وظنًّا لغوٌ
Its commentaries
(قَوْلُهُ: وَظَنًّا لَغْوٌ) أَيْ حَلِفُهُ عَلَى مَاضٍ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ - وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ - لَغْوٌ فَقَوْلُهُ ظَنًّا مَعْطُوفٌ عَلَى كَذِبًا سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهَا، وَاللَّغْوُ اسْمٌ لِمَا لَا يُفِيدُ يُقَالُ لَغَا إذَا أَتَى بِشَيْءٍ لَا
فَائِدَةَ فِيهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ اللَّغْوُ الْبَاطِلُ مِنْ الْكَلَامِ وَمِنْهُ اللَّغْوُ فِي الْأَيْمَانِ لِمَا لَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبَ وَقَدْ لَغَا فِي الْكَلَامِ يَلْغُو وَيُلْغِي وَلَغَا يُلْغِي وَمِنْهُ قَوْلُهُ: فَقَدْ لَغَوْت وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ شَرْعًا فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ أَنَّهَا الْحَلِفُ عَلَى مَاضٍ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ مِنْ فِعْلٍ، أَوْ تَرْكٍ، أَوْ صِفَةٍ وَالْأَمْرُ بِضِدِّهِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَقَدْ دَخَلْت الدَّارَ وَاَللَّهِ مَا كَلَّمْت زَيْدًا أَوْ رَأَى طَائِرًا مِنْ بَعِيدٍ فَظَنَّهُ غُرَابًا فَقَالَ وَاَللَّهِ إنَّهُ غُرَابٌ، أَوْ قَالَ إنَّهُ زَيْدٌ وَهُوَ يَظُنُّهُ كَذَلِكَ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ فِي الْكُلِّ وَمِنْ الصِّفَاتِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ حَلَّفَهُ السُّلْطَانُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِأَمْرِ كَذَا فَحَلَفَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَرْجُو أَنْ لَا يَحْنَثَ اهـ.
وَقَدَّمْنَا أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْحَالِ أَيْضًا
وَمِثْلُهُ فِي الْمُجْتَبَى بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ إنَّ الْمُقْبِلَ زَيْدٌ يَظُنُّهُ زَيْدًا فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو،
وَفِي الْبَدَائِعِ قَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ خَطَأً، أَوْ غَلَطًا فِي الْمَاضِي، أَوْ فِي الْحَالِ وَهُوَ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ الْمَاضِي، أَوْ عَنْ الْحَالِ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ كَمَا أَخْبَرَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ فِي النَّفْيِ، أَوْ فِي الْإِثْبَاتِ وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: اللَّغْوُ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ حَقٌّ وَلَيْسَ بِحَقٍّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَمِينُ اللَّغْوِ هِيَ الْيَمِينُ الَّتِي لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ وَهُوَ مَا يَجْرِي عَلَى أَلْسُنِ النَّاسِ فِي كَلِمَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْيَمِينِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَاضِي، أَوْ فِي الْحَالِ، أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ،
وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا لَغْوَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ الْيَمِينُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَمِينٌ مَعْقُودَةٌ وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ قَصَدَ الْيَمِينَ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ.
وَإِنَّمَا اللَّغْوُ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ فَقَطْ وَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى إثْرِ حِكَايَتِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اللَّغْوَ مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى الْمَاضِي، أَوْ الْحَالِ وَعِنْدَنَا ذَلِكَ لَغْوٌ فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي يَمِينٍ لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَعِنْدَنَا لَيْسَتْ بِلَغْوٍ وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ وَعِنْدَهُ هِيَ لَغْوٌ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا اهـ.
وَهُوَ أَعَمُّ مِمَّا فِي الْمُخْتَصَرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ فِي الْمَاضِي، أَوْ الْحَالِ جَعَلَهَا لَغْوًا وَعَلَى تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ لَا تَكُونُ لَغْوًا؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ قَصْدٍ
لَا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَكُونُ لَغْوًا بِالْأَوْلَى فَلَا مُخَالَفَةَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ تَفْسِيرَنَا اللَّغْوَ أَعَمُّ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّا نَقُولُ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي أُصُولِهِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: اللَّغْوُ مَا يَكُونُ خَالِيًا عَنْ
فَائِدَةِ الْيَمِينِ شَرْعًا وَوَضْعًا فَإِنَّ
فَائِدَةَ الْيَمِينِ إظْهَارُ الصِّدْقِ مِنْ الْخَبَرِ فَإِنْ أُضِيفَ إلَى خَبَرٍ لَيْسَ فِيهِ احْتِمَالُ الصِّدْقِ كَانَ خَالِيًا عَنْ
فَائِدَةِ الْيَمِينِ فَكَانَ لَغْوًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَكِنَّ مَا قُلْنَاهُ أَحَقُّ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} الْآيَةَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُرَادَ الْمُشْرِكِينَ التَّعَنُّتُ أَيْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى الْمُغَالَبَةِ بِالْحُجَّةِ فَاشْتَغِلُوا بِمَا هُوَ خَالٍ عَنْ الْفَائِدَةِ مِنْ الْكَلَامِ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُكُمْ بِطَرِيقِ الْمُغَالَبَةِ دُونَ الْمُحَاجَّةِ وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُمْ التَّكَلُّمَ بِغَيْرِ قَصْدٍ قَالَ صَاحِبُ التَّقْوِيمِ: وَلَمْ يُرِدْ تَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِهِ لَا يَسْتَقِيمُ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ: وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا لِأَنَّ اللَّغْوَ مِنْ الْكَلَامِ مَا لَيْسَ بِصَوَابٍ وَلَا حَسَنٍ فَإِنَّ اللَّغْوَ مِنْ الْكَلَامِ الْقَبِيحِ الْفَاحِشِ مِنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا} أَيْ كَلَامًا قَبِيحًا فَاللَّغْوُ هُوَ الْكَلَامُ الْقَبِيحُ الْفَاحِشُ وَالْخَطَأُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْعَمْدِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ فَاحِشٍ فَلَا يَكُونُ لَغْوًا
فَأَمَّا مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ كَلَامٌ قَبِيحٌ فَاحِشٌ فَإِنَّهُ كَذِبٌ وَالْكَذِبُ قَبِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ،
وَأَمَّا الْخَطَأُ فَلَيْسَ بِمَحْظُورٍ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ وَاللَّغْوُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ صَاحِبُهُ إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ،
وَفِي فَتَاوَى مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ لَوْ قَالَ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَا فُلَانٌ فَعَلَيَّ حَجَّةٌ وَلَمْ يَكُنْ وَكَانَ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ فُلَانٌ لَزِمَهُ ذَلِكَ اهـ.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْيَمِينَ بِالطَّلَاقِ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ إذَا تَبَيَّنَ خِلَافُهُ مُوجِبٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَقَدْ اشْتَهَرَ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافُهُ.
(قَوْلُهُ: خَطَأً، أَوْ غَلَطًا) الْخَطَأُ فِي الْجَنَانِ، وَالْغَلَطُ فِي اللِّسَانِ فَإِذَا ظَنَّ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَا وَحَلَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ بِخِلَافِهِ فَهُوَ الْخَطَأُ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ إنَّهُ قَائِمٌ فَسَبَقَ لِسَانُهُ وَقَالَ لَيْسَ بِقَائِمٍ فَهُوَ غَلَطٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ إلَخْ)
قَالَ فِي الْمُجْتَبَى بَعْدَمَا نَقَلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ الْمَارَّ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَمِينُ اللَّغْوِ مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ وَهُوَ يُقَرِّرُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَنَا ذَلِكَ لَغْوٌ إلَخْ) إنَّمَا نَسَبَهُ لِأَنَّهُ قَوْلُ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ قَوْلُ أَئِمَّتِنَا لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي اللَّغْوِ هُوَ مَا عَزَاهُ إلَى أَصْحَابِنَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا إنَّ الْيَمِينَ اللَّغْوَ هِيَ مَا يَكُونُ عَلَى الْمَاضِي، أَوْ الْحَالِ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ كَمَا قَالَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ وَأَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ هِيَ مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ إنَّهَا تَكُونُ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ أَيْضًا وَمُحَمَّدٌ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَصَارَ حَاصِلُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي يَمِينٍ لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هِيَ لَغْوٌ وَعِنْدَنَا أَيْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ هِيَ مُنْعَقِدَةٌ وَلَهَا الْكَفَّارَةُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَقْرِيرِ كَلَامِ الْبَدَائِعِ عَلَى وَجْهٍ يَنْدَفِعُ عَنْهُ التَّنَاقُضُ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَعَمُّ مِمَّا فِي الْمُخْتَصَرِ) كَانَ حَقُّ التَّعْبِيرِ أَنْ يَقُولَ وَهُوَ مُبَايِنٌ لِمَا فِي الْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ مَشْرُوطٌ فِيهِ الْقَصْدُ وَمَا فِي الْبَدَائِعِ عَدَمُ الْقَصْدِ.
(قَوْلُهُ: مُوجِبٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ) ظَاهِرُهُ الْوُقُوعُ قَضَاءً وَدِيَانَةً
(و) حلفه على ماض (ظنا) أن الأمر كما قال من فعل أو لغوا وأثم في الأولى دون الثانية وعلى آت منعقدة، وفيها كفارة فقط، ترك أو صفة وهو بخلافه (لغوا) .
قال في (المغرب) : اللغو الباطل من الكلام ومنه اللغو في الأيمان لما لا يعقد عليه القلب وقد لغى في الكلام يلغو ويلغي ومنه فقد لغوت والماضي ليس بقيد أيضا، كما في (البدائع) وما مر من التكلف باق هنا
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.