ومن اشترى مكيلا ونحوه "صح ولزم بالعقد" ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه
Its commentaries
(ومن اشترى مكيلا ونحوه) وهو الموزون والمعدود والمذروع (صح) البيع (ولزم بالعقد) حيث لا خيار (ولم يصح تصرفه فيه) ببيع أو هبة أو إجارة أو رهن أو حوالة (حتى يقبضه) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه» متفق عليه،
ويصح عتقه وجعله مهرا أو عوض خلع ووصيته به،
وإن اشترى المكيل ونحوه جزافا صح التصرف فيه قبل قبضه «لقول ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حبا مجموعا فهو من مال المشتري» .
مكيلا ونحوه) وهو الموزون، والمعدود والمذروع (صح) البيع ولو كان قفيزا من صبرة، أو رطلا من زبرة حديد ونحوه، ومكيل، أصله: مكيول معتل العين، كمبيع أصله مبيوع، والمكيل والموزون: محله باب الربا، لأن الكيل والوزن من جملة علل الربا.
ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه» متفق عليه وفي لفظ «حتى يقبضه» وحكاه الشيخ إجماعا، ولمسلم «حتى يكتاله» أي حتى يأخذه بالكيل، قال ابن عباس: ولا أحسب غيره إلا مثله، ولأحمد «إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه» ولأبي داود «نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم» قال الشيخ: وابن القيم وغيرهما: علة النهي عن البيع قبل القبض، عجز المشتري عن تسلمه، لأن البائع قد يسلمه، وقد لا يسلمه، لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح، فإنه يسعى في رد البيع
إما بجحد أو احتيال في الفسخ، وتأكد بالنهي عن ربح ما لم يضمن.
فلا يبعه حتى يستوفيه» متفق عليه ويصح عتقه أي عتق المبيع قبل قبضه، لقوة سرايته، كما لو اشترى عبيدا على أنهم عشرة فأعتقهم قبل عدهم، صح العتق قولا واحدا، قال الشيخ: يملك المشتري المبيع بالعقد،
ويصح عتقه قبل قبضه إجماعا فيهما.
المكيل ونحوه جزافا، صح التصرف فيه قبل قبضه لأن التعيين كالقبض، هذا المذهب عنه بعض الأصحاب.
أدركته الصفقة حيا مجموعا، فهو من مال المشتري أي فدل على جواز التصرف في الصبرة قبل القبض،
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: الدليل لا يطابق المدعى، لعدم تلازم الضمان، وجواز التصرف، بدليل ما في الصحيحين: كانوا يتبايعون الطعام جزافا بأعلى السوق، فنهاهم صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى ينقلوه، وقوله «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه» اهـ.
«من اشترى مكيلاً ونحوه»«من» اسم شرط جازم، وجواب الشرط قوله:«صح ولزم بالعقد».
رتب المؤلف على شراء المكيل ونحوه أحكاماً ابتدأها بقوله:
«صح ولزم بالعقد» هذا هو الحكم الأول والثاني.
وقوله:«مكيلاً ونحوه» كالموزون، والمعدود، والمذروع، فهذه ثلاثة أشياء بالإضافة إلى المكيل تكون أربعة،
فإذا اشترى شيئاً من ذلك «صح»، والفاعل يعود على الشراء؛ لأنه قال: من اشترى شيئاً، ومعلوم أنه إذا صح الاشتراء صح الشراء. فيصح الشراء وإن لم يوكل وإن لم يوزن وإن لم يُعد وإن لم يُذرع.
وقوله:«ولزم بالعقد» أي: لزم الاشتراء بالعقد، أي: بمجرده، ولكن حيث لا خيار،
أما إذا كان هناك خيار مجلس فلا يلزم العقد إلا بالتفرق بعده، فيلزم بالعقد إلا أن يكون فيه خيار. «ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه» فرتب المؤلف على هذا الاشتراء ثلاثة أشياء: أولاً: الصحة، أي يصح العقد على المكيل قبل أن يكال وعلى الموزون قبل أن يوزن، وعلى المعدود قبل أن يعد، وعلى المذروع قبل أن يذرع، وهذه تقيد بما إذا تمت شروط الصحة وانتفت الموانع،
وهذا أمر قد يقال: إنه معلوم من قوله: «ومن اشترى»؛ لأن الاشتراء الشرعي لا يكون إلا إذا تمت الشروط وانتفت الموانع.
ثانياً: لزم بالعقد، ويقيد هذا حيث لا خيار.
ثالثاً: لم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه، بكيل إن اشتراه بكيل، وبوزن إن اشتراه بوزن، وبذرعٍ إن اشتراه بذرع، وبِعَدٍّ إن اشتراه بِعَدٍّ.
وهل يقيد أو لا؟
ظاهر كلام المؤلف أن أي تصرف فيه فإنه لا يصح حتى يقبضه، سواء تصرف فيه ببيع، أو هبة، أو جعله صداقاً، أو عوض خلع، أو أجرة إجارة أو غير ذلك؛ لعموم قوله:«تصرفه»؛ لأن «تصرف» مفرد مضاف فيكون عاماً حتى يقبضه، ولكن هذا العموم المستفاد من قوله:«تصرفه» عموم أريد به الخصوص، فالمراد التصرف العوضي، أي: أن يكون تصرفه بعوض، مثل البيع، والهبة بعوض، وجعله أجرة.
وأما تصرفه فيه بهبة أو صدقة أو هدية أو ما أشبه ذلك فلا بأس، هذا هو المراد وهو المذهب أيضاً؛ لأن عمر رضي الله عنه باع على النبي ﷺ بعيراً، فوهبه النبي ﷺ لابن عمر رضي الله عنه وكان راكبها قبل أن يقبضها من عمر رضي الله عنه، فهذا تصرف بهبة بغير معاوضة، ولهذا جاء في الحديث:«فلا يبعه حتى يقبضه»، ومعلوم أن البيع معاوضة،
وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ذكر البيع وحده، فهو دليل على أن ما شابهه كالأجرة، وهبة الثواب ـ يعني الهبة على عوض ـ فهي مثله،
أما ما لم يوافقه في العلة ولم يقصد به المعاوضة، وإنما قصد به وجه الله إن كان صدقة، أو التودد والتحبب إن كان هدية وهبة، فإنه لا يساويه في الحكم، وقياس الهبة والهدية على البيع قياس مع الفارق.
وقوله:«ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه» هذا هو الحكم الثالث. وظاهر كلامه ولو مع البائع يعني،
ولو كان مع البائع.
مثاله: اشتريت مائة صاع من هذا الرجل، وهي عندي الآن بيدي، ثم بعتها عليه بثمنها أو أكثر فهل يصح؟
ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح، فلا يصح التصرف حتى مع البائع .
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يصح تصرفه مع البائع،
وأن قول الرسول ﷺ :«فلا يبعه حتى يقبضه»، يعني لا يبيعه على غير بائعه؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير ونبيعها بالدنانير، فنأخذ عنها الدراهم، فسألت رسول الله ﷺ فقال:«لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء»، وهذا هو الصحيح.
واختار ـ أيضاً ـ أنه إذا باعه تولية فلا بأس، ومعنى تولية أي: برأس المال،
وقال: إن العلة في النهي أنه إذا باعه بربح، فقد ربح فيما لم يضمن، أي: فيما لم يدخل في ضمانه، وأيضاً فإن العلة من النهي خوف العداوة والبغضاء، أو محاولة البائع فسخ العقد؛ لأن البائع إذا رأى أن المشتري قد ربح فيه قبل أن ينقله إلى بيته فربما يحاول فسخ العقد بأي طريق، فيحصل بذلك نزاع وخلاف، ولكن الأولى أن يقال: إن النهي في الحديث على ظاهره، وأنه يشمل حتى ما إذا باعه على بائعه، أو باعه تولية أو مشاركة أو مواضعة أو أي شيء، فهذا هو ظاهر النص، والذي ينبغي لنا أن نأخذ بعموم الحديث، وقد سبق لنا أن العلة المستنبطة لا تقوى على تخصيص العموم؛
لأنه من الجائز أن تكون هذه العلة خطأ وأن استنباطنا لها ليس بصواب، فلا نخصص بها عموم الكتاب والسنة بمجرد أن نقول: إن الحكم مبني على هذه العلة، وعلى هذا فيكون هذا من المواضع التي يخالف فيها شيخ الإسلام رحمه الله مع أن غالب اختياراته أقرب إلى الصواب من غيره، كل ما اختاره إذا تأملته وتدبرته وجدته أقرب إلى الصواب من غيره، لكنه ليس بمعصوم، لدينا نحو عشر مسائل أو أكثر نرى أن الصواب خلاف كلامه رحمه الله؛
لأنه كغيره يخطئ ويصيب، ثم هو ظاهر تعليل ابن عباس رضي الله عنهما لما سأله طاووس بن كيسان قال له: لم النهي؟ قال: لأنه دراهم بدراهم، والقبض مرجأ ، أي: مؤخر، وجه ذلك أنني إذا اشتريت من هذا الرجل سلعة بمائة دينار وأبقيتها عنده، ثم بعتها بمائة دينار وعشرة دنانير، صار كأنني بعت مائة دينار بمائة وعشرة فقط؛ وهذه السلعة ممر، وهذا الاستنباط من ابن عباس رضي الله عنهما قريب جداً؛ لأنها في هذه الحال تشبه العينة من بعض الوجوه.
وإذا كان ابن عباس رحمه الله ورضي عنه ـ يرى هذا التعليل، وهو صحابي جليل فقيه، فإنه يدلك على قبح المعاملات المشهورة الآن، والتي يسمونها التقسيط، بأن يختار المشتري سلعة معينة، ثم يذهب إلى تاجر من التجار ويقول: اشترها لي ثم بعها عَلَيَّ بربح، فهذا واضح أنه ربا ولا يخفى إلا على إنسان لم يتأمل؛ لأن حقيقته أنه أقرضه الثمن بزائد، فبدلاً من أن يقول: أعطني ـ مثلاً ـ قيمة هذه السلعة وأعطيك فيها ربحاً، قال: اشترها لي ثم بعها عَلَيَّ، والتاجر لم يرد الشراء إطلاقاً، ولولا هذا ما اشتراها بفلس واحد، وواضح أن المقصود هو الربا، ولا يشكل هذا على إنسان إذا تأمله،
وإذا كان ابن عباس رضي الله عنهما يرى أن العلة في النهي عن بيع الشيء قبل قبضه، هو أنه يشبه بيع الدراهم بالدراهم مع تأخير القبض، فهذه من باب أولى وأعظم، وهي واضحة جداً، لكن مع الأسف أن الناس الآن انكبوا عليها انكباباً عظيماً،
ثم إن هؤلاء ينكرون إنكاراً عظيماً على الذين يتبايعون بالربا الصريح مثل البنوك، فالبنك يقول: خذ هذه الألف بألف ومائة صراحة، وهذا يقول: خذ هذه الألف بألف ومائة مع اللف والدوران، ومعلوم أن من يأتي الشيء صريحاً أهون ممن يأتيه مخادعة؛ لأن المخادعة يكون الإنسان قد وقع في مفسدة الربا مع مفسدة الخداع،
ثم إن الذي يأتي الشيء بالخداع يأتيه وكأنه أمر حلال، يعني لا يكون عنده خشية لله عز وجل، أو يرى أنه مذنب فيخجل من الله، أو أنه مذنب فيحاول أن يستعتب؛ لكنه يرى أن هذا مباح، وأنه سيستمر عليه، لكن من أذنب ذنباً صريحاً فسيكون في قلبه شيء من خشية الله عز وجل، وخوف العقوبة والإنابة إلى الله عز وجل.
وقوله:«من اشترى مكيلاً ونحوه صح ولزم بالعقد ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه».
ظاهر كلام المؤلف أن المكيل ونحوه لا يجوز التصرف فيه ولو بيع جزافاً، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الذي دل عليه حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما :«أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافاً فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوه حتى يحوّلوه»، ولأن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: يا رسول الله إن لي بيوعاً فما يحل لي منها وما يحرم؟ فقال:«إذا ابتعت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه»، و «شيئاً» نكرة في سياق الشرط فتكون للعموم، ويؤيد ذلك تفقه ابن عباس رضي الله عنهما لما قال ـ حينما ذكر أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يقبض ـ:«ولا أحسب كل شيء إلا مثله».
وهذا القياس من ابن عباس رضي الله عنهما قد دل عليه النص صريحاً، ولعل ابن عباس رضي الله عنهما لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ،
وكذلك حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي ﷺ«نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم»، فالصحيح أن كل شيء لا يباع حتى يقبض.
وقيل: إذا بيع جزافاً فلا بأس من التصرف فيه قبل القبض وهو المذهب.
ثم انتقل المؤلف إلى الكلام عن ضمان المبيع قبل قبضه، هل يكون على البائع أو يكون على المشتري؟
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.