ويقول: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله هذا التشهد الأول
Its commentaries
(ويقول) سرا: (التحيات لله) أي الألفاظ التي تدل على السلام والملك والبقاء والعظمة لله تعالى أي مملوكة له أو مختصة به، (والصلوات) أي الخمس، أو الرحمة، أو المعبود بها، أو العبادات كلها، أو الأدعية، (والطيبات) أي الأعمال الصالحة، أو من الكلم (السلام) أي اسم السلام وهو الله، أو سلام الله (عليك أيها النبي) بالهمز من النبأ؛ لأنه يخبر عن الله وبلا همز
إما تسهيلا، أو من النبوة، وهي الرفعة وهو من ظهرت المعجزات على يده (ورحمة الله وبركاته) جمع بركة، وهي النماء والزيادة (السلام علينا) أي على الحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة (وعلى عباد الله الصالحين) جمع صالح وهو القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق عباده.
وقيل: المكثر من العمل الصالح، ويدخل فيه النساء،
ومن لم يشاركه في الصلاة، (أشهد أن لا إله إلا الله) أي أخبر بأني قاطع بالوحدانية (وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) المرسل إلى الناس كافة. (هذا التشهد الأول) علمه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابن مسعود وهو في " الصحيحين "،
مملوكة له ومختصة به . (والصلوات) أي الخمس وما هو أعم من الفرض والنفل لله تعالى، فإنه لا يستحق أحد الصلاة إلا الله عز وجل.
أو المعبود بها، أو العبادات كلها، أو الأدعية التي يراد بها تعظيم الله لله تعالى، ومنها الشهادتان، والخوف، والرجاء والتوكل والإنابة والخشية، وغير ذلك من أنواع العبادة لله تعالى، وهو مستحقها ولا تليق بأحد سواه. حكاه الأزهري وغيره، ولفظه: أو سلم الله عليك تسليما، فتضمن معنيين، ذكر الله وطلب السلامة، وأتى بلفظ الحاضر المخاطب تنزيلا له منزلة المواجه، لقربه من القلب، حتى أنه لأدنى إلى العبد من روحه.
همز، إما تسهيلا أو من النبوة وهي الرفعة فعيل بمعنى فاعل،
وفي الحديث لا تنبزوا باسمي إنما أنا نبي الله وتركها هو المختار عند العرب،
وقيل: مأخوذ من النبي الذي هو الطريق الواضح، لأنه الطريق إلى الله تعالى.
ويدخل فيه النساء، ومن لم يشاركه في الصلاة لقوله في رواية لهما: «فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح، في السماء والأرض» ، ويقصد بألفاظ التشهد معانيها، مرادة له على وجه الإنشاء، كأنه يحي الله ويسلم على نبيه، وعلى نفسه، وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض، قال الترمذي، من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة، فليكن عبدا صالحا، وإلا حرم هذا الفضل العظيم.
إله إلا الله) أي أخبر بأني قاطع بالوحدانية أي: نفي الألوهية عما سوى الله، وإفراده بالعبادة، والشهادة خبر قاطع، والقطع من فعل القلب، واللسان مخبر عن ذلك، والمشاهدة المعاينة، فتشهد شهادة اليقين أن لا معبود بحق إلا الله،
وإن كان ابتداء هذه الكلمة العظيمة نفيًا، فالمراد به غاية الإثبات، ونهاية التحقيق،
ومن خواصها أن حروفها مهملة، تنبيها على التجرد من كل معبود سوى الله، وكلها جوفية، تنبيهًا على أن المراد بها الإخلاص للإتيان بها من خالص جوفه، وهو القلب لا من الشفتين وفي الحديث: «أفضل الذكر لا إله إلا الله» ، وذكر جماعة أنه لا بأس بزيادة «وحده لا شريك له» .
محمدًا عبده ورسوله) . المرسل إلى الناس كافة قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} بل إلى جميع الثقلين الجن والإنس بالإجماع.
. المرسل إلى الناس كافة (هذا التشهد الأول) في المغرب، والرباعية ونحوهما، وهو مشروع بغير خلاف، نقله الخلف عن السلف عن النبي صلى الله عليه وسلم، نقلا متواترا يفيد القطع
ويشترط موالاته، وذكر العاطف بين الشهادتين، ولفظ أشهد، ورعاية حروفه، وتشديداته، والإعراب المخل بالمعنى، وإسماع نفسه، ويكتفي بالنطق بالحروف كما تقدم، فإنه متى حرك لسانه كان متكلما، وصحح في تصحيح الفروع أنه إذا أتى بالألفاظ المتفق عليها أجزأه،
وإن كان الساقط ثابتا في حديث ابن مسعود وغيره، والأولى الإتيان بالوارد دون التلفيق، وتخفيفه وعدم الزيادة عليه، لحديث كان يجلس في الأوليين كأنه على الرضف، رواه أبو داود وغيره، والرضف الحجارة المحماة، وحديث: «نهض حين فرغ من تشهده» ، قال الطحاوي: من زاد عليه فقد خالف الإجماع،
وقال أحمد: من زاد فقد أساء،
ولو فرغ المؤتم قبل إمامه سكت وفاقا،
وقيل يتمهل، وقيل: يكرره اختاره شيخنا وغيره، ولم يشرع في الصلاة سكوت إلا لمستمع لقراءة إمامه، ولا يخلو موضع من الصلاة من قول أو عمل.
«ويقول: التحيات لله … » يقول بلسانه متدبِّراً ذلك بقلبه وهل يُشترطُ أن يُسمعَ نفسَه؟
فيه خِلافٌ سَبَقَ ذِكْرُه .
أمَّا المذهبُ فيُشترط أن يُسمعَ نفسَه في الفاتحة،
وفي كُلِّ ذِكْرٍ واجبٍ. «التحيات لله» التحيات: جمع تحيَّة، والتحيَّة هي: التَّعظيم، فكلُّ لَفْظٍ يدلُّ على التَّعظيم فهو تحيَّة، و «الـ» مفيدة للعموم، وجُمعت لاختلاف أنواعها،
أما أفرادها فلا حدَّ لها، يعني: كُلَّ نوع من أنواع التَّحيَّات فهو لله، واللام هنا للاستحقاق والاختصاص؛ فلا يستحقُّ التَّحيَّات على الإطلاق إلا الله عز وجل.
ولا أحد يُحَيَّا على الإطلاق إلا الله،
وأمَّا إذا حَيَّا إنسانٌ إنساناً على سبيل الخصوص فلا بأس به.
لو قلت مثلاً: لك تحيَّاتي، أو لك تحيَّاتُنَا، أو مع التحيَّة، فلا بأس بذلك،
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الآية لكن التَّحيَّات على سبيل العموم والكمال لا تكون إلا لله عز وجل.
فإذا قال قائل: هل اللَّهُ بحاجة إلى أن تحييه؟
فالجواب: كلاَّ؛ لكنه أهْلٌ للتعظيم، فأعظِّمه لحاجتي لذلك لا لحاجته لذلك، والمصلحة للعبد قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ . «والصلوات» أي: لله، وهو شاملٌ لكلِّ ما يُطلق عليه صلاة شرعاً أو لُغةً، فالصَّلوات كلُّها لله حقًّا واستحقاقاً، لا أحد يستحقُّها؛
وليست حقًّا لأحد سوى الله عز وجل، والدُّعاءُ أيضاً حقٌّ واستحقاق لله عز وجل كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ *﴾ [غافر] فكلُّ الصلوات فرضُها ونفلُها لله، وكُلُّ الأدعية لله. «والطيبات».
الطيبات لها معنيان:
المعنى الأول: ما يتعلَّق بالله.
المعنى الثاني: ما يتعلَّق بأفعال العباد. فما يتعلَّق بالله فله مِن الأوصاف أطيبها،
ومِن الأفعال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها، قال النبيُّ ﷺ :«إن الله طيب، لا يَقبلُ إلا طيباً … » يعني: لا يقول إلا الطيب، ولا يَفعلُ إلا الطَّيب، ولا يتَّصفُ إلا بالطيب، فهو طيب في كُلِّ شيء؛ في ذاته وصفاته وأفعالِه.
وله أيضاً مِن أعمال العباد القولية والفعلية الطَّيبُ ،
فإن الطَّيبَ لا يليقُ به إلا الطَّيب ولا يقدم له إلا الطيب، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ فهذه سُنَّةُ الله عز وجل.
فهل أنت أيُّها المصلِّي تستحضر حين تقول «الطيبات لله» هذه المعاني، أو تقولها على أنها ذِكْرٌ وثناء؟
أغلبُ النَّاسِ على الثاني، لا يستحضر عندما يقول:«الطيبات» أن الله طيِّب في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه وأقوالِه، وأنه لا يليقُ به إلا الطَّيب مِن الأقوال والأفعال الصَّادرة مِن الخَلْقِ.
وضدُّ الطَّيِّب شيئان: الخبيث، وما ليس بطيب ولا خبيث؛ لأن الله سبحانه له الأوصاف العُليا ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ فلا يُمكنُ أن يكون في أوصافه أو أفعاله أو أقواله ما ليس بطيب ولا خبيث، بل كُلُّ أفعالِه وأقوالِه وصفاتِه كلُّها طيبة.
أما ما يصدرُ مِن الخَلْق؛ فمنه ما هو طيِّبٌ، ومنه ما هو خبيثٌ، ومنه ما ليس كذلك، لكن ما الذي يَصعد إلى الله ويُرفع إلى الله؟ الجواب: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وما ليس بطيِّبٍ فهو إلى الأرض، لا يصعدُ إلى السَّماءِ. «السلام عليك»«السَّلام» قيل: إنَّ المراد بالسَّلامِ: اسمُ الله عز وجل؛ لأن النبيَّ ﷺ قال:«إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ» كما قال عز وجل في كتابه: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ وبناءً على هذا القول يكون المعنى: أنَّ الله على الرَّسولِ ﷺ بالحِفظ والكَلاءة والعناية وغير ذلك، فكأننا نقول: اللَّهُ عليك، أي: رقيب حافظ مُعْتَنٍ بك، وما أشبه ذلك.
وقيل: السلام: اسم مصدر سَلَّمَ بمعنى التَّسليم كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فمعنى التسليم على الرسول ﷺ: أننا ندعو له بالسَّلامة مِن كُلِّ آفة.
إذا قال قائل: قد يكون هذا الدُّعاء في حياته عليه الصلاة والسلام واضحاً، لكن بعد مماته كيف ندعو له بالسَّلامةِ وقد مات ﷺ؟
فالجواب: ليس الدُّعاءُ بالسَّلامة مقصوراً في حال الحياة، فهناك أهوال يوم القيامة، ولهذا كان دعاء الرُّسل إذا عَبَرَ النَّاسُ على الصِّراط:«اللَّهُمَّ، سَلِّمْ؛ سَلِّمْ»، فلا ينتهي المرءُ مِن المخاوف والآفات بمجرد موته. إذاً؛ ندعو للرَّسول ﷺ بالسَّلامةِ من هول الموقف، ونقول أيضاً: قد يكون بمعنى أعم، أي: أنَّ السَّلامَ عليه يشمَلُ السَّلامَ على شرعِه وسُنَّتِهِ، وسلامتها من أن تنالها أيدي العابثين؛ كما قال العلماءُ في قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قالوا: إليه في حياته، وإلى سُنَّتِهِ بعد وفاته.
السَّلامُ عَلَيْك أيُّهَا النَّبيُّ ............
وقوله:«السلام عليك» هل هو خَبَرٌ أو دعاءٌ؟ يعني: هل أنت تخبر بأن الرسولَ مُسَلَّمٌ، أو تدعو بأن الله يُسلِّمُه؟
الجواب: هو دُعاءٌ تدعو بأنَّ الله يُسلِّمُه، فهو خَبَرٌ بمعنى الدُّعاء قوة رجاء الإجابة أمرٌ واقع.
ثم هل هذا خطاب للرَّسول عليه الصلاة والسلام كخطابِ النَّاسِ بعضهم بعضاً؟
الجواب: لا، لو كان كذلك لبطلت الصَّلاة به؛ لأن هذه الصلاة لا يصحُّ فيها شيء من كلام الآدميين. ولأنَّه لو كان كذلك لجَهَرَ به الصَّحابةُ حتى يَسمعَ النبيُّ ﷺ، ولردَّ عليهم السَّلام كما كان كذلك عند ملاقاتِهم إيَّاه، ولكن كما قال شيخ الإسلام في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم»: لقوَّة استحضارك للرسول عليه الصلاة والسلام حين السَّلامِ عليه، كأنه أمامك تخاطبه.
ولهذا كان الصَّحابةُ يقولون: السلام عليك، وهو لا يسمعهم، ويقولون: السلام عليك، وهم في بلد وهو في بلد آخر، ونحن نقول: السلام عليك، ونحن في بلد غير بلده وفي عصر غير عصره.
وأمّا ما وَرَدَ في «صحيح البخاري» عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنهم كانوا يقولون بعد وفاة الرسول ﷺ :«السَّلامُ على النَّبيِّ ورحمة الله وبركاته» فهذا مِن اجتهاداتِه رضي الله عنه التي خالَفه فيها مَنْ هو أعلمُ منه؛ عُمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه، فإنه خَطَبَ النَّاسَ على مِنبر رسول الله ﷺ
وقال في التشهُّدِ:«السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله» كما رواه مالك في «الموطأ» بسَنَدٍ من أصحِّ الأسانيد ، وقاله عُمرُ بمحضر الصَّحابة رضي الله عنهم وأقرُّوه على ذلك.
ثم إن الرَّسولَ عليه الصلاة والسلام علَّمه أمَّته، حتى إنه كان يُعَلِّم ابنَ مسعود، وكَفُّه بين كفَّيه من أجل أن يستحضر هذا اللَّفظَ، وكان يُعلِّمُهم إيَّاه كما يُعلِّمُهم السُّورة من القرآن، وهو يعلم أنه سيموت؛ لأن الله قال له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ *﴾ [الزمر] ولم يقلْ: بعد موتي قولوا: السَّلامُ على النَّبيِّ، بل عَلَّمَهم التشهُّدَ كما يُعلِّمُهم السُّورةَ من القرآن بلفظها. ولذلك لا يُعَوَّلُ على اجتهاد ابن مسعود، بل يُقال:«السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ». «أيُّها النبيُّ» مُنادى حُذفت منه ياء النداء، والأصل: يا أيها النبيُّ، وحُذفت ياء النداء لكثرة الاستعمال والتخفيف، والبداءة بالكناية لرسول الله ﷺ.
ويُقال: النَّبيءُ بالهمزة، ويقال: النَّبيُّ بتشديد الياء بدون همزة.
أمّا إذا قيل: النبيءُ بالهمزة، فهو فعيل مِن النبأ بمعنى الخَبَر، لكنه فعيل، بمعنى فاعل ومفعول؛ لأنه منبئ ومنبأ.
وأما إذا قيل: النَّبيُّ بتشديد الياء بلا همز،
فإما أن تكون أصلها مهموزاً وحُذفت الهمزة تخفيفاً،
وإمَّا أن تكون من «النَّبْوَة» وهي الارتفاع وسُمِّيَ بذلك لارتفاع رُتبته ﷺ.
فإن قيل: ألا يمكن أن نقول بأنها النَّبي بالياء من الأمرين جميعاً من النَّبْوَة وهو الارتفاع،
ومن النبأ وهو الخبر؟
فالجواب: يمكن، لأن القاعدة: أن اللفظ إذا احتمل معنيين لا يتنافيان ولا مُرَجِّح لأحدهما على الآخر؛ حُمل عليهما جميعاً. ولا شَكَّ أن الرسولَ ﷺ مقامُه أرفع المقامات وأنه منبأ ومنبئ.
وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ........... «ورحمة الله»«رحمة» معطوفة على «السَّلام عليك» يعني: ورحمة الله عليك، فيكون عطف جملة على جملة والخبر محذوف،
ويجوز أن يكون مِن باب عطف المفرد على المفرد، فلا يحتاج إلى تقدير الخبر.
والرحمة إذا قُرنت بالمغفرة أو بالسَّلامِ صار لها معنى،
وإن أُفردت صار لها معنى آخر،
فإذا قُرنت بالمغفرة، أو بالسلام صار المراد بها: ما يحصُل به المطلوب، والمغفرة والسلام: ما يزول به المرهوب،
وإن أُفردت شملت الأمرين جميعاً، فأنت بعد أن دعوت لرسول الله ﷺ بالسَّلام دعوت له بالرَّحمة؛ ليزول عنه المرهوب ويحصُل له المطلوبُ.
فإن قال قائل: لماذا بدأ بالسَّلام قبل الرحمة؟
فالجواب: أنَّ التَّخلية قبل التحلية. فالتخلية: السَّلامة من النقائص، والتَّحلية: ذِكْرُ الأوصاف الكاملة، فنبدأ بطلب السلامة أولاً، ثم بطلب الرحمة. «وبركاته» جمع بَرَكَة، وهي الخير الكثير الثَّابت، لأن أصلها من «الْبِرْكة» بكسر الباء «والْبِرْكة» مجتمع الماء الكثير الثابت.
والْبَرَكَةُ هي: النَّمَاءُ والزِّيادة في كلِّ شيء من الخير، فما هي البركات التي تدعو بها للرَّسول عليه الصلاة والسلام بعد موته؟ ففي حياته ممكن أن يُبارك له في طعامه، في كسوته، في أهله، في عمله.
فأما البَرَكة بعد موته: فبكثرة أتباعه وما يتبع فيه،
فإذا قَدَّرنا أن شخصاً أتباعه مليون رَجُل، وصار أتباعه مليونين فهذه بَرَكَة.
وإذا قَدَّرْنا أن الأتباع يتطوَّعون بعشر ركعات، وبعضهم بعشرين ركعة صار في الثاني زيادة.
إذاً؛ نحن ندعو للرسول ﷺ بالبَرَكَة وهذا يستلزم كَثْرَة أتباعه، وكَثْرَة عمل أتباعه؛ لأنّ كلَّ عمل صالح يفعلهُ أتباع الرَّسولِ عليه الصلاة والسلام فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة.
وأقول استطراداً: إن هذا أحد الأوجه التي يُرَدُّ بها على من يهدون ثواب القُرَب إلى رسول الله ﷺ؛ لأن بعض المحبِّين للرَّسُول عليه الصلاة والسلام يهدون إليه القُرَب؛ كالختمة والفاتحة على روح محمَّد كما يقولون وما أشبه ذلك، فنقول: هذا من البدع ومن الضلال. أسألك أيُّها المُهْدي للرسول عبادة، هل أنت أشدُّ حُبًّا للرسول عليه الصلاة والسلام من أبي بكر وعُمر وعُثمان وعليّ؟ إن قال: نعم، قلنا: كذبت، ثم كذبت، ثم كذبت، ثم كذبت.
وإن قال: لا، قلنا: لماذا لم يُهْدِ أبو بكر والخلفاء بعده للرسول ﷺ ختمة ولا فاتحة ولا غيرها؟ فهذا بدعة.
ثم إن عملك الآن وإن لم تُهْدِ ثوابه سيكون للرَّسول ﷺ مثله.
فإذا أهديت الثَّوابَ، فمعناه أنك حرمت نفسك من الثواب فقط، وإلاَّ فللرسول ﷺ مثل عملك أهديت أم لم تُهْدِ.
السَّلامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، .......... «السلام علينا». نقول في السلام كما قلنا في الأول .
وأما علينا فـ «نا» لا شَكَّ أنه لا يُراد بها الشخص نفسه فقط، وإنما يُراد بها الشَّخص ومَن معه،
فمن الذي معه؟
قيل: المصلُّون.
وقيل: الملائكة. وقيل: المراد جميع الأُمَّة المحمَّدية. وهذا القول الأخير أصحُّ، فكما دعونا لنبينا محمَّد عليه الصلاة والسلام بالسَّلامِ؛ ندعو أيضاً لأنفسنا بالسَّلام؛ لأننا أتباعه. «وعلى عباد الله الصالحين». هذا تعميم بعد تخصيص؛ لأن عباد الله الصالحين هم كُلُّ عبدٍ صالح في السماء والأرض؛ حيّ أو ميِّت من الآدميين والملائكة والجِنِّ.
وعباد الله هم الذين تعبَّدوا لله: أي تذلَّلوا له بالطاعة امتثالاً للأمر واجتناباً للنهي، وأفضل وَصْفٍ يتَّصف به الإنسان هو أن يكون عبداً لله، ولهذا ذَكَرَ اللهُ وَصْفَ رسوله بالعبودية في أعلى مقاماته. في الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ والمعراج ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ ، والإسراء والمعراج مِن أفضل ما يكون من المقامات للرسول ﷺ.
ووَصَفَهُ بذلك في مقام الدِّفاع عنه ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ .
ووَصَفَهُ بذلك في مقام التنزيل عليه ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ .
فالحاصل: أن أشرف وصف للإنسان أن يكون عبداً لله ـ أسأل الله أن يحقِّق ذلك لعباده المؤمنين ـ لا عبداً لهواه، إذا سَمِعَ أَمْرَ رَبِّه قال: سمعنا وأطعنا،
وإذا سَمِعَ نهيه، قال: سمعنا وَتَجَنَّبْنَا،
وإذا سَمِعَ خبراً قال: سمعنا وصدَّقنا وقبلنا.
وعباد الله الصالحون هم الذين صَلُحتْ سرائرُهم وظواهرُهم.
فصلاح السرائر: بإخلاص العبادة لله، والظَّواهر: بمتابعة رسول الله ﷺ.
هؤلاء هم الصَّالحون، وضِدُّ ذلك عباد الله الفاسدون،
إما بالسَّرائر، وإما بالظَّواهر، فالمشركُ فاسدُ السَّريرة، والمبتدعُ فاسدُ الظَّاهر؛ لأنَّ بعض المبتدعة يريد الخيرَ، لكنه فاسدُ الظَّاهر لم يمشِ على الطَّريق الذي رَسَمَهُ رسولُ الله عليه الصلاة والسلام.
والمشركُ فاسدُ الباطن، ولو عَمِلَ عملاً ظاهرُه الصِّحة والصَّلاح مثل المرائي. مسألة: هل هناك عباد لله فاسدون؟
نعم؛ كُلُّ مَنْ في السماوات والأرض فهم عباد لله بالعبودية الكونية كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا *﴾ [مريم]، فالكُفَّار عبيد لله، بالعبودية الكونية القدرية؛ لا بالعبودية الشرعية. «أشهد أن لا إله إلا الله». الشهادة هي الخبر القاطع، فهي أبلغ مِن مجرد الخبر. لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة تكون عن قَطْعٍ، كأنما يشاهد الإنسانُ بعينيه ما شَهِدَ به.
أَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلاَّ اللَّهُ، ...........
تنبيه: يقول بعض الناس: «أشهد أنَّ لا إله إلا الله» بتشديد «أنّ»، وهذا خطأ من حيث اللغةُ العربيةُ، لأن «أنَّ» لا تكون بمثل هذا التركيب، والتي تكون بمثل هذا التركيب «أنْ» المخفَّفة مِن الثقيلة وجملة «لا إله إلا الله» في مَحلِّ رَفْعِ خبرها، واسمُها ضمير الشأن محذوف وجوباً.
إذاً؛ النُّطقُ الصحيحُ: أشهد أنْ لا إله إلا الله، بتخفيف «أنْ».
و «لا إله إلا الله» كلمةُ التوحيد التي بعثَ اللهُ بها جميعَ الرُّسلِ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *﴾ [الأنبياء]، وبها يكون تحقيق توحيد الألوهية،
وإن شئت فقل: تحقيق توحيد العِبادة، وهما بمعنى واحد، لكن يُسمَّى توحيدُ الألوهية باعتبار إضافته إلى الله، وتوحيد العِبادة باعتبار إضافته إلى العبد.
ومعنى «لا إله إلا الله»: أي: لا معبود حقٌّ إلا الله، وفَسَّرْناها بهذا التفسير؛ لأن «إله» فِعَال بمعنى مفعول، والمألوه: هو المعبود حُبًّا وتعظيماً وخبر «لا» محذوف والتقدير: لا إله حَقٌّ إلا الله، و «الله» بدل مِن الخبر المحذوف، ومعنى هذه الجملة العظيمة: أنه لا معبود حقٌّ سوى الله عز وجل،
أما المعبود بغير حقٍّ فليس بإله حقاً وإنْ سُمِّيَ إلهاً، ولهذا قال الله عز وجل : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ ،
وفي الآية الأخرى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ، ولا بطلان أعظم مِن بطلانه،
وقال الله تعالى يخاطب الذين يعبدون مِن دون الله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ، وليست حقائق بل هي مجرَّد أسماء.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». «وأشهد أن محمداً عبده ورسوله»، سبق معنى «أشهد».
وأما «محمد» فهو محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، بَعَثَهُ اللَّهُ عز وجل بمكَّة أمِّ القرى، وأحبِّ البلاد إلى الله، وهاجر إلى المدينة، وتُوفِّي فيها ﷺ. «عبده» أي: العابد له، وليس لرسول الله ﷺ شَرِكَةٌ في مِلْكِ الله أبداً، وهو بَشَرٌ مثلُنا تميَّز عنا بالوحي، وبما جَبَلَه الله عليه مِن العبادة والأخلاق العظيمة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ،
وقال اللَّهُ تعالى: ﴿﴾ .
قال النَّبيُّ ﷺ :«إنَّما أنا بَشَرٌ مثلُكم، أنسَى كما تَنْسَون» وأمَرَه اللَّهُ تعالى أن يقول: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ .
وقال له في آية أخرى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا *قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا *﴾ [الجن]، يعني: لو أرَادَ اللَّهُ به سوءاً ما مَنَعَه أحدٌ، فهو عَبْدٌ مِن العباد، وهو ﷺ أشدُّ الناسِ خشيةً لله، وأقومهم تعبّداً لله، حتى إنه كان يقوم لله عز وجل حتى تتورَّمَ قدماه، فيُقال له: لقد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر.
فيقول:«أفلا أكون عَبْداً شكوراً».
وقوله:«ورسولُهُ» أي: مُرْسَلُهُ، أرسله الله عز وجل وجعله واسطة بينه وبين الخَلْق في تبليغ شرعه فقط، إذْ لولا رسول الله ما عرفنا كيف نعبد الله عز وجل، فكان عليه الصلاة والسلام رسولاً مِن الله إلى الخَلْقِ، ونِعْمَ الرسول، ونِعْمَ المرسِل، ونعم المرسَل به، فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام هو رسولٌ مرسلٌ مِنَ الله، وهو أفضل الرُّسل، وخاتمهم، وإمامهم، ولهذا لما جُمِعُوا له ليلة المعراج تقدَّمهم إماماً مع أنه آخرهم عليه الصلاة والسلام.
وعُلِمَ من هذين الوصفين للرسول ﷺ العبودية والرسالة ـ ضلالُ طائفتين ضَلَّتا فيه. الطائفة الأولى: ظَنَّتْ أنَّ له حقًّا في الرُّبوبية، فصارت تدعو الرَّسولَ عليه الصلاة والسلام، وصار تعظيمُه في قلوبهم أشدَّ مِن تعظيم الله ـ نعوذ بالله ـ حتى إنه إذا ذُكِرَ الرَّسولُ اقشعرت جلودهم؛ ثم تلين كأنما ذكر الله.
وإذا ذُكِرَ الله فإنما هو كالماء البارد على جلودهم لا يتحرَّكون، فهؤلاء أشركوا بالله حيث ساووا الرَّسولَ بالله بل جعلوه أعظم مِن الله عز وجل.
الطائفة الثانية: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾
وإمَّا أنه كاذب في تعميم الرِّسالة كما يقول النَّصارى الذين يداهنون المسلمين، وانخدعَ بهم بعضُ العرب قالوا: محمدٌ رسولُ الله لكن إلى العرب فقط. ولبَّسوا على النَّاسِ بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ وهم يقولون: نحن لسنا بأميين، نحن مِن بني إسرائيل مِن أهل الكتاب.
والنصارى يقولون: رسولنا عيسى، ويَغْلُون به حتى جعلوه إلهاً مع الله.
واليهود يقولون: عيسى كاذبٌ ابن زانية ـ والعياذ بالله ـ مقتولٌ مصلوبٌ، ونبيهم موسى.
وعلى كُلٍّ؛ نقول لمن ادعى خصوصية رسالة الرَّسول عليه الصلاة والسلام في العرب: هل تؤمن بأنه رسول؟
إذا قال: نعم، نقول: هل الرسول يكذب؟
إنْ قال: نعم، بطلت شهادتُه، فالرَّسولُ لا يكذب،
وإنْ قال: لا، قلنا: اقرأ قولَ الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *﴾ [الأعراف].
أما أن تُلبِّس وتأتي بآيات متشابهة فإنك أحقُّ مَنْ يدخلُ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ .
هذا التَّشَهُّدُ الأوَّلُ، ............ «هذا التشهد الأول» هذا المشار إليه ما ذُكِرَ مِن قوله: «التحيات» إلى قوله «وأنَّ محمداً عبدُه ورسوله». وقوله:«التشهُّدُ الأول» يعني: في الثلاثية والرباعية.
واعْلَمْ أن الأحاديث وَرَدَتْ في التشهُّدِ على أكثر من وَجْهٍ، فما موقفنا مِن هذه الوجوه؟
الجواب: أنَّ العلماء رحمهم الله اختلفوا في مثل هذه الوجوه، وهذا بعد أن نعلم أنه لا يمكن جَمْع الذِّكْرَين في آنٍ واحدٍ،
أمَّا إذا كان يُمكن أن نجمعهما في آنٍ واحدٍ فجمعُهما أولى، إلا إذا كان هناك قرينة تدلُّ على أن كلَّ واحد منهما يُقال بمفرده كما في دعاء الاستفتاح. فالتشهُّدُ عَلَّمَه النبيُّ ﷺ عَبدَ الله بن مسعود ، وعَلَّمَه عبدَ الله بن عبَّاس . وحديث عبد الله بن مسعود في «الصحيحين»، وحديثُ عبدِ الله بن عبَّاس في «مسلم» وكلاهما صحيح، وليس بينهما إلا اختلاف يسير مما يدلُّنا على أن كلَّ واحد منهما يُقال بمفرده،
وأن هذا الاختلاف اليسير مما جاءت به السُّنَّةُ.
وقد سَبَقَ ذِكْرُ الخِلافِ والتفصيل في العبادات الواردة على وجوه متنوِّعةٍ عند الكلام على رَفْعِ اليدين عند تكبيرة الإحرام.
مسألة: ظاهر كلام المؤلِّف أنه لا يزيد في التشهُّدِ الأولِ على ما ذَكَرَ. وعلى هذا؛ فلا يستحبُّ أن تُصلِّيَ على النبيِّ ﷺ في التشهُّد الأوَّل، وهذا الذي مشى عليه المؤلِّف ظاهرُ السُّنَّة، لأنَّ الرسول ﷺ لم يُعلِّم ابنَ مسعود وابنَ عباس إلا هذا التشهُّد فقط،
وقال ابنُ مسعود:«كُنَّا نقولُ قبلَ أن يُفرضَ علينا التشهُّدِ» وذكر التشهد الأول فقط؛ ولم يَذكرِ الصَّلاةَ على النبيِّ ﷺ في التشهُّدِ الأول.
فلو كان سُنَّةً لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يعلِّمهم إيَّاه في التشهُّدِ.
وأما قولهم: «يا رسولَ الله،
أمَّا السَّلامُ عليك فقد عَرفنَاه، فكيف نُصَلِّي عليك إذا نحن صَلَّينا عليك في صلاتِنا؟» ، فهو سؤال عن الكيفيَّة وليس فيه ذِكْرُ الموضع، وفَرْقٌ بين أن يُعَيَّنَ الموضع أو تُبَيَّنَ الكيفيَّة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد»: كان من هدي النبيِّ ﷺ تخفيف هذا التشهد جدًّا،
ثم ذَكَرَ الحديث أنه كان كأنَّما يجلس على الرَّضْفِ ـ يعني: الحجارة المحمَّاة ـ من شِدَّة تعجيله ، وهذا الحديث وإن كان في سنده نظر، لكن هو ظاهر السُّنَّة، أي: أنه لا يزيد على هذا،
وفي «صحيح ابن خزيمة»: «أن الرسول ﷺ إذا كان في وَسَطِ الصَّلاة نَهَضَ حين يفرُغ من تشهُّدِه،
وإنْ كان في آخرها دعا بعد تشهُّدِه بما شاء الله أن يدعوَ، ثم يُسلّم».
ومع ذلك لو أن أحداً مِن النَّاس صَلَّى على النبيِّ ﷺ في هذا الموضع ما أنكرنا عليه، لكن لو سألنا أيُّهما أحسن؟ لقلنا: الاقتصار على التشهُّدِ فقط،
ولو صَلَّى لم يُنْهَ عن هذا الشيء؛ لأنه زيادة خير، وفيه احتمال، لكن اتباع ظاهر السُّنَّة أَولى.
ثم يقول:«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ .........
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.