ولا الفذ خلفه "أو خلف الصف"
Its commentaries
(ولا) تصح صلاة (الفذ) أي الفرد (خلفه) أي خلف الإمام، (أو خلف الصف) إن صلى ركعة فأكثر عامدا أو ناسيا، عالما أو جاهلا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صلاة لفرد خلف الصف» ، رواه أحمد وابن ماجه «ورأى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة» رواه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وإسناده ثقات
Adds nothing on this mas’ala.
صلاة لفرد خلف الصف» رواه أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما، وأول الحديث: أنه رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده، فقال له: استقبل صلاتك الحديث.
رواه أحمد والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وإسناده ثقات
ورواه ابن حبان وابن خزيمة وغيرهما: وقال شيخ الإسلام: قد صحح الحديثين غير واحد من أئمة الحديث، وأسانيدهما مما تقوم به الحجة، وليس فيهما ما يخالف الأصول، بل ما فيهما هو مقتضى النصوص المشهورة، والأصول المقررة،
فإن صلاة الجماعة سميت جماعة لاجتماع المصلين في الفعل مكانا وزمانا،
فإذا أخلوا لغير عذر كان منهيا عنه باتفاق الأئمة،
فلو كان هذا خلف هذا كان من أعظم الأمور المنكرة، وأمروا بتقويم الصفوف، مبالغة في تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه، بحسب الإمكان، وقياس الأصول يقتضي وجوب الاصطفاف،
وأن صلاة المنفرد لا تصح، كماجاء به هذان الحديثان، من خالف ذلك من العلماء فلا ريب أنه لم تبلغه هذه السنة من وجه يثق به، ووقوفه وحده خلف الصف، مكروه، وترك للسنة باتفاقهم، إلا أن لا يجد موقفا إلا خلفه، ففيه نزاع،
والأظهر صحة صلاته في هذا الموضع، لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز،
وأما التفريق بين العالم والجاهل - كقول في مذهب أحمد - فلا يسوغ فإن المصلي المنفرد لم يكن عالما بالنهي، وقد أمره الإعادة، كما أمر المسيء اهـ وروي أحمد وغيره أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل صلى وحده خلف الصف، قال: يعيد صلاته قال شيخ الإسلام: وهذا مقتضى الأصول نصا وقياسا، واختاره تلميذه وشيخنا وقال: دليله واضح.
«ولا الفذ خلفه» أي: لا تَصِحُّ صلاةُ المأمومِ الواحدِ خلفَ الإمام.
وأمَّا الإمامُ ففيه تفصيلٌ: إنْ بقيَ على نيِّةِ الإمامةِ لم تَصِحَّ صلاتُه؛ لأنَّه نوى الإمامةَ وليس معه أحدٌ،
وإنْ نوى الانفرادَ فصلاته صحيحةٌ. «أو خلفَ الصف» أي: لا تَصِحُّ صلاةُ المأمومِ خلفَ الصَّفِّ؛ لأنَّه منفردٌ وقد جاءَ الحديثُ عن رسولِ الله ﷺ أنه قال:«لا صَلاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ». ورأى النَّبيُّ ﷺ رَجُلاً يُصلِّي وحدَه خَلْفَ الصَّفِّ فأمَرَه أنْ يعيدَ الصَّلاةَ . ولولا أنَّها فاسدةٌ ما أَمَرَه بالإِعادةِ، لأنَّ الإِعادةَ إلزامٌ وتكليفٌ في أَمْرٍ قد فُعِلَ وانتُهِيَ منه، فلولا أنَّ الأمرَ الذي فُعِلَ وانتُهِيَ منه فاسدٌ ما كُلِّفَ الإِنسانُ إعادتَه، لأنَّ هذا يستلزم أن تجبَ عليه العبادةُ مرتين.
وما قاله المؤلِّف رحمه الله هو المذهب، وهو مِن المفردات. وذهبَ أكثرُ أهلِ العِلمِ ـ وهو رواية عن أحمد ـ: إلى صِحَّة الصَّلاةِ منفرداً خلفَ الصَّفِّ، لعُذرٍ أو لغيرِ عُذر،
ولو كان في الصَّفِّ سَعَةٌ.
وقال بعضُ العلماءِ: في ذلك تفصيلٌ،
فإنْ كان لعذرٍ صَحَّت الصَّلاةُ،
وإنْ لم يكن لعُذر لم تَصِحَّ الصَّلاةُ.
واستدلَّ الجمهورُ: بأن هذا المصلِّي صلَّى مع الجماعةِ، وفَعَلَ ما أُمِرَ به، وقد قال النَّبيُّ ﷺ :«إنَّمَا جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به» وقد ائتم بإمامِه فكبَّر حين كبّر .. إلخ.
ولأنَّ ابنَ عبَّاسٍ لما أداره الرَّسولُ عليه الصلاة والسلام عن يمينِهِ انفردَ بجُزءٍ يسيرٍ، والمُفسدُ للصَّلاةِ يستوي فيه الكثيرُ والقليلُ كالحَدَثِ
فلو كان الانفرادُ مبطلاً لبطلت صلاةُ ابنِ عبَّاسٍ.
وأجابوا عن حديث:«لا صلاةَ لمُنْفَرِدٍ خلفَ الصَّفِّ» أنَّ هذا النَّفْيَ نَفْيٌ للكمالِ كقوله: «لا صلاةَ بحضرةِ طعامٍ ولا وهو يدافِعُه الأخبثان»، ومعلومٌ أنَّ الإِنسانَ لو صَلَّى بحضرةِ طعامٍ فصلاتُه صحيحةٌ،
ولو صَلَّى وهو يدافعُ الأخبثين ـ البولَ والغائطَ ـ فصلاتُه صحيحةٌ.
وأما ما وَرَدَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ«رأى رَجُلاً يصلِّي خلفَ الصَّفِّ فأمرَه أنْ يعيدَ الصَّلاةَ»، فأجابوا عنه بأن هذا الحديثَ في صحَّته نَظَرٌ،
وإذا صَحَّ فلعلَّ هناك شيئاً أوجب أنْ يأمرَه النَّبيُّ ﷺ بإعادةِ الصَّلاةِ، وهذه قضيَّةُ عَينٍ لا نجزِمُ بأن السَّبَبَ هو كونه صَلَّى خلفَ الصَّفِّ.
وأما استدلال الجمهور على قولهم بصحة صلاة المنفرد خلف الصَّفِّ بأنه فَعَلَ ما أُمِرَ به مِن المتابعةِ فهذا صَحيحٌ، لكن هناك واجباتٌ أخرى غير المتابعةِ وهي المُصافَّة،
فإن المُصافَّةَ واجبةٌ فإذا تَرَكَ واجبَ المُصافَّة بطلتْ صلاتُه.
وأما استدلالهم بأنَّ ابنَ عبَّاس انْفَرَدَ حين أخذَ النَّبيُّ ﷺ برأسِه وأقامَه عن يمينِه فهذا انفرادٌ جزئيٌّ، ونحنُ لا نقولُ ببطلانِ الصَّلاةِ إذا انفردَ الإِنسانُ بمثلِ هذه الصُّورةِ، أي: لو أنَّ شخصاً جاءَ وكبَّرَ خلفَ الصَّفِّ وهو يعرِفُ أن خلفَه رَجُلٌ أو رَجُلان سيأتيان معه، فلا بأس ما دامت الرَّكعة لم تفتْهُ وصلاتُه صحيحةٌ، وهذه اللَّحظةُ التي حصَلَ بها الانفرادُ لا يُقال فيها: إنَّ هذا الرَّجُلَ صلّى منفرداً خلفَ الصَّفِ أو خلفَ الإِمامِ، فالاستدلالُ بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ضعيفٌ.
وأما قولهم بأنَّ حديثَ:«لا صلاةَ لمُنْفَرِدٍ خلفَ الصَّفِّ» نَفْيٌ للكمالِ فهذا مردودٌ،
لأنَّ النَّفْيَ إذا وَقَعَ فله ثلاثُ مراتبٍ:
المرتبةُ الأولى والثانية: أن يكون نفياً للوجود الحِسِّي،
فإنْ لم يمكن فهو نَفْيٌ للوجودِ الشَّرعي، أي: نفيٌ للصِّحَّةِ، فالحديثُ الذي معنا لا يمكن أن يكون نفياً للوجود؛ لأنَّه مِن الممكن أنْ يصلِّيَ الإِنسانُ خلفَ الصَّفِّ منفرداً، فيكون نفياً للصِّحَّةُ، والصِّحَّةُ هي الوجودُ الشَّرعيُّ؛ لأنه ليس هناك مانعٌ يمنعُ نَفْيَ الصِّحَّةِ، فهاتان مرتبتان. المرتبة الثالثة: إذا لم يمكن نَفْيُ الصِّحَّةِ؛ بأن يوجد دليلٌ على صِحَّةِ المنفيِّ فهو نَفْيٌ للكمالِ، مثل قوله عليه الصلاة والسلام :«لا يؤمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِه» لأنَّ مَن لا يُحِبُّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسِه لا يكون كافراً، لكن ينتفي عنه كمالُ الإِيمان فقط.
وتنظيرهم بقوله ﷺ :«لا صلاةَ بحَضْرةِ طعام» فيه نَظَرٌ، لأنَّ العِلَّةَ بنفي الصَّلاةِ بحَضْرةِ طعامٍ هي تشويشُ الذِّهنِ،
فإنَّ الرَّسولَ ﷺ كان إذا سَمِعَ بكاءَ الصَّبيِّ أوجز في الصَّلاةِ لئلا تُفْتَتَنَ أمُّه . وأمُّه سوف تبقى في صلاتِها، لكن يُشوِّشُ عليها بكاءُ ولدِها.
وأيضاً: أخبرَ النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام: «أنَّ الشَّيطانَ يأتي إلى المصلي فيقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكره»، وهذا لا شك أنه يوجب غفلة القلب، فيدل هذا الحديث والذي قبله على أن مجرد التشويش وانشغال القلب لا يبطل الصلاة فيكون قوله:«لا صلاة بحضرة طعام» غير موجب لبطلان الصلاة فبطل التنظير.
وأما قولُهم بأنَّ أَمْرَ النَّبيِّ ﷺ الرجل الذي صَلَّى منفرداً خلفَ الصَّفِّ أن يعيدَ الصَّلاةَ ، قضيةُ عَين .. إلخ. فجوابه: أنَّ الواجبَ حَمْلُ النَّصِّ على ظاهرِه المُتَبَادَر منه، إلا أنْ يَدلَّ دليلٌ على خِلافِهِ. والمُتَبَادَر هنا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَهُ بالإِعادةِ؛ لكونه صَلَّى منفرداً خلفَ الصَّفِّ؛ كما يفيده سياقُ الكلامِ، والأصلُ عدمُ ما سواه.
إذاً؛ فالقولُ الرَّاجحُ أنَّ الصَّلاةَ خلفَ الصَّفِّ منفرداً غيرُ صحيحةٍ، بل هي باطلةٌ يجب عليه إعادتُها. ولكن؛ إذا قال قائلٌ: أفلا يكون القولُ الوسط هو الرَّاجح، وأنه إذا كان لعُذْرٍ صحَّت الصَّلاةُ؟
فالجواب: بلى، القولُ الوسطُ هو الرَّاجحُ، وأنَّه إذا كان لعُذرٍ صحَّت الصَّلاةُ؛ لأنَّ نَفْيَ صحَّةِ صلاةِ المنفردِ خلفَ الصَّفِّ يدلُّ على وجوبِ الدُّخولِ في الصَّفِّ؛ لأنَّ نَفْيَ الصِّحَّةِ لا يكون إلا بفعلِ مُحرَّمٍ أو تَرْكِ واجبٍ، فهو دالٌّ على وجوبِ المُصافَّةِ، والقاعدةُ الشرعيةُ أنَّه لا واجبَ مع العجزِ، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ،
فإذا جاء المصلِّي ووَجَدَ الصَّفَّ قد تَمَّ فإنَّه لا مكان له في الصَّفِّ، وحينئذٍ يكون انفرادُه لعُذرٍ فتصِحُّ صلاتُه، وهذا القولُ وسطٌ، وهو اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية رحمه الله، وشيخِنا عبد الرحمن بن سَعدي. وهو الصَّوابُ.
فإن قال قائل: لماذا لا تقولون بأنْ يجذِبَ أحدَ النَّاسِ مِن الصَّفِّ؟
فالجواب: إنَّنا لا نقولُ بذلك؛
لأنَّ هذا يستلزمُ مَحاذير:
المحذور الأول: التَّشويش على الرَّجُلِ المَجذوبِ. المحذور الثاني: فَتْحُ فُرْجَةٍ في الصَّفِّ، وهذا قَطْعٌ للصَّفِّ، ويُخشى أن يكون هذا مِن بابِ قَطْعِ الصَّفِّ الذي قال فيه الرسول ﷺ :«مَن قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللهُ».
المحذور الثالث: أنَّ فيه جِنايةً على المَجذوبِ بنَقْلِهِ مِن المكان الفاضلِ إلى المكانِ المفضولِ.
المحذور الرابع: أنَّ فيه جِنايةً على كلِّ الصَّفِّ؛ لأنَّ جميعَ الصَّفِّ سوف يتحرَّكُ لانفتاح الفُرْجَةِ مِن أجلِ سَدِّهَا.
فإن قال قائلٌ: أفلا نأمرُه أن يصلِّيَ إلى جَنْبِ الإِمامِ؟
قلنا: لا نأمرُه أن يصلِّيَ إلى جَنْبِ الإِمامِ؛
لأنَّ في ذلك ثلاثة محاذير:
المحذور الأول: تخطِّي الرِّقابِ،
فإذا قَدَّرنا أنَّ المسجدَ فيه عشرةُ صفوفٍ، فجاءَ الإِنسانُ ولم يجدْ مكاناً، وقلنا: اذهبْ إلى جَنْبِ الإِمامِ فسوف يتخطَّى عشرةَ صفوفٍ بل لو لم يكن إلا صَفٌّ واحدٌ فقد تَخطَّى رقابَهم.
المحذور الثاني: أنَّه إذا وَقَفَ إلى جَنْبِ الإِمامِ خالفَ السُّنَّة في انفرادِ الإِمامِ في مكانِه؛ لأنَّ الإِمامَ موضعُه التقدُّم على المأمومِ،
فإذا شارَكه أحدٌ في هذا الموضعِ زالت الخُصوصيَّة.
المحذور الثالث: أننا إذا قلنا: تقدَّمْ إلى جَنْبِ الإِمامِ، ثم جاء آخرٌ قلنا له: تقدَّمْ إلى جَنْبِ الإِمام. ثم ثانٍ، وثالث حتى يكون عند الإِمامِ صفٌّ كاملٌ، لكن لو وَقَفَ هذا خلفَ الصَّفِّ لكان الدَّاخلُ الثاني يصفُّ إلى جَنْبِهِ، فيكونان صفًّا بلا محذور.
فإن قال قائلٌ: لماذا لا تأمرونه أن يبقى،
فإن جاءَ معه أحدٌ، وإلا صَلَّى وحدَه منفرداً،
قلنا: في هذا محذوران:
المحذور الأول: أنَّه ربَّما ينتظِرُ فتفوتُه الرَّكعة، وربَّما تكون هذه الرَّكعةُ هي الأخيرةُ فتفوتُه الجماعةُ.
المحذور الثاني: أنه إذا بقيَ وفاتتْهُ الجماعةُ فإنَّه حُرِمَ الجماعةَ في المكانِ وفي العملِ،
وإذا دَخَلَ مع الإِمامِ وصَلَّى وحدَه منفرداً، فإننا نقول على أقلِّ تقدير: حُرِم المكان فقط،
أما العملُ فقد أدركَ الجماعةَ، فأيُّهما خيرٌ أنْ نحرِمه الجماعةَ في العمل والمكان، أو في المكان فقط؟
الجواب: في المكان فقط، هذا لو قلنا: إنَّه في هذه الحال يكون مرتكباً لمحذور، مع أنَّ الرَّاجحَ عندي أنَّه إذا تعذَّرَ الوقوفَ في الصَّفِّ، فإنَّه إذا صَفَّ وحدَه لم يرتكب محظوراً.
مسألة: ما هو الانفراد المبطل للصَّلاة؟
الجواب: الانفرادُ المبطلُ للصَّلاةِ أنْ يرفعَ الإِمامُ مِن الركوعِ ولم يدخل مع المسبوقِ أحدٌ،
فإنْ دَخَلَ معه أحدٌ قبل أن يرفعَ الإِمامُ رأسَه مِن الرُّكوعِ، أو انفتح مكانٌ في الصَّفِّ فدخلَ فيه قبل أن يرفعَ الإِمامُ مِن الركوعِ، فإنَّه في هذه الحالِ يزول عن الفرديَّة.
إِلاَّ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَإِمَامَةُ النِّسَاءِ تَقِفُ فِي صَفِّهِنَّ، .........
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.