ولا تجب به كفارة.
Its commentaries
(ولا تجب به) أي بالحلف بغير الله (كفارة) إذا حنث.
Adds nothing on this mas’ala.
به) أي بالحلف بغير الله (كفارة) إذا حنث لأنها إنما وجبت في الحلف بالله، صيانة لأسمائه تعالى، وغيره لا يساويه في ذلك،
وقال بعضهم: وكذا الحلف بعتق أو طلاق،
وفي الاختيارات اختلف كلام أبي العباس، في الحلف بالطلاق، فاختار في موضع التحريم وتعزيره وهو قول مالك، ووجه لنا.
واختار في موضع آخر: أنه لا يكره، وأنه قول غير واحد من أصحابنا، لأنه لم يحلف بمخلوق، ولم يلتزم لغير الله شيئا، وإنما التزم به كما يلتزم بالنذر، والالتزام لله، أبلغ من الإلتزام به، بدليل النذر واليمين، ولهذا لم تنكر الصحابة على من حلف بذلك، كما أنكروا على من حلف بالكعبة. قال الوزير: أجمعوا على أن اليمين المتعمدة المنعقدة، هو أن يحلف بالله على أمر في المستقبل أن يفعله ولا يفعله،
وإذا حنث وجبت عليه الكفارة اهـ لأن العقد إنما يكون فيه دون الماضي، قال تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} .
فدلت الآية على أن وجوب الكفارة في الأيمان المنعقدة، ولا يكون إلا في المستقبل من الزمان، دون الماضي لعدم إمكان البر والحنث، وغير الممكن كلا شربت ماء الكوز، ولا ماء به، لأنه لغو.
«ولا تجب به كفارة» لأنه يمين غير شرعي، وما ليس بشرعي لا يترتب عليه أثره، قال رسول الله ﷺ :«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وكل ما خالف الشرع فإنه لا أثر له.
فإن قلت: الحلف بغير الله محرم وشرك، ولكن فَعَلَهُ أتقى الناس لله، وهو محمد رسول الله ﷺ، فإنه جاء إليه أعرابي وسأله عن شعائر الإسلام فأخبره، ثم قال الرجل: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال النبي ﷺ :«أفلح وأَبِيهِ إن صدق»، فكيف نقول: إن الحلف بغير الله محرم أو شرك، والشرك ممتنع على الأنبياء؛ لأنه ينافي دعوتهم تماماً؛ لأنهم يدعون إلى التوحيد، والشرك ينافيه ولو كان صغيراً؛ لأنه إذا كان كبيراً فهو ينافي أصله،
وإن كان صغيراً فهو ينافي كماله، فكيف يحلف الرسول ﷺ بغير الله في قوله:«أفلح وأبيه»؟
الجواب: للعلماء على هذا عدة أجوبة: الأول: أن في هذا الحديث تصحيفاً،
وأن أصله:«أفلح والله»، لكن لما كانوا في الأول لا ينقِّطون،
فإن «أبيه» مثل «الله» فيها نبرتان والهاء، لكن قصرت النبرتان وحذف الإعجام فصارت «وأبيه»، وهذا غير صحيح؛ لأن الأصل عدم التصحيف، ولأن هذا يفتح علينا باباً خطيراً بالنسبة للرواة، إذ كل شيء لا تقبله نفوسنا نقول: هذا مصحَّف.
الثاني: أن هذا قبل النهي عن الحلف بالآباء،
وأن هذا كان في الأول كثيراً شائعاً، والناس قد ألِفُوه، فتأخر النهي عنه، كما تأخر النهي عن الخمر، فإنها لم تحرم إلا في السنة السادسة من الهجرة،
وكذلك الحجاب ما وجب إلا في السنة السادسة من الهجرة؛ لأن الشيء المألوف يصعب على النفس أن تدعه في أول الأمر، فقالوا: إن الشرع تركهم على هذا الشيء؛ لأنه مألوف عندهم،
ولما استقر الإيمان في نفوسهم نهى عنه، ويكون قسم الرسول ﷺ«بأبيه» قبل النهي، وحينئذٍ نقول: هو منسوخ.
ولكن النسخ من شروطه العلم بالتاريخ، ومجرد التعليل ليس حكماً بالتقدم أو التأخر، فهذا لا يكفي بل لا بد أن نعلم التأخر، وعلى هذا فالقول بالنسخ ـ أيضاً ـ ضعيف.
الثالث: أن هذا مما يجري على اللسان بغير قصد، فيكون من لغو اليمين، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ،
ولو فرضنا أن الناس اعتادوا على هذا فإننا نتركهم، وعليه فالذين اعتادوا أن يحلفوا بالنبي ﷺ لا ننهاهم، لأن هذا يجري على ألسنتهم، وقد جاءني رجل يريد أن يستفتيني فقال: والنبي تفتيني في هذه المسألة، فقلت له: الحلف بالنبي ﷺ حرام، فسكت الرجل وقال: والنبي ما عمري أعود إلى هذا الشيء! فهذا القول غير وجيه، ولا يستقيم مع قوله ﷺ :«لا تحلفوا بآبائكم»؛ لأنه ﷺ نهى عن هذا بالذات، وما كان منهياً عنه بذاته، كيف نقول: إنه ﷺ أقره، وأنه يبقى حكمه إلى الآن؟!
هذا لا يمكن.
الرابع: أن النهي عن الحلف بغير الله خوفاً من أن يقع في قلب الحالف من تعظيم هذا المحلوف به، كما يكون في قلبه من تعظيم الله، وهذا بالنسبة للنبي ﷺ ممتنع، فلا يمكن أن يقوم في قلبه تعظيم أبي هذا الأعرابي كتعظيم الله، وعلى هذا الوجه يكون هذا خاصاً بالنبي ﷺ؛ لعلمنا أن المحذور من الحلف بغير الله لا يتصور في حقه، وعلى هذا يكون الحلف بالأب ونحوه على من سوى النبي ﷺ ممنوعاً،
أما في حقه ﷺ فهو جائز.
لكن هذا يضعفه أنه ﷺ أسوة أمته، ولا يمكن أن يحلف بغير الله وهو يعلم أن الأمة سوف تتأسَّى به، لكن قد يقال: إن الأمة قد أخبرها بالحكم بقوله ﷺ: «لا تحلفوا بآبائكم».
وهذا الوجه الرابع ينطبق تماماً على ما ذهب إليه الشوكاني وجماعة من العلماء من أن الفعل من رسول الله ﷺ لا يعارض القول مطلقاً.
فالأقرب من هذه الأوجه أن يكون منسوخاً، وهذا في النفس منه شيء؛ لأننا لم نعلم تاريخه، أو أنه خاص برسول الله ﷺ. وعلى كل حال نقول: لدينا نص مشتبه ونص محكم، فالنص المشتبه هو حلفه ﷺ بأبي هذا الرجل، والنص المحكم هو نهيه ﷺ عن الحلف بالآباء، والقاعدة الشرعية في طريق الراسخين في العلم أن يحملوا المتشابه على المحكم؛ ليكون الشيء كله محكماً، فما دام هذا الشيء فيه احتمالات،
فإن لدينا نصاً محكماً لا يمكن أن نحيد عنه وهو النهي عن الحلف بالآباء. ويصلح أن يجاب بأن هذا على حذف مضاف والتقدير: ورب أبيه ولكن هذا ضعيف لأن الأصل عدم الإضافة والحذف.
الخامس: أن هذه اللفظة «وأبيه» شاذة، وغير محفوظة،
فإذا صح هذا فقد كفينا، ولا حاجة لهذه الأجوبة،
وإذا صحت فهذه أجوبتها.
وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:
الأوَّلُ: أَنْ تَكُونَ اليَمِينُ مُنْعَقِدَةً، وَهِيَ الَّتِي قُصِدَ عَقْدُهَا عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ، .......
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.