فإن كان صبيا أو مجنونا لم يستوقه وحبس الجاني إلى البلوغ والإفاقة.
Its commentaries
(فإن كان) مستحق القصاص أو بعض مستحقه (صبيا أو مجنونا لم يستوفه) لهما أب ولا وصي ولا حاكم؛ لأن القصاص ثبت لما فيه من التشفي والانتقام، ولا يحصل ذلك لمستحقه باستيفاء غيره (وحبس الجاني) مع صغر مستحقه (إلى البلوغ، و) مع جنونه إلى (الإفاقة) لأن معاوية حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل، وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر،
وإن احتاج لنفقة فلولي مجنون فقط العفو إلى الدية.
الشرط
لم يستوفه) لهما أب، ولا وصي، ولا حاكم لأن غير المكلف، ليس أهلا للاستيفاء لعدم تكليفه، إذ هو لا يصح إقراره ولا تصرفه.
التشفي والانتقام، لا يحصل ذلك لمستحقه باستيفاء غيره
بخلاف الدية، فإن الغرض يحصل باستيفاء الأب، واتفقوا على أنه ليس للأب أن يستوفي القصاص لولده الكبير،
وقال الشافعي وأحمد: وكذا الصغير، في النفس أو الطرف.
احتاجا لنفقة فلولي مجنون فقط العفو إلى الدية
قال في الإنصاف: وهو المذهب، وذلك لأنه ليس له حالة معتادة، ينتظر فيها إفاقته، ورجوع عقله،
بخلاف الصبي، قال بعض المتأخرين، ذكروا أن اللقيط المجني عليه أن لوليه العفو مع صغره، والفرق أنه ما دام مجهول النسب، ليس له من ينفق عليه، ولامال ينفق عليه منه فيحتاج إلى المال، فالعفو من الإمام فيه حظ،
بخلاف الصغير، فإنه قد يكون له مال أو يتجد له، أو له من ينفق عليه، فالعفو إلى مال تصرف بما ليس له فيه حظ،
وإن لم يحتاجا فليس له العفو على مال، قولا واحدا. وإلا فلا قصاص، حكاه الموفق وغيره، قولا واحدا، لأن الاستيفاء حق مشترك، لا يمكن تبعيضه، فلم يجز لأحد التصرف فيه، بغير إذن شريكه.
«فإن كان صبياً أو مجنوناً لم
يُستوفَ» أي: فإن كان المستحق للقصاص صبياً أو مجنوناً لم يستوف؛ وذلك لعدم التكليف، ولكن ماذا يصنع بالجاني؟
بيَّنه المؤلف فقال:
«وحبس الجاني إلى البلوغ والإفاقة»
فلو كان المستحِق للقصاص صغيراً وله أب، كما لو قتل رجل، وورثه أبوه وابنه الصغير، فليس للأب أن يستوفي القصاص؛ لأن أحد مستحقيه صغير لم يبلغ، والعلة أن القصاص إنما وجب للتشفي من القاتل، وليذهب الإنسان ما في قلبه من الغيظ على هذا القاتل الذي قتل مورِّثه، وهذا لا يمكن أن يقوم به أحد عن أحد؛ لأن التشفي معنى يقوم بالنفس، فأبو الرجل لا يتشفّى عن ابن ابنه، ولهذا يحبس حتى البلوغ أو الإفاقة،
وقال في الروض : «ولأن معاوية رضي الله عنه حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل ، وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر»، فعندنا هنا دليل وتعليل.
واستثنى بعض العلماء من هذه المسألة ما إذا كان القتل غيلة ـ أي: أن يقتله على غِرَّة ـ فإنه يقتل القاتل بكل حال، سواء اختار أولياء المقتول القتل أم الدية، فإنه لا خيار لهم في ذلك، وهذا مذهب الإمام مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وبناءً على هذا القول فإنه لا يحبس الجاني حتى يبلغ أولياء المقتول.
وإنما اختار ذلك مالك وشيخ الإسلام؛ لأن قتل الغيلة فيه مفسدة عظيمة، ولأنه لا يمكن التحرز منه، إلاّ أن يكون مَلِكاً أو أميراً له جنود وحاشية يحرسونه فيمكنه التحرز منه، لكن عامة الناس لا يمكنهم التحرز منه. الثَّانِي: اِتِّفاقُ الأَوْلِياءِ المُشْتَرِكينَ فِيهِ عَلَى اسْتِيفَائِهِ، وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ،
وَإِنْ كَانَ مَنْ بَقِيَ غَائِباً، أَوْ صَغِيراً، أَوْ مَجْنُوناً، انْتُظِرَ القُدُومُ، وَالبُلُوغُ، وَالعَقْلُ، الثَّالِثُ: أَنْ يُؤْمَنَ فِي الاسْتِيفَاءِ أَنْ يَتَعَدَّى الْجَانِيَ،
فَإِذَا وَجَبَ عَلَى حَامِلٍ أَوْ حَائِلٍ فَحَمَلَتْ لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ الوَلَدَ وَتُسْقِيَهُ اللَّبَأَ، ........................
قوله «الثاني: اتفاق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه» فإن عفا بعضهم سقط القصاص، حتى لو فرض أن هذا الذي عفا لا يرث إلاّ واحداً من مليون سهم فإنه لا يمكن القصاص؛
لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ ﴿عُفِيَ لَهُ﴾ أي: القاتل، ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ المقتول، و ﴿شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعم أي جزء،
فإذا عفي عن القاتل ولو جزءاً يسيراً فإنه لا قصاص؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فيُتبَع القاتلُ بالمعروف ولا يؤذى، وقوله: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى العافي ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ فالأداء وصف من أوصاف الدية.
وأما التعليل فلأنه إذا عفي عن القاتل جزء من دمه فإن القتل لا يتبعض،
فإذا كان الورثة ستة، وعفا واحد منهم، فلا يمكن أن نقتل القاتل خمسة من ستة من القتل، ونبقي واحداً من ستة! فلمَّا كان جزء من القاتل لا بد أن يبقى حياً، وكان لا يمكن حياة هذا الجزء إلاّ بحياة الباقي، كان عفو بعض الورثة مانعاً من القتل.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.