وكلّه بنحو شاةٍ وانتفاخ حيوانٍ أو تفسّخه
Its commentaries
(قَوْلُهُ: وَكُلُّهُ بِنَحْوِ شَاةٍ) أَيْ يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ بِمَوْتِ مَا عَادَلَ الشَّاةَ فِي الْجُثَّةِ كَالْآدَمِيِّ وَالْكَلْبِ طَاهِرًا كَانَ أَوْ نَجِسًا؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ أَفْتَيَا بِنَزْحِ الْمَاءِ كُلِّهِ حِينَ مَاتَ زِنْجِيٌّ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ ابْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الطُّفَيْلِ
أَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ فَأَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ زِنْجِيًّا مَاتَ فِي زَمْزَمَ فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأُخْرِجَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُنْزَحَ قَالَ فَغَلَبَتْهُمْ عَيْنٌ جَاءَتْ مِنْ الرُّكْنِ قَالَ فَأُمِرَ بِهَا فَسُدَّتْ بِالْقَبَاطِيِّ وَالْمَطَارِفِ حَتَّى نَزَحُوهَا فَلَمَّا نَزَحُوهَا انْفَجَرَتْ عَلَيْهِمْ وَالْقَبَاطِيُّ جَمْعُ قِبْطِيَّةٍ، وَهُوَ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ مِصْرَ رَقِيقَةٌ بَيْضَاءُ وَكَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى الْقِبْطِ وَهُمْ أَهْلُ مِصْرَ وَالْمَطَارِفُ أَرِدْيَةٌ مِنْ خَزٍّ مُرَبَّعَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ مُفْرَدُهَا مِطْرَفٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا ،
وَأَمَّا رِوَايَةُ عَطَاءٍ فَرَوَاهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ أَنْ حَبَشِيًّا وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ فَمَاتَ فَأَمَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَنُزِحَ مَاؤُهَا فَجَعَلَ الْمَاءُ لَا يَنْقَطِعُ فَنَظَرَ فَإِذَا عَيْنٌ تَجْرِي مِنْ قِبَلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَسْبُكُمْ،
وَأَمَّا رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ وَالْآمِرُ فِيهَا بِالنَّزْحِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
وَأَمَّا رِوَايَةُ قَتَادَةَ فَرَوَاهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَالْآمِرُ ابْنُ عَبَّاسٍ،
وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي الطُّفَيْلِ فَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ وَالْآمِرُ ابْنُ عَبَّاسٍ،
فَإِنْ قَالُوا رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ مُرْسَلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ بَلْ سَمِعَهَا مِنْ عِكْرِمَةَ
وَكَذَا قَتَادَةُ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ،
وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ دِينَارٍ فَفِيهَا ابْنُ لَهِيعَةَ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ،
وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي طُفَيْلٍ فَفِيهَا جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ
وَأَمَّا عَطَاءٌ فَهُوَ، وَإِنْ سَمِعَ مِنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِلَا خِلَافٍ لَكِنْ وُجِدَ مَا يُضَعِّفُ رِوَايَتَهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ أَنَا بِمَكَّةَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً لَمْ أَرَ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا يَعْرِفُ حَدِيثَ الزِّنْجِيِّ الَّذِي قَالُوا إنَّهُ وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ وَلَا سَمِعْت أَحَدًا يَقُولُ نُزِحَتْ زَمْزَمُ ثُمَّ أُسْنِدَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يُعْرَفُ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَيْفَ يَرْوِي ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَيَتْرُكُهُ،
وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ فَلِنَجَاسَةٍ ظَهَرَتْ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ أَوْ نَزَحَهَا لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلنَّجَاسَةِ،
فَإِنَّ زَمْزَمَ لِلشُّرْبِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمَّا أَرْسَلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَهُمَا ثِقَةً، وَهُوَ عِكْرِمَةُ كَانَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا مُحْتَجًّا بِهِ وَفِي التَّمْهِيدِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مَرَاسِيلُ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَهُمْ حُجَّةٌ صِحَاحٌ كَمَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ،
وَأَمَّا الْجُعْفِيُّ فَقَدْ وَثَّقَهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَاحْتَمَلَهُ النَّاسُ وَرَوَوْا عَنْهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ أَيْضًا،
وَأَمَّا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ هُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الثِّقَاتُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَاللَّيْثُ بْنِ سَعْدٍ
وَأَمَّا عَدَمُ عِلْمِ سُفْيَانَ وَالشَّافِعِيِّ فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ،
فَإِنْ لَمْ يَعْرِفَا فَقَدْ عَرَفَ غَيْرُهُمَا مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَعْلَامِ الْأَئِمَّةِ وَإِثْبَاتُهُمْ مُقَدَّمٌ عَلَى نَفْيِ غَيْرِهِمْ مَعَ أَنَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ذَلِكَ الْوَقْتِ قَرِيبًا مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً،
وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ عِنْدَهُ دَلِيلٌ أَوْجَبَ تَخْصِيصَهُ،
فَإِنَّ رِوَايَتَهُ كَعِلْمِ الْمُخَالِفِ بِهِ فَكَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِتَنْجِيسِ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ بِدُونِ تَغَيُّرٍ لِدَلِيلٍ آخَرَ وَقَعَ عِنْدَهُ أَوْجَبَ تَخْصِيصَ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يُسْتَبْعَدُ مِثْلُهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ،
وَأَمَّا تَجْوِيزُ كَوْنِ النَّزْحِ لِنَجَاسَةٍ ظَهَرَتْ أَوْ لِلتَّنْظِيفِ فَمُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ مَاتَ فَأَمَرَ بِنَزْحِهَا أَنَّهُ لِلْمَوْتِ لَا لِنَجَاسَةٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِمْ زَنَى فَرُجِمَ وَسَهَا فَسَجَدَ وَسَرَقَ فَقُطِعَ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُمْ لَا يُنْزَحُ أَيْضًا لِلنَّجَاسَةِ،
وَلَوْ كَانَ لِلتَّنْظِيفِ لَمْ يَأْمُرْ بِنَزْحِهَا وَلَمْ يُبَالِغُوا هَذِهِ الْمُبَالَغَةَ الْعَظِيمَةَ مِنْ سَدِّ الْعَيْنِ وَقَوْلِ النَّوَوِيِّ كَيْفَ يَصِلُ هَذَا الْخَبَرُ إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ وَيَجْهَلُهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ كَبِيرُ أَهْلِ مَكَّةَ اسْتِبْعَادٌ بَعْدَ وُضُوحِ الطَّرِيقِ وَمُعَارَضٌ بِأَنَّ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ كَعَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ انْتَقَلُوا إلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ إلَّا الْقَلِيلُ وَانْتَشَرُوا فِي الْبِلَادِ لِلْجِهَادِ وَالْوِلَايَاتِ وَسَمِعَ النَّاسُ مِنْهُمْ وَانْتَشَرَ الْعِلْمُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْهُمْ حَتَّى قَالَ الْعِجْلِيّ فِي تَارِيخِهِ نَزَلَ الْكُوفَةَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَنَزَلَ قَرْقِيسِيَاءَ سِتُّ مِائَةٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَعْرِفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَا يُنْكِرُ هَذَا إلَّا مُكَابِرٌ وَمَا ذَكَرَهُ أَيْضًا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ إمَامِهِ فَقَدْ حَكَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِأَحْمَدَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِالْأَخْبَارِ الصِّحَاحِ مِنَّا فَإِذَا كَانَ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَأَعْلَمُونِي حَتَّى أَذْهَبَ إلَيْهِ كُوفِيًّا كَانَ أَوْ بَصْرِيًّا أَوْ شَامِيًّا فَهَلَّا قَالَ كَيْفَ يَصِلُ إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَيَجْهَلُهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْبِئْرَ إذَا نُزِحَتْ لَا يَحْضُرُهَا أَهْلُ الْبَلَدِ وَلَا أَكْثَرُهُمْ، وَإِنَّمَا يَحْضُرُ مَنْ لَهُ بَصَارَةٌ أَوْ مَنْ يُسْتَعَانُ بِهِ. (قَوْلُهُ: وَانْتِفَاخُ حَيَوَانٍ أَوْ تَفَسُّخُهُ) أَيْ يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ لِأَجْلِ انْتِفَاخِ الْحَيَوَانِ الْوَاقِعِ فِيهَا أَوْ تَفَسُّخِهِ مُطْلَقًا صَغُرَ الْحَيَوَانُ أَوْ كَبُرَ كَالْفَأْرَةِ وَالْآدَمِيِّ وَالْفِيلِ لِانْتِشَارِ الْبِلَّةِ فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ؛
لِأَنَّ عِنْدَ انْتِفَاخِهِ تَنْفَصِلُ بِلَّتُهُ، وَهِيَ نَجِسَةٌ مَائِعَةٌ فَصَارَتْ كَقَطْرَةٍ مِنْ خَمْرٍ؛ وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ ذَنَبُ فَأْرَةٍ يُنْزَحُ الْمَاءُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مِنْهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ نَجَاسَةٍ
بِخِلَافِ مَا لَوْ أُخْرِجَتْ قَبْلَ الِانْتِفَاخِ؛ لِأَنَّ شَيْئًا مِنْ أَجْزَائِهَا لَمْ يَبْقَ فِي الْمَاءِ بَعْدَ إخْرَاجِهَا وَالِانْتِفَاخُ أَنْ تَتَلَاشَى أَعْضَاؤُهُ وَالتَّفَسُّخُ أَنْ تَتَفَرَّقَ عُضْوًا عُضْوًا
وَكَذَا إذَا تَمَعَّطَ شَعْرُهُ فَهُوَ كَالْمُنْتَفِخِ
قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، فَإِنْ جَعَلَ مَوْضِعَ الْقَطْعِ شَمْعَةً لَمْ يَجِبْ إلَّا مَا يَجِبُ فِي الْفَأْرَةِ اهـ.
فُرُوعٌ لَا يُفِيدُ النَّزْحُ قَبْلَ إخْرَاجِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ النَّجَاسَةِ وَمَعَ بَقَائِهَا لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ وَكَانَ مُتَنَجِّسًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ،
وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْبِئْرِ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ نُزِحَ مَا فِيهَا فَإِذَا جَاءَ الْمَاءُ بَعْدَهُ لَا يُنْزَحُ مِنْهُ شَيْءٌ،
وَلَوْ غَارَ الْمَاءُ قَبْلَ النَّزْحِ ثُمَّ عَادَ يَعُودُ نَجِسًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمُطَهِّرُ،
وَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ فِي قَعْرِهَا، وَقَدْ جَفَّتْ تُجْزِئُهُ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ لَكِنْ اخْتَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ لَا يَعُودُ نَجِسًا وَصَرَّحَ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ بِأَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ كَنَظَائِرِهِ
وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْعَوْدِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّزْحِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ إنَّمَا يَكُونُ الْأَصَحُّ عَدَمَ الْعَوْدِ فِيمَا إذَا جَفَّ أَسْفَلُهُ
أَمَّا إذَا غَارَ وَلَمْ يَجِفَّ أَسْفَلُهُ فَالْأَصَحُّ الْعَوْدُ كَمَا أَفَادَهُ السِّرَاجُ الْوَهَّاجُ،
وَإِذَا طَهُرَتْ الْبِئْرُ يَطْهُرُ الدَّلْوُ وَالرَّشَا وَالْبَكَرَةُ وَنَوَاحِي الْبِئْرِ وَيَدُ الْمُسْتَقِي؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِنَجَاسَةِ الْبِئْرِ فَتَطْهُرُ بِطَهَارَتِهَا لِلْحَرَجِ كَدَنِّ الْخَمْرِ يَطْهُرُ تَبَعًا إذَا صَارَ خَلًّا وَكَيَدِ الْمُسْتَنْجِي تَطْهُرُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ وَكَعُرْوَةِ الْإِبْرِيقِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ فَجَعَلَ يَدَهُ عَلَيْهَا كُلَّمَا صَبَّ عَلَى الْيَدِ فَإِذَا غَسَلَ الْيَدَ ثَلَاثًا طَهُرَتْ الْعُرْوَةُ بِطَهَارَةِ الْيَدِ وَلَوْ سَالَ النَّجَسُ عَلَى الْآجُرِّ ثُمَّ وَصَلَ إلَى الْمَاءِ فَنَزْحُهَا طَهَارَةٌ لِلْكُلِّ،
وَقِيلَ الدَّلْوُ طَاهِرٌ فِي حَقِّ هَذِهِ الْبِئْرِ لَا غَيْرِهَا كَدَمِ الشَّهِيدِ طَاهِرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا يَجِبُ نَزْحُ الطِّينِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ لِأَنَّ الْآثَارَ إنَّمَا وَرَدَتْ بِنَزْحِ الْمَاءِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَكُلَّمَا نُزِحَ مِنْ الْبِئْرِ شَيْءٌ طَهُرَ مِنْ الدَّلْوِ بِقَدْرِهِ وَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَلَا يُطَيَّنُ الْمَسْجِدُ بِطِينِ الْبِئْرِ الَّتِي نُزِحَتْ احْتِيَاطًا ثُمَّ نَجَاسَةُ الْبِئْرِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ وَغَيْرِهَا غَلِيظَةٌ ثُمَّ بِقَدْرِ مَا يُنْزَحُ تَخِفُّ
فَلَوْ صَبَّ الدَّلْوَ الْأَوَّلَ مِنْ بِئْرٍ وَجَبَ فِيهَا نَزْحُ عِشْرِينَ فِي بِئْرٍ طَاهِرَةٍ يُنْزَحُ مِنْ الثَّانِيَةِ عِشْرُونَ،
وَلَوْ صَبَّ الثَّانِيَ تِسْعَةَ عَشَرَ
وَكَذَا الثَّالِثُ عَلَى هَذَا، وَلَوْ صَبَّ الدَّلْوَ الْأَخِيرَ يُنْزَحُ دَلْوٌ مِثْلُهُ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْبِئْرَ الثَّانِيَةَ تَطْهُرُ بِمَا تَطْهُرُ بِهِ الْأُولَى،
وَلَوْ أُخْرِجَتْ الْفَأْرَةُ وَأُلْقِيَتْ فِي بِئْرِ طَاهِرَةِ وَصُبَّ أَيْضًا فِيهَا عِشْرُونَ مِنْ الْأُولَى يَجِبُ إخْرَاجُ الْفَأْرَةِ وَنَزْحُ عِشْرِينَ دَلْوًا؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَطْهُرُ بِهِ فَكَذَا الثَّانِيَةُ،
وَلَوْ صَبَّ الدَّلْوَ الْعَاشِرَةَ فِي بِئْرٍ طَاهِرَةٍ يُنْزَحُ مِنْهَا عَشْرُ دِلَاءٍ
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي سُلَيْمَانَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ إحْدَى عَشْرَةَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَوَفَّقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَالْأُولَى سِوَى الْمَصْبُوبِ وَالثَّانِيَةُ مَعَ الْمَصْبُوبِ فَلَا خِلَافَ وَلَوْ صَبَّ مَاءَ بِئْرٍ نَجِسَةٍ فِي بِئْرٍ أُخْرَى، وَهِيَ نَجِسَةٌ أَيْضًا يُنْظَرُ بَيْنَ الْمَصْبُوبِ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ فِيهَا فَأَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ أَغْنَى عَنْ الْأَقَلِّ،
فَإِنْ اسْتَوَيَا فَنُزِحَ أَحَدُهُمَا يَكْفِي مِثَالُهُ بِئْرَانِ مَاتَتْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَأْرَةٌ فَنُزِحَ مِنْ إحْدَاهُمَا عَشَرَةٌ مَثَلًا وَصُبَّ فِي الْأُخْرَى يُنْزَحُ عِشْرُونَ،
وَلَوْ صُبَّ دَلْوٌ وَاحِدٌ، فَكَذَلِكَ،
وَلَوْ مَاتَتْ فَأْرَةٌ فِي بِئْرٍ ثَالِثَةٍ فَصُبَّ مِنْ إحْدَى الْبِئْرَيْنِ عِشْرُونَ وَمِنْ الْأُخْرَى عَشَرَةٌ يُنْزَحُ ثَلَاثُونَ،
وَلَوْ صُبَّ فِيهَا مِنْ كُلٍّ عِشْرُونَ نُزِحَ أَرْبَعُونَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْزَحَ الْمَصْبُوبُ ثُمَّ الْوَاجِبُ فِيهَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ،
وَلَوْ نُزِحَ دَلْوٌ مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَصُبَّ فِي الْعِشْرِينَ يُنْزَحُ الْأَرْبَعُونَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَبَّ فِي بِئْرٍ طَاهِرَةٍ كَذَلِكَ فَكَذَا هَذَا، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ
وَفِي رِوَايَةٍ يُنْزَحُ الْوَاجِبُ وَالْمَصْبُوبُ جَمِيعًا فَقِيلَ لَهُ إنَّ مُحَمَّدًا رَوَى عَنْك الْأَكْثَرَ فَأَنْكَرَ
وَكَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي بِئْرَيْنِ وَقَعَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِنَّوْرٌ فَنُزِحَ مِنْ إحْدَاهُمَا لَوْ صُبَّ فِي الْأُخْرَى يُنْزَحُ مَاؤُهَا كُلُّهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الدَّلْوَ الَّذِي نُزِحَ أَخَذَ حُكْمَ النَّجَاسَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ نَجَّسَهُ
وَيَجِبُ غَسْلُهُ، فَصَارَ كَمَا إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ وَدَفَعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ وَجْهُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الْمَصْبُوبُ فِيهَا طَاهِرَةً
أَمَّا إذَا كَانَتْ نَجِسَةً فَلَا؛ لِأَنَّ أَثَرَ نَجَاسَةِ هَذَا الدَّلْوِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا إذَا وَرَدَ عَلَى طَاهِرٍ وَقَدْ وَرَدَ هُنَا عَلَى نَجِسٍ فَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ نَجَاسَتِهِ فَتَبْقَى الْمُورِدَةُ عَلَى مَا كَانَتْ، فَتَطْهُرُ بِإِخْرَاجِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ وَجْهُ دَفْعِهِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ مَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْبِئْرِ إلَّا نَجَاسَةُ فَأْرَةٍ وَنَجَاسَةُ فَأْرَةٍ يُطَهِّرُهَا عِشْرُونَ دَلْوًا اهـ وَفِي الْمُحِيطِ مَعْزِيًّا إلَى النَّوَادِرِ فَإِنْ مَاتَتْ فِي حُبٍّ فَأُرِيقَ الْمَاءُ فِي الْبِئْرِ قَالَ مُحَمَّدٌ يُنْزَحُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمَصْبُوبَةِ وَمِنْ عِشْرِينَ دَلْوًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛
لِأَنَّ الْفَأْرَةَ لَوْ وَقَعَتْ فِيهَا يُنْزَحُ عِشْرُونَ فَكَذَا إذَا صُبَّ فِيهَا مَا وَقَعَ فِيهِ إلَّا إذَا زَادَ الْمَصْبُوبُ عَلَى ذَلِكَ فَتُنْزَحُ الزِّيَادَةُ مَعَ الْعِشْرِينَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُنْزَحُ الْمَصْبُوبُ وَعِشْرُونَ دَلْوًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَعَتْ الْفَأْرَتَانِ فِي الْبِئْرِ يَجِبُ نَزْحُهُمَا وَنَزْحُ عِشْرِينَ دَلْوًا كَذَا هَذَا،
وَفِي الْكَافِي وَالْمُسْتَصْفَى وَالْبَدَائِعِ أَنَّ الْفَأْرَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي الْحُبِّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ يُهْرَاقُ الْمَاءُ كُلُّهُ وَلَمْ يُعَلِّلْهُ لَهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِنَزْحِ الْبَعْضِ مَخْصُوصٌ بِالْآبَارِ ثَبَتَ بِالْآثَارِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ فَعَلَى هَذَا إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي الصِّهْرِيجِ أَوْ الْفَسْقِيَّةِ وَلَمْ يَكُونَا عَشْرًا فِي عَشْرٍ،
فَإِنَّ الْمَاءَ كُلَّهُ يُهْرَاقُ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْبِئْرِ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ الدَّلْوُ الْأَخِيرُ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الدَّلْوِ حُكْمُ الْمُتَّصِلِ بِالْمَاءِ وَالْبِئْرِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَطْهُرُ بِالِانْفِصَالِ عَنْ الْمَاءِ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا يَتَقَاطَرُ لِلضَّرُورَةِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا انْفَصَلَ الدَّلْوُ الْأَخِيرُ عَنْ الْمَاءِ، وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ وَاسْتَقَى مِنْ مَائِهَا رَجُلٌ ثُمَّ أَعَادَ الدَّلْوَ فَعِنْدَهُمَا الْمَاءُ الْمَأْخُوذُ قَبْلَ الْعَوْدِ نَجِسٌ، وَعِنْدَهُ طَاهِرٌ كَذَا فِي التَّبْيِينِ
وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَوْدَ الدَّلْوِ قَيْدٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمَاءُ الْمَأْخُوذُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ نَجِسٌ عِنْدَهُمَا مُطْلَقًا عَادَ الدَّلْوُ أَوْ لَا وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالْمُحِيطِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ فَكَانَ زَائِدًا وَفِي الْبَدَائِعِ لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ وَفِي التَّجْنِيسِ إذَا نَزَحَ الْمَاءَ النَّجِسَ مِنْ الْبِئْرِ يُكْرَهُ أَنْ يَبِلَّ بِهِ الطِّينَ وَلَا يُطَيِّنَ بِهِ الْمَسْجِدَ أَوْ أَرْضُهُ لِنَجَاسَتِهِ
بِخِلَافِ السِّرْقِينِ إذَا جَعَلَهُ فِي الطِّينِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرُورَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ إلَّا بِذَلِكَ اهـ.
وَالْبُعْدُ بَيْنَ الْبَالُوعَةِ وَالْبِئْرِ الْمَانِعِ مِنْ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَى الْبِئْرِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَسَبْعَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: الْمُعْتَبَرُ الطَّعْمُ أَوْ اللَّوْنُ أَوْ الرِّيحُ،
فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ جَازَ وَإِلَّا فَلَا،
وَلَوْ كَانَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَفَتَاوَى قَاضِي خان وَالتَّعْوِيلُ عَلَيْهِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ،
وَإِنْ مَاتَتْ الْفَأْرَةُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ،
فَإِنْ كَانَ مَائِعًا تَنَجَّسَ جَمِيعُهُ وَجَازَ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الْأَبَدَانِ كَذَا قَالُوا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْتَصْبَحَ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا عَنْ إدْخَالِ النَّجَاسَةِ الْمَسْجِدَ
وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ،
وَإِنْ كَانَ جَامِدًا أُلْقِيَتْ الْفَأْرَةُ وَمَا حَوْلَهَا، وَكَانَ الْبَاقِي طَاهِرًا، وَجَازَ الِانْتِفَاعُ بِمَا حَوْلَهَا فِي غَيْرِ الْأَبْدَانِ،
وَفِي الْمَبْسُوطِ وَحَدُّ الْجُمُودِ وَالذَّوْبِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِحَالٍ لَوْ قُوِّرَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ لَا يَسْتَوِي مِنْ سَاعَتِهِ فَهُوَ جَامِدٌ،
وَإِنْ كَانَ يَسْتَوِي مِنْ سَاعَتِهِ فَهُوَ ذَائِبٌ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ الْجِلْدَ إذَا دُبِغَ بِذَلِكَ السَّمْنِ يُغْسَلُ الْجِلْدُ بِالْمَاءِ وَيَطْهُرُ وَالتَّشَرُّبُ فِيهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَلِمَنْ اشْتَرَاهُ الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ،
وَإِنْ مَاتَتْ الْفَأْرَةُ فِي الْخَمْرِ فَصَارَ خَلًّا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْخَلُّ مُبَاحٌ
وَقِيلَ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ وَقِيلَ إذَا لَمْ تَتَفَسَّخْ فِيهِ جَازَ،
وَإِنْ تَفَسَّخَتْ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِيهِ جُزْءٌ مِنْهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ وَهَذَا إذَا اُسْتُخْرِجَتْ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا
أَمَّا إذَا صَارَ خَلًّا وَالْفَأْرَةُ فِيهِ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَفَسِّخَةً أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ نَجَسٌ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَالتَّجْنِيسِ بَالُوعَةٌ حَفَرُوهَا وَجَعَلُوهَا بِئْرَ مَاءِ،
فَإِنْ حَفَرُوهَا مِقْدَارَ مَا وَصَلَتْ إلَيْهِ النَّجَاسَةُ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ وَجَوَانِبُهَا نَجِسَةٌ،
وَإِنْ حَفَرُوهَا أَوْسَعَ مِنْ الْأَوَّلِ طَهُرَ الْمَاءُ وَالْبِئْرُ كُلُّهُ اهـ.
وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ، وَلَوْ نَزَحَ مَاءَ بِئْرِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَتَّى يَبِسَتْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْبِئْرِ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْمَاءِ،
وَلَوْ صُبَّ مَاءُ رَجُلٍ كَانَ فِي الْحُبِّ يُقَالُ لَهُ امْلَأْ الْإِنَاءَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحُبِّ مَالِكٌ لِلْمَاءِ، وَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَيَضْمَنُ مِثْلَهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْإِوَزِّ كَالدَّجَاجِ إنْ كَانَ صَغِيرًا،
وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَهُوَ كَالْجَمَلِ الْعَظِيمِ يُنْزَحُ كُلُّ الْمَاءِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ،
وَلَوْ تَنَجَّسَتْ بِئْرٌ فَأَجْرَى مَاؤُهَا بِأَنْ حُفِرَ مَنْفَذٌ فَصَارَ الْمَاءُ يَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى خَرَجَ بَعْضُهُ طَهُرَتْ لِوُجُودِ سَبَبِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ جَرَيَانُ الْمَاءِ وَصَارَ كَالْحَوْضِ إذَا تَنَجَّسَ فَأَجْرَى فِيهِ الْمَاءَ حَتَّى خَرَجَ بَعْضُهُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا تَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ، وَكَانَ مُتَنَجِّسًا) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ عَيْنِ النَّجَاسَةِ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَفِي الْجَوَاهِرِ لَوْ وَقَعَ عُصْفُورٌ فِي بِئْرٍ فَعَجَزُوا عَنْ إخْرَاجِهِ فَمَا دَامَ فِيهَا فَنَجِسَةٌ فَتُتْرَكُ مُدَّةً يُعْلَمُ أَنَّهُ اسْتَحَالَ وَصَارَ حَمْأَةً
وَقِيلَ مُدَّةَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ طَهُرَ إلَخْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالطَّهَارَةِ خِفَّةَ النَّجَاسَةِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ: يُهْرَاقُ الْمَاءُ كُلُّهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ الْإِرَاقَةِ بِلَا غَسْلٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ بَعْدَ الْإِرَاقَةِ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ حُكِمَ بِنَجَاسَةِ الْمُرَاقِ، وَبَقِيَ الْأَثَرُ فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ بِخِلَافِ الْبِئْرِ
(قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي الصِّهْرِيجِ إلَخْ) هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصِّهْرِيجَ لَيْسَ مِنْ مُسَمَّى الْبِئْرِ فِي شَيْءٍ كَذَا فِي النَّهْرِ وَقَالَ قَبْلَهُ وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ إيجَابَ الْعِشْرِينَ وَالْأَرْبَعِينَ فِي الْفَأْرَةِ وَالْحَمَامَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِمَا وَبِذَلِكَ تَمَسَّكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ وَأَفْتَى بِنَزْحِ عِشْرِينَ فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي صِهْرِيجٍ،
وَفِي الْقَامُوسِ الصِّهْرِيجُ الْحَوْضُ الْكَبِيرُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ اهـ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحُبِّ ثُمَّ قَالَ إنَّهُ مِمَّا لَا يَخْفَى بُعْدُهُ،
فَإِنَّ الْحُبَّ بِالْحَاءِ الْخَابِيَةُ وَأَيْنَ هِيَ مِنْ الصِّهْرِيجِ لَا سِيَّمَا الَّذِي يَسَعُ أُلُوفًا مِنْ الدِّلَاءِ اهـ.
قُلْت: وَنُقِلَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ حُكْمَ الرَّكِيَّةِ حُكْمُ الْبِئْرِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَهِيَ الْبِئْرُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ لَكِنْ فِي الْعُرْفِ هِيَ بِئْرٌ يَجْتَمِعُ مَاؤُهَا مِنْ الْمَطَرِ اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّنْوِيرِ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ التَّنْوِيرِ عَنْ الْفَوَائِدِ أَنَّ الْحُبَّ الْمَطْمُورَ أَكْثَرُهُ فِي الْأَرْضِ كَالْبِئْرِ وَعَلَيْهِ فَالصِّهْرِيجُ وَالزِّيرُ الْكَبِيرُ يُنْزَحُ مِنْهُ كَالْبِئْرِ وَقَالَ: فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ اهـ.
وَالزِّيرُ الدَّنُّ، وَهُوَ الرَّاقُودُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ أَطْوَلُ مِنْ الْحُبِّ لَا يُعْقَدُ إلَّا أَنْ يَحْفِرَ لَهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَقُولُ: وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ الَّذِي يَنْبَغِي تَحْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ كُلُّ مَا كَانَ حُفْرَةً فِي الْأَرْضِ لَا تَنَالُهُ الْيَدُ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْبِئْرِ وَدَاخِلٌ فِي مُسَمَّاهَا؛ لِأَنَّهَا كَمَا مَرَّ مُشْتَقَّةٌ مِنْ بَارَتْ أَيْ حُفِرَتْ فَيَكُونُ الْوَارِدُ فِيهَا وَارِدًا فِيهِ
بِخِلَافِ نَحْوِ الدَّنِّ وَالْفَسْقِيَّةِ وَالْعَيْنِ؛ لِأَنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ خَارِجَةٌ عَنْ الْقِيَاسِ فَلَا يُلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا، وَبِهِ يَظْهَرُ مَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ
وَكَذَا مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا يُشِيرُ صَدْرُ كَلَامِ النَّهْرِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
Says nothing on this mas’ala.
(وَكُلُّهُ بِنَحْوِ شَاةٍ وَانْتِفَاخِ حَيَوَانٍ أَوْ تَفَسُّخِهِ) أَيْ يَجِبُ نَزْحُ جَمِيعِ الْمَاءِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ
أَمَّا بِتَفَسُّخِ الْحَيَوَانِ أَوْ انْتِفَاخِهِ فَلِانْتِشَارِ الْبَلَّةِ فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ
وَأَمَّا بِنَحْوِ الشَّاةِ فَلِمَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ زِنْجِيًّا وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ فَمَاتَ فِيهَا فَأَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فَأُخْرِجَ وَأَمَرَا بِهَا أَنْ تُنْزَحَ قَالَ فَغَلَبَتْهُمْ عَيْنٌ جَاءَتْهُمْ مِنْ الرُّكْنِ فَأَمَرَا بِهَا فَسُدَّتْ بِالْقُبَاطِيِّ وَالْمَطَارِفِ حَتَّى نَزَحُوهَا فَلَمَّا نَزَحُوهَا انْفَجَرَتْ عَلَيْهِمْ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا، ثُمَّ مَا كَانَ فَوْقَ الْفَأْرَةِ دُونَ الْحَمَامَةِ يَلْحَقُ بِالْفَأْرَةِ وَمَا كَانَ فَوْقَ الدَّجَاجَةِ دُونَ الشَّاةِ يَلْحَقُ بِالدَّجَاجَةِ، هَذَا فِيمَا إذَا مَاتَ الْحَيَوَانُ فِيهَا
فَأَمَّا إذَا خَرَجَ حَيًّا فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسَ الْعَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ فِي بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، وَلَمْ يُدْخِلْ فَاهُ فِي الْمَاءِ لَمْ يَتَنَجَّسْ الْمَاءُ.
وَإِنْ أَدْخَلَ فَاهُ فِي الْمَاءِ فَمُعْتَبَرٌ بِسُؤْرِهِ فَإِنْ كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا فَالْمَاءُ طَاهِرٌ،
وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَالْمَاءُ نَجِسٌ فَيُنْزَحُ كُلُّهُ وَإِنْ كَانَ مَشْكُوكًا فَالْمَاءُ مَشْكُوكٌ فَيُنْزَحُ جَمِيعُهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَمَكْرُوهٌ فَيُسْتَحَبُّ نَزْحُهَا،
وَإِنْ كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ كَالْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُ الْمَاءَ،
وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ فَاهُ، وَفِي الْكَلْبِ رِوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ أَوَّلًا
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ مَا لَمْ يُدْخِلْ فَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ لِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا وَإِجَارَةً وَبَيْعًا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَكُلُّهُ بِنَحْوِ شَاةٍ إلَى آخِرِهِ) وَلَوْ وَجَبَ نَزْحُ مَائِهَا فَغَارَ الْمَاءُ ثُمَّ عَادَ عَادَ نَجِسُهُ،
وَفِي الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ قَالَ سَدَّادٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَفِي الْمُلْتَقَطِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. كَاكِيٌّ.
وَكَذَا لَوْ غَاضَ الْمَاءُ بِقَدْرِ عِشْرِينَ طَهُرَ الْبَاقِي. اهـ. كَاكِيٌّ، وَقَدْ نَقَلْت هَذَا الْفَرْعَ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ نَقْلًا عَنْ قَاضِي خَانْ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا) كَسُكَّانِ الْبُيُوتِ وَالسِّنَّوْرِ وَالدَّجَاجَةِ الْمُخْلَاةِ. اهـ. كَاكِيٌّ وَفِي الطَّاهِرِ الَّذِي لَمْ يَسْتَنْجِ وَالْحَائِضِ وَالْكَافِرِ وَالذِّمِّيِّ كُلُّهُ. اهـ. زَاهِدِيٌّ وَكَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ أَوْ لَا)
قَالَ فِي الدِّرَايَةِ ثُمَّ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ عَيْنَ الْكَلْبِ نَجِسٌ إلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.