تلزم كل ذكر حر مكلف مسلم مستوطن ببناء اسمه واحد ولو تفرق ليس بينه وبين موضعها أكثر من فرسخ.
Its commentaries
باب صلاة الجمعة] سميت بذلك لجمعها الخلق الكثير ويومها أفضل أيام الأسبوع وصلاة الجمعة مستقلة، وهي أفضل من الظهر وفرض الوقت،
فلو صلى الظهر أهل بلد مع بقية وقت الجمعة لم تصح وتؤخر فائتة لخوف فوتها والظهر بدل عنها إذا فاتت. (وتلزم) الجمعة (كل ذكر) ذكره ابن المنذر إجماعا؛ لأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال (حر) ؛ لأن العبد محبوس على سيده (مكلف مسلم) ؛ لأن الإسلام والعقل شرطان للتكليف وصحة العبادة فلا تجب على مجنون، ولا صبي لما روى طارق بن شهاب مرفوعا «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» رواه أبو داود (مستوطن ببناء) معتاد ولو كان فراسخ من حجر، أو قصب ونحوه.
لا يرتحل عنه شتاء، ولا صيفا (اسمه) أي البناء (واحد ولو تفرق) البناء حيث شمله اسم واحد كما تقدم (ليس بينه وبين المسجد) إذا كان خارجا عن المصر (أكثر من فرسخ) تقريبا فتلزمه بغيره كمن بخيام ونحوها ولا تنعقد به ولم يجز أن يؤم فيها،
وأما من كان في البلد فيجب عليه السعي إليها قرب أو بعد سمع النداء أو لم يسمعه؛ لأن البلد كالشيء الواحد.
باب صلاة الجمعة سميت بذلك لجمعها الخلق الكثير أو من اجتماع الناس لها، أو لأن آدم جمع خلقه، فيها، قال الحافظ: هو أصحها، ويليه ما قبله اهـ أو لأنه جمع مع حواء فيها، أو لأنه اليوم الذي اجتمعت فيه المخلوقات، أو لما جمع فيه من الخير،
وقيل غير ذلك، مشتقة من الجمع، وكونها من الاجتماع أضيف إليها اليوم والصلاة، ثم كثر الاستعمال حتى حذف منها المضاف،
وفي المسند مرفوعا، لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال «لأن فيه طبعت طينة أبيك آدم» ، قيل: أول من سماه يوم الجمعة كعب بن لؤي وجمع الجمعة جمعات، وجمع، واسمه القديم يوم العروبة، لأن العرب كانت تعظمه.
لجمعها الخلق الكثير . ويومها أفضل أيام الأسبوع ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أوس «من أفضل أيامكم يوم الجمعة» ولمسلم والترمذي وصححه «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة» ،
وفي صحيح الحاكم: «سيد الأيام يوم الجمعة» ، ولابن ماجه «يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله» ، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، وذكر فيه خمس خصال، وهي يوم عيد يتكرر في الأسبوع، وخصت به هذه الأمة، كما في الصحيحين وغيرهما «ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم القيامة، هدانا الله له، وضل الناس عنه» ، وفيها «نحن الآخرون الأولون السابقون يوم الجمعة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا لله له، والناس لنا فيه تبع» .
ولمسلم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة» ، الذي فيه أنشئت الخلائق وتم وجودها، وشرع اجتماعهم فيه تنبيها على عظم ما أنعم الله به عليهم واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيرا بالنعمة، وحثا على استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر،
ولما كان مدار التعظيم هو الصلاة، جعلت وسط النهار، ليتم الاجتماع،
وفي مسجد واحد، ليكون أدعى إلى الاجتماع، ونوه به تعالى فقال: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} والخطبة والصلاة مشتملتان على ذكر الله، وقد شرفه الله تعالى، وخصصه بعبادات يختص بها عن غيره، وهو اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة، ويتخلى فيه عن أشغال الدنيا، فهو مع غيره في الأيام، كرمضان في الشهور، وله على سائر الأيام مزية كما لرمضان، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان ولهذا من صحت له جمعته وسلمت له، صح وسلم له سائر أسبوعه، فهو ميزان الأسبوع، وعيد الأسبوع ويوم اجتماع الناس، وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد.
ويومها أفضل أيام الأسبوع . وصلاة الجمعة مستقلة أي ليست بدلا عن الظهر، قال عمر: صلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ولعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب عليه، ولجوازها قبل الزوال، وعدم جواز زيادتها على ركعتين ولأنها لا تجمع مع العصر في محل يبيح الجمع.
الأسبوع . وصلاة الجمعة مستقلة وأفضل من الظهر بلا نزاع، والمراد غير يومها، أو يومها لكن ممن لا تجب عليه، وآكد منه، لأنه ورد فيها من التهديد ما لم يرد فيه، ولأن لها شروطًا وخصائص ليست له.
الرجال . (حر) لأن العبد محبوس على سيده أشبه المحبوس بالدين، قال ابن المنذر: وهو قول أكثر العلماء،
وعنه تجب على العبد، وعليه أكثر أهل العلم، واختاره المجد وغيره،
وقال: هو كالإجماع
للخبر.
رواه أبو داود » . (مستوطن ببناءٍ) معتاد فأخرج من بخيام ونحوه، والبناء في الأصل مصدر بنا، وهو هنا مصدر مطلق على المفعول، أي بمبني واعتاد الشيء جعله من عادته،
وكذا قرية خرابا، عزموا على إصلاحها والإقامة بها، كما يأتي، أو قريبًا من الصحراء،
وكذا إقامتها بمكان من الصحراء قريب من البلد، لأن المسجد ليس شرطا فيها.
» . (مستوطن ببناءٍ) معتاد ولو كان فراسخ أي ولو كان البناء الذي تقام فيه الجمعة فراسخ،
ولو لم يسمع النداء، فإن المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بريد في بريد، وكانت محالاً متفرقة، لكل بطن من الأنصار محلة، ولم تكن مسورة، والمحلة فيها المساكن، وحولها النخل والمقابر، ليست صغيرة، ولا أبنيتها متصلة.
ونحوه . لا يرتحل عنه شتاءً ولا صيفًا قال شيخ الإسلام: كل قوم مستوطنين ببناء متقارب، لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا، تقام فيه الجمعة، إذا كان مبنيا بما جرت به عادتهم، من مدر أو خشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك،
فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك، إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والحلل، الذين ينتجعون في الغالب مواقع القطر، وينتقلون في البقاع، وينقلون بيوهعم معهم إذا انتقلوا وهذا مذهب جمهور العلماء، والإمام أحمد علل سقوطها عن البادية لأنهم ينتقلون.
تفرق) البناء حيث شمله اسم واحد، كما تقدم في قوله: اسمه واحد والمراد التفريق اليسير،
فإذا كان قرية ينقص العدد فيها، بقرب قرية، بفرسخ فأقل يجمع فيها، لزمت الجمعة القرية الناقص عددهم بغيرهم،
بخلاف الكثير غير المعتاد فلا، وكانت المدينة محالا، وتسمى المحلة دارًا وقرية، والمحلة القرية الصغيرة فيها المساكن، وحولها النخل والبساتين وذلك كله مدينة واحدة وهي بريد في بريد وشملها اسم واحد، ولم يجمع فيها في غير المسجد الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم و (شملهم الأمر) عمهم من باب تعب وفي لغة من باب قعد، والأول الأشهر عند أهل اللغة.
المصر (أكثر من فرسخ) تقريبًا . فتلزمه بغيره أي إذا حضرها وجبت عليه،
وأما السعي لها فلا يلزمه.
فرسخ) تقريبًا . فتلزمه بغيره كمن بخيام ونحوها كبيوت الشعر والخراكي،
قال في الفروع: وفاقًا، لأن العرب كانوا حول المدينة، وكانوا لا يصلون جمعة، ولا أمرهم بها، ولأنهم على هيئة المستوفزين،
وكذا مسافر أقام ما يمنع القصر ولم يستوطن، والخيام جمع خيمة، وهي بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر، قال ابن الأعرابي: لا تكون الخيمة عند العرب من ثياب، بل من أربعة أعواد، وتسقف بالثمام، وخيمت بالمكان أقمت فيه، واختار شيخ الإسلام وجوبها على المستوطنين بعمد أو خيام، واشترط أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية، وقدمه الآزجي،
قال في الفروع، وهو متجه خلافًا للجميع وتقدم أن الأصل أن يكونوا مستوطنين، وأنه لا تأثير في مادة البناء.
النداء أو لم يسمعه، لأن البلد كالشيء الواحد فلا فرق بين القريب والبعيد، ولأن المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ، فهو في مظنة القرب، فاعتبر ذلك،
وإن كان خارج البلد، وسمع النداء، وجبت عليه، وهو مذهب الشافعي وإسحاق وغيرهما، لقوله «الجمعة على من سمع النداء» رواه أبو داود وغيره، وله شاهد، ولقوله: «من سمع النداء ولم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» .
«تلزم كل ذكر» الضمير يعود على صلاة الجمعة،
أي: تلزم صلاة الجمعة كل من اتصف بالشروط الآتية:
الأول: كونه ذكراً فخرج به الأنثى والخنثى، فلا تلزمهم صلاة الجمعة، [والدليل على اشتراط الذكورية أن صلاة الجمعة صلاة جمع؛ لهذا قال النبي ﷺ :«لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن»، هذا إن لم يصح الحديث أن النبي ﷺ قال:«الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا على أربعة … »،
فإن صح فالأمر فيه واضح].
أما عدم وجوبها على الخنثى فلعدم تحقق الشرط فيه؛ لأنه لا يدرى أذكر هو أم أنثى، والأصل براءة الذمة حتى يتيقن شرط وجوبها، وهذا لم يتيقن.
وأما الأنثى فلأنها ليست من أهل الجماعة. «حر»، هذا هو الشرط الثاني.
وضد الحر العبد، والمراد بالعبد المملوك،
ولو كان أحمر، أو قبلياً،
فالعبد لا تلزمه الجمعة وذلك لما يلي:
١ ـ قول النبي ﷺ :«الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض».
٢ ـ ولأنه مشغول في خدمة سيده.
وقال بعض العلماء: تلزمه الجمعة؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ، والحديث الوارد في نفي وجوب صلاة الجمعة عن العبد ضعيف.
والتعليل بأنه مشغول في خدمة سيده أضعف؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقال بعض العلماء:
إذا أذن له سيده لزمته؛ لأنه لا عذر له؛ [لزوال العلة التي هي سبب منع الوجوب]،
وإن لم يأذن له لم تلزمه.
وهذا قول وسط؛ لأن حال العبد في الحقيقة إذا تصوره الإنسان حال شخص ضعيف مملوك، لا يستطيع أن يقول: سأذهب إلى الجمعة يا سيدي رضيت أم كرهت، فيكون في إلزامه بشيء لا يستطيعه حرج، وقد نفى الله سبحانه وتعالى في هذا الدين الحرج عن الأمة فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وهذا القول قول وسط بين قول من يلزمه الجمعة مطلقاً، وقول من لا يلزمه مطلقاً، ووجهه قوي جداً، ويمكن أن يحمل الحديث عليه فيقال: قوله ﷺ: «عبد مملوك»، ليس على إطلاقه، بل العبد المملوك هو الذي يشغل بمالكه، وربما يقال: إن قوله ﷺ: «مملوك» إشارة إلى علة الحكم، وهي أنه ملك، فسيده يتصرف فيه فيشغله.
والعجيب أن الذين قالوا: إن الجمعة لا تجب على العبد قالوا: إن الجماعة تجب عليه، وعندي أنه لو صح حديث طارق أن الرسول ﷺ استثنى العبد لكان عدم وجوب الجماعة من باب أولى؛ لأن الجماعة تكرر خمس مرات،
فإذا أسقط عنه ما يجب في الأسبوع مرة فما يجب في اليوم خمس مرات من باب أولى،
وإذا أوجبنا عليه الجماعة فالجمعة من باب أولى. «مكلف» هذا هو الشرط الثالث،
والمكلف عند العلماء من جمع وصفين:
أحدهما: البلوغ.
والثاني: العقل.
والدليل قوله ﷺ :«رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ»، ولكن [الصغير تصح منه الجمعة والمجنون لا تصح منه؛ لأن المجنون لا عقل له، وقد قال النبي ﷺ :«إنما الأعمال بالنيات»،
ومن لا عقل له لا نية له،
بخلاف الصبي المميز فإن له نية].
ولكن هل يؤمر بها الصغير؟
الجواب: يؤمر بها لسبع، ويضرب عليها لعشر؛ لدخوله في عموم قوله ﷺ :«مروا أبناءكم عليها لسبع واضربوهم عليها لعشر». «مسلم»، هذا هو الشرط الرابع.
وضده الكافر، فالكافر لا تجب عليه الجمعة، بل ولا تصح منه، ودليل هذا: ١ ـ قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ ،
فإذا كانت النفقات مع كون نفعها متعدياً لا تقبل منهم، فالعبادات التي نفعها غير متعدٍ من باب أولى لا تقبل منهم.
٢ ـ قول النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن:«ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة»، فجعل فرض الصلوات بعد الشهادتين.
فإن قال قائل: إذا كان من شرط وجوب الجمعة الإسلام، فهل يسلَم الكافر من الإثم؛ لأن الجمعة غير واجبة عليه؟
فالجواب: أنه لا يسلَم من الإثم؛ لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الكافر مخاطب بفروع الإسلام، كما هو مخاطب بأصوله، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ *فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ الْمُجْرِمِينَ *مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ *حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ *﴾ [المدثر]، ووجه الدلالة من الآية: أنهم ذكروا من أسباب دخولهم النار أنهم لم يكونوا من المصلين، ولا من المطعمين للمسكين، بل أقول: إن الكافر معاقب على أكله وشربه ولباسه، لكنه ليس حراماً عليه بحيث يمنع منه إنما هو معاقب عليه.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ، فقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ يدل بمفهومه على أن غيرهم عليهم جناح فيما طعموا، والطعام يشمل الأكل والشرب؛
لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ ، ودليل اللباس قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، فقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يفهم منه أنها ليست للذين كفروا، وقوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يفهم منه أنها لغير المؤمنين ليست خالصة لهم، بل يعاقبون عليها.
والمعنى يقتضي ما دلت عليه النصوص من معاقبة الكافر على الأكل والشرب واللباس والنعمة والصحة، وكل شيء؛ وذلك لأن العقل يقتضي طاعة من أحسن إليك، وأنك إذا بارزته بالمعصية وهو يحسن إليك،
فإن هذا خلاف الأدب والمروءة، وبه تستحق العقوبة، فصارت النصوص مؤيدة لما يقتضيه العقل.
مُسْتَوْطِنٍ .......... «مستوطن»، هذا هو الشرط الخامس.
وضد المستوطن المسافر والمقيم.
فالمسافر لا جمعة عليه، ودليل ذلك: أن النبي ﷺ في أسفاره لم يكن يصلي الجمعة، مع أن معه الجمع الغفير، وإنما يصلي ظهراً مقصورة.
فإذا قال قائل: ألا يمكن أن يكون جمعه وقصره في غير يوم الجمعة، وأنه يقيم صلاة الجمعة في السفر؟
فالجواب على هذا من وجهين:
الوجه الأول: أن لدينا نصاً ظاهراً جداً في أنه لا يصلي الجمعة في سفره، وذلك في يوم عرفة،
فإن يوم عرفة كان يوم الجمعة في حجة الوداع،
وفي صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي ﷺ :«لما وصل بطن الوادي يوم عرفة نزل فخطب الناس، ثم بعد الخطبة أذَّن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر».
وهذه الصفة تخالف صلاة الجمعة من وجوه:
١ ـ لأن صلاة الجمعة الخطبة فيها بعد الأذان، وهنا الخطبة قبل الأذان.
٢ ـ صلاة الجمعة يتقدمها خطبتان، وحديث جابر ليس فيه إلا خطبة واحدة.
٣ ـ صلاة الجمعة يجهر فيها بالقراءة، وحديث جابر يدل على أنه لم يجهر، لأنه قال:«صلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر».
٤ ـ صلاة الجمعة تسمى صلاة الجمعة،
وفي حديث جابر قال:«صلى الظهر».
٥ ـ صلاة الجمعة لا تجمع إليها العصر، وحديث جابر يقول:«صلى الظهر ثم أقام فصلى العصر»، وهذا نص صريح واضح في هذا الجمع الكثير الذي سيتفرق فيه المسلمون إلى بلادهم فيقولون: صلينا مع رسول الله ﷺ يوم الجمعة ظهراً يدل دلالة قطعية على أن المسافر لا يصلي الجمعة.
الوجه الثاني: لو كان النبي ﷺ يصلي الجمعة في أسفاره لكان ذلك مما تتوافر الدواعي على نقله، ولنقل إلينا.
ولو كانت واجبة لصلاها، بل لو كانت جائزة لصلاها،
فإذا صلى الإنسان الجمعة وهو في السفر، فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها ظهراً مقصورة؛ لأن المسافر ليس من أهل الجمعة.
فإذا قال قائل: تَرْك النبي ﷺ للجمعة لا يدل على أنها غير مشروعة؟
فالجواب: بلى؛ لأنها لو كانت مشروعة لكانت عبادة، وهي فريضة واجبة، ولا يمكن أن يدع النبي ﷺ الواجب،
فإذا كان سبب الفعل موجوداً، ولم يفعل الرسول ﷺ ذلك علم أن فعله يكون بدعة، وقد قال ﷺ :«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ». وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم (كل شيء سببه موجود في عهد الرسول ﷺ ، ولم يفعله، فالتَّعبُّد بِهِ بدعة)، فالجمعة في السفر سببها موجود في عهد النبي ﷺ، ولكنه لم يفعلها،
فإذا فعلها إنسان قلنا له: عملت عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون عملاً مردوداً.
أما المسافر في بلد تقام فيه الجمعة، كما لو مرَّ إنسان في السفر ببلد، ودخل فيه ليقيل، ويستمر في سيره بعد الظهر فإنها تلزمه الجمعة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ، وهذا عام، ولم نعلم أن الصحابة الذين يفدون على رسول الله ﷺ ويبقون إلى يوم الجمعة يتركون صلاة الجمعة، بل إن ظاهر السنة أنهم يصلون مع النبي ﷺ.
وقالت الظاهرية: إن المسافر تلزمه الجمعة. واستدلوا على ذلك: بعمومات الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجمعة، وهذا الاستدلال مردود بالأدلة المخصصة للعمومات.
فالمسافر لا جمعة عليه، والمقيم أيضاً لا جمعة عليه، لكن إن أقامها مستوطنون في البلد لزمته بغيره لا بنفسه، ومعنى قولنا بغيره أنه إذا أقامها من تصح منهم إقامتها لزمته تبعاً لغيره، لكن لا يحسب من العدد المشروط.
وبناء على هذا ينقسم الناس إلى ثلاثة أقسام:
١ ـ مستوطن.
٢ ـ مسافر.
٣ ـ مقيم لا مسافر ولا مستوطن.
مثال ذلك:
رجل وصل إلى بلد، ونوى أن يقيم فيها أكثر من أربعة أيامٍ، هذا ليس مستوطناً؛ لأنه لم يتخذ هذا البلد وطناً، وليس مسافراً؛ لأنه نوى إقامة تقطع السفر فهو مقيم،
فإن أقيمت الجمعة في البلد بأناس مستوطنين لزمته،
وإن لم تقم لم تلزمه، وبناء على هذا لو وُجِدَ جماعة مسلمون سافروا إلى بلاد كفر، وهم مائة رجل يريدون أن يدرسوا فيها لمدة خمس سنوات أو ست أو عشر،
فإن الجمعة لا تلزمهم، بل ولا تصح منهم لو صلوا جمعة؛ لأنه لا بد من استيطان، وهؤلاء ليسوا بمستوطنين، فلا تصح منهم الجمعة، ولا تلزمهم، لكن لو وجد في هذه القرية أربعون مستوطناً لزمت الجمعة الأربعين، ثم تلزم هؤلاء تبعاً لغيرهم، هذا هو تقرير المذهب؛ وعليه يكون من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام مسافراً من بعض الوجوه غير مسافر من بعض الوجوه فيلزمه إتمام الصلاة، ولا يترخص برخص السفر؛
لانقطاع حكم السفر في حقه،
ولا يصح أن يكون إماماً في الجمعة ولا خطيباً فيها ولا يكمل به العدد المشروط، ولكن تلزمه الجمعة إذا أقيمت، وهذا تناقض.
ولهذا كان الصحيح أن حكم السفر لا ينقطع في حقه، وأنه يصح أن يكون إماماً وخطيباً في الجمعة، ويكمل به العدد المشروط.
بِبِنَاءٍ اسمُهُ وَاحِدٌ، وَلَوْ تَفَرَّقَ. ............. «ببناء» أي بوطن مبني، ولم يبين المؤلف بأي شيء بني، فيشمل ما بني بالحجر، والمدر، والإِسمنت، والخشب، وغيرها، وهو يحترز بذلك مما لو كانوا أهل خيام كأهل البادية، فإنه لا جمعة عليهم؛ لأن البدو الذين كانوا حول المدينة لم يأمرهم النبي ﷺ بإقامة الجمعة مع أنهم مستوطنون في أماكنهم؛ لكونها ليست ببناء، ولهذا إذا ظعنوا عن هذا الموطن ظعنوا ببيوتهم، ولم يبق لها أثر؛
لأنها خيام. «اسمه واحد، ولو تفرق»، أي: أن يكون مستوطناً ببناء، اسم هذا البناء واحد، مثل: مكة، المدينة، عنيزة، بريدة، الرياض، المهم أن يكون اسمه واحداً، حتى لو تباعد، وتفرق بأن صارت الأحياء بينها مزارع، لكن يشملها اسم واحد، فإنه يعتبر وطناً واحداً، وبلداً واحداً؛ ولهذا قال المؤلف:«ولو تفرق» مشيراً بذلك للخلاف في هذه المسألة.
وقال بعض العلماء:
لو تفرق، وفرقت بينه المزارع، فليس بوطن واحد، وعلى هذا القول يكون كل حي وحده مستقلاً. ولكن الصحيح أنه ما دام يشمله اسم واحد فهو بلد واحد،
ولو فرض أن هذا البلد اتسع وصار بين أطرافه أميال أو فراسخ فهو وطن واحد تلزم الجمعة من بأقصاه الشرقي كما تلزم من بأقصاه الغربي، وهكذا الشمال والجنوب؛ لأنه بلد واحد.
لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَسْجِدِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ ........ «ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ».
هذا الشرط السادس أي: ليس بين الإنسان وبين المسجد أكثر من فرسخ، والفرسخ سبق لنا: أنه ثلاثة أميال، والميل: اثنا عشر ألف ذراع، فعلى هذا لا يلزم الشخص الذي يكون بينه وبين البلد أكثر من فرسخ جمعة، هذا إذا كان خارج البلد،
أما إذا كان البلد واحداً فإنه يلزمه،
ولو كان بينه وبين المسجد فراسخ.
وذكر علماؤنا أن مسيرة الفرسخ ساعة ونصف الساعة في سير الإبل والقدم، لا بسير السيارة؛
فإن كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ قالوا: فإنها تلزمه بغيره أي: إن أقيمت الجمعة وهو في البلد لزمته وإلا فلا، فصارت الشروط ستة في وجوب الجمعة عيناً.
[فإن قال قائل: ما الدليل على التقييد بالفرسخ؟ فالجواب: يقولون الغالب أن من كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فالغالب أنه لا يسمع النداء، مع أن بعض العلماء قدَّره بالأذان، والذين قدَّروه بالفرسخ قالوا: الأذان يختلف بحسب صوت المؤذن والرياح وارتفاع المؤذن وهدوء الأصوات، فلا يمكن انضباطه، والفرسخ منضبط، إذاً ليس هناك دليل بل هو تعليل، والدليل الذي دلت عليه السنة هو سماع الأذان؛ لقوله ﷺ :«هل تسمع النداء»؟
قال: نعم، قال:«فأجب»]. وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ وَلَا عَلَى عَبْدٍ وَامْرَأَةٍ،
وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ أَجزَأَتْهُ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ ..........
وقوله:«ولا تجب على مسافر سفر قصر»، الضمير يعود على الجمعة، فلا تجب على مسافر سفر قصر، وقد سبق بيان هذا وذكر الأدلة عليه.
وقوله:«على مسافر سفر قصر» أي: سفراً يحل فيه القصر، فلا تجب عليه، لكن تجب عليه بغيره كما سبق، [ومعنى ذلك أنها إن أقيمت الجمعة وجبت عليه وإلا فلا].
فلو أن رجلاً من أهل عنيزة سافر إلى بريدة، فالسفر على المشهور من المذهب ليس سفر قصر؛ لأنه دون المسافة،
فإذا أقيمت الجمعة هناك يجب عليه أن يصلي؛ لأن السفر ليس سفر قصر.
ولو أن رجلاً سافر إلى بلد يبلغ المسافة، ولكن سفره محرّم أي سافر ـ والعياذ بالله ـ ليفعل الفواحش، ويشرب الخمر، وما أشبه ذلك، فلا تسقط عنه الجمعة؛ لأن السفر ليس سفر قصر، لأن من شروط سفر القصر أن يكون السفر مباحاً.
ولو أن رجلاً دخل بلداً ليقيم فيه خمسة أيام مثلاً، ثم يسافر فتلزمه الجمعة بغيره؛ لأنه ليس مسافراً سفر قصر، بل هو مقيم إقامة تمنع القصر، فتلزمه الجمعة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.