ولو أقرّ أنّه شهد زورًا يشهّر ولا يعزّر
Its commentaries
(قَوْلُهُ وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ شَهِدَ زُورًا يُشَهَّرُ وَلَا يُعَزَّرُ) أَيْ لَا يُضْرَبُ وَقَالَا يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ضَرَبَ شَاهِدَ الزُّورِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَسَخَّمَ وَجْهَهُ وَلِأَنَّ هَذِهِ كَبِيرَةٌ يَتَعَدَّى ضَرَرُهَا إلَى الْعِبَادِ وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَيُعَزَّرُ وَلَهُ أَنَّ شُرَيْحًا كَانَ يُشَهِّرُهُ وَلَا يَضْرِبُهُ وَلِأَنَّ الِانْزِجَارَ يَحْصُلُ بِالتَّشْهِيرِ فَيُكْتَفَى بِهِ وَالضَّرْبُ وَإِنْ كَانَ مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مَانِعًا عَنْ الرُّجُوعِ فَوَجَبَ التَّخْفِيفُ نَظَرًا إلَى هَذَا الْوَجْهِ وَحَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ بِدَلَالَةِ التَّبْلِيغِ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَالتَّسْخِيمِ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَوْلَهُمَا وَقَالَ: إنَّهُ الْحَقُّ أَطْلَقَ مَنْ أَقَرَّ فَشَمَلَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ
قَالَ: فِي كَافِي الْحَاكِمِ وَالرِّجَالُ -. وَالنِّسَاءُ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ سَوَاءٌ وَقَيَّدَ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهِ إلَّا بِإِقْرَارِهِ وَزَادَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنْ يَشْهَدَ بِمَوْتِ وَاحِدٍ فَيَجِيءُ حَيًّا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُشَهَّرُ أَيْضًا فِيهِ وَخَرَجَ مَا إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتُهْمَتِهِ أَوْ لِمُخَالَفَتِهِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالدَّعْوَى أَوْ بَيْنَ شَهَادَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُعَزَّرُ لِأَنَّا نَدْرِي مَنْ هُوَ الْكَاذِبُ مِنْهُمْ الْمَشْهُودُ لَهُ أَوْ الشَّاهِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَقَدْ يَكْذِبُ الْمُدَّعِي لِيَنْسِبَ الشَّاهِدَ إلَى الْكَذِبِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّفْيِ وَالْبَيِّنَةُ حُجَّةُ الْإِثْبَاتِ فِي إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ
وَيَجِبُ عَلَيْهِ مُوجَبُهُ مِنْ الضَّمَانِ أَوْ التَّعْزِيرِ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الزُّورِ بِالْبَيِّنَةِ وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ وَمِنْ التَّهَاتُرِ أَنْ يَشْهَدَا أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ لَمْ يَكُنْ لِفُلَانٍ فَهَذَا مِمَّا لَا يُقْبَلُ
وَكَذَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ دَيْنٌ وَمَنْ شَهِدَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ فَقَدْ شَهِدَ بِالْبَاطِلِ وَالْحَاكِمُ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ. اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الزُّورِ فَيُعَزَّرُ فَعَلَى هَذَا يُعَزَّرُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِتَيَقُّنِ كَذِبِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ
إمَّا لِنُدْرَتِهِ وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَا مَحِيصَ لَهُ أَنْ يَقُولَ كَذَبْت أَوْ ظَنَنْتَ ذَلِكَ أَوْ سَمِعْت ذَلِكَ فَشَهِدْت وَهُمَا بِمَعْنَى كَذَبْت لِإِقْرَارِهِ بِالشَّهَادَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ كَذَا فِي الْبِنَايَةِ وَجَعَلَ فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ نَظِيرَ مَسْأَلَةِ ظُهُورِهِ حَيًّا بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِمَوْتِهِ أَوْ قَتْلِهِ مَا إذَا شَهِدُوا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَمَضَى ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ.
وَالزُّورُ فِي اللُّغَةِ الْكَذِبُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَفِي الْقَامُوسِ الزُّورُ بِالضَّمِّ الْكَذِبُ وَالشِّرْكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَأَعْيَادُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالرَّئِيسُ وَمَجْلِسُ الْغِنَاءِ وَمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقُوَّةُ وَهَذِهِ وِفَاقٌ بَيْنَ لُغَةِ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ وَنَهْرٌ يَصَبُّ فِي دِجْلَةَ وَالرَّأْيُ وَالْعَقْلُ وَالْبَاطِلُ إلَى آخِرِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} لَا يُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ الْبَاطِلَةَ أَوْ لَا يَحْضُرُونَ مُحَاضِرَ الْكَذِبِ فَإِنَّ مُشَاهَدَةَ الْبَاطِلِ شَرِكَةٌ فِيهِ اهـ.
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ الشَّهَادَةُ الْبَاطِلَةُ عَمْدًا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَلَوْ قَالَ: غَلِطْت أَوْ ظَنَنْت ذَلِكَ قِيلَ: هُمَا بِمَعْنَى كَذَبْت لِإِقْرَارِهِ بِالشَّهَادَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ اهـ.
وَيُخَالِفُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَإِنَّهُ جَعَلَهُمَا كَنَسِيتُ فَلَا تَعْزِيرَ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالتَّشْهِيرُ فِي اللُّغَةِ مِنْ شَهَّرَهُ بِالتَّشْدِيدِ رَفَعَهُ عَلَى النَّاسِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَوْ أَبْرَزَهُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ مَا نُقِلَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُهُ إلَى سُوقِهِ إنْ كَانَ سُوقِيًّا وَإِلَى قَوْمِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ سُوقِيٍّ بَعْدَ الْعَصْرِ أَجْمَعَ مَا كَانُوا أَوْ يَقُولُ: إنَّ شُرَيْحًا يُقْرِئُكُمْ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ الزُّورِ فَاحْذَرُوهُ وَحَذِّرُوهُ النَّاسَ اهـ.
وَبَعْثُهُ مَعَ أَعْوَانِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا وَلَوْ عَلَى بَقَرَةٍ كَمَا يُفْعَلُ الْآنَ
وَأَمَّا التَّسْخِيمُ فَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ السُّخَامُ وَزَانُ غُرَابٍ سَوَادُ الْقِدْرِ وَسَخَّمَ الرَّجُلُ وَجْهَهُ سَوَّدَهُ بِالسُّخَامِ وَسَخَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْمَقْتِ وَالْغَضَبِ اهـ.
وَقَدَّمْنَا فِي دَلِيلِهِمَا أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَخَّمَ وَجَّهَهُ وَأَنَّ الْإِمَامَ حَمَلَهُ عَلَى السِّيَاسَةِ وَهُوَ تَأْوِيلُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَأَوَّلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِالتَّخْجِيلِ بِالتَّفْضِيحِ وَالتَّشْهِيرِ فَإِنَّ الْخَجَلَ يُسَمَّى سَوَادًا مَجَازًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} كَذَا فِي الْبِنَايَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُسَخِّمَ وَجْهَهُ إذَا رَآهُ سِيَاسَةً وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُغْنِي وَلَا يُسَخِّمُ وَجْهَهُ بِالْخَاءِ وَالْحَاءِ وَإِنَّمَا فَسَّرَ قَوْلَهُ لَا يُعَزَّرُ بِلَا يُضْرَبُ لِأَنَّ التَّشْهِيرَ تَعْزِيرٌ.
وَالْحَاصِلُ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَعْزِيرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ اكْتَفَى بِتَشْهِيرِ حَالِهِ فِي الْأَسْوَاقِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ مِنْ ضَرْبِهِ خُفْيَةً وَهُمَا أَضَافَا إلَى ذَلِكَ الضَّرْبَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَطْلَقَ فِي تَشْهِيرِهِ فَشَمَلَ الْأَحْوَالَ كُلَّهَا وَقَيَّدَهُ الْإِمَامُ الْحَاكِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ بِأَنْ لَا يَعْلَمَ رُجُوعَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ
أَمَّا إنْ رَجَعَ تَائِبًا نَادِمًا لَمْ يُعَزَّرْ إجْمَاعًا وَإِنْ رَجَعَ مُصِرًّا عَلَى مَا كَانَ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ إجْمَاعًا أَيْ يُضْرَبُ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ التَّشْهِيرَ قَوْلُهُمَا أَيْضًا فَهُمَا يَقُولَانِ بِالتَّشْهِيرِ وَالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَالْكُلُّ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إذَا تَابَ قَالُوا: إنْ كَانَ فَاسِقًا تُقْبَلُ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَيْهَا فِسْقُهُ فَإِنْ تَابَ وَظَهَرَ صَلَاحُهُ تُقْبَلُ لِزَوَالِ الْفِسْقِ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا أَوْ مَسْتُورًا لَا تُقْبَلُ أَبَدًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ قَبُولُهَا وَبِهِ يُفْتَى وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ تَوْبَتِهِ
وَالصَّحِيحُ التَّفْوِيضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَقَيَّدَ بِإِقْرَارِهِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّحْقِيقُ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ يُحْكَمُ بِهِ فِي كُلِّ مَا يُتَيَقَّنُ بِهِ كَذِبُهُ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَزَادَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: قَدْ جَوَّزُوا الشَّهَادَةَ بِالْمَوْتِ لِمَنْ سَمِعَ مِنْ ثِقَةٍ مَوْتَهُ إذَا أَخْبَرَهُ بِهِ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِهِ مَعَهُ وَقَدْ يُقَالُ: لَمَّا جَزَمَ بِالشَّهَادَةِ بِالْمَوْتِ وَظَهَرَ حَيًّا قُطِعَ بِكَذِبِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْزِمَ بَلْ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَوْ سَمِعْت مِنْ النَّاسِ أَوْ اُشْتُهِرَ عِنْدِي ذَلِكَ وَنَحْوَهُ فَفِي مِثْلِ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْكَمَ بِهِ فَلَا يُشَهَّرُ وَلَا يُعَزَّرُ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الزُّورِ بِالْبَيِّنَةِ إلَخْ)
قَالَ الرَّمْلِيُّ: قَالَ فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ شَهِدَا أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا وَأَمَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدَفْعِ الْمَالِ وَهُوَ الْأَلْفُ إلَى الْمُدَّعِي ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَإِنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَضْمَنَانِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ فِي تَضْمِينِ الْمُدَّعِي أَوْ الشَّاهِدَيْنِ لِأَنَّهُمَا حَقَّقَا عَلَيْهِ إيجَابَ الْمَالِ فِي الْحَالِ فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَقَدْ ظَهَرَ كَذِبُهُمَا فَصَارَا ضَامِنَيْنِ فَغَرِمَا. اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّاهِدَ يَكُونُ شَاهِدَ زُورٍ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ لِظُهُورِ الْكَذِبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَالِ لَا إلَى التَّعْزِيرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ذَكَرَهُ الْغَزِّيِّ
(قَوْلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُسَخِّمَ وَجْهَهُ إذَا رَآهُ سِيَاسَةً) قَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ بِالسِّيَاسَةِ بَلْ الْحُكْمُ بِهَا لِلْإِمَامِ وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ هُنَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ بَلْ مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَعَلَهُ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ
(قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ تَوْبَتِهِ) تَقَدَّمَ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَالْأَقْلَفُ نَقْلًا عَنْ الْخُلَاصَةِ لَوْ كَانَ عَدْلًا فَشَهِدَ بِزُورٍ ثُمَّ تَابَ فَشَهِدَ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ مُدَّةٍ تَأَمَّلْ.
[بَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ] (بَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ)
Says nothing on this mas’ala.
(وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ شَهِدَ زُورًا يُشَهَّرُ وَلَا يُعَزَّرُ) أَيْ لَا يُضْرَبُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَا يَوْجَعُ ضَرْبًا وَيُحْبَسُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اتَّصَلَ بِشَهَادَتِهِ الْقَضَاءُ أَوْ لَمْ يَتَّصِلْ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً وَفِيهَا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَوَجَبَ التَّعْزِيرُ إزَالَةً لِلْفَسَادِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهَا كَبِيرَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَيُّهَا النَّاسُ عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ ثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: ٣٠] » وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الْكَبَائِرِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلُ الزُّورِ»،
فَإِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ تَعْزِيرِهِ فَقَطْ لَهُمْ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ ضَرَبَ شَاهِدَ الزُّورِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَسَخَّمَ وَجْهَهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ شُرَيْحًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُشَهِّرُ وَلَا يَضْرِبُ وَكَانَ يَبْعَثُهُ إلَى سُوقِهِ إنْ كَانَ سُوقِيًّا وَإِلَى قَوْمِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ سُوقِيٍّ بَعْدَ الْعَصْرِ أَجْمَعُ مَا يَكُونُونَ وَيَقُولُ: إنَّ شُرَيْحًا يُقْرِئُكُمْ السَّلَامَ وَيَقُولُ إنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاحْذَرُوهُ وَحَذِّرُوهُ النَّاسَ وَشُرَيْحٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ كَانَ تَابِعِيًّا وَلَكِنَّهُ زَاحَمَ الصَّحَابَةَ فِي الْفَتْوَى وَسَوَّغُوا لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَرَجَعُوا إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُنَاظَرَةِ فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحَابَةِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ يُقَلِّدُهُمْ وَعَدَّهُمْ فَقَالَ مِثْلُ مَسْرُوقٍ، وَالْحَسَنِ وَعَلْقَمَةَ وَشُرَيْحٍ.
وَمَنْ كَانَ فِي رُتْبَتِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ فَيَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذَا تَقْلِيدُهُ لِلصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - لِتَجْوِيزِهِمْ فِعْلَهُمْ وَقَوْلَهُمْ لَا سِيَّمَا شُرَيْحٌ، فَإِنَّهُ كَانَ قَاضِيًا فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ فَيَكُونُ فِعْلُهُ مَشْهُورًا بَيْنَهُمْ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ وَهُوَ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ فَيَكُونُ تَقْلِيدُهُ تَقْلِيدًا لَهُمْ ضَرُورَةً وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ كَانَ سِيَاسَةً بِدَلِيلِ تَبْلِيغِهِ أَرْبَعِينَ وَهُوَ حَدُّ الْعَبِيدِ فِي الْقَذْفِ وَبِدَلِيلِ تَسْخِيمِهِ وَهُوَ مِثْلُهُ لَمْ يَجُزْ بِالْإِجْمَاعِ وَلِذَا لَمْ يَقُولُوا بِهِ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الْمُثْلَةِ،
وَلَوْ كَانَ فِي الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَلِأَنَّ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ، وَالتَّسْخِيمَ يَمْنَعَانِهِ مِنْ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْوُقُوعِ فَلَا يُشْرَعَانِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يُشَهَّرُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا،
وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَاكِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَرْجِعَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبَةِ، وَالنَّدَامَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَزَّرُ بِالْإِجْمَاعِ،
وَالثَّانِي أَنْ يَرْجِعَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى مَا كَانَ، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ بِالْإِجْمَاعِ،
وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يَعْلَمَ رُجُوعَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ، فَإِنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْلَهُ وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ شَهِدَ زُورًا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ التَّشْهِيرُ أَوْ التَّعْزِيرُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَلَى مَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ شَهِدَ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا.
وَأَمَّا إذَا قَالَ غَلِطْت أَوْ نَسِيت أَوْ أَخْطَأْت أَوْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتُهْمَةٍ أَوْ لِمُخَالَفَةٍ بَيْنَ الشَّهَادَةِ، وَالدَّعْوَى أَوْ بَيْنَ شَهَادَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ الْكَاذِبُ مِنْهُمْ الْمَشْهُودُ لَهُ أَوْ الشَّاهِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَقَدْ يَكْذِبُ الْمُدَّعِي لِيُنْسَبَ الشَّاهِدَ إلَى الْكَذِبِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّفْيِ، وَالْبَيِّنَةُ حُجَّةُ الْإِثْبَاتِ وَلَا تُهْمَةَ فِي إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ
وَيَجِبُ عَلَيْهِ مُوجِبُهُ مِنْ الضَّمَانِ، وَالتَّعْزِيرِ
وَكَذَا إذَا شَهِدُوا بِقَتْلِ شَخْصٍ أَوْ مَوْتِهِ ثُمَّ جَاءَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ أَوْ بِمَوْتِهِ حَيًّا لِتَيَقُّنِنَا بِكَذِبِهِمْ، وَالرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي شَاهِدِ الزُّورِ سَوَاءٌ وَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا تَابَ قَالُوا: إنْ كَانَ فَاسِقًا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ فِسْقُهُ،
فَإِذَا تَابَ وَظَهَرَ صَلَاحُهُ تُقْبَلُ لِزَوَالِ الْفِسْقِ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ التَّوْبَةِ فَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَبَعْضُهُمْ بِسَنَةٍ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي،
وَإِنْ كَانَ عَدْلًا أَوْ مَسْتُورًا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ لَا تُعْتَمَدُ وَرَوَى الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ وَبِهِ يُفْتِي فَتَخَلَّصَ لَنَا مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الشَّهَادَةَ تُرَدُّ بِسَبَبِ التُّهْمَةِ وَسَبَبُهَا أَنْوَاعٌ
إمَّا مَعْنًى فِي الشَّاهِدِ وَهُوَ الْفِسْقُ، وَالْعَمَى
وَإِمَّا مَعْنًى فِي الْمَشْهُودِ لَهُ وَهُوَ وَصْلَةٌ خَاصَّةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ كَقَرَابَةِ الْوِلَادِ، وَالزَّوْجِيَّةِ،
وَإِمَّا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ فِي حَقِّ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عَجْزَهُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ دَلِيلَ كَذِبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ شَهِدَ زُورًا يُشَهَّرُ وَلَا يُعَزَّرُ)
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ شَاهِدَانِ أَقَرَّا أَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ لَمْ يُضْرَبَا وَقَالَا يُعَزَّرَانِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّ شَاهِدَ الزُّورِ فِي حَقِّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحُكْمِ هُوَ الْمُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ نَفَى الشَّهَادَةَ وَالْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ اهـ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَوْلُهُ وَفَائِدَتُهُ أَيْ وَفَائِدَةُ وَضْعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِيهِ فِيمَا إذَا أَقَرَّا أَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ كَذِبُ الشَّاهِدِ إلَّا بِإِقْرَارِهِ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ؛
لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إذَا قَامَتْ عَلَى أَنَّهُمَا شَهِدَا بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ لَا تُسْمَعُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِالْإِجْمَاعِ) غَيْرَ أَنَّهُ اكْتَفَى بِتَشْهِيرِ حَالِهِ فِي الْأَسْوَاقِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ الضَّرْبِ خُفْيَةً وَهُمَا أَضَافَا إلَى ذَلِكَ الضَّرْبِ وَبِقَوْلِهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. اهـ. كَمَالٌ
(قَوْلُهُ: وَسَخَّمَ) يُقَالُ سَخَّمَ وَجْهَهُ إذَا سَوَّدَهُ مِنْ السُّخَامِ وَهُوَ سَوَادُ الْقُدُورِ وَقَدْ جَاءَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ الْأَسْحَمِ وَهُوَ الْأَسْوَدُ وَفِي الْمُغْنِي وَلَا يُسَخِّمُ وَجْهَهُ بِالْخَاءِ وَالْحَاءِ. اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَشُرَيْحٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى تَقْلِيدَ التَّابِعِيِّ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هُمْ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ نَجْتَهِدُ فَأَجَابَ بِمَا ذَكَرَ هُنَا اهـ
(قَوْلُهُ: وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ سِيَاسَةً) قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ مَا رُوِيَ مِنْ ضَرْبِ عُمَرَ وَالتَّسْخِيمِ كَانَ سِيَاسَةً،
فَإِذَا رَأَى الْحَاكِمُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَقَدْ يُرَدُّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ كِتَابَةِ عُمَرَ بِهِ إلَى عُمَّالِهِ فِي الْبِلَادِ،
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال عَلَى السِّيَاسَةِ بِالتَّبْلِيغِ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ إلَى الْحُدُودِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُجِيزُهُ وَقَدْ أَجَازَ عَالِمُ الْمَذْهَبِ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يَبْلُغَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ وَتِسْعٌ وَسَبْعُونَ فَجَازَ كَوْنُ رَأْيِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَذَلِكَ،
وَأَمَّا كَوْنُ التَّسْخِيمِ مِثْلَهُ مَنْسُوخَةٌ فَقَدْ يَكُونُ رَأْيُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ الْمُثْلَةَ لَيْسَتْ إلَّا فِي قَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُفْعَلُ فِي الْبَدَنِ وَيَدُومُ لَا بِاعْتِبَارِ عَرَضٍ يُغْسَلُ فَيَزُولُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي أَنْ يَرْجِعَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى مَا كَانَ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ شَهِدْت فِي هَذِهِ بِالزُّورِ وَلَا أَرْجِعُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ. اهـ. فَتْحٌ قَوْلُهُ
(قَوْلُهُ وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ شَهِدَ زُورًا تَصْرِيحٌ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ وَشَاهِدُ الزُّورِ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ وَلَا يُحْكَمُ بِهِ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ بِمُخَالَفَتِهِ الدَّعْوَى أَوْ الشَّاهِدَ الْآخَرَ أَوْ تَكْذِيبِ الْمُدَّعَى لَهُ إذْ قَدْ يَكُونُ مُحِقًّا فِي الْمُخَالَفَةِ أَوْ لِلْمُدَّعِي غَرَضٌ فِي أَذَاهُ وَزَادَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنْ يَشْهَدَ بِمَوْتِ وَاحِدٍ فَيَجِيءَ حَيًّا اهـ [كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ] (كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ) لَمَّا كَانَ هَذَا أَبْحَاثَ رَفْعِ الشَّهَادَةِ وَمَا تَقَدَّمَ أَبْحَاثَ إثْبَاتِهَا فَكَانَا مُتَوَازِيَيْنِ فَتُرْجِمَ هَذَا بِالْكِتَابِ كَمَا تُرْجِمَ ذَلِكَ لِلْمُوَازَاةِ بَيْنَهُمَا وَإِلَّا فَلَيْسَ لِهَذَا أَبْوَابٌ لِتَعَدُّدِ أَنْوَاعِ مَسَائِلِهِ لِيَكُونَ كِتَابًا كَمَا لِذَاكَ وَلِتَحَقُّقِهِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ إذْ لَا رَفْعَ إلَّا بَعْدَ الْوُجُودِ نَاسَبَ أَنْ يَجْعَلَ تَعْلِيمَهُ بَعْدَهُ كَمَا أَنَّ وُجُودَهُ بَعْدَهُ وَخُصُوصَ مُنَاسَبَتِهِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ وَهُوَ أَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَكُونُ غَالِبًا إلَّا لِتَقَدُّمِهَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
اهـ. كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ الْكَاكِيُّ عَقِبَ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ؛ إذْ الرُّجُوعُ يَقْتَضِي سَبْقَ الشَّهَادَةِ وَلَهُ مُنَاسَبَةٌ خَاصَّةٌ بِشَهَادَةِ الزُّورِ إذْ الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ مُسَبَّبٌ عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ ثُمَّ لِلرُّجُوعِ رُكْنٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّاهِدِ شَهِدْت بِزُورٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْقَاضِي أَيِّ قَاضٍ كَانَ فَيَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي. اهـ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.