يرمل الأفقي في هذا الطواف ثلاثا ثم يمشي أربعا
Its commentaries
(في هذا الطواف) فقط إن طاف ماشيا فيسرع المشي ويقارب الخطا (ثلاثا) أي في ثلاثة أشواط، (ثم) بعد أن يرمل الثلاثة أشواط (يمشي أربعا) من غير رمل لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا يسن رمل لحامل معذور ونساء ومحرم من مكة أو قربها، ولا يقضي الرمل إن فات في الثلاثة الأول، والرمل أولى من الدنو من البيت، ولا يسن رمل ولا اضطباع في غير هذا الطواف.
Adds nothing on this mas’ala.
فقط إن طاف ماشيا، فيسرع المشي، ويقارب الخطا بلا نزاع ولا يثب وثبا، لأن ذلك ليس بمشي،
فإذا فعله لم يكن آتيا بالرمل المشروع، ومفهومه، لا يكره طوافه راكبا بلا عذر، قال النووي: وهو قول الجمهور، لكنه خلاف الأولى،
وفي المبدع: يجزئ مع العذر، بغير خلاف، لخبر ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم طاف على بعير، ولحديث أم سلمة، ولغير عذر يجزئ في رواية لأن الله أمرنا بالطواف مطلقا، والثانية: لا لتشبيهه بالصلاة، وعلم منه، أن الطواف راجلاً أفضل بغير خلاف.
الثلاثة أشواط . (يمشي أربعًا) من غير رمل أي يمشي أربع طوفات بلا رمل، لأن هيئاتها السكينة فلا تغير، قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلا الإبقاء عليهم متفق عليه.
(يمشي أربعًا) من غير رمل لفعله عليه السلام في طواف القدوم، وليس في شيء من الأحاديث أنه طافه راكبا، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر وابن عباس أنه رمل من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع، أي ابتدأ من الحجر الأسود، وأسرع حتى وصل إليه، وعن جابر، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، رواه مسلم، قال الترمذي وغيره: والعمل عليه عند أهل العلم،
فإن قيل: رمل صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه لإظهار الجلد للمشركين، ولم يبق ذلك المعنى، إذ نفى الله المشركين، فلم أبقيتم الحكم بعد زوال علته؟ قيل: قد رمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حجة الوداع بعد الفتح، فثبت أنها سنة ثابتة.
معذور ونساء . ومحرم من مكة أو قربها لعدم وجود المعنى الذي لأجله شرع، وهو إظهار الجلد والقوة لأهل البلد.
ولا يقضي الرمل إن فات في الثلاثة الأول لأنه هيئة فات محلها، ولا قياس يقتضيه،
وإن تركه في شيء من الثلاثة، أتى به فيما بقي منها،
قال الشيخ: وإن تركه فلا شيء عليه.
«يرمل الأفقي في هذا الطواف ثلاثاً ثم يمشي أربعاً» الأفقي قال العلماء: هو الذي أحرم من بعيد عن مكة، فليس بشرط أن يكون بينه وبينها مسافة القصر، فالذي ليس من أهل مكة يرمل من الأشواط الثلاثة الأولى.
مثاله: من أحرم من قرن المنازل، أو يلملم، أو ذات عرق، أو الجحفة، أو من ذي الحليفة فإنه يرمل.
وكذلك من أحرم دون ذلك ولكنه بعيد عن مكة فإنه يرمل، حتى لو كان من أهل مكة، ودخل مكة وأحرم من مكان بعيد فإنه يرمل في طواف القدوم ثلاثة أشواط، ثم يمشي أربعة.
وذلك لفعل النبي ﷺ، وسبب هذا الفعل أن النبي ﷺ لما قدم مكة عمرة القضاء في السنة السابعة من الهجرة، قالت قريش: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، أي: أضعفتهم، ويثرب هي المدينة، والحمى مرض معروف، وكانت الحمى في المدينة شديدة حتى دعا النبي ﷺ ربه عز وجل أن ينقل حماها إلى الجحفة ففعل سبحانه وتعالى.
لكن قريشاً أعداء، والعدو يحب الشماتة بعدوه، قالوا: اجلسوا ننظر هؤلاء الذين قدموا عليكم وقد أضعفتهم الحمى وجلسوا نحو الحِجْر، أي في الناحية الشمالية من الكعبة؛ لأجل أن يطلعوا على ما زعموه من ضعف النبي ﷺ وأصحابه، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة.
والرمَل ليس هو هز الكتفين كما يفعله الجهال، بل الرمَل هو المشي بقوة ونشاط، بحيث يسرع، لكن لا يمد خطوه، والغالب أن الإنسان إذا أسرع يمد خطاه لأجل أن يتقدم بعيداً، لكن في الطواف نقول: أسرع بدون أن تمد الخطا بل قارب الخطا.
فلما رأت قريش رسول الله ﷺ وأصحابه يرملون هذا الرمل قالوا: إنهم أشد جرياً ومشياً من الغزلان الظباء، فغاظهم ذلك وحزنوا، حيث كانوا يتوقعون في الأول أنهم ضعفاء فتبين أنهم أقوياء .
ولكن كان الرمل في عمرة القضاء من الحجر الأسود إلى الركن اليماني ، ثم يمشون ما بين الركنين، لأنهم إذا انحرفوا عن الركن اليماني غابوا عن أنظار قريش، فأراد النبي ﷺ أن يبقي على قوتهم،
وأن يمشوا ما بين الركنين،
فلطف بهم النبي ﷺ من وجهين:
الأول: أنه خص الرمل بالأشواط الثلاثة الأولى فقط.
الثاني: أنه أمرهم أن يمشوا ما بين الركنين، الركن اليماني والحجر الأسود. فهذا أصل مشروعية الرمل، ولكن هل يقال: إنه بعد فتح مكة وعز الإسلام يرتفع هذا الحكم، لارتفاع سببه، أو نقول إن هذا الحكم باق؟.
الجواب: الثاني، فإن عمر رضي الله عنه أورد على نفسه هذا الإيراد وقال: فيم الرمل الآن وقد أعزنا الله؟.
ثم أجاب نفسه: أنه شيء فعله النبي ﷺ لا بد أن نفعله .
وذلك لأنه في حجة الوداع قد زال السبب، وهو إغاظة المشركين إذ ليس هناك مشرك حتى يغاظ، ومع هذا أبقاه النبي ﷺ مع زيادة على الرمل في عمرة القضاء، حيث كان الرمل في حجة الوداع من الركن إلى الركن أي في كل الأشواط الثلاثة ، حتى ما بين الركنين رمل النبي ﷺ،
وفي عمرة القضاء من الركن إلى الركن اليماني فقط، فدل ذلك على بقاء المشروعية.
فإن قال قائل: كيف تبقى المشروعية وقد زال السبب؟ والحكمة تقتضي أنه بزوال السبب يزول المسبب، وبزوال العلة يزول المعلول؟
فالجواب: أن العلة وإن كانت إغاظة المشركين ولا مشركين الآن، لكن ليتذكر الإنسان أن المسلم يُطْلَبُ منه أن يغيظ المشركين، فينبغي لك أن تشعر عند الرمل في الطواف، كأن أمامك المشركين؛ لأجل أن تغيظهم؛ لأن غيظ المشركين مما يقرب إلى الله عز وجل قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ .
فإن لم يتيسر له الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى، لازدحام المكان وتيسر له في الأشواط الثلاثة الأخيرة لخفة الزحام فلا يقضى؛ لأن الرمل سنة في الأشواط الثلاثة الأولى، وقد فات محلها، ولأنه إذا رمل في الأشواط الأخيرة خالف السنة، إذ السنة في الأشواط الأخيرة المشي دون الرمل.
والرمل في الأشواط كلها بدعة ينهى عنها مع ما فيه من الإشقاق على النفس.
فإن قال قائل: لماذا لم يكن الرمل في أشواط أربعة.
فالجواب: قلنا: الحكمة على ذلك ما يلي:
أولاً: التخفيف على الطائفين.
ثانياً: من أجل أن يقطع على وتر؛ لأن الطواف كله مبني على وتر،
فلو قلنا يرمل في الأربعة الأولى لقطع على شفع،
ولو قلنا يرمل في خمسة لكان فيه مشقة، فلهذا كانت الحكمة تقتضي أن يكون في الأشواط الثلاثة الأولى، كما فعل النبي ﷺ.
فإن قال قائل: إذا دار الأمر بين أن أرمل مع البعد عن الكعبة وبين أن أمشي مع القرب، فأيهما أقدم؟
فالجواب: قدم الأول فارمل، ولو بعدت عن الكعبة؛ لأن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من مراعاة الفضيلة المتعلقة بزمانها، أو مكانها».
وهذه القاعدة لها أمثلة:
منها: لو أن رجلاً حين دخل عليه وقت الصلاة وهو حاقن، أو بحضرة طعام فهل الأولى أن يقضي حاجته ويأكل طعامه،
ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها؟ أو العكس؟
فالجواب: الأول، فهنا راعينا نفس العبادة دون أول الوقت؛ لأنه إذا صلى فارغ القلب مقبلاً على صلاته كانت الصلاة أكمل.
ومنها: لو أن شخصاً أراد أن يصلي في الصف الأول، وحوله ضوضاء وتشويش أو حوله رجل له رائحة كريهة تشغله، فهل الأولى أن يتجنب الضوضاء، والرائحة الكريهة،
ولو أدى ذلك إلى ترك الصف الأول، أو أن يصف في الصف الأول مع وجود التشويش أو الرائحة الكريهة؟
فالجواب: لا شك أن الأولى تجنب التشويش، وترك الصف الأول؛ لأن هذا يتعلق بذات العبادة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.