل ما ينفع وما يضر، وما لا يضر ولا ينفع، فما ينفع كاللحم والخبز وما أشبه ذلك، وما يضر كأكل الحشيشة ونحوها، ما لا نفع فيه ولا ضرر مثل أن يبتلع خرزة سبحة أو نحوها؛ ووجه العموم إطلاق الآية ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ وهذا يسمى أكلاً.

8,057

وقال بعض أهل العلم: إن ما لا يغذي لا فطر بأكله، وبناءً على هذا فإنّ بلع الخرزة أو الحصاة أو ما أشبههما لا يفطر.

8,058

والصحيح أنه عام، وأن كل ما ابتلعه الإنسان من نافع أو ضار، أو ما لا نفع فيه ولا ضرر فإنه مفطر لإطلاق الآية.

أَوْ شَرِبَ أوْ اسْتَعَطَ، ........ «أو شرب» الشرب يشمل ما ينفع وما يضر، وما لا نفع فيه ولا ضرر، فكل ما يشرب من ماء، أو مرق، أو لبن، أو دم، أو دخان، أو غير ذلك، فإنه داخل في قول المؤلف «أو شرب».

ويلحق بالأكل والشرب ما كان بمعناهما، كالإبر المغذية التي تغني عن الأكل والشرب. «أو استعط» أي: تناول السعوط، والسعوط ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف، فإنه مفطر؛ لأن الأنف منفذ يصل إلى المعدة، ودليل ذلك قول النبي ﷺ للقيط بن صبرة:«وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» وهذا يدل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق، ولا نعلم لهذا علة إلا أن المبالغة تكون سبباً لوصول الماء إلى المعدة، وهذا مخل بالصوم، وعلى هذا فنقول: كل ما وصل إلى المعدة عن طريق الأنف أو الفم فإنه مفطر.

أوْ احْتَقَنَ، ........... «أو احتقن» الاحتقان هو إدخال الأدوية عن طريق الدبر، وهو معروف، ولا يزال يعمل،

8,059

فإذا احتقن فإنه يفطر بذلك، لأن العلة وصول الشيء إلى الجوف، والحقنة تصل إلى الجوف، أي: تصل إلى شيء مجوف في الإنسان، فتصل إلى الأمعاء فتكون مفطرة،

8,060

فإذا وصل إلى الجوف شيء عن طريق الفم، أو الأنف، أو أي منفذ كان، فإنه يكون مفطراً، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وعليه أكثر أهل العلم.

8,061

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : لا فطر بالحقنة؛ لأنه لا يطلق عليها اسم الأكل والشرب لا لغة ولا عرفاً، وليس هناك دليل في الكتاب والسنة، أن مناط الحكم وصول الشيء إلى الجوف،

8,062

ولو كان لقلنا: كل ما وصل إلى الجوف من أي منفذ كان فإنه مفطر، لكن الكتاب والسنة دلا على شيء معين وهو الأكل والشرب.

8,063

وقال بعض العلماء المعاصرين: إن الحقنة إذا وصلت إلى الأمعاء فإن البدن يمتصها عن طريق الأمعاء الدقيقة،

8,064

وإذا امتصها انتفع منها، فكان ما يصل إلى هذه الأمعاء الدقيقة كالذي يصل إلى المعدة من حيث التغذي به، وهذا من حيث المعنى قد يكون قوياً. لكن قد يقول قائل: إن العلة في تفطير الصائم بالأكل والشرب ليست مجرد التغذية، وإنما هي التغذية مع التلذذ بالأكل والشرب،

فتكون العلة مركبة من جزأين:

أحدهما: الأكل والشرب.

الثاني: التلذذ بالأكل والشرب؛ لأن التلذذ بالأكل والشرب مما تطلبه النفوس، والدليل على هذا أن المريض إذا غذي بالإبر لمدة يومين أو ثلاثة، تجده في أشد ما يكون شوقاً إلى الطعام والشراب مع أنه متغذٍ.

8,065

فإن قيل: ينتقض قولكم إن العلة مركبة من جزأين إلى آخره أن السعوط مفطر مع أنه لا يحصل به تلذذ بالأكل والشرب. فالجواب أن الأنف منفذ معتاد لتغذية الجسم، فألحق بما كان عن طريق الفم.

وبناء على هذا نقول: إن الحقنة لا تفطر مطلقاً،

8,066

ولو كان الجسم يتغذى بها عن طريق الأمعاء الدقيقة.

فيكون القول الراجح في هذه المسألة قول شيخ الإسلام ابن تيمية مطلقاً، ولا التفات إلى ما قاله بعض المعاصرين.

8,067

ومن الحقن المعروفة الآن ما يوضع في الدبر عند شدة الحمى، ومنها أيضاً ما يدخل في الدبر من أجل العلم بحرارة المريض وما أشبه ذلك، فكل هذا لا يفطر.

ثم لدينا قاعدة مهمة لطالب العلم، وهي أننا إذا شككنا في الشي أمفطر هو أم لا؟ فالأصل عدم الفطر، فلا نجرؤ على أن نفسد عبادة متعبد لله إلا بدليل واضح يكون لنا حجة عند الله عز وجل.

أوْ اكْتَحَلَ بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ، أوْ أدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئاً مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ ....... «أو اكتحل بما يصل إلى حلقه» الكحل معروف،

8,068

فإذا اكتحل بما يصل إلى الحلق فإنه يفطر؛ لأنه وصل إلى شيء مجوف في الإنسان وهو الحلق، هذا هو تعليل من قال إن الكحل يفطر ولكن في هذا التعليل نظر، ولذلك ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن الكحل لا يفطر ولو وصل طعم الكحل إلى الحلق ،

8,069

وقال: إن هذا لا يسمى أكلاً وشرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب، ولا يحصل به ما يحصل بالأكل والشرب، وليس عن النبي ﷺ حديث صحيح صريح يدل على أن الكحل مفطر، والأصل عدم التفطير، وسلامة العبادة حتى يثبت لدينا ما يفسدها، وما ذهب إليه رحمه الله هو الصحيح.

وبناءً على هذا لو أنه قطر في عينه وهو صائم فوجد الطعم في حلقه، فإنه لا يفطر بذلك

8,070

أما إذا وصل طعمها إلى الفم وابتلعها فقد صار أكلاً وشرباً. «أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان» قوله: «إلى جوفه» أي: إلى مجوف في بدنه كحلقه وبطنه وصدره، والمراد أنه يفطر بذلك،

8,071

فلو أن الإنسان أدخل منظاراً إلى المعدة حتى وصل إليها، فإنه يكون بذلك مفطراً.

8,072

والصحيح أنه لا يفطر إلا أن يكون في هذا المنظار، دهن أو نحوه يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار فإنه يكون بذلك مفطراً،

8,073

ولا يجوز استعماله في الصوم الواجب إلا للضرورة.

8,074

ولو أن الإنسان كان له فتحة في بطنه، وأدخل إلى بطنه شيئاً عن طريق هذه الفتحة، فعلى المذهب يفطر بذلك كما لو داوى الجائفة،

8,075

والصحيح أنه لا يفطر بذلك إلا أن تجعل هذه الفتحة بدلاً عن الفم بحيث يدخل الطعام والشراب منها لانسداد المرئ أو تقرحه، ونحو ذلك فيكون ما أدخل منها مفطراً كما لو أدخل من الفم، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

غَيْرَ إحْلِيلِهِ، أوِ اسْتَقَاءَ أوْ اسْتَمْنَى، أَوْ بَاشَرَ فَأَمْنَى، أَوْ أَمْذَى، أو كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ، .........

وقوله:«غير إحليله» أي: قناة الذكر،

8,076

فلو أدخل عن طريق الذكر خيطاً فيه طعم دواء فإنه لا يفطر؛ لأن الذكر لا يصل إلى الجوف ما دخل عن طريقه،

8,077

فإن البول إنما يخرج رشحاً، هكذا علل الفقهاء رحمهم الله ومرادهم بذلك أن البول يجتمع في المثانة عن طريق الرشح؛ لأنه ليس لها إلا منفذ واحد.

والحمد لله نحن في غنى عن هذه التعليلات من الأصل إذا أخذنا بالقول الراجح، وهو أن المفطر هو الأكل والشرب، وما أدخل من طريق الإحليل فإنه لا يسمى أكلاً ولا شرباً،

8,078

وإذا كانت الحقنة وهي التي تدخل عن طريق الدبر لا تفطر على القول الراجح، فما دخل عن طريق الإحليل من باب أولى. «أو استقاء» أي: استدعى القيء، ولكن لا بد من قيء،

8,079

فلو استدعى القيء ولكنه لم يقئ فإن صومه لا يفسد، بل لا يفسد إلا إذا استقاء فقاء، ولا فرق بين أن يكون القيء قليلاً أو كثيراً.

8,080

أما ما خرج بالتعتعة من الحلق فإنه لا يفطر، فلا يفطر إلا ما خرج من المعدة، سواء كان قليلاً أو كثيراً، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:«من استقاء عمداً فليقض، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه»، «ذرعه» أي: غلبه.

واستدعاء القيء له طرق: النظر، الشم، والعصر، والجذب، وربما نقول السمع أيضاً.

8,081

أما النظر: فكأن ينظر الإنسان إلى شيءٍ كريهٍ فتتقزز نفسه ثم يقيء.

8,082

وأما الشم: فكأن يشم رائحة كريهة فيقيء.

8,083

وأما العصر: فكأن يعصر بطنه عصراً شديداً إلى فوق ثم يقيء.

8,084

وأما الجذب: بأن يدخل أصبعه في فمه حتى يصل إلى أقصى حلقه ثم يقيء.

8,085

أما السمع: فربما يسمع شيئاً كريهاً.

8,086

وقال بعض العلماء: إنه لا فطر في القيء ولو تعمده بناءً على قاعدة قعدوها، وهي:«الفطر مما دخل لا مما خرج، والوضوء مما خرج لا مما دخل»، وضعفوا حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقالوا: إنه مخالف للقياس مع ضعف سنده، والجواب: أن يقال أين الدليل على هذه القاعدة، فهذا لحم الإبل ينقض وهو داخل، فسيقولون لا ينقض الوضوء إلا على مذهب الإمام أحمد فقاعدتنا سليمة، قلنا لهم: إنزال المني من الصائم خارج، ويفسد الصوم.

والصواب أن القيء عمداً مفطر؛ لأن الحديث دل عليه والقاعدة التي أسسوها غير صحيحة، والحكمة تقتضي أن يكون مفطراً؛ لأن الإنسان إذا استقاء ضعف واحتاج إلى أكل وشرب فنقول له لا يحل لك في الصوم الواجب سواء رمضان أو غيره أن تتقيء إلا للضرورة،

8,087

فإن اضطررت إلى القيء فتقيأ ثم أعد على بدنك ما يحصل به القوة من الأكل الشرب، فهذا القول كما هو مقتضى الحديث فهو مقتضى النظر الصحيح،

8,088

أما رأيهم فهو يعارض النص، والرأي المقابل للنص المعارض له فاسد لا عبرة به، ونقول لصاحبه: أأنت أعلم أم الله؟ فما دام هذا حكم الله فإنه خير من الرأي. «أو استمنى». أي: طلب خروج المني بأي وسيلة، سواء بيده، أو بالتدلك على الأرض، أو ما أشبه ذلك حتى أنزل،

8,089

فإنّ صومه يفسد بذلك، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة رحمهم الله مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد. وأبى الظاهرية ذلك وقالوا: لا فطر بالاستمناء ولو أمنى ، لعدم الدليل من القرآن والسنة على أنه يفطر بذلك،

8,090

فإن أصول المفطرات ثلاثة، وليس هذا منها فيحتاج إلى دليل، ولا يمكن أن نفسد عبادة عباد الله إلا بدليل من الله ورسوله (ص).

ولكن عندي والله أعلم أنه يمكن أن يستدل على أنه مفطر من وجهين:

8,091

الوجه الأول النص: فإن في الحديث الصحيح أن الله سبحانه وتعالى

8,092

قال في الصائم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» والاستمناء شهوة، وخروج المني شهوة، والدليل على أن المني يطلق عليه اسم شهوة قول الرسول ﷺ :«وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر، كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» والذي يوضع هو المني.

الوجه الثاني: القياس، فنقول: جاءت السنة بفطر الصائم بالاستقاء إذا قاء، وبفطر المحتجم إذا احتجم وخرج منه الدم، وكلا هذين يضعفان البدن.

8,093

أما خروج الطعام فواضحٌ أنه يضعف البدن؛ لأن المعدة تبقى خالية فيجوع الإنسان ويعطش سريعاً.

8,094

وأما خروج الدم فظاهر أيضاً أنه يضعف البدن، ولهذا ينصح من احتجم أو تبرع لأحد بدم من جسمه، أن يبادر بالأكل السريع الهضم والسريع التفرق في البدن، حتى يعوض ما نقص من الدم، وخروج المني يحصل به ذلك فيفتر البدن بلا شك، ولهذا أمر بالاغتسال ليعود النشاط إلى البدن، فيكون هذا قياساً على الحجامة والقيء، وعلى هذا نقول: إن المني إذا خرج بشهوة فهو مفطر للدليل والقياس. «أو باشر فأمنى» أي: باشر زوجته سواء باشرها باليد، أو بالوجه بتقبيل، أو بالفرج، فإنه إذا أنزل أفطر،

8,095

وإذا لم يُنزل فلا فطر بذلك.

ونقول في الإنزال بالمباشرة ما قلنا في الإنزال بالاستمناء: إنه مفطر.

وعلم من كلام المؤلف، أنه لو استمنى بدون إنزال فإنه لا فطر، وأنه لو باشر بدون إنزال فإنه لا فطر في ذلك أيضاً، وسيأتي بيان حكم المباشرة. «أو أمذى» أي: فإنه يفطر، والمذي هو ماء رقيق يحصل عقيب الشهوة بدون أن يحس به الإنسان عند خروجه، وهو بين البول والمني من حيث النجاسة، فالمني طاهر موجب لغسل جميع البدن، والبول نجس موجب لغسل ما أصاب من البدن والملابس، والمذي يوجب غسل الذكر والأنثيين، ولا يوجب الغسل إذا أصاب الملابس، بل يكفي فيه النضح كما ثبت عن النبي ﷺ ذلك .

فالمذهب أن خروج المذي مفسد للصوم كالمني، أي: إذا استمنى فأمذى، أو باشر فأمذى فإنه يفسد صومه، والذين يقولون لا يفسد بالمني يقولون لا يفسد بالمذي من باب أولى،

والذين يقولون إن الصوم يفسد بالمني اختلفوا في المذي على قولين:

فالمذهب أنه يفطر، ولا دليل له صحيح،

8,096

والصحيح القول الثاني أنه لا يفطر؛ لأن المذي دون المني لا بالنسبة للشهوة ولا بالنسبة لانحلال البدن، ولا بالنسبة للأحكام الشرعية حيث يخالفه في كثير منها بل في أكثرها أو كلها، فلا يمكن أن يلحق به.

وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والحجة فيه عدم الحجة، أي عدم الحجة على إفساد الصوم به؛ لأن هذا الصوم عبادة شرع فيها الإنسان على وجه شرعي فلا يمكن أن نفسد هذه العبادة إلا بدليل. «أو كرر النظر فأنزل» يعني فإنه يفسد صومه، وتكرار النظر يحصل بمرتين،

8,097

فإن نظر نظرة واحدة فأنزل لم يفسد صومه لقول النبي ﷺ :«لك الأولى وليست لك الثانية»، ولأن الإنسان لا يملك أن يجتنب هذا الشيء،

8,098

فإن بعض الناس يكون سريع الإنزال وقوي الشهوة؛ إذا نظر إلى امرأته أنزل،

8,099

ولو قلنا: إنه يفطر بذلك لكان فيه مشقة.

فصار النظر فيه تفصيل، إن كرره حتى أنزل فسد صومه،

8,100

وإن أنزل بنظرة واحدة لم يفسد، إلا أن يستمر حتى ينزل فيفسد صومه؛ لأن الاستمرار كالتكرار، بل قد يكون أقوى منه في استجلاب الشهوة والإنزال.

8,101

وأما التفكير بأن فكر حتى أنزل فلا يفسد صومه، لعموم قول النبي ﷺ :«إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» إلا إن حصل معه عمل يحصل به الإنزال كعبث بذكره ونحوه.

والخلاصة:

أولاً: المباشرة إذا أنزل فيها، فسد صومه

8,102

وكذلك إذا أمذى على المذهب.

ثانياً: النظر.

إن كان واحدة فأنزل أو أمذى فلا شيء عليه في ذلك،

8,103

وإن كرر فأمذى فلا شيء في ذلك،

8,104

وإن كرَّر فأنزل فسد صومه.

وهنا فرَّق المؤلف رحمه الله بين الإمذاء والإمناء،

8,105

فإذا كرر النظر فأمذى فلا يفسد صومه،

8,106

وإذا كرره فأمنى فسد صومه.

والصواب أنه لا فرق بينهما في هذه الحال الثانية وغيرها؛ وأنه لا يفسد صومه بالإمذاء مطلقاً سواء كان بمباشرة أو بنظر.

ثالثاً: التفكير لا يفسد به صومه سواءٌ أمنى أو أمذى على ما سبق.

مسألة: لو تحدث الرجل مع امرأته حتى أنزل هل نلحقه بالمباشرة فنقول: يفسد صومه أو نلحقه بالنظر؟ الظاهر أنه يلحق بالنظر فيكون أخف من المباشرة، وعليه يلحق تكرار القول بتكرار النظر،

8,107

فإن الإنسان مع القول قد يكون أشد تلذذاً من النظر.

أَوْ حَجَمَ أوْ احْتَجَمَ وَظَهَرَ دَمٌ .......... «أو حجم أو احتجم وظهر دم»«حجم» أي: حجم غيره.

«احتجم» بمعنى طلب من يحجمه،

8,108

فإذا حجم غيره أو احتجم، وظهر دم فسد صومه،

8,109

فإن لم يظهر دم؛ لكون المحجوم قليل الدم ولم يخرج منه شيء لم يفسد صومه.

وظاهر قول المؤلف:«وظهر دم» أنه لا فرق بين أن يكون الدم الظاهر قليلاً أو كثيراً، وسواء كانت الحجامة في الرأس، أو في الكتفين، أو في أي مكان من البدن.

ومواضع الحجامة وأوقاتها وأحوال المحجوم،

8,110

ومن يمكن أن يحجم، ومن لا يمكن معروفة عند الحجامين، ولهذا يجب على الإنسان إذا أراد الحجامة أن يحتاط، ويختار لمن يحجمه من هو معروف بالحِذْق، لئلا ينزف دمه من حيث لا يشعر.

وهذه المسألة اختلف العلماء فيها كثيراً وهي من مفردات الإمام أحمد، فأكثر أهل العلم يرون أن الحجامة لا تفطر ويستدلون بالآثار والنظر، فالآثار يقولون إنه ثبت في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ :«احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم»، واستدلوا أيضاً بأحاديث أخرى من رواية أنس وغيره وفي بعضها التفصيل بأن الحجامة كانت من أجل الضعف ، ثم رخص فيها، واستدل القائلون بالإفطار بحديث شداد بن أوس وغيره أن النبي ﷺ قال:«أفطر الحاجم والمحجوم».

وهذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، وقالوا: إنه لا يصح عن النبي ﷺ،

8,111

فمن ضعفه فإنه لا يستدل به ولا يأخذ به؛ لأنه لا يجوز أن يحتج بالضعاف على أحكام الله عز وجل،

8,112

ومن العلماء من صححه كالإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما من الحفاظ، وعلى هذا يكون الحديث حجة.

8,113

فإذا كان حجة وقلنا: إنه يفطر بالحجامة الحاجم والمحجوم، فما هي الحكمة؟

الجواب قال الفقهاء رحمهم الله : إن هذا من باب التعبد ، والأحكام الشرعية التي لا نعرف معناها تسمى عند أهل الفقه تعبدية، بمعنى أن الواجب على الإنسان أن يتعبد لله بها سواء عَلِمَ الحكمة أم لا.

ولكن هل لها حكمة معلومة عند الله؟

الجواب: نعم لا شك؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فما من حكم من أحكام الشريعة إلا وله حكمة عند الله عز وجل لكن قد تظهر لنا بالنص أو بالإجماع أو بالاستنباط، وقد لا تظهر لقصورنا، أو لتقصيرنا في طلب الحكمة.

وهذه الأحكام التعبدية لها أصل أشارت إليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألتها معاذة بنت عبد الله العدوية قالت:«ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» فوكلت الأمر إلى حكم الله ورسوله، ولم تقل: لأن الصلاة تتكرر، والصيام لا يتكرر، وما أشبه ذلك مما ذكره الفقهاء، ولأن المؤمن إذا قيل له هذا حكم الله انقاد، فهذه هي الحكمة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ .

8,114

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن إفطار الصائم بالحجامة له حكمة،

8,115

أما المحجوم فالحكمة هو أنه إذا خرج منه هذا الدم أصاب بدنه الضعف، الذي يحتاج معه إلى غذاء لترتد عليه قوته، لأنه لو بقي إلى آخر النهار على هذا الضعف فربما يؤثر على صحته في المستقبل، فكان من الحكمة أن يكون مفطراً، وعلى هذا فالحجامة للصائم لا تجوز في الصيام الواجب إلا عند الضرورة،

8,116

فإذا جازت للضرورة جاز له أن يفطر،

8,117

وإذا جاز له أن يفطر جاز له أن يأكل، وحينئذ نقول احتجم وكل واشرب من أجل أن تعود إليك قوتك وتسلم، مما يتوقع من مرض بسبب هذا الضعف.

8,118

أما إذا كان الصوم نفلاً فلا بأس بها؛ لأن الصائم نفلاً له أن يخرج من صومه بدون عذر، لكنه يكره لغير غرض صحيح.

8,119

وأما الحكمة بالنسبة للحاجم، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن الحاجم عادة يمص قارورة الحجامة،

8,120

وإذا مصها فإنه سوف يصعد الدم إلى فمه، وربما من شدة الشفط ينزل الدم إلى بطنه من حيث لا يشعر، وهذا يكون شرباً للدم فيكون بذلك مفطراً، ويقول: هذا هو الغالب ولا عبرة بالنادر. وقوارير الحجامة عبارة عن قارورة من حديد يكون فيها قناة دقيقة يمصها الحاجم، ويكون في فمه قطنة إذا مصها سدها بهذه القطنة؛ لأنه إذا مصها تفرغ الهواء،

8,121

وإذا تفرغ الهواء فلا بد أن يجذب الدم،

8,122

وإذا جذب الدم امتلأت القارورة ثم سقطت، وما دامت لم تمتلئ فهي باقية.

والحكمة إذا كانت غير منضبطة فإنه يؤخذ بعمومها، ولهذا قال: لو أنه حجم بآلات منفصلة لا تحتاج إلى مص، فإنه لا يفطر بذلك.

8,123

أما الذين قالوا العلة تعبدية فيقولون: إن الحاجم يفطر،

8,124

ولو حجم بآلات منفصلة لعموم اللفظ.

والذي يظهر لي ـ والعلم عند الله ـ أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أولى،

8,125

فإذا حجم بطريق غير مباشر ولا يحتاج إلى مص فلا معنى للقول بالفطر؛ لأن الأحكام الشرعية ينظر فيها إلى العلل الشرعية.

8,126

فإن قيل: العلة إذا عادت على النص بالإبطال دل ذلك على فسادها، وهذا حاصل في قول شيخ الإسلام إذا حجم الشخص بآلات منفصلة؟

فالجواب أن يقال: إن الرسول ﷺ يتكلم عن شيء معهود في زمنه، فتكون «أل» في «الحاجم» للعهد الذهني المعروف عندهم.

والقول بأن الحجامة مفطرة هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو منفرد به عن المذاهب، وانفراد الإمام أحمد عن المذاهب لا يعني أن قوله ضعيف؛ لأن قوة القول ليست بالأكثرية، بل تعود إلى ما دل عليه الشرع،

8,127

وإذا انفرد الإمام أحمد بقول دل عليه الشرع فإنه مع الجماعة .

مسألة: هل يلحق بالحجامة الفصد، والشرط، والإرعاف، وما أشبه ذلك، كالتبرع بالدم؟

الفصد: قطع العرق، والشرط: شق العرق.

8,128

فإن شققته طولاً فهو شرط،

8,129

وإن شققته عرضاً فهو فصد.

فالمذهب لا يلحق بالحجامة؛ لأن الأحكام التعبدية لا يقاس عليها، وهذه قاعدة أصولية فقهية «الأحكام التعبدية لا يقاس عليها»؛ لأن من شرط القياس اجتماع الأصل والفرع في العلة،

8,130

وإذا لم تكن معلومة فلا قياس، فيقولون: إن الفطر بالحجامة تعبدي، فلا يلحق به الفصد والشرط والإرعاف ونحوها فتكون هذه جائزة للصائم فرضاً ونفلاً.

8,131

أما على ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أن علة الفطر بالحجامة معلومة، فيقول: إن الفصد والشرط يفسدان الصوم،

8,132

وكذلك لو أرعف نفسه حتى خرج الدم من أنفه، بأن تعمد ذلك ليخف رأسه، فإنه يفطر بذلك، وقوله رحمه الله أقرب إلى الصواب.

8,133

وأما مغالاة العامة بحيث إن الإنسان لو استاك وأدمت لثته قالوا: أفطر،

8,134

ولو حك جلده حتى خرج الدم قالوا: أفطر،

8,135

ولو قلع ضرسه وخرج الدم قالوا: أفطر،

8,136

ولو رعف بدون اختياره قالوا: أفطر، فكل هذه مبالغة، فقلع الضرس لا يفطر ولو خرج الدم؛ لأن قالع ضرسه لا يقصد بذلك إخراج الدم، وإنما جاء خروج الدم تبعاً،

8,137

وكذلك لو حك الإنسان جلده، أو بط الجرح حتى خرجت منه المادة العفنة فكل ذلك لا يضر.

عامداً ذَاكِراً لِصَوْمِهِ فَسد لا ناسياً .......... «عامداً» حال من فاعل «أكل» وما عطف عليه،

اشترط المؤلف لفساد الصوم بما ذكر شرطين:

الشرط الأول: أن يكون عامداً، وضده غير العامد، وهو نوعان، أحدهما: أن يحصل المفطر بغير اختياره بلا إكراه، مثل أن يطير إلى فمه غبار أو دخان أو حشرة أو يتمضمض، فيدخل الماء بطنه بغير قصد فلا يفطر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهذا لم يتعمد قلبه فعل المفسد فيكون صومه صحيحاً.

الثاني: أن يفعل ما يفطر مكرهاً عليه فلا يفسد صومه لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *﴾ [النحل] فإذا كان حكم الكفر يعفى عنه مع الإكراه، فما دون الكفر من باب أولى، وعلى هذا

8,138

فلو أكره الرجل زوجته على الجماع وهي صائمة، وعجزت عن مدافعته فصيامها صحيح،

8,139

ويشترط لرفع الحكم أن يفعل هذا الشيء لدفع الإكراه لا للاطمئنان به، يعني أنه شرب أو أكل دفعاً للإكراه لا رضاً بالأكل أو الشرب بعد أن أكره عليه،

8,140

فإن فعله رضاً بالأكل أو الشرب بعد أن أكره عليه فإنه لا يعتبر مكرهاً، هذا هو المشهور من المذهب،

8,141

وقيل: بل يعتبر مكرهاً؛ لأن أكثر الناس لا سيما العوام لا يفرقون بين أن يفعلوا هذا الشيء لدفع الإكراه أو أن يفعلوه اطمئناناً به؛ لأنهم أكرهوا وعموم قوله ﷺ :«رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» يشمل هذه الصورة، وهذا اختيار شيخ الإسلام. «ذاكراً لصومه فسد لا ناسياً». هذا هو الشرط الثاني: أن يكون ذاكراً، وضده الناسي.

8,142

فلو فعل شيئاً من هذه المفطرات فاسداً، فلا شيء عليه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:«من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه».

وقوله ﷺ«وهو صائم» يشمل الفريضة، والنافلة.

وانظر قوله في الحديث «أطعمه الله» فلم ينسب الفعل إلى الفاعل، بل إلى الله؛ لأنه ناسٍ لم يقصد المخالفة والمعصية، ولهذا نُسب فعله إلى من أنساه وهو الله عز وجل وهذا دليل خاص.

ولدينا دليل عام وهو قاعدة شرعية من أقوى قواعد الشريعة وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فقال الله تعالى: «قد فعلت».

فصار في النسيان دليلان عام وخاص،

8,143

وإذا اجتمع في المسألة دليلان عام وخاص فالأولى أن نستدل بالخاص؛ لأننا إذا استدللنا بالعام، فإنه قد يقول قائل هذا عام والمسألة هذه مستثناة من العموم، فقد يدعي هذا، مع أنه لو ادعاه لكانت الدعوى مردودة؛ لأن الأصل أن العموم شامل لجميع أفراده؛ والدليل على أن العام شامل لجميع أفراده؛ قوله ﷺ :«إنكم إذا قلتم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض» لأن «عباد الله الصالحين» عامة؛

ولذلك قال:«فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض»

8,144

فلو استدللنا على أن الناسي إذا أكل أو شرب لا يفسد صومه بآية البقرة، فإنه استدلال صحيح،

8,145

ولو ادعى مدعٍ أن هذا خارج عن العموم قلنا له أين الدليل؟ لأن الأصل أن العام شامل لجميع أفراد العموم.

لكن لو أكل ناسياً أو شرب ناسياً،

note

ثم ذكر أنه صائم واللقمة في فمه، فهل يلزمه أن يلفظها؟

الجواب: نعم يلزمه أن يلفظها؛ لأنها في الفم وهو في حكم الظاهر، ويدل على أنه في حكم الظاهر، أن الصائم لو تمضمض لم يفسد صومه،

8,146

أما لو ابتلعها حتى وصلت ما بين حنجرته ومعدته لم يلزمه إخراجها،

8,147

ولو حاول وأخرجها، لفسد صومه لأنه تعمد القيء. أفادنا المؤلف رحمه الله بعموم كلامه أن الجماع كغيره، والجماع على المشهور من المذهب لا يشمله هذا الحكم

8,148

والصحيح أنه كغيره والدليل عدم الدليل على الفرق، ونحن لا نفرق إلا ما فرق الله ورسوله (ص) بينه، ولم يفرق الله، عز وجل ورسوله (ص) بين الجماع وغيره إلا في مسألة واحدة وهي الكفارة.

أَوْ مُكْرهاً .........

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.