وعلى الأفقي دم
Its commentaries
(والإفراد أن يحرم بحج) ثم بعمرة بعد فراغه منه، والقران أن يحرم بهما معا أو بها ثم يدخله عليها قبل شروعه في طوافها،
ومن أحرم به ثم أدخلها عليه لم يصح إحرامه بها.
ويجب على الأفقي وهو من كان مسافة قصر فأكثر من الحرم إن أحرم متمتعا أو قارنا (دم) نسك لا جبران،
بخلاف أهل الحرم، ومن منه دون المسافة فلا شيء عليه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .
ويشترط أن يحرم بهما من ميقات أو مسافة قصر فأكثر من مكة،
وأن لا يسافر بينهما، فإن سافر مسافة قصر فأحرم فلا دم عليه، وسن لمفرد وقارن فسخ نيتهما بحج وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة لحديث " الصحيحين " السابق،
فإذا حلا أحرما به ليصيرا متمتعين ما لم يسوقا هديا أو يقفا بعرفة،
وإن ساقه متمتع لم يكن له أن يحل فيحرم بحج إن طاف وسعى لعمرته قبل حلق،
فإذا ذبحه يوم النحر حل منهما.
أن يحرم بحج، ثم بعمرة بعد فراغه منه أي يحرم بالحج وحده من الميقات، ثم يقف بعرفة، ويفعل أفعال الحج،
فإذا تحلل فقالوا: يخرج إلى التنعيم، فيحرم بالعمرة، ويفعل أفعالها، إن لم يكن أتى بها قبل.
وقال المجد: لا يأتي في أشهر الحج بغيره. قال الزركشي: وهو أجود. وتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يعتمروا بعد الحج، إلا ما كان من عائشة،
وأن الذين استحبوا الإفراد من الصحابة، إنما استحبوا أن يحج في سفرة، ويعتمر في أخرى، ولم يستحبوا أن يحج ويعتمر بعد ذلك، حتى تنازعوا: هل تجزئه أو لا؟
بعد فراغه منه والقران أن يحرم بهما معًا أي جميعًا، ينوي بالحج والعمرة من الميقات، ويطوف لهما، ويسعى، لفعله صلى الله عليه وسلم، كما هو مستفيض في بضعة وعشرين حديثًا، صحيحة، صريحة في ذلك،
ومن ذكر أنه متمتع، فالمراد متعة القران، وهو لغة القرآن، والقران مصدر من: قرنت بين الشيئين.
وهو من كان مسافة قصر فأكثر من الحرم والأفقي بضمتين نسبة إلى الأفق، وهو الناحية من الأرض أو السماء،
وقال ابن خطيب الدهشة: لا يقال: آفاقي؛ فلا ينسب إلى الجمع، بل إلى الواحد.
الحرم إن أَحرم متمتعًا، أَو قارنا (دم) نسك إجماعًا في المتمتع، ونص عليه أحمد في القارن،
ولا يجب على المفرد إجماعًا، قال الوزير وغيره: أجمعوا على أن المفرد إذا تم حجه بشرائطه، وتوقي محظوراته، لم يجب عليه دم، واتفقوا على استحباب التطوع بالهدي إذا لم يجب عليه.
قارنا (دم) نسك لاجبران . بخلاف أهل الحرم فلا شيء عليهم إجماعًا، لكونهم من حاضري المسجد الحرام المنصوص عليهم.
ومن هو منه دون المسافة، فلا شيء عليه لأن من دون المسافة من حاضره، إذ حاضر الشيء من حل فيه، أو قرب منه، وهذا مذهب الشافعي،
وقال مالك: هم أهل مكة؛
وقال أبو حنيفة: من كان دون المواقيت.
وكذا عند الموفق ومن تبعه.
فأكثر من مكة . وأن لا يسافر بينهما أي بين الحج والعمرة، وهو «الشرط الثاني» .
فإن سافر مسافة قصر فأحرم فلا دم عليه أي وليس بمتمتع، وهو مذهب الشافعي، لقول عمر: إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام، فهو متمتع،
وإن خرج فليس بمتمتع. وعن ابن عمر نحوه، ولأنه مسافر، لم يترفه بترك أحد السفرين، كمحل الوفاق،
وقال أبو حنيفة ومالك: إن رجع إلى أهله فلا دم عليه، «والشرط الثالث» أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام إجماعًا، للآية «والرابع» أن يحج من عامه وفاقًا، لأن ظاهر الآية الموالاة، ولأنه أولى لو اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه، وخالف بعض الحنفية «والخامس» أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج، وإلا صار قارنًا «والسادس» أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج،
وقال أحمد: عمرته في الشهر الذي أهل فيه، وهو قول للشافعي، والقول الثاني يكون متمتعًا إذا طاف لها في شوال، وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك «والسابع» نية التمتع في ابتداء العمرة، أو أثنائها، وعليه أكثر الأصحاب، واختار الموفق والشيخ وغيرهما: لا تعتبر، لظاهر الآية، وهو مذهب الشافعية، ولا يعتبر وقوع النسكين عن واحد، ولا كونه متمتعًا،
فإن المتعة تصح من المكي لغيره، مع أنه لا دم عليه.
السابق . فإذا حلا أحرما به ليصيرا متمتعين أي فإذا فرغا من عمرتهما، أحرما بالحج يوم التروية، ليصيرا متمتعين، منتفعين بإقامتهما حلالاً، إلى يوم التروية.
أحرما به ليصيرا متمتعين ما لم يسوقا هديًا فإن ساق القارن أو المفرد هديًا، لم يكن لهما فسخه، لما تقدم من قوله «إلا من كان معه هدي» ولعدم ورود ما يدل على إباحة ذلك.
«وعلى الأفقي دم»، «على» هنا للوجوب، والأفقي نسبة إلى الأفق، ويقال: الآفاقي نسبة إلى الآفاق، والأرجح لغةً أن يقال الأفقي نسبة إلى المفرد؛ لأن هذا هو الأصل في النسبة.
والأفقي: من لم يكن حاضر المسجد الحرام.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ، أهله أي سكنه؛ لأن السكن يتأهل فيه الإنسان، وحينئذٍ نقول: مَن حاضرو المسجد الحرام؟
الجواب: قيل: من دون المواقيت، وعلى هذا فيختلف الناس في ذلك اختلافاً كبيراً، فالذين على طريق المدينة قد يكون بينهم وبين مكة سبعة أيام أو ثمانية، وهم من حاضري المسجد الحرام. والذين وراء قرن المنازل ليس بينهم وبين مكة إلا يومان وليسوا من حاضري المسجد الحرام وهذا القول فيه نظر وضعف.
وقيل: هم أهل مكة فقط؛ لأن حاضر الشيء المقيم فيه،
ومن كان خارج مكة فليس من حاضري المسجد الحرام، وعلى هذا من سكن بعرفة مثلاً فليس من حاضري المسجد الحرام،
ومن سكنه في مزدلفة فليس من حاضري المسجد الحرام، لأنه ليس من أهل مكة، فأهل مكة من كان داخل البناء.
وقيل: هم أهل الحرم، من أهل مكة وغيرهم، وعلى هذا فكل من كان داخل الأميال فهم من حاضري المسجد الحرام.
فأهل منى من حاضري المسجد الحرام، وأهل عرفة ليسوا من حاضري المسجد الحرام.
وقيل: هم أهل الحرم، ومن بينهم وبينه دون مسافة القصر؛ لأن من دون المسافة يعتبر من أهل البلد.
وأقرب الأقوال أن نقول: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة، أو أهل الحرم، أي: من كان من أهل مكة ولو كان في الحل، أو من كان في الحرم ولو كان خارج مكة.
فالتنعيم متصل بمكة الآن تماماً، بل يوجد بيوت من وراء التنعيم، فأصبح التنعيم داخل مكة مع أنه من الحل، وهنا يمكن أن يلغز بذلك فيقال: هناك شجر في مكة أنبته الله يجوز أن تحشه، وهناك صيد في مكة يجوز أن تصيده.
وجوابه: أن مكة امتدت الآن إلى خارج الحرم، فالصيد والحش فيما خرج عن الحرم جائز،
وإن كان المكان من مكة.
وقوله:«دم» الدم هنا يطلق على الذبيحة؛ لأنه يراق دمها،
ولو أن المؤلف قال: هدي لكان أجود؛ ليطابق الآية،
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .
شروط الهدي ما يلي:
الأول: أن يكون من بهيمة الأنعام،
فلو أهدى فرساً لم يجزئه.
الثاني: أن يبلغ السن المعتبر شرعاً، وهو أن يكون ثنيًّا، أو جذعاً، فالجذع من الضأن، والثني مما سواه من المعز، والبقر، والإبل.
دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تذبحوا إلا مسنة (أي: ثنية) إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» .
فأجاز الرسول عليه الصلاة والسلام ذبح الجذعة من الضأن إذا تعسرت المسنة،
ولو كانت لا تجزئ لم يستثنها.
فإن قال قائل: إنه يجزئ الصغير ولو لم يكن له إلا شهر واحد لأن الله قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾،
فإذا لم يتسير إلا شيء صغير فإنه يجزئ، فماذا نقول؟!
الجواب: إن الله قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وأل للعهد الذهني، أي: الهدي الشرعي أي الذي بلغ السن المعتبر شرعاً. الثالث: أن يكون الهدي سليماً من العيوب المانعة من الإجزاء؛ لأن النبي ﷺ سئل: ماذا يُتقى من الضحايا؟ فقال:«أربعاً ـ وأشار بأصابعه ـ: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي».
لكن لو قال قائل: إن النبي ﷺ سئل: ماذا يُتقى من الضحايا ولم يسأل عن الهدي؟.
فنقول: إن التخصيص هنا تخصيص زماني ومكاني؛ لأنهم سألوه في المدينة، والمدينة لا هدي فيها، فلما أمرنا أن نتقي هذه الأشياء، علم أن المصاب بهذه الأمراض لا يصلح أن يكون قربة.
الرابع: أن يكون في زمن الذبح،
وفي هذا خلاف بين العلماء نذكره فيما يلي:
القول الأول: أنه لا يذبح دم المتعة إلا في الوقت الذي تذبح فيه الأضاحي، وهو يوم العيد، وثلاثة أيام بعد العيد.
القول الثاني: يجوز تقديم الذبح بعد الإحرام بالعمرة، فيذبح الهدي ولو قبل الخروج إلى منى للحج؛ لأن الصيام لمن لم يجد الهدي يجوز أن يكون قبل الخروج إلى الحج مع أنه بدل،
فإذا جاز في البدل فالأصل من باب أولى، وهذا هو المشهور عند الشافعية.
والصحيح أنه يشترط الزمان، وأن هدي التمتع لا بد أن يكون في أيام الذبح يوم العيد، وثلاثة أيام بعده.
والدليل على هذا أنه لو جاز أن يقدم ذبح الهدي على يوم العيد، لفعله النبي ﷺ ولكنه قال:«لا أحل حتى أنحر»، ولا نحر إلا يوم العيد.
الخامس: أن يكون في مكان الذبح، فهدي التمتع لا يصح إلا في الحرم، فهو من هذه الجهة أضيق من الأضحية، فالأضحية تصح في كل مكان،
فلو ذبح هديه في عرفة لم يجزئ ولو دخل به إلى منى، لكن قال الإمام أحمد: مكة ومنى واحد، واستدل بقول النبي ﷺ :«كل فجاج مكة طريق ومنحر».
وقوله:«وعلى الأفقي دم»، ظاهر كلام المؤلف أن غير المتمتع لا يلزمه دم؛ لأنه
قال في سياق التمتع «وعلى الأفقي دم» فهل هذا مراد أو لا؟
أما المفرد فلا دم عليه،
وأما القارن فظاهر كلامه رحمه الله : أنه لا دم عليه؛ لأن القارن ليس بمتمتع بهذا المعنى الذي قاله المؤلف حيث قال:«التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج» ثم قال: «وعلى الأفقي دم»، وهذا الظاهر من كلام المؤلف هو: ما ذهب إليه داود الظاهري،
وقال: إن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ فلا بد من تمتع فاصل بين العمرة والحج؛ لأن «إلى» للغاية، والغاية لا بد لها من ابتداء وانتهاء.
وأما القارن فليس بين عمرته وحجه تمتع؛ لأنه سيظل محرماً إلى يوم العيد، وهذا الذي ذهب إليه الظاهري هو ظاهر القرآن ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾
ولو قال: فمن تمتع بالعمرة مع الحج، لقلنا: إن القارن يدخل في ذلك؛ لأن القارن في الحقيقة تمتع بالعمرة في ترك السفر لها سفراً مستقلاً، لكن لما قال إلى الحج علمنا أن هناك انفصالاً بين العمرة والحج.
ولهذا سأل ابن مشيش الإمام أحمد رحمه الله : قال: أيجب على القارن الهدي وجوباً؟
قال: كيف يجب وجوباً وقد قاسوه على المتمتع؟ كأنه رحمه الله يشير إلى أن وجوب الدم على القارن إنما هو بالقياس،
فإذا كان بالقياس فلننظر هل هذا القياس تام، أو ليس بتام؟
لأن القياس التام لا بد أن يشترك فيه الأصل والفرع في العلة الموجبة، والعلة الموجبة للدم في التمتع الذي يكون فيه انفصال بين العمرة والحج، هي أن الله يسر لهذا الناسك تمتعاً تاماً بين العمرة والحج، والقارن ليس كذلك؛ لأنه سيبقى محرماً من حين أن يحرم إلى يوم العيد،
وإذا كان كذلك، فإنه لا يصح القياس.
فظاهر القرآن مع الظاهري أن الدم يجب على المتمع دون المفرد القارن.
ولكن مع هذا نقول: الأحوط للإنسان والأكمل لنسكه أن يهدي؛ لأن من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام الإهداء التطوعي فكيف بإهداء اختلف العلماء في وجوبه؟! وأكثر العلماء على الوجوب، وهو لا شك أولى وأبرأ للذمة، وأحوط.
فإن كان قد وجب فقد أبرأت ذمتك،
وإن لم يكن واجباً فقد تقربت إلى الله به.
ويشترط لوجوب الهدي ألا يسافر بينهما، أي: بين العمرة والحج، ويمكن أن يؤخذ من ظاهر قول المؤلف:«ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج»: أنه لا سفر،
وإن كان ليس بذاك الظاهر القوي،
فإن أتى بالعمرة ثم سافر مثلاً إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرماً بالحج فقد سافر بينهما، فهل يسقط الدم؟ ظاهر كلام المؤلف أنه يسقط عنه الدم؛ لأنه قال:«يفرغ منها ثم يحرم» فالظاهر التوالي ولم يقل ولو سافر،
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن السفر إلى بلد الحاج، أو إلى غيره لا يسقط الهدي، سواء طال السفر أو قصر، فعلى هذا لو أن رجلاً أتى بالعمرة في أشهر الحج، وقد عزم على الحج في العام نفسه، ثم رجع إلى بلده وبقي إلى أن جاء وقت الحج، ثم عاد محرماً بالحج،
فإن الهدي لا يسقط عنه.
وزعم قائل هذا القول أن هذا ظاهر القرآن،
وفي كونه ظاهر القرآن مناقشة.
لأن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ يدل على أنه سافر إلى الحج، ولولا العمرة لم يحصل له التمتع، وهذا يدل على أنه لم يسافر بينهما.
القول الثاني: أن السفر مسافة قصر يسقط الهدي، سواء سافر إلى بلده أو إلى بلد آخر ، وعلى هذا فمن كان من أهل الرياض وأتى بالعمرة في أشهر الحج ناوياً الحج، ثم سافر إلى المدينة وعاد من المدينة محرماً بالحج فإن الهدي يسقط عنه.
القول الثالث: التفصيل: أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج، فإنه يسقط عنه الهدي،
وإن سافر إلى غير أهله لا يسقط.
مثاله: رجل من أهل الرياض أحرم بالعمرة، وحل منها ثم سافر إلى المدينة، ورجع محرماً بالحج، فلا يسقط عنه الهدي، لكن لو رجع إلى الرياض بلده، ثم عاد منها محرماً بالحج سقط عنه الهدي، وهذا القول هو الراجح.
لأنه أنشأ سفراً جديداً غير سفر العمرة،
فإن السفر مفارقة الوطن فيكون مفرداً لا متمتعاً، وهو مروي عن عمر وابنه رضي الله عنهما؛ لأنه إذا رجع إلى بلده، ثم عاد محرماً بالحج فقد أفرد الحج بسفر مستقل فيكون مفرداً، وليس بمتمتع،
فإن سافر إلى بلد آخر، فإنه متمتع؛ لأنه لم ينشئ سفراً جديداً، إذ إن سفره إلى البلد الآخر استمرار لسفره الأول، وليس قاطعاً للسفر.
مسألة: إذا أحرم الإنسان بالحج، ووصل إلى مكة فإنه يسن له أن يجعل الحج عمرة ليصير متمتعاً،
فلو جعل الحج عمرة ليتخلص بالعمرة منه،
فإن ذلك لا يصح؛ لأن ذلك احتيال على إسقاط وجوب الحج عليه.
فإن قال قائل: ما الفرق بين من فسخ الحج ليصير متمتعاً ومن فسخ الحج بالعمرة ليتخلص منه؟.
فالجواب: الفرق ظاهر: من فسخ الحج إلى عمرة ليتخلص بها منه، فهو متحيل على سقوط وجوب المضي في الحج،
ومن فسخ الحج إلى عمرة ليصير متمتعاً، فإنه منتقل من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن المتمتع أفضل من القارن والمفرد، وهذا هو الذي أمر به النبي ﷺ أصحابه أن يفسخوا الحج ويجعلوه عمرة، ليصيروا متمتعين، لا ليتخلصوا بالعمرة من الحج.
مثاله: رجل سافر إلى مكة في أشهر الحج وأحرم به، وكأنه تطاول المدة الباقية على الحج، ففسخ الحج إلى عمرة من أجل أن يطوف ويسعى ويقصر ويرجع إلى بلده.
فهذا لا يجوز؛ لأنه لما شرع في الحج وجب عليه إتمامه،
فإذا حوله إلى عمرة ليتخلص منه، صار متحيلاً على إسقاط واجب عليه، وهذا لا يجوز. مثال آخر: رجل ذهب ليحج وأحرم بالحج في أشهره، ثم قيل له: إن التمتع أفضل، فحول الحج ليصير متمتعاً، فهذا جائز، بل سنة؛ لأنه انتقل من مفضول إلى أفضل، ولم يتحيل على إسقاط واجب، ويدل لهذا أن رجلاً جاء إلى الرسول ﷺ وقال: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس، قال:«صلِّ هاهنا» يعني في مكة؛
ـ لأن مكة أفضل من بيت المقدس ـ فأعاد عليه، قال:«صلِّ هاهنا»، فأعاد عليه قال:«فشأنك إذن».
ونظير هذا رجل شرع في صلاة الظهر منفرداً، فحضرت جماعة فحولها إلى نفل ليدخل مع الجماعة، فهذا جائز.
مثال آخر: رجل دخل في صلاة الظهر
ولما وصل إلى الركعة الثانية تذكر شيئاً لا يفوت فقال: أقلبها إلى نفل من أجل أن أتخلص به منها، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا تحيل على إسقاط واجب؛ لأنه إذا شرع في الفرض وجب عليه إتمامه، فالذي ينتقل عن شيء إلى آخر تخلصاً من الأول لوجوبه عليه فهذا لا يصح؛ لأن الواجبات لا تسقط بالتحيل عليها، كما أن المحرمات لا تحل بالتحيل عليها.
وأما من انتقل من واجب لتكميل هذا الواجب،
فإن ذلك جائز، ولا بأس به؛ لأنه تحول إلى أفضل.
مسألة: لو أنه تحلل من الحج وجعله عمرة، ليتمتع به إلى الحج، ثم بعد ذلك بدا له ألا يحج فهل نلزمه بالحج؟
عندنا الآن صورتان: الصورة الأولى: رجل أحرم بالعمرة من أول الأمر متمتعاً بها إلى الحج ثم بدا له ألا يحج، فهذا جائز ولا إشكال فيه؛ لأنه أحرم بالعمرة ناوياً الحج ولكن بدا له ألا يحج.
لكن رجل أحرم بالحج ثم حوله إلى عمرة ليتمتع بها إلى الحج، فهل له أن يدع الحج أو لا؟ وبين الصورتين فرق.
فهل نقول: ما دمت تحولت من الحج الذي لزمك بشروعك فيه فإنه يلزمك أن تحج هذا العام؟
يحتمل عندي وجهان:
الأول: إلزامه بالحج إلا إذا تركه لعذر فهذا شيء آخر؛ لأننا إنما أجزنا له التحول ليحج.
الثاني: لا يلزمه شيء؛ لأنه ما شرع في النسك.
وَإِنْ حَاضَتْ المَرأةُ فَخَشيِتْ فَوَاتَ الحَجِّ أحْرَمَتْ بِهِ، وَصَارَت قَارِنَةً، ............
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.