واليمين بالله تعالى والرّحمن الرّحيم
Its commentaries
(قَوْلُهُ: وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَأُقْسِمُ وَأَحْلِفُ وَأَشْهَدُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ وَلَعَمْرُ اللَّهِ وَاَيْمُ اللَّهِ وَعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ وَعَلَيَّ نَذْرٌ وَنَذْرُ اللَّهِ، وَإِنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ) بَيَانٌ لِأَلْفَاظِ الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ فَقَوْلُهُ: بِاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ بَيَانٌ لِلْحَلِفِ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى فَصَلَحَ ذِكْرُهُ حَامِلًا أَوْ مَانِعًا،
وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ بِغَيْرِهَا كَعَادَةِ الشُّطَّارِ فَيَمِينٌ
قُلْتُ: فِعْلُ هَذَا مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْأَتْرَاكُ بِاَللَّهِ بِغَيْرِ هَاءٍ فَيَمِينٌ أَيْضًا اهـ.
بِلَفْظِهِ وَأَفَادَ بِعَطْفِ الرَّحْمَنِ عَلَى اللَّهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِاَللَّهِ اللَّفْظُ وَقَيَّدَ بِهِ احْتِرَازًا عَنْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ،
وَفِي الْمُنْتَقَى رِوَايَةُ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَمِينٌ مُطْلَقًا فَلْيُتَأَمَّلْ عِنْدَ الْفَتْوَى
وَلَوْ قَالَ وَبِسْمِ اللَّهِ يَكُونُ يَمِينًا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ،
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ وَعَلَى هَذَا بِالْوَاوِ إلَّا أَنَّ نَصَارَى دِيَارِنَا تَعَارَفُوهُ فَيَقُولُونَ وَاسْمِ اللَّهِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ يَمِينٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الِاسْمَ وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَكَانَ الْحَلِفُ بِالِاسْمِ حَلِفًا بِالذَّاتِ كَأَنَّهُ قَالَ بِاَللَّهِ اهـ.
وَالْعُرْفُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي الْأَسْمَاءِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ: رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ: اللَّهَ لَا تَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا وَقَالَ الْآخَرُ: نَعَمْ إنْ أَرَادَ الْمُبْتَدِئُ أَنْ يَحْلِفَ وَأَرَادَ الْمُجِيبُ الْحَلِفَ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا حَالِفًا لِأَنَّ قَوْلَهُ نَعَمْ جَوَابٌ وَالْجَوَابُ يَتَضَمَّنُ إعَادَةَ مَا فِي السُّؤَالِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: نَعَمْ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ،
وَإِنْ أَرَادَ الْمُبْتَدِئُ الِاسْتِحْلَافَ وَأَرَادَ الْمُجِيبُ الْوَعْدَ لَيْسَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ،
وَإِنْ أَرَادَ الْمُبْتَدِئُ الِاسْتِحْلَافَ وَأَرَادَ الْمُجِيبُ الْحَلِفَ فَالْمُجِيبُ الْحَالِفُ وَالْمُبْتَدِئُ لَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ،
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا فَفِي قَوْلِهِ اللَّهَ: الْحَالِفُ هُوَ الْمُجِيبُ،
وَفِي قَوْلِهِ وَاَللَّهِ: الْحَالِفُ هُوَ الْمُبْتَدِئُ اهـ.
وَأَفَادَ بِإِطْلَاقِهِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ وَلَا عَلَى الْعُرْفِ بَلْ هُوَ يَمِينٌ تَعَارَفُوهُ أَوَّلًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا إذْ لَا اعْتِبَارَ بِالْعُرْفِ عِنْدَ قِيَامِ دَلَالَةِ النَّصِّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَالرَّحْمَنِ لَا أَفْعَلُ كَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ السُّورَةَ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ وَالْقُرْآنِ،
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى يَكُونُ يَمِينًا اهـ.
فَإِنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي الرَّحْمَنِ قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَمِينٌ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَمِثْلُ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ الْحَلِفُ بِاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَرَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَالْأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ وَالْآخِرِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَفَادَ بِعَطْفِ الرَّحِيمِ عَلَى الرَّحْمَنِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي أَسْمَائِهِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً، أَوْ مُشْتَرَكَةً كَالْحَكِيمِ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالْعَزِيزِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ فِيمَا كَانَ مُشْتَرَكًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُسْتَعْمَلًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِغَيْرِهِ لَا تَتَعَيَّنُ إرَادَةُ أَحَدِهِمَا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَرَجَّحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ؛
لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ، وَإِنْ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى الْخَلْقِ لَكِنْ تَعَيَّنَ الْخَالِقُ مُرَادًا بِدَلَالَةِ الْقَسَمِ إذْ الْقَسَمُ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْمَ اللَّهِ حَمْلًا لِكَلَامِهِ عَلَى الصِّحَّةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلَا يَكُونَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فَيُصَدَّقُ فِي أَمْرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي الْبَدَائِعِ،
وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْوَلْوالِجِيَّة لَوْ قَالَ: وَالطَّالِبِ وَالْغَالِبِ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَهُوَ يَمِينٌ وَهُوَ مُتَعَارَفُ أَهْلِ بَغْدَادَ اهـ.
وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ يَمِينًا مَوْقُوفٌ عَلَى التَّعَارُفِ، وَإِنَّمَا بَعْدَمَا حَكَمَ بِكَوْنِهَا يَمِينًا أَخْبَرَ بِأَنَّ أَهْلَ بَغْدَادَ تَعَارَفُوا الْحَلِفَ بِهَا وَبِذَلِكَ انْدَفَعَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ
إمَّا اعْتِبَارُ الْعُرْفِ فِيمَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْ الْأَسْمَاءِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّ الطَّالِبَ لَمْ يُسْمَعْ بِخُصُوصِهِ بَلْ الْغَالِبُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}
وَأَمَّا كَوْنُهُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْمُفَصَّلِ فِي الْأَسْمَاءِ اهـ.
وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ أَنَّ الْحَلِفَ يَكُونُ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْقُوَّةُ حَاصِلٌ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ الْحَلِفَ بِالصِّفَاتِ بِالْعُرْفِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَأَمَّا الْحَلِفُ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ مَشَايِخِنَا فِي ذَلِكَ قَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا: مَنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتٍ اللَّهِ تَعَالَى صِفَةِ ذَاتٍ، أَوْ صِفَةِ فِعْلٍ يُنْظَرُ إنْ تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ يَكُونُ يَمِينًا، وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ فِي الْحُرْمَةِ كَذَاتِهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَغْيَارِ اللَّهِ بَلْ صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَادِثَةٍ فِي ذَاتِهِ خِلَافًا لِمَا تَقُولُهُ الْكَرَّامِيَّةُ - هَدَاهُمْ اللَّهُ -: إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَاتٍ حَادِثَةً وَذَاتُهُ مَحَلُّ الْحَوَادِثِ وَخِلَافًا لِمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ إنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ صِفَاتٌ وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَثَّرَهُمْ اللَّهُ صِفَةُ ذَاتِهِ كَوْنُهُ سَمِيعًا بَصِيرًا حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا وَهُوَ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ قَدِيمٌ، وَالْقَدِيمُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ الْحَوَادِثِ وَقَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ: إنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ يَكُونُ يَمِينًا إلَّا الْعِلْمَ لِمَا تَبَيَّنَ،
وَإِنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ يُوصَفُ بِهَا وَبِضِدِّهَا كَالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالسُّخْطِ وَالْغَضَبِ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، وَكُلَّ صِفَةٍ يُوصَفُ بِهَا وَلَا يُوصَفُ بِضِدِّهَا كَالْقُدْرَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْعَظَمَةِ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ فَأَلْحَقُوا صِفَاتِ الذَّاتِ بِالِاسْمِ وَلَمْ يُلْحِقُوا صِفَاتِ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ الْمَسَائِلُ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَّامِيَّةَ مُؤْمِنُونَ وَالْمُعْتَزِلَةَ كَافِرُونَ لِدُعَائِهِ لِلْأَوَّلِينَ بِالْهِدَايَةِ وَعَلَى الْمُعْتَزِلَةِ بِاللَّعْنِ،
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: الْمُرَادُ بِالصِّفَةِ اسْمُ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ ذَاتًا وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا بِهُوَ هُوَ كَالْعِزَّةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ
بِخِلَافِ نَحْوِ الْعَظِيمِ وَفِي التَّبْيِينِ: وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْفَرْقِ؛ لِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا صِفَاتُ ذَاتٍ وَكُلَّهَا قَدِيمَةٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ الْفَرْقُ، وَالْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ فَمَا تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ يَكُونُ يَمِينًا وَمَا لَا فَلَا اهـ.
وَفِي الْمُسَايَرَةِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ: اخْتَلَفَ مَشَايِخُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ فِي صِفَاتِ الْأَفْعَالِ وَالْمُرَادُ صِفَاتٌ تَدُلُّ عَلَى تَأْثِيرٍ لَهَا أَسْمَاءٌ غَيْرُ اسْمِ الْقُدْرَةِ يَجْمَعُهَا اسْمُ التَّكْوِينِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْأَثَرُ مَخْلُوقًا فَالِاسْمُ الْخَالِقُ وَالصِّفَةُ الْخَلْقُ، أَوْ رِزْقًا فَالِاسْمُ الرَّازِقُ وَالصِّفَةُ التَّرْزِيقُ، أَوْ حَيَاةً فَهُوَ الْمُحْيِي، أَوْ مَوْتًا فَهُوَ الْمُمِيتُ فَادَّعَى مُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ مِنْ عَهْدِ أَبِي مَنْصُورٍ أَنَّهَا صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُتَقَدِّمِينَ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ سِوَى مَا أَخَذُوهُ مِنْ قَوْلِهِ كَانَ تَعَالَى خَالِقًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ وَرَازِقًا قَبْلَ أَنْ يَرْزُقَ وَذَكَرُوا لَهُ أَوْجُهًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ، وَالْأَشَاعِرَةُ يَقُولُونَ لَيْسَتْ صِفَةُ التَّكْوِينِ عَلَى فُصُولِهَا سِوَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِتَعَلُّقٍ خَاصٍّ فَالتَّخْلِيقُ هُوَ الْقُدْرَةُ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِالْمَخْلُوقِ وَالتَّرْزِيقُ تَعَلُّقُهَا بِإِيصَالِ الرِّزْقِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِيهَا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ حَالِفًا بِقَوْلِهِ أُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ أَشْهَدُ،
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ فَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْحَلِفِ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ لِلْحَالِ حَقِيقَةً وَتُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِقْبَالِ بِقَرِينَةٍ فَجُعِلَ حَالِفًا لِلْحَالِ وَالشَّهَادَةُ يَمِينٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} ثُمَّ قَالَ {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} وَالْحَلِفُ بِاَللَّهِ هُوَ الْمَعْهُودُ الْمَشْرُوعُ وَبِغَيْرِهِ مَحْظُورٌ فَيُصْرَفُ إلَيْهِ
وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: حَلَفْت، أَوْ أَقْسَمْت، أَوْ شَهِدْت بِاَللَّهِ، أَوْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ يَمِينٌ بِالْأَوْلَى وَأَطْلَقَ فِي كَوْنِهِ يَمِينًا بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ خِلَافًا فِيهِ وَصَحَّحَ فِي التَّبْيِينِ أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا بِلَا نِيَّةٍ وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَسَمًا فَإِنْ ذَكَرَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ فَيَحْنَثُ إذَا نَقَضَهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِلَّا فَلَا وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ كُلَّهَا فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا فَهَذِهِ كُلُّهَا أَيْمَانٌ فَإِذَا حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْهَا لَيَفْعَلَنَّ كَذَا
وَكَذَا فَحَنِثَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى أَشْهَدُ لَيْسَ بِيَمِينٍ مَا لَمْ يُعَلِّقْهُ بِالشَّرْطِ، وَقَوْلُهُ " عَلَيَّ نَذْرٌ " يَمِينٌ،
وَإِنْ سَكَتَ وَفِي الْمُنْتَقَى وَجَامِعِ الْكَرْخِيِّ مَا يُشْبِهُ خِلَافَ مَسْأَلَةِ النَّذْرِ
قُلْتُ: فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تَكُونُ يَمِينًا مَا لَمْ يُعَلِّقْ بِشَيْءٍ اهـ.
فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ أُقْسِمُ، أَوْ أَشْهَدُ، أَوْ عَلَيَّ يَمِينٌ تَنْعَقِدُ يَمِينًا سَوَاءٌ ذَكَرَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ، أَوْ لَا مُسْتَدِلًّا بِمَا ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ يَمِينٌ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ فَهُوَ سَهْوٌ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَتَوَهُّمٌ وَخَبْطٌ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِلْعِلْمِ بِهِ وَهُوَ مُرَادُ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِسِتْرِ الذَّنْبِ فِي نَقْضِ الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ حَتَّى يُتَصَوَّرَ نَقْضُ الْيَمِينِ فَتَجِبَ الْكَفَّارَةُ وَأَيْضًا قَوْلُهُ: عَلَيَّ يَمِينٌ فِيهِ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ يَمِينَ الْغَمُوسِ أَوْ الْيَمِينَ الْمُنْعَقِدَةَ، وَالْكَفَّارَةُ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّهَا دَائِرَةٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ، وَالْعُقُوبَاتُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْغَمُوسِ كَفَّارَةٌ
وَكَذَا فِي الْمُنْعَقِدَةِ عِنْدَ قِيَامِ الْبِرِّ فَكَيْفَ تُتَصَوَّرُ الْكَفَّارَةُ وَأَيْضًا لَوْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ عَلَيَّ يَمِينٌ يَلْزَمُ تَقْدِيمُ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ الْحِنْثُ وَلَمْ يُوجَدْ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ عَلَى شَيْءٍ إلَى آخِرِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَّا أَنَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ يَمِينٌ إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْإِنْشَاءِ لَا الْإِخْبَارِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْتِزَامُ الْكَفَّارَةِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ ابْتِدَاءً كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ مِنْ صِيَغِ النَّذْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَغَا
بِخِلَافِ أَحْلِفُ وَأَشْهَدُ وَنَحْوِهِمَا لَيْسَتْ مِنْ صِيَغِ النَّذْرِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الِالْتِزَامُ ابْتِدَاءً اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى أَشْهَدُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ، وَضَمُّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرُ الْهَاءِ خَطَأٌ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ - يُرِيدُ بِهِ الْإِيجَابَ - لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَيْءٍ اهـ. وَبِهِ نَدْفَعُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ أَشْهَدُ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ مَلَائِكَتَكَ أَنِّي لَا أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَعَارَفُوا الْحَلِفَ بِهَذَا
بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَشْهَدُ، أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمِينًا عُرْفًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ: وَأَعْزِمُ كَ أَشْهَدُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَمَعْنَاهُ أُوجِبُ فَكَانَ إخْبَارًا عَنْ الْإِيجَابِ فِي الْحَالِ وَهَذَا مَعْنَى الْيَمِينِ
وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَزَمْتُ لَا أَفْعَلُ كَذَا كَانَ حَالِفًا
وَكَذَا آلَيْتُ لَا أَفْعَلُ كَذَا؛ لِأَنَّ الْأَلِيَّةَ هِيَ الْيَمِينُ اهـ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ حَالِفًا بِقَوْلِهِ لَعَمْرُ اللَّهِ فَلِأَنَّ عَمْرَ اللَّهِ بَقَاؤُهُ فَكَانَ صِفَةً لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ الذَّاتِ؛ لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِهِ لَا بِغَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَبَقَاءِ اللَّهِ كَقُدْرَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} هُوَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ إلَّا أَنَّ الْفَتْحَ غَلَبَ فِي الْقَسَمِ حَتَّى لَا يَجُوزَ فِيهِ الضَّمُّ، وَارْتِفَاعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَالْخَبَرُ قَسَمِي، أَوْ يَمِينِي كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَلَا تَلْحَقُ الْمَفْتُوحَةَ الْوَاوُ فِي الْخَطِّ
بِخِلَافِ عَمْرٍو الْعَلَمِ فَإِنَّهَا أُلْحِقَتْ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُمَرَ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِ اللَّامِ فِي أَوَّلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَدْخُلْهُ اللَّامُ فَإِنَّ الْقَسَمَ فِيهِ مَحْذُوفٌ وَيَكُونُ مَنْصُوبًا نَصْبَ الْمَصَادِرِ فَتَقُولُ: عَمْرَ اللَّهِ مَا فَعَلْت كَمَا فِي اللَّهَ لَأَفْعَلَنَّ،
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ عَمْرُكَ اللَّهَ مَا فَعَلْت فَمَعْنَاهُ بِإِقْرَارِك لَهُ بِالْبَقَاءِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَقِدَ يَمِينًا لِأَنَّهُ حَلَفَ بِفِعْلِ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ إقْرَارُهُ وَاعْتِقَادُهُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَأَمَّا اَيْمُ اللَّهِ فَمَعْنَاهُ أَيْمُنُ اللَّهِ، وَهُوَ جَمْعُ يَمِينٍ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ فَخُفِّفَ بِالْحَذْفِ حَتَّى صَارَ اَيْمُ اللَّهِ ثُمَّ خُفِّفَتْ أَيْضًا فَقِيلَ: م اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَتَكُونُ مِيمًا وَاحِدَةً وَبِهَذَا نَفَى سِيبَوَيْهِ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ لَا يَبْقَى عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَيُقَالُ: مُنُ اللَّهِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنُّونِ وَفَتْحِهِمَا وَكَسْرِهِمَا، وَهَمْزَةُ أَيْمُنٍ بِالْقَطْعِ، وَإِنَّمَا وُصِلَتْ فِي الْوَصْلِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهَا هَمْزَةُ وَصْلٍ اُجْتُلِبَتْ لِيُمْكِنَ بِهَا النُّطْقُ كَهَمْزَةِ ابْنٍ وَامْرِئٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ السَّاكِنَةِ الْأَوَائِلِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَمِينًا لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «وَاَيْمُ اللَّهِ إنْ كَانَ لَخَلِيقًا بِالْإِمَارَةِ» كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: يَمِينُ اللَّهِ لَا أَفْعَلَنَّ كَذَا فَهُوَ يَمِينٌ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى،
وَأَمَّا كَوْنُهُ حَالِفًا بِعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ فَلِأَنَّ الْعَهْدَ فِي الْأَصْلِ هِيَ الْمُوَاعَدَةُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِوُثُوقِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ الْمِيثَاقُ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْيَمِينِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} الْآيَةَ فَقَدْ جُعِلَ الْعَهْدُ فِي الْقُرْآنِ يَمِينًا كَمَا تَرَى وَالْمِيثَاقُ فِي مَعْنَاهُ
وَكَذَا الْحَلِفُ بِالذِّمَّةِ وَلِذَا يُسَمَّى الذِّمِّيُّ مُعَاهِدًا وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا لَمْ يَنْوِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ لِلْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فِي مَعْنَى الْيَمِينِ فَيَنْصَرِفَانِ إلَيْهِ إلَّا إذَا قَصَدَ غَيْرَ الْيَمِينِ فَيُدَيَّنُ،
وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ يَمِينٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَفَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَشَاءَ فُلَانٌ لَزِمَهُ كَمَا قَالَ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ حَالِفًا بِقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْرٌ وَنَذْرُ اللَّهِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَذْكُرَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا يَمِينًا مُنْعَقِدَةً نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ نَذْرُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لَا أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى إذَا لَمْ يَفِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ
وَأَمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا بِأَنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرُ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ لِمَحْلُوفٍ عَلَيْهِ وَلَكِنْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فَيَكُونُ هَذَا الْتِزَامَ الْكَفَّارَةِ ابْتِدَاءً بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ بِهَذَا النَّذْرِ الْمُطْلَقِ شَيْئًا مِنْ الْقُرَبِ كَحَجٍّ، أَوْ صَوْمٍ فَإِنْ كَانَ نَوَى بِقَوْلِهِ " عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلْت كَذَا " قُرْبَةً مَقْصُودَةً يَصِحُّ النَّذْرُ بِهَا فَفَعَلَ لَزِمَتْهُ تِلْكَ الْقُرْبَةُ لِمَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ حَلَفَ بِالنَّذْرِ فَإِنْ نَوَى شَيْئًا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَعَلَيْهِ مَا نَوَى،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ اهـ.
فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَقَيَّدَ بِلَفْظِ النَّذْرِ احْتِرَازًا عَنْ صِيغَةِ النَّذْرِ كَأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، أَوْ صَوْمُ يَوْمَيْنِ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ، أَوْ مُعَلَّقًا بِهِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا وَقَدْ خَلَطَ الزَّيْلَعِيُّ مَسْأَلَةَ لَفْظِ النَّذْرِ بِصِيغَةِ النَّذْرِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ تَطَّلِعُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَغَيْرِهَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِيَمِينٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ؛
لِأَنَّ الصِّيغَةَ لِلنَّذْرِ مَعَ احْتِمَالِ مَعْنَى الْيَمِينِ اهـ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَلِفِ بِالتَّعْلِيقِ بِالْكُفْرِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الشَّرْطَ عَلَمًا عَلَى الْكُفْرِ فَقَدْ اعْتَقَدَهُ وَاجِبَ الِامْتِنَاعِ وَقَدْ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ لِغَيْرِهِ بِجَعْلِهِ يَمِينًا كَمَا نَقُولُ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِالْكُفْرِ، أَوْ بِالتَّهَوُّدِ، أَوْ التَّنَصُّرِ أَوْ قَالَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْ الْقُرْآنِ، أَوْ الْقِبْلَةِ، أَوْ صَوْمِ رَمَضَانَ، أَوْ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا فِي الْمُصْحَفِ، أَوْ أَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْ أَعْبُدُ الصَّلِيبَ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَالْمُحِيطِ، أَوْ يَعْقِدَ الزِّنَا عَلَى نَفْسِهِ كَمَا يَعْقِدُ النَّصَارَى كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ
وَلَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ آيَةٍ فِي الْمُصْحَفِ فَهُوَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ رَفَعَ كِتَابًا فِيهِ مَكْتُوبٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا فِيهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَهُوَ يَمِينٌ
وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ حَجَّتِي الَّتِي حَجَجْت وَمِنْ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّيْت فَلَيْسَ بِيَمِينٍ
بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ الَّذِي تَعَلَّمْته؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ تَبَرَّأَ عَنْ الْفِعْلِ الَّذِي فَعَلَ لَا عَنْ الْحَجَّةِ الْمَشْرُوعَةِ وَفِي الثَّانِي تَبَرَّأَ عَنْ الْقُرْآنِ الَّذِي تَعَلَّمَهُ وَالْقُرْآنُ قُرْآنٌ،
وَإِنْ تَعَلَّمَهُ فَيَكُونُ التَّبَرِّي عَنْهُ كُفْرًا.
وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِذَا أَرَادَ الْبَرَاءَةَ عَنْ فَرْضِهِ فَهُوَ يَمِينٌ كَمَا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْإِيمَانِ،
وَإِنْ أَرَادَ الْبَرَاءَةَ عَنْ أَجْرِهَا لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ غُيِّبَ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَا يَكُونُ يَمِينًا فِي الْحُكْمِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ،
وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ قَالَ صَلَاتِي وَصِيَامِي لِهَذَا الْكَافِرِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَلَيْسَ بِيَمِينٍ،
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَاشْهَدُوا عَلَيَّ بِالنَّصْرَانِيَّةِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا نَصْرَانِيٌّ
وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ
وَلَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ التَّوْرَاةِ وَبَرِيءٌ مِنْ الْإِنْجِيلِ وَبَرِيءٌ مِنْ الزَّبُورِ وَبَرِيءٌ مِنْ الْفُرْقَانِ فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ؛ لِأَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَيْمَانٍ
وَلَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إنْ حَنِثَ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ
وَلَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَبَرِيءٌ مِنْ رَسُولِهِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ إنْ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُمَا يَمِينَانِ اهـ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ فَفَعَلَ فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ؛ لِأَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَيْمَانٍ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا يَمِينَيْنِ؛ الْأُولَى أَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِيَةُ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَرَاءَةِ مَذْكُورٌ مَرَّتَيْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا فِي الثَّانِيَةِ مَذْكُورَةٌ مَرَّتَيْنِ بِسَبَبِ التَّثْنِيَةِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ،
وَأَمَّا الْأَرْبَعُ فَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُهَا، ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ الْمَسْأَلَةَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مُصَوَّرَةً بِتَكْرَارِ لَفْظِ الْبَرَاءَةِ بِقَوْلِهِ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَبَرِيءٌ مِنْ رَسُولِهِ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ كَذَلِكَ وَالْحَذْفُ مِنْ الْكَاتِبِ ثُمَّ
قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ مَتَى تَعَدَّدَتْ صِيغَةُ الْبَرَاءَةِ تَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَةُ،
وَإِذَا اتَّحَدَتْ اتَّحَدَتْ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى وَالذَّخِيرَةِ أَنَّهُمَا يَمِينَانِ قَالَ: وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ أَلْفَ مَرَّةٍ فَفَعَلَ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَلَا إلَهَ فِي السَّمَاءِ يَكُونُ يَمِينًا
وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ تَكُونُ لِإِنْكَارِ الْإِيمَانِ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ الْحَالِفَ إذَا قَصَدَ نَفْيَ الْمَكَانِ عَنْ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِكُفْرٍ بَلْ هُوَ الْإِيمَانُ،
وَفِي الذَّخِيرَةِ قَالَ هُوَ يَمِينٌ وَلَا يُكَفِّرُ وَفِيهَا لَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الشَّفَاعَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَعَلَّلَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنَّ الشَّفَاعَةَ،
وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لَكِنَّ مَنْ أَنْكَرَهَا صَارَ مُبْتَدِعًا لَا كَافِرًا اهـ.
وَفِيهَا أَيْضًا سُئِلَ نَجْمُ الدِّينِ عَمَّنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَهُوَ شَرِيكُ الْكُفَّارِ فِيمَا قَالُوا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ فَكَلَّمَهُ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَالَ: كَفَّارَةُ الْيَمِينِ اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ يَمِينًا وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لِشَيْءٍ قَدْ فَعَلَهُ فِي الْمَاضِي كَأَنْ قَالَ: إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ فَهُوَ يَمِينُ الْغَمُوسِ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَهَلْ يَكْفُرُ حَتَّى تَكُونَ التَّوْبَةُ اللَّازِمَةُ عَلَيْهِ التَّوْبَةَ مِنْ الْكُفْرِ وَتَجْدِيدَ الْإِسْلَامِ قِيلَ لَا
وَقِيلَ نَعَمْ لِأَنَّهُ تَنْجِيزٌ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَهُ بِأَمْرٍ كَائِنٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ ابْتِدَاءً هُوَ كَافِرٌ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّهُ يَمِينٌ
إمَّا مُنْعَقِدَةٌ، أَوْ غَمُوسٌ لَا يَكْفُرُ بِالْمَاضِي،
وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا وَعِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِالْحَلِفِ فِي الْغَمُوسِ أَوْ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَكْفُرُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ فَقَدْ رَضِيَ بِالْكُفْرِ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ،
وَفِي الْمُجْتَبَى وَالذَّخِيرَةِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ إنْ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِهِ يَكْفُرُ وَإِلَّا فَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي جَمِيعًا،
وَفِي قَوْلِهِمْ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا وَلَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَهُوَ يَعْلَمُ خِلَافَهُ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ، ثُمَّ رَقَّمَ فِي الْمُجْتَبَى رَقْمًا آخَرَ لَوْ قَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مَا فَعَلْت كَذَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فَقِيلَ: لَا يَكْفُرُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَرْوِيجَ الْكَذِبِ دُونَ الْكُفْرِ. .
(قَوْلُهُ: وَبِذَلِكَ انْدَفَعَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ: أَقُولُ: أَوَّلًا الْمَوْجُودُ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ الطَّالِبُ الْغَالِبُ بِغَيْرِ وَاوٍ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحُ قَوْلُهُ يَمِينٌ وَلَوْ كَانَ بِوَاوٍ لَكَانَ يَمِينَيْنِ، وَثَانِيًا الْمُحَقِّقُ أَرَادَ إثْبَاتَ كَوْنِ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فَلَمْ يَجِدْ لَهُ دَلِيلًا سِوَى الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ " غَالِبٍ " صِفَةً فَجَمْعُهُ مَعَ الطَّالِبِ جَوَّزَ كَوْنَهُ يَمِينًا كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ صَارَ بِالْوَصْفِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعَالَى فَسَاغَ الْحَلِفُ بِهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهُمْ التَّعَارُفَ بِهِ هُوَ الَّذِي سَوَّغَ كَوْنَهُ يَمِينًا، أَوْ أَيَّدَهُ فَكَيْفَ يَنْدَفِعُ كَلَامُ الْكَمَالِ بِمَا فِيهِ احْتِمَالٌ وَلَا تَصْرِيحَ بِمَا يُخَالِفُهُ اهـ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ حَيْثُ قَالَ: وَقَوْلُهُ: الطَّالِبَ الْغَالِبَ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَهُوَ يَمِينٌ لِتَعَارُفِ أَهْلِ بَغْدَادَ اهـ. فَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ الْحَلِفَ بِالصِّفَاتِ بِالْعُرْفِ)
قَالَ فِي النَّهْرِ: أَقُولُ: مَمْنُوعٌ فَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لَا بِعِلْمِهِ إلَخْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(قَوْلُهُ: وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِمَّا فِي الْمُجْتَبَى اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ
قَالَ مَا نَصُّهُ ط: وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ، أَوْ يَمِينُ اللَّهِ فَيَمِينٌ، ثُمَّ قَالَ أَيْ صَاحِبُ الرَّمْزِ الْمَذْكُورِ: عَلَيَّ يَمِينٌ يُرِيدُ بِهِ الْإِيجَابَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَيْءٍ
وَكَذَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ يَمِينٌ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيَّ يَمِينٌ لَا كَفَّارَةَ لَهَا يُرِيدُ الْإِيجَابَ فَعَلَيْهِ يَمِينٌ لَهَا كَفَّارَةٌ اهـ.
مَا فِي الْمُجْتَبَى وَذَكَرَ فِي الْحَاوِي مَا نَصُّهُ طم: عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ عَلَيَّ يَمِينٌ وَلَمْ يُعَلِّقْهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَهَذَا صَرِيحُ مَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ:
وَإِذَا كَانَ " عَلَيَّ يَمِينٌ " مِنْ صِيَغِ النَّذْرِ كَمَا
قَالَ فِي الْفَتْحِ لَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ بَيْنَ " عَلَيَّ نَذْرٌ " وَ " عَلَيَّ يَمِينٌ " فَلِذَا
قَالَ فِي الْفَتْحِ: الْحَقُّ أَنَّهُ مِثْلُهُ فَهَذَا تَأْيِيدٌ لِلرِّوَايَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا قَصَدَ غَيْرَ الْيَمِينِ فَيُدَيَّنُ) رَأَيْت فِي هَامِشِ بَعْضِ النُّسَخِ أَقُولُ: حَقُّ الْعِبَارَةِ لَا يَكُونُ يَمِينًا كَمَا فِي النَّهْرِ لِمَا قَالَهُ شَيْخُنَا: إنَّ الْأَيْمَانَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْقَضَاءِ حَتَّى يَكُونَ لِلدِّيَانَةِ فِيهَا مَدْخَلٌ، تَأَمَّلْ.
وَبِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي تَحْتَ قَوْلِهِ: وَلَوْ زَادَ ثَوْبًا إلَخْ حَيْثُ قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الدِّيَانَةِ وَالْقَضَاءِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ
وَأَمَّا فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهَا حَقٌّ حَتَّى يُرْفَعَ الْحَالِفُ إلَى الْقَاضِي اهـ.
قُلْت: قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا حَقُّ عَبْدٍ كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقًا، أَوْ عَتَاقًا عَلَى حَلِفِهِ ثُمَّ حَلَفَ بِذَلِكَ وَقَالَ: قَصَدْتُ غَيْرَ الْيَمِينِ فَلَا يُصَدَّقَ قَضَاءً بَلْ يُدَيَّنُ.
(قَوْلُهُ: فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ كَذَلِكَ وَالْحَذْفُ مِنْ الْكَاتِبِ) أَقُولُ: الَّذِي وَجَدْته فِي نُسْخَةِ الْوَلْوَالِجيَّةِ الَّتِي عِنْدِي مِثْلُ مَا نَقَلَهُ عَنْهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ النُّسَخَ هَكَذَا وَيَكُونُ ذَلِكَ مَشْيًا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ
قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَفِي فَتَاوَى سَمَرْقَنْدَ: إذَا قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ فَفَعَلَ فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ؛ لِأَنَّهَا أَرْبَعُ أَيْمَانٍ قِيلَ مَا ذُكِرَ فِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ فِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: وَبَرِيءٌ مِنْ رَسُولِهِ حَتَّى تَتَعَدَّدَ الْيَمِينُ
(قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى وَالذَّخِيرَةِ أَنَّهُمَا يَمِينَانِ) عِبَارَةُ الْمُجْتَبَى
وَلَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ فَيَمِينٌ
وَكَذَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَبَرِيءٌ مِنْ رَسُولِهِ - فَيَمِينَانِ ثُمَّ رَمْزَانِ - فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ،
وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ فَأَرْبَعَةُ أَيْمَانٍ قِيلَ: وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ هُوَ كَوْنُ " بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ " يَمِينًا وَاحِدًا وَعِبَارَةُ الذَّخِيرَةِ قَرِيبَةٌ مِنْ عِبَارَةِ التَّتَارْخَانِيَّة الَّتِي نَقَلْنَاهَا.
(واليمين) مستقرة (بالله) أي: بهذا الاسم ولو بغير هاء كما هو عادة الأتراك / كذا في (المجتبى) وفيه إيماء إلى أنه [٢٧٧/أ] لا بد أن يكون خاصا وعلى هذا تفرع ما في (الخلاصة) باسم الله ليس يمين إلا بالنية وبالواو يمين وفي (الفتح) تبعا لما في (المحيط) المختار أن اسم الله (تعالى) ليس والرحمن والرحيم وعزته وجلاله وكبريائه وأقسم، وأحلف وأشهد.
بيمين لعد التعارف وعلى هذا بالواو لأن نصارى ديارنا تعارفوه (والرحمن الرحيم) ومنه والذي لا اله إلا هو رب السموات والأرض رب العالمين ومالك يوم القيامة والأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء والطالب والغالب يمين لتعارف أهل بغداد الحلف به
ويلزم عليهما اعتبار العرف فيما لم يسمع من الأسماء من الكتاب والسنة لأنه لم يسمع إلا الغالب،
وأما كونه على القول المفصل في الأسماء كذا في (فتح القدير) .
وأفاد إطلاقه أنه لا فرق بين أن يتعارفوا الحلف به أو لا وهو الصحيح،
وقيل: كل اسم لا يسمى به غيره تعالى كالله والرحمن فهو يمين، وما يسمى به غيره كالحكيم والعليم فإن أراد به اليمين كان يمنيا وإلا لا، ورجحه بعضهم بأنه حيث كان مستعملا لغيره تعالى أيضا لم يتعين إرادة أحدهما إلا بالنية، ورده الشارح بأن دلالة القسم معينة لإرادة اليمين إذ القسم بغيره تعالى لا يجوز، نعم إذا نوى غيره صدق لأنه نوى محتمل كلامه، وأنت خبير بأن هذا مناف لما قدمه من أن العامة يجوزون الحلف بغيره تعالى
(وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَأُقْسِمُ وَأَحْلِفُ وَأَشْهَدُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ وَلَعَمْرُ اللَّه وَأَيْمِ اللَّهِ وَعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ وَعَلَيَّ نَذْرٌ وَنَذْرُ اللَّهِ وَإِنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ) أَيْ الْيَمِينُ تَكُونُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِهَا مُتَعَارَفٌ وَمَعْنَى الْيَمِينِ هُوَ الْقُوَّةُ حَاصِلٌ بِهَا
أَمَّا الْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ الرَّحْمَنِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَصَلَحَ ذِكْرُهُ حَامِلًا أَوْ مَانِعًا سَوَاءٌ تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ أَوْ لَمْ يَتَعَارَفُوا فِي الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى ثَبَتَ نَصًّا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْحَلِفُ بِسَائِرِ أَسْمَائِهِ حَلِفٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَوْ بِدَلَالَتِهِ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْعُرْفُ
وَكَذَا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحَقَّ أَوْ غَيْرَهُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كُلُّ اسْمٍ لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ فَهُوَ يَمِينٌ مُطْلَقًا وَمَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَالْحَكِيمِ وَالْحَلِيمِ وَالْعَلِيمِ وَالْقَادِرِ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ اللَّهَ كَانَ يَمِينًا وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَأَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ صَادِقًا وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُبَاشِرُ الْمُحَرَّمَ وَأَنَّ مَنْ قَصَدَهُ يَمِينًا صَحِيحَةً فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَنْوِ خِلَافَ ذَلِكَ فَإِنْ نَوَى خِلَافَهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ فَيَصِحُّ، هَذَا إذَا حَلَفَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
وَأَمَّا إذَا حَلَفَ بِصِفَاتِهِ كَعِزَّةِ اللَّهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَجَلَالِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَعَارَفًا بِأَنْ كَانَ يَحْلِفُ بِهِ عَادَةً يَكُونُ يَمِينًا وَمَا لَا فَلَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ حَلَفَ بِصِفَاتِ الذَّاتِ يَكُونُ يَمِينًا وَإِنْ حَلَفَ بِصِفَاتِ الْفِعْلِ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُمْ أَنَّ كُلَّ وَصْفٍ جَازَ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَبِضِدِّهِ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ كَالرِّضَا وَالْغَضَبِ وَالسَّخَطِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَنْعِ وَالْإِعْطَاءِ وَكُلِّ مَا جَازَ أَنْ يُوصَفَ بِهِ لَا بِضِدِّهِ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ كَعِزَّةِ اللَّهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَجَلَالِهِ وَقُدْرَتِهِ
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى كُلَّهَا صِفَاتٌ لِلذَّاتِ وَكُلُّهَا قَدِيمَةٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ الْفَرْقُ وَالْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ فَمَا تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ يَكُونُ يَمِينًا وَمَا لَا فَلَا،
وَلَوْ قَالَ وَعِلْمِ اللَّهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمَعْلُومُ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُتَعَارَفْ الْحَلِفُ بِهِ وَلَوْ نَوَى الْعِلْمَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِعَدَمِ الْعُرْفِ، وَقُدْرَةُ اللَّهِ تَكُونُ يَمِينًا لِلْعُرْفِ وَقَوْلُهُ أُقْسِمُ أَوْ أَحْلِفُ أَوْ أَشْهَدُ إنَّمَا كَانَ يَمِينًا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْحَلِفِ عُرْفًا وَهَذِهِ الصِّيَغُ لِلْحَالِ حَقِيقَةً وَتُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِقْبَالِ بِقَرِينَةِ السِّينِ أَوْ سَوْفَ أَوْ إذَا أَوْ لَنْ أَوْ عَلَى أَوْ أَنْ فَجُعِلَ حَالِفًا بِهَا لِلْحَالِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} ثُمَّ قَالَ {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} فَسَمَّاهُ يَمِينًا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا الِاسْمَ فَدَلَّ أَنَّ الشَّهَادَةَ يَمِينٌ وَأَنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا إذَا قَالَ بِاَللَّهِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ وَبِغَيْرِهِ وَيَحْتَمِلُ الْوَعْدَ وَلَنَا مَا بَيَّنَّا وَلِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْمَعْهُودُ الْمَشْرُوعُ وَبِغَيْرِهِ مَحْظُورٌ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْأَوَّلِ بِلَا نِيَّةٍ فِي الصَّحِيحِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ كَانَ وَعْدًا لَكَانَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ أَيْضًا وَعْدًا
وَلَوْ قَالَ سوكندمي خورم بخدي يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ لِلْحَالِ
وَلَوْ قَالَ سوكند خورم قِيلَ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ وَعْدٌ
وَلَوْ قَالَ سوكند خورم بِطَلَاقِ زنم لَا يَكُونُ يَمِينًا لِعَدَمِ التَّعَارُفِ وَإِنَّمَا كَانَ حَالِفًا بِقَوْلِهِ لَعَمْرُ اللَّهِ وَأَيْمُ اللَّهِ وَعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ وَعَلَيَّ نَذْرٌ وَنَذْرُ اللَّهِ لِأَنَّ عَمْرَ اللَّهِ بَقَاؤُهُ فَكَانَ صِفَةً لَهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَلِفَ بِالصِّفَاتِ وَأَيْمٌ أَصْلُهُ أَيْمُنٌ وَهُوَ جَمْعُ يَمِينٍ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَحَذْفُ الْهَمْزَةِ فِي الْوَصْلِ تَخْفِيفٌ
وَكَذَا حَذَفُوا النُّونَ تَخْفِيفًا فَقَالُوا أَيْمُ اللَّهِ وَإِيمُ اللَّهِ بِالْكَسْرِ أَيْضًا وَرُبَّمَا حَذَفُوا الْيَاءَ أَيْضًا فَقَالُوا أَمُّ اللَّهِ وَرُبَّمَا أَبْقَوْا الْمِيمَ وَحْدَهَا مَضْمُومَةً وَمَكْسُورَةً فَقَالُوا مُ اللَّهِ وَرُبَّمَا قَالُوا مُنُ اللَّهِ وَمَنُ اللَّهِ وَمُنْ اللَّهِ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ لَيْسَتْ جَمْعًا وَالْهَمْزَةُ لِلْوَصْلِ وَالْجَمْعُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَفَّفَ حَتَّى يَبْقَى عَلَى حَرْفٍ وَاخْتَارَ الزَّجَّاجُ وَابْنُ كَيْسَانَ قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَا إنَّمَا خُفِّفَتْ هَمْزَتُهَا وَطُرِحَتْ فِي الْوَصْلِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ وَالْمُفْرَدُ لَا يَأْتِي عَلَى أَفْعُلٍ وَقَلَّ آنُكُ وَأَسْنِمَةٌ وَأَنْمُلَةٌ لُغَيَّةٌ وَالْعَهْدُ يَمِينٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} ثُمَّ قَالَ {وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} وَالْمِيثَاقُ بِمَعْنَى الْعَهْدِ
وَكَذَا الذِّمَّةُ وَلِهَذَا سُمِّيَ الْمُعَاهَدُ ذِمِّيًّا وَالنَّذْرُ إذَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمِّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ
إمَّا أَنْ يَكُونَ النَّذْرُ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ
إمَّا أَنْ يُسَمِّيَ شَيْئًا أَوْ لَا فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُعَلَّقِ تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لَكِنْ فِي الْمُطْلَقِ تَجِبُ لِلْحَالِ وَفِي الْمُعَلَّقِ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وَإِنْ سَمَّى شَيْئًا فَفِي الْمُطْلَقِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ
وَكَذَا فِي الْمُعَلَّقِ إنْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ يُرَادُ كَوْنُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُرَادُ كَوْنُهُ قِيلَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ
وَقِيلَ يُجْزِيهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ أَوْفَى بِالْمَنْذُورِ وَهُوَ الصَّحِيحُ رَجَعَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ
وَقِيلَ بِسَبْعَةٍ وَكَذَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ يَمِينٌ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ عَلَيَّ مُوجِبُ الْيَمِينِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ قَوْلُهُ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ يَمِينًا لِأَنَّ حُرْمَةَ الْكُفْرِ كَحُرْمَةِ هَتْكِ الِاسْمِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُهُ عَقْلًا فَإِذَا جَعَلَهُ عَلَمًا عَلَى الْكُفْرِ فَقَدْ اعْتَقَدَهُ وَاجِبَ الِامْتِنَاعِ وَقَدْ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ بِغَيْرِهِ بِجَعْلِهِ يَمِينًا كَمَا يَقُولُ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَإِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لِشَيْءٍ قَدْ فَعَلَهُ فِي الْمَاضِي فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَكَذَا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ يُكَفِّرُ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْكُفْرَ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ وَالتَّعْلِيقُ بِالْمَوْجُودِ تَنْجِيزٌ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ هُوَ كَافِرٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ اعْتِبَارًا لِلْمَاضِي بِالْمُسْتَقْبَلِ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّهُ يَمِينٌ لَا يُكَفِّرُ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ عِنْدَهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ بِالْحَلِفِ فِي الْغَمُوسِ أَوْ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يُكَفِّرُ فِيهِمَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ فَقَدْ رَضِيَ بِالْكُفْرِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْمَعْصِيَةِ بِالشَّرْطِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ شَارِبُ خَمْرٍ وَنَحْوُهُ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ حَلَفَ بِالتَّهَوُّدِ فَهُوَ يَمِينٌ وَلِأَنَّ حُرْمَتَهُ كَحُرْمَةِ هَتْكِ الِاسْمِ إذْ لَا يَحْتَمِلُ التَّبْدِيلَ عَلَى مَا بَيَّنَّا
بِخِلَافِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّبْدِيلَ عَقْلًا فَلَا يَكُونُ كَالْكُفْرِ فِي الْحُرْمَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
{فَرْعٌ} رَجُلٌ قَالَ وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَفَعَلَ فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ يَلْزَمُهُ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ وَيَتَعَدَّدُ الْيَمِينُ بِتَعَدُّدِ الِاسْمِ إذَا لَمْ يَجْعَلْ الثَّانِيَ نَعْتًا لِلْأَوَّلِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ لِأَنَّ الْوَاوَ بَيْنَ الِاسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَبَيْنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَاوُ الْقَسَمِ لَا وَاوُ الْعَطْفِ فَلَمْ يَتَّصِلْ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ وَلَا الثَّانِي بِالثَّالِثِ وَإِذَا ذَكَرَ الْخَبَرَ عَقِيبَ الثَّالِثِ اقْتَصَرَ الْخَبَرُ عَلَى الثَّالِثِ وَكَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَةً وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ
وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَفَعَلَ يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ فِي قَوْلِهِمْ
وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا تَعَدَّدَ الْيَمِينُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ فِي الِاسْمِ الْوَاحِدِ لَا تَتَعَدَّدُ الْيَمِينُ وَيُحْمَلُ الثَّانِي عَلَى التَّأْكِيدِ وَالتَّكْرَارُ
وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا مَرَّةً يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ
وَكَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك ثُمَّ
قَالَ فِي مَجْلِسِهِ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك فَقَرِبَهَا مَرَّةً يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ أَنَّهُ قَالَ إذَا قَالَ الرَّجُلُ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا فَكَلَّمَهُ مَرَّةً إنْ نَوَى بِالثَّانِي التَّكْرَارَ وَالتَّأْكِيدَ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ الِاسْمَ الثَّانِيَ نَعْتًا لِلْأَوَّلِ فَكَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَةً كَمَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ الْعَزِيزِ لَا أَفْعَلُ كَذَا
وَلَوْ قَالَ بِاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَسَكَّنَ الْهَاءَ أَوْ نَصَبَهَا أَوْ رَفَعَهَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِحَرْفِ الْقَسَمِ وَالْخَطَأُ فِي الْإِعْرَابِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْيَمِينِ
وَلَوْ قَالَ اللَّهَ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَسَكَّنَ الْهَاءَ أَوْ نَصَبَهَا لَا يَكُونُ يَمِينًا لِانْعِدَامِ حَرْفِ الْقَسَمِ إلَّا أَنْ يُعَرِّبَهَا بِالْكَسْرِ فَيَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ الْكَسْرَ يَقْتَضِي سَبْقَ حَرْفِ الْخَافِضِ وَهُوَ حَرْفُ الْقَسَمِ. اهـ. قَاضِي خَانْ
(قَوْلُهُ وَإِنْ حَلَفَ بِصِفَاتِ الْفِعْلِ لَا يَكُونُ يَمِينًا) وَالْمُرَادُ بِالِاسْمِ هَاهُنَا لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِصِفَةٍ كَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ وَبِالصِّفَةِ الْمَصَادِرُ الَّتِي تَحْصُلُ عَنْ وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَسْمَاءِ فَاعِلِهَا كَالرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ وَالْعِزَّةِ اهـ قَوْلُهُ سُوكِنْدِمِي) الْيَمِينُ
(قَوْلُهُ خورم) أَحْلِفُ
(قَوْلُهُ بخدي) بِاَللَّهِ تَعَالَى
(قَوْلُهُ وَأَنْمُلَةٌ) قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْأُنْمُلَةُ بِالْفَتْحِ وَاحِدَةُ الْأَنَامِلِ وَهِيَ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ اهـ
وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْأُنْمُلَةُ الْعُقْدَةُ مِنْ الْأَصَابِعِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ الْأَنَامِلُ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ قَالَ وَعَلَيْهِ قَوْلُ الْأَزْهَرِيُّ الْأُنْمُلَةُ الْمَفْصِلُ الَّذِي فِيهِ الظُّفْرُ وَهِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحُ الْمِيمِ أَكْثَرُ مِنْ ضَمِّهَا وَابْنُ قُتَيْبَةَ يَجْعَلُ الضَّمَّ مِنْ لَحْنِ الْعَوَامّ اهـ
وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ السَّنَامُ وَاحِدُ أَسْنِمَةِ الْإِبِلِ وَأَسْنِمَةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ النُّونِ أَكِمَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِقُرْبِ طِخْفَةَ اهـ.
وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ الْآنُكُ الْأُسْرُبُّ وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ اسْتَمَعَ إلَى قَيْنَةٍ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ» وَأَفْعُلٌ مِنْ أَبْنِيَةِ الْجَمْعِ وَلَمْ يَجِئْ عَلَيْهِ الْوَاحِدُ إلَّا الْآنُكُ وَأَشُدَّ اهـ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا فِي بَابِ الدَّالِ وقَوْله تَعَالَى {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أَيْ قُوَّتَهُ وَهُوَ مَا بَيْنَ ثَمَانِي عَشْرَةَ إلَى ثَلَاثِينَ وَهُوَ وَاحِدٌ جَاءَ عَلَى بِنَاءِ الْجَمْعِ مِثْلُ آنُكِ وَهُوَ الْأُسْرُبُّ وَلَا نَظِيرَ لَهُمَا وَيُقَالُ هُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ مِثْلُ آسَالٍ وَأَبَابِيلَ وَعَبَادِيدَ وَمَذَاكِيرَ وَكَانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ وَاحِدُهُ شِدَّةٌ وَهُوَ حَسَنٌ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يُقَالُ بَلَغَ الْغُلَامُ شِدَّتَهُ وَلَا تُجْمَعُ فَعِلَةٌ عَلَى أَفْعُلٍ
وَأَمَّا أَنْعُمٍ فَهُوَ جَمْعُ نَعَمٍ مِنْ قَوْلِهِمْ يَوْمٌ بُؤْسٌ وَيَوْمٌ نَعَمٌ اهـ قَوْلُهُ وَأَشَدُّ أَصْلُهُ أَشْدُدٌ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الدَّالِ الْأُولَى إلَى مَا قَبْلَهَا ثُمَّ أُدْغِمَ. اهـ.
(قَوْلُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ النَّذْرُ مُطْلَقًا) كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ نَذْرُ اللَّهِ عَلَيَّ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ صَوْمُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَهَذَا كُلُّهُ مُطْلَقٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَرْطٍ لَمْ يَقُلْ إذَا جَاءَ فُلَانٌ وَنَحْوُهُ اهـ
(قَوْلُهُ إمَّا أَنْ يُسَمِّي شَيْئًا) كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ حَجٌّ اهـ
قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقٌ فَهُوَ عَلَى رَقَبَةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى
وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ صَوْمٌ فَعَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمٍ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهِ شَرْعًا وَأَدْنَى مَا يَجِبُ بِالْأَمْرِ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي لَوْ قَالَ عَلَيَّ صِيَامٌ يَلْزَمُهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ}. اهـ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا فِي الْمُعَلَّقِ) إنْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ يُرَادُ كَوْنُهُ كَالشِّفَاءِ مِنْ الْمَرَضِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُرَادُ كَوْنُهُ) كَشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ كَلَامِ زَيْدٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ يُكَفِّرُ)
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي فَصْلِ النُّذُورِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ مَا نَصُّهُ أَلَا تَرَى مَا ذُكِرَ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ إذَا أَضَافَ النَّذْرَ إلَى سَائِرِ الْمَعَاصِي وَعَنَى بِهِ الْيَمِينَ بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقْتُلَ فُلَانًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يَمِينًا وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ اهـ
( قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ) اعْتِبَارًا لِلْمَاضِي بِالْمُسْتَقْبِلِ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ
وَلَوْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ إنْ فَعَلَ كَذَا عِنْدَنَا يَكُونُ يَمِينًا وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ هَلْ يَصِيرُ كَافِرًا فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ حَلَفَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَعَلَّقَ الْكُفْرَ بِأَمْرٍ مَاضٍ وَقَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ لَوْ كَانَ فَعَلَ كَذَا وَقَدْ كَانَ فَعَلَ وَهُوَ عَالِمٌ وَقْتَ الْيَمِينِ أَنَّهُ كَاذِبٌ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَصِيرُ كَافِرًا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَاضِي يُتَنَجَّزُ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُكَفِّرُ وَلَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا غَمُوسٌ وَإِنْ حَلَفَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُكَفِّرُ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ
وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ إنْ كَانَ فِي اعْتِقَادِ الْحَالِفِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمَاضِي يَصِيرُ كَافِرًا فِي الْحَالِ فَيَصِيرُ كَافِرًا وَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَفِي اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ يَصِيرُ كَافِرًا فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ يَصِيرُ كَافِرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِهِ ذَلِكَ لَا يَكْفُرُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ فِي الْمَاضِي. اهـ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.